تذليل العقبات بإعراب الورقات - الصفحة 2
صفحة 2 من 9 الأولىالأولى 123456789 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 163
14اعجابات

الموضوع: تذليل العقبات بإعراب الورقات

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال المصنف - رحمه الله تعالى - :
    " فَالْوَاجِبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
    وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
    وَالْمُبَاحُ: مَا لَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
    وَالْمَحْظُورُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.
    وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.
    وَالصَّحِيحُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ، وَيُعْتَدُّ بِهِ.
    وَالْبَاطِلُ: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ."


    ______________________________ ____


    (فالواجب):
    الفاء فاء الفصيحة، (الواجب) مبتدأ
    (ما): إما أن تكون:
    - نكرة موصوفة بمعنى شئ، أيْ: شئ من قول أو فعل أو نية أو عزم أو اعتقاد أو غير ذلك؛ ضرورةَ تناول الواجب جميع ذلك.
    - أو معرفة موصولة بمعنى الذى أى الفعل الشامل لجميع ما سبق من قول أو فعل أو نية الخ قال ابن قاسم: "وهو أنسب بقوله الآتى: (على فعله)"[1].
    - وعلى كل فهى اسم مبنى على السكون فى محل رفع خبر
    (يثاب): فعل مضارع مبنى للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ونائب الفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على المكلف المفهوم من الكلام، والجملة من الفعل ونائب الفاعل وما تعلق بهما فى محل رفع صفة لـ (ما) إن جعلتها نكرة موصوفة، أو لا محل لها من الإعراب صلة الموصول (ما) إن جعلتها اسما موصولا.
    (على): حرف جر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب.
    (فعله): (فعل) اسم مجرور بـ (على) وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بـ (يثاب)، و(فعل) مضاف و(الهاء) ضمير مبنى على الكسر فى محل جر مضاف إليه.
    (و): حرف عطف
    (يعاقب على تركه): مثل (يثاب على فعله) وهى معطوفة عليها ولذا فهى إما فى محل رفع أو لا محل لها.
    (والمندوب): أصله (المندوب إليه) ثم تُوُسِّعَ بحذف حرف الجر (إلى) فاستكن الضمير (الهاء)[2]، وفى المصباح المنير: "والأصل (المندوب إليه) لكن حذفت الصلة منه لفهم المعنى"[3].
    وقوله: "والمندوب ... إلى قوله: والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به." إعرابه كله مثل إعراب (الواجب ما يثاب الخ) غير أن فى بعضها زيادة (لا) النافية، وقوله: "يَتَعَلَّقُ" فعل مضارع مبنى للفاعل وليس للمجهول كالباقى.
    ______________________________ _
    [1] الشرح الكبير لابن قاسم العبادي: 44.
    [2] انظر الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 53، وحاشية الدمياطى على شرح المحلى على الورقات/ 4 / ط. المطبعة الميمنية، ونهاية السول فى شرح منهاج الأصول للإسنوى 1/ 77 ت. محمد بخيت المطيعى ط. عالم الكتب، وأصول الفقه للعلامة محمد أبو النور زهير 1/ 50 ط. المكتبة الأزهرية
    [3] المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير 2/ 597 ت. عبد العظيم الشناوى ط. دار المعارف، والتحبير شرح التحرير لعلاء الدين المرداوى 2/ 978 ت. عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين ط. مكتبة الرشد بالرياض

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    [قال صاحبي]

    قال صاحبي: أين نائب الفاعل فى قوله: "يُعْتَدُّ بِهِ".
    قلت: أجب أنت
    قال: (بِهِ)
    قلت: تعنى أن النائب عن الفاعل هو الجار والمجرور معا فيكونان فى موضع رفع.
    قال: نعم، هو ذا.
    قلت: لم يذهب أحدإلى هذا.
    قال: بل ذهب إليه بعضهم.
    فصمتُّ ونظرتُ إليه متشوفًا متشوقًا.
    قال: أمَا وقد نظرتَ إلىَّ مُشْرَئِبًّا فاعلم أن فحول العلماء قد ذهبوا إليه منهم ابن مالك فى التسهيل[1] وابن هشام فى القطر حيث قال:"فإن لم يكن فى الكلام مفعول به ناب الظرف، أو الجار والمجرور، أو المصدر الخ"[2]، وفى الشذور حيث قال فى قوله تعالى:{وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] :"{يُؤْخَذْ} فعل مضارع مبنى لما لم يُسَمَّ فاعله وهو خالٍ من ضمير مستتر فيه، و{مِنْهَا} جار ومجرور فى موضع رفع: أى لا يكن أخذٌ منها ولو قُدِّر ما هو المتبادر من أن فى يؤخذ ضميرا مستترا هو القائم مقام الفاعل، و{مِنْهَا} فى موضع نصب لم يستقم..."[3].
    قلت: فلماذا تنقل شيئا وتترك آخر؟
    قال: وما ذاك ؟
    قلت: نقلت ما نقلت عن ابن هشام فى شرح القطر وغفلت أو تغافلت عن قوله فى المتن:"فإن لم يوجد (أى المفعول به) فما اخْتَصَّ وتصرف من ظرفٍ أو مجرور أو مصدر"[4]، فصريح كلامه أن النائب هو المجرور وحده وِفاقا للجمهور؛ ولهذا قال الفاكهى:"ظاهر كلامه أن النائب هو المجرور فقط"[5].
    وأما فى الشذور فقال فى المتن:"وإن فُقِد (أى المفعول به) فالمصدر نحو...أو الظرف نحو... أو المجرور نحو:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ومنه:{لَا يُؤْخَذ مِنْهَا}"[6]، ثم قال فى الشرح:"والمجرور كقوله تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]"[7].
    وأما ابن مالك فقال فى متن التسهيل:"فينوب عنه جاريا مجراه فى كل ما له: مفعول به، أو جار ومجرور، أومصدر الخ"[8].فاعتذر عنه ناظر الجيش قائلا:"الحق أن النائب عن الفاعل فى نحو: (مُرَّ بِزَيْدٍ) إنما هو المجرور، والحرف وصَّل معنى الفعل الذى هو المرور إليه، كما تقول فى نحو: (مررت بزيد) أن الذى فى محل النصب إنما هو المجرور والباء موصلة العامل إليه، ولكن المصنف تجوز فجعل النيابة للجار والمجرور معا، ولا شك أنهما فى الصورة هما القائمان مقام الفاعل فكان ذلك هو الحامل له على التجوز، وليس هذا الأمر مما يخفى على أضعف الناظرين فى كلام النحاة فما ظنك بالمصنف صاحب النظر العالى رحمه الله تعالى"[9].
    قال: فنائب الفاعل هنا ضمير مستتر.
    قلت: فما تقديره
    قال: هو
    قلت: على أى شئ يعود
    فصمتَ ثم قال: لا أدرى.
    قلت: ذهب ابن دُرُستويه والسهيلى وتلميذه أبو على الرُّندى إلى أن النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل[10] والتقدير: (يُعْتَدُّ هُوَ) أى الاعتداد، وهذا المذهب مردود بأن العرب تصرح فى مثل هذا المثال بالمصدر المنصوب نحو: (سِيرَ بزيدٍ سَيْرًا) و(يُعْتَدُّ بالخلاف اعْتِدَادًا) فلو كان النائب هو الضمير العائد على المصدر المفهوم من الفعل لجعلوا المصدر نائبا فى حالة تصريحهم به فكانوا يقولون: (سِيرَ بزيْدٍ سَيْرٌ) و(يُعْتَدُّ بِالْخِلَافِ اعْتِدَادٌ) ولكنهم لم يفعلوا فدلَّ على أنهم لا يجعلون المصدر وبالتالى الضمير العائد عليه نائبا.
    قال: فما تقول أنت ؟
    قلت: أقول بقول الجمهور
    قال: وما هو ؟
    قلت: قالوا: النائب عن الفاعل هنا المجرورُ وحده.
    قال: قد أكثرت علىَّ فلخص لى ما سبق.
    قلت: قول المصنف: "يُعْتَدُّ بِهِ" (يُعْتَدُّ) فعل مضارع مبنى للمجهول ونائب الفاعل فيه مذاهب:
    - مذهب الجمهور أنه المجرور وحده (الهاء فى قوله : "بِهِ")
    - مذهب الفراء أنه حرف الجر وحده
    - مذهب السهيلى ومن معه أن النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل

    ______________________________ ____
    [1] شرح التسهيل لابن مالك 2/ 126 ت. عبد الرحمن السيد ومحمد بدوى المختون ط. هجر
    [2] شرح قطر الندى لابن هشام 189- 190 ت. محمد محى الدين عبد الحميد ط. المكتبة التجارية
    [3] شرح شذور الذهب لابن هشام 194 ت. محمد محى الدين عبد الحميد ط. دار الطلائع.
    [4] شرح قطر الندى 187.
    [5] مجيب الندا إلى قطر الندى للفاكهى بهامش حاشية يس 2/ 80 ط. المطبعة الوهبية بمصر
    [6] شرح شذور الذهب 190- 191.
    [7] شرح شذور الذهب 194.
    [8] شرح التسهيل لابن مالك 2/ 124.
    [9] تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد لناظر الجيش 4/ 1620 ت. على محمد فاخر وآخرون ط. دار السلام.
    [10] انظر همع الهوامع للسيوطى 2/268 ت. عبد العال سالم مَكرَم ط. مؤسسة الرسالة، والتصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهرى 1/422- 423 ت. محمد باسل عيون السود ط. دار الكتب العلمية

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال صاحبي

    قال: أليست الأحكام خمسة ؟
    قلت: الأحكام التكليفية خمسة هي: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه.
    قال: فلم زاد الصحيح والباطل؟
    قلت: الصحيح والباطل من الأحكام الوضعية ومنها: كون الشئ سببا فى كذا أو شرطا له أو مانعا منه.
    قال: أأأ، ثم حُصِرَ فلم يستطع التكلم، وكأنه أراد أن يسأل سؤالا عن قول المصنف:"الأحكام سبعة" ثم لم يحسن التعبير عنه.
    فقلت: المصنف أراد الأحكام الشرعية وهى تشمل التكليفية والوضعية، وقال بعضهم: الأحكام تسعة فزاد الرخصة والعزيمة، ولكن المصنف لم يتعرض لهما لأنهما مندرجتان فيما سبق: فالرخصة[1] قد تكون من قسم الواجب مثل: أكل الميتة فى المخمصة[2]، وفد تكون من قسم المندوب مثل: قصر الصلاة الرباعية فى السفر، وقد تكون من قسم المباح: كالمسح على الخفين. وأما العزيمة (وهى الحكم الذى شُرِعَ ابتداءًا) فتتنوع إلى أنواع الحكم التكليفى: من وجوب وندب وحظر وكراهة وإباحة، ولا تطلق عند المحققين إلا إذا قابلتها رخصة؛ فلهذا لم يتعرض لهما فى هذا الكتاب[3].
    قال: فالأحكام على كل حال أكثر من سبعة وقد ذكرت أنت السبب والشرط والمانع فلماذا تركها المصنف.
    قلت: لعله تركها تخفيفا على المبتدئ فإنه يمكنه أن يتصور حقيقة الواجب والمندوب إلى آخر الأحكام السبعة ولكن ربما شق عليه تصورُ ما تركه من السبب والشرط والمانع.
    قال: ربما، ولكن هل يشق عليه ما ذكرتَ ويسهل عليه تصور القياس والاستصحاب والنص والظاهر والمؤول الخ
    قلت: هذه أبواب يتكون من مجموعها أصول الفقه فلو تركها لترك هذا الفن جملة، وأى شئ يكتبه فى هذا الفن إذا ترك ما ذكرتَ ! أما ما تركه من الأحكام فالظاهر أنه اقتصر على جملة من الأحكام بحيث إذا تصورها المبتدئ استطاع أن يتدرج إلى ما فوقها وسهلت عليه لأنها من جنس ما ذكره، أما لو ترك مباحث الألفاظ أو القياس أو الاستصحاب فكيف يترقى الطالب لهذا العلم فى هذه الأبواب؟ فلابد إذن من ذكر جملة صالحة من هذه الأبواب يتعرف بها الطالب على ما فى هذه الأبواب من حيث الجملة فيعرف أسماءها ومعناها وشيئا مما يخصها، فإذا فعل ذلك وأراد الترقى بعد ذلك تمكن من استكمال ما فاته من هذه الأبواب حتى يصل إلى دقائقها.
    قال: فلم آثر هذه السبعة ؟
    قلت: آثرها لشهرتها.
    قال: ربما.
    قلت: ويمكن أيضا تأويل كلامه بأن مراده أن هذه السبعة من جملة الأحكام، لكن قال ابن قاسم: "ثم رأيت كلامه فى البرهان ظاهرا فى منافاة هذا التأويل دالا على إرادة الحصر فى هذه السبعة؛ لأنه قال ما نصه: (فإن قيل: فما الفقه ؟ قلنا هو فى اصطلاح علماء الشريعة: العلم بأحكام التكاليف[4]) انتهى"[5].
    قال: هل كلام إمام الحرمين يدل على إرادة الحصر فى هذه السبعة كما قال ابن قاسم العبادي؟
    قلت: الله أعلم.
    قال: لا يظهر لى ذلك.
    قلت: ولِمَ ؟
    قال: لأنه لم يذكر فى (البرهان) إلا الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور.
    قلت: إذا كان كلامُك صحيحا فمعناه أنه (أي إمام الحرمين) يرى أن الأحكام الوضعية ترجع إلى الأحكام التكليفية.
    قال: نعم، أظن ذلك.

    ____________________

    [1] الرخصة فى اللغة التيسير والتسهيل، واصطلاحا: الحكم الثابت بدليل، على خلاف دليل آخر، لعذر.
    [2] للشيخ محمد بخيت المطيعى إفادات حسنة جدا فى هذا الأمر فاطلبه فى حاشيته المسماة (سلم الوصول لشرح نهاية السول) أى نهاية السول للإسنوى شرح منهاج الوصول للبيضاوى 1/ 121.
    [3] قال الشيخ محمد أبو زهرة – فى باب الرخصة والعزيمة-: "هذا باب يتبع الحكم التكليفى لأن من مقتضاه أن ينتقل ما هو موضع النهى إلى مباح، أو ما هو مطلوب على وجه الحتم واللزوم إلى جائز الترك فى أمد معلوم، فهو باب بين الانتقال من حكم تكليفى إلى آخر". أصول الفقه/ أبو زهرة 50 ط. دار الفكر العربى.وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: "العزيمة والرخصة من أقسام الحكم التكليفى؛ لأن الأول اسم لما طلبه الشارع أو أباحه على وجه العموم، والرخصة: اسم لما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفا عن المكلفين ودفعا للحرج عنهم، والطلب والإباحة من أقسام الحكم التكليفى، وذهب البعض إلى أن العزيمة والرخصة من أقسام الحكم الوضعى ... ولكن ما ذهب إليه الأولون هو الأظهر وهذا ما جرينا عليه" ا.هـ بتصرف الوجيز فى أصول الفقه/ د. عبد الكريم زيدان 50 ط. مؤسسة قرطبة.
    [4] هكذا فى الشرح الكبير 37، والذى فى البرهان 1/ 85: (التكليف) بالإفراد.
    [5] الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 37.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    فاستطردت قائلا: الأحكام الشرعية تنقسم إلى:
    - أحكام تكليفية وهى الخمسة السابقة: الإيجاب والندب الخ.
    - وأحكام وضعية والمراد بها: جعل الشئ سببا أو شرطا أو مانعا أو وصفُهُ بالصحة أو الفساد أو البطلان.
    قال فى قرة العين: "الأحكام الشرعية خمسة: هى الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم" فعلق عليه الشيخ السوسي فى حاشيته بقوله: "كان عليه أن يقول الأحكام التكليفية خمسة؛ لأن الأحكام الوضعية شرعية قطعا وهى زائدة على الخمسة هكذا ظهر لى أولا، ثم رأيت أن الحصر فى الخمسة صحيح ولا ترد الأحكام الوضعية؛ لرجوعها إليها بناءًا على رد خطاب الوضع إلى خطاب التكليف... كما هو طريقة[1] لبعضهم"[2].
    إذا عرفت هذا، فينبغى أن تعرف شيئا عن هذه الأحكام الوضعية
    قال: هات.
    قلت: اعلم أن:
    - السبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، مثل: دلوك الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر، ودخول رمضان سبب لوجوب الصيام، والسفر سبب لإباحة الفطر، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وغير ذلك.
    = فإن ظهرت مناسبة السبب لشرعية الحكم فهو (العلة والسبب) وبعضهم يقول: (العلة) فقط: كعقد البيع الدال على الرضا بنقل الملكية.
    = وإن لم تظهر مناسبته للحكم كدلوك الشمس لصلاة الظهر فهو (السبب) فقط.
    - والشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. مثل: الطهارة شرط لصحة الصلاة؛ فيلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة، لكن لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة أو عدمها أو صحتها؛ فقد تفسد الصلاة لفقد شرط آخر.
    - والمانع: ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه عدم ولا وجود لذاته. مثل: الأُبُوَّةُ مانعةٌ من القصاص فى القتل العمد إذا كان القاتل أبا للمقتول، وكالعِدَّةِ فإنها مانعة من صحة نكاح المرأة إذا وقع العقد أثناءها.
    - والصحيح: عرفه المصنف.
    - والباطل: عرفه المصنف أيضا.
    قال: فما معنى النفوذ والاعتداد ؟
    قلت: النفوذ: هو البلوغ إلى المقصود نحو: حِلّ الانتفاع فى البيع الصحيح، وحِلّ الاستمتاع فى النكاح الصحيح.
    و(يعتد به) أى: يُعْتَبَرُ شرعا بأن أتى بالشئ على الوجه المراد للشارع مستوفيا شروطه وأركانه خاليا عن الموانع، كقولك: هذه الصلاة صحيحة مُعْتَدٌّ بها شرعا.
    قال: فهل قولنا: (نافذ) و(معتد به) معناهما واحد ؟
    قلت: لا، فالنفوذ فى العقود والاعتداد فى العبادات، فمثلا يقال: هذه الصلاة مُعْتَدٌّ بها، ولا يقال: نافذة. ويقال: هذا العقد نافذ، ولا يقال: مُعْتَدٌّ به[3]، وقيل: هما بمعنى واحد[4].
    قال: أفهم من هذا أن الفعل إذا كان من العبادات وقيل فيه: صحيح مُعْتَدٌّ به، فالمراد أن المكلف لا يطالَب بأداء الفعل مرة أخرى، وإذا كان الفعل من المعاملات وقيل فيه: صحيح نافذ، فالمراد أنه تترتب عليه آثاره.
    قلت: نعم، هو ذا.
    قال: والباطل عكس ذلك.
    قلت: نعم.
    قال: ولكنى لا أفهم جيدا معنى قولهم:" تترتب عليه آثاره"، فما هى هذه الآثار؟
    قلت: أثر المعاملة: ما شُرِعَتْ له، فالبيع شُرِعَ لِنَقْلِ الملكية، فنَقْلُ الملكية أثره، والإجارة شرعت لاستيفاء المنفعة لأحد المتعاقدين واستحقاق الأجر للآخر، فهذا أثرها[5].
    وأما فى العبادات: فتترتب الآثار من ثواب الله – عز وجل – وسقوط الطلب بها بحيث لا يؤمر بالعبادة مرة أخرى، وتبرأ ذمته بفعلها، فالصلاة المكتملة بشروطها وأركانهاوواجبات ها صحيحة[6].
    __________________


    [1] فى المطبوعة: (طريقهم) وهو تصحيف والصواب ما أثبته.
    [2] حاشية الشيخ الهدة السوسي على قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين للحطاب المالكى 18 ط. المطبعة التونسية.
    [3] شرح نظم الورقات للعَمريطى لابن عثيمين 35 ط. دار ابن الجوزى
    [4] قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين بهامش حاشية السوسي 19 ط. المطبعة التونسية. وفيه أيضا أن " العقد فى الاصطلاح يوصف بالنفوذ والاعتداد، والعبادة توصف بالاعتداد فقط " فتأمل
    [5] أصول الفقه الإسلامى/ وهبة الزحيلى/ 104 / ط. دار الفكر
    [6] شرح الورقات للشيخ عبد الكريم الخضير 2/ 20، 3/2 من الشاملة بتصرف.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال صاحبي: فهل الباطل والفاسد معناهما واحد ؟
    قلت: الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) على أنهما مترادفان فيقولون: مبطلات الصلاة، ومفسدات الصوم، ونواقض الوضوء[1]، ولا يفرقون بينهما إلا فى مواضع قليلة[2].
    وأما الحنفية والهادوية ففرقوا بينهما فقالوا:
    - الباطل: ما لم يُشْرَعْ بأصله ولا بوصفه.
    مثاله فى المعاملات:
    = بيع الميتة بالدم فإنهما غير قابلين للبيع[3].
    = وبيع الملاقيح[4] وهى: الأجنة فى بطون الأمهات، فإن هذا البيع غير مشروع باعتبار أصله لفقدان ركن من أركانه هو (المعقود عليه)[5]، قال الإسنوى: "بيع الحمل وحده غير مشروع ألبتة وليس امتناعه لأمر عارض"[6]، وكذا من حيث الوصف؛ لأن انتفاء الذات مستلزم لانتفاء الصفات، ولأن من شرائط صحة العقد: القدرة على التسليم والقبض، وهى منتفية فيه[7].
    ومثال الباطل فى العبادات: صوم الحائض وصلاتها؛ فإن صومها وصلاتها غير مشروعين، ويوجبان الإثم[8].
    - الفاسد: ما شُرِعَ بأصله دون وصفه.
    مثاله فى المعاملات: بيع الدرهم بالدرهمين، فإن بيع الدراهم مشروع باعتبار ذاته ولكنه غير مشروع باعتبار ما اشتمل عليه من الوصف: وهو زيادة أحد العوضين على الآخر بلا مقابل.
    ومثال الفاسد فى العبادات: صوم يوم النحر، فإن الصوم مشروع باعتبار أصله، ولكنه غير مشروع باعتبار كونه يوم النحر.
    قال: فما معنى (أصله) و (وصفه)
    قلت: أأ
    فقاطعنى قبل أن أنطق بشئ قائلا: اختصر من فضلك.
    قلت: المراد من (الوصف): الشرائط، ومن (الأصل): الأركان[9].
    ______________________________ __________________
    [1] شرح نظم الورقات لابن عثيمين 38 بتصرف.
    [2] أشهر هذه المواضع موضعان:
    أحدهما- فى الحج
    والآخر- فى النكاح
    فراجعهما فى شرح نظم الورقات لابن عثيمين 38.
    وثمت مواضع أخرى ذكرها التاج السبكى فى رفع الحاجب 2/ 19 وما بعدها.
    [3] رفع الحاجب 2/ 19.
    [4] جمع (ملقوحة) من لُقِحَت الناقة – بالبناء للمجهول – إذا أحبلت بالولد.
    [5] أصول الفقه/ أبو النور زهير/ 1/ 63- 64.
    [6] نهاية السول فى شرح منهاج الأصول للإسنوى مع سلم الوصول للمطيعى 1/ 101 ط. عالم الكتب.
    [7] السراج الوهاج فى شرح المنهاج للجاربردى 1/ 117 ت. أكرم بن محمد اوزيقان ط. دار المعراج الدولية.
    [8] أصول الفقه/ أبو النور زهير/ 1/ 64.
    [9] السراج الوهاج 1/ 117.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال: بقيت مسألة هامة وهى قوله فى تعريف الواجب: "ويعاقب على تركه".فهذا معناه لزوم العقاب لكل من ترك واجبا ومن المعلوم أن هذا ليس بلازم، فيمكن أن يفعلَ العبدُ الكبيرةَ ويتركَ الواجبَ ثم يعفو الله عنه فلا يعاقبه.
    قلت: نعم، وهذه المسألة تسمى – عند أهل السنة والجماعة – (مسألة الوعد والوعيد) ومَفَادُها: أن الله إِنْ وَعَدَ لا يُخلف وعدَه، وإِنْ أوعد فقد يخلف وعيده من باب فضله وكرمه[1].
    قال: فكيف تُوَجِّهُ قولَه: "ويعاقب على تركه" ؟
    قلت: حاصل ما أجاب به الشراح عن ذلك أن المراد من قوله: "ويعاقب على تركه" أن يوجد العقاب فى الجملة، لا أن المراد: أن كل تارك يعاقب على تركه[2]، فيُكْتَفَى فى صدق العقاب على الترك وجودُهُ لواحد من العصاة مع العفو عن غيره، أو يقال: المراد بقوله: "ويعاقب على تركه" أى: يترتب العقاب على تركه كما عبر بذلك غير واحد وذلك لا ينافى العفو عنه[3].
    والأحسن فى التعريف أن يقال: (ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه)
    قال: ..
    فقاطعته أيضا قبل أن يتكلم قائلا له: بقيت مسائل أخرى ومناقشات يمكنك أن تطلبها من مظانها، فلا يمكن أن نذكر هنا كل شئ، وإلا لَمَا انتهينا مما نحن فيه.
    ____________________________


    [1] التحقيقات والتنقيحات السلفيات على متن الورقات/ مشهور حسن آل سلمان/ 53.
    [2] حاشية السوسي على قرة العين 20.
    [3] قرة العين فى شرح ورقات إمام الحرمين 20.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال المصنف رحمه الله:

    وَالْفِقْهُ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ.
    وَالْعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ.
    وَالْجَهْلُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ.
    ______________________________ ________

    ): الواو للاستئناف النحوى
    (الفقه): مبتدأ.
    والمراد به الفقه بالمعنى الاصطلاحى.
    (أخص): خبر، وفيه ضمير مستتر يعود على الفقه
    (من العلم): الجار والمجرور متعلق بـ (أخص)
    ): استئنافية، أو عاطفة
    (العلم): مبتدأ
    (معرفة): خبر، ومضاف
    (المعلوم): مضاف إليه
    (على): حرف جر مبني على السكون لامحل له من الإعراب
    (ما): يجوز كونها :
    = نكرة موصوفة أى: على وصف ووجه هو به.
    = أو معرفة موصولة بمعنى الذى أى: على الوجه والوصف الذى هو به .
    = وعلى كل فـ (ما) اسم مبنى على السكون فى محل جر بـ (على) والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من (المعلوم) أى معرفة المعلوم حالة كونه كائنا على ما هو به .
    (هو): مبتدأ
    (به): الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، والتقدير: ملتبس به أى: بذلك الوجه.
    (فى الواقع): الجار والمجرور متعلق بالمحذوف الذى تعلق به قوله: "به" السابق وتقدير الكلام: على الوجه الذى هو (أى ما من شأنه أن يعلم) ملتبس به (أى بذلك الوجه) فى الواقع .
    والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل جر صفة لـ (ما) إن جعلتها نكرة موصوفة، أو لا محل لها من الإعراب صلة لـ (ما) إن جعلتها معرفة موصولة.
    ): استئنافية أو عاطفة
    (الجهل): مبتدأ
    (تصور): خبر، ومضاف
    (الشئ): مضاف إليه
    (على خلاف): الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من (الشئ)؛ أي تصور الشيء حالة كونه كائنا على خلاف، و(خلاف) مضاف
    (ما): اسم مبنى على السكون فى محل جر مضاف إليه وهى إما نكرة موصوفة أو معرفة موصولة كما تقدم
    (هو به فى الواقع): إعرابه يعرف مما تقدم

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    [قال صاحبي]

    قال صاحبي: قد عَرَّفْتَ الاستئناف النحوى فيما سبق بأن معناه: وقوعه أول كلام بعد تقدم جملة مفيدة من غير ارتباطه بها لفظا.
    قلت: نعم
    قال: أرأيت وقوعه أول كلام من غير أن يتقدم عليه شئ؟
    فقلت له: أنى لكَ هذه الفصاحة ؟!
    قال: أَجِبْنِي.
    قلت: هذا شئ غير موجود فى كلام العرب، ولم يقع فى كلام أهل الأدب[1].
    قال: ذكرتَ أن الواو فى قوله: "والعلم معرفة المعلوم" استئنافية أو عاطفة.
    قلت: نعم.
    قال: فما الجامع بين المعطوفين إن جعلتها عاطفة؟
    قلت: الجامع بينهما البيان، أى: التعريف لبيان مفهوم الشئ.
    قال: لا يجوز أن تكون الواو هنا للعطف.
    قلت: ولِمَ ؟
    قال: لأن العطف من التوابع.
    قلت: وما ذاك ؟
    قال: أليس التابع هو: الاسم المشارك لما قبله فى إعرابه مطلقا، أو : كل ثانٍ بإعراب سابقه من جهة واحدة ؟
    قلت: بلى، وأى شئ فى هذا ؟
    قال: فيه عدم صدق التابع على ما هنا لعدم الإعراب فى كِلا المعطوفين.
    قلت: التعريف المذكور ليس لمطلق التوابع بل لتوابع الاسم، ولو سلمنا بأنه لمطلق التوابع فهو باعتبار الأصل الأغلب، وأجاب الشُّمُنِّى على هذا بأن المراد به التابع اللغوى لا الاصطلاحى الذى لا بد أن يكون لمتبوعه محل من الإعراب، أو أن إطلاق التابع عليه مجاز علاقته المشابهة.
    قال: فما فائدة العطف فيما لا محل له من الإعراب؟
    قلت: فائدته التشريك والجمع بين مضمونَىِ الجملتين فى التحقق بحسب نفس الأمر.
    قال: لا نسلم بذلك؛ فإن اجتماعهما واشتراكهما فى ذلك التحقق معلوم بدون الواو؛ لدلالة الجملتين على تحقق مضمونيهما فى الواقع فيجتمعان فيه قطعا.
    فسكتُّ.
    قال: كأنك لم تفهم شيئا، فلو شئتَ أن أوضحَه لك بمثال فعلتُ.
    قلت: قد شئتُ ذلك.
    قال: لو قلت: (زيد قائم وعمرو قاعد)لم تكن الواو فيه عاطفة لأنك قد علمت تحقق مضمونَيِ الجملتين فى الواقع أي:(قيام زيد وقعود عمرو) بدون العطف فكان الصواب أن الواو هنا ليست للعطف بل للاستئناف أو زائدة لتزيين اللفظ.
    قلت: كأنى بك تحسب أنك قد أتيتَ بالأَبْلَقِ العَقوقِ أو بَيْضِ الأنوق[2]، فاسمع جواب ما ذكرت.
    قال: هاتِ.
    قلت: ما ذكرتَه من دلالة الجملتين على تحقق مضمونيهما فى الواقع إنما هو بدلالة عقلية، وهى ربما لم تكن مقصودة، ولكن بالعطف تعين القصد إلى بيان الاجتماع بينهما.
    قال: ولِمَ تعين ذلك بالعطف ؟
    قلت: لأن العطف يدل على الجمع دلالة وضعية أى أنه موضوع لذلك، فبهذا تتقوى الدلالة العقلية التى ذكرتَها بالدلالة الوضعية للعطف، ويندفع أيضا توهم الإضراب عن الجملة الأولى بالثانية.
    ______________________________ ________
    [1] معرب الكافية 13.
    [2] الأبلق: الذَّكَرُ من الخيل، والعَقوق الأنثى الحَامِل؛ فلا يقال: الأبلق العقوق لأن الذَّكَرَ لا يكون حاملا، وهو مثل يضرب للشئ المحال، والعرب كانت تسمى الوفاء (الأبلق العقوق) لعزة وجوده، والأنوق: الرخمة وهى نوع من الطير تبيض فى أعالى الجبال فلا يوصل إلى بيضها، يضرب للشئ البعيد المنال. وزعموا أن رجلا أتى معاوية رضى الله عنه فقال له: زوجنى هندا (يعنى أم معاوية) فقال: لا أَرَبَ لها فى زوج، قال: فوَلِّني كذا، فأنشد معاوية:
    طلب الأبلق العقوق فلما *** لم يَجِدْه أراد بيض الأنوق
    يعنى: طلب أمرا محالا فلما أعجزه طلب أمرا بعيدا لا يناله.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال صاحبى: دع هذا وأخبرنى لِمَ كان الفقه أخص من العلم كما ذكر المصنف؟
    قلت: لأن الفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية فقط، بخلاف العلم فإنه يطلق على العلم بالفقه والنحو والحديث وغيرها فكان الفقه نوعا منها ولهذا يقال: (كل فقه علم) ولا يقال: (كل علم فقه)[1].
    قال: فقد عرَّف العِلْمَ هنا، لكن ذكر فى البرهان أنه لا يُحَدُّ نظرا لعسر حَدِّهِ وإنما يُعرف بالتقسيم والمثال[2].
    قلت: اختلف العلماء فى العلم هل له حَدٌّ أو لا؟ فالأكثرون على أن له حدا، وبعضهم ذهب إلى أنه لا يُحَدُّ، فجرى المصنف هنا على رأى الأكثرين؛ لأن تعريف الشئ يجعله أقرب للتصور فى النفس وهذا يناسب المبتدئ المقصود بهذا الكتاب فهو يريد أن يبين له بعض التعريفات التى تدور فى اصطلاح الأصوليين حتى يستطيع تصورها فإذا ما شب عن الطوق أمكنه أن يناقش المسألة بعد تصورها، أما لو تجاوز مرحلة البداية من غير أن يتصور بعض هذه المسائل ثم أراد أن يناقش مسألة العلم مثلا هل له حد أو لا؟ فإنه لا يدرى ما هو العلم بل يشعر به شعورا مبهما لا يكاد يصل إلى درجة التصور، فكيف يقال له: العلم لا يُحَدُّ؟ فكان المناسب هنا وهو يخاطب المبتدئ أن يجرى على رأى الأكثرين فى تعريفه لِمَا سبق وأما فى البرهان فإنه يجرى على ما وقع عليه اختياره لأنه لا يلاحظ هناك (فى البرهان) ما يلاحظه هنا (فى الورقات) وهو مخاطبة المبتدئ الذى يريد أن يقرب له بعض المصطلحات فتأمل.
    قال: فقد عرَّف العلم بأنه: "معرفة المعلوم على ما هو به فى الواقع" وهذا غير واضح معناه لى، فما هى المعرفة؟ وما هو المعلوم؟ وما قوله:"على ما هو به" ؟ وما هو (الواقع) ؟
    قلت: المراد بالمعرفة: الإدراك
    قال: وما الإدراك ؟
    قلت: هو: وصول النفْس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها.
    قال: لماذا توضح الشئ بما هو أعقد منه فى كل مرة
    قلت: ما ذكره الشيخ هنا يسمى مقدمة منطقية وما سيذكره بعدها من الحقيقة والمجاز وغيرهما من أبواب اللغة يسمى مقدمة لغوية فلا علينا لو تجاوزناهما سريعا فإنه لا يصلح التفصيل فيهما للمبتدئ
    قال: قد كان يمكن هذا لو فعلته أولا، أمَا وقد عرَّفت المعرفة بما هو أعقد منها وهو الإدراك ثم عرَّفت الإدراك بما سبق ثم تريد أن تتركنى هاهنا من غير أن تبين لى معنى هذا الكلام فلا
    قلت: فيكفيك توضيح ما سبق بمثال ثم نتجاوزه
    قال: حتى أرى.
    قلت: المراد من قوله:"العلم: معرفة المعلوم على ما هو به فى الواقع" أن تَعْرِفَ الشئ على حقيقته الصحيحة التى هو عليها فى الواقع وتتصوره على ما هو عليه، فلو تصورت الشئ على ما هو عليه فالذى حصَّلتَه يسمى علما، يعنى: إذا اعتقدت وعرفت أن صلاة الفجر مثلا ركعتان، فما تصورته علمٌ.
    واعلم أن ها هنا إشكالات كثيرة ومباحث طويلة أكثرها يتعلق بالمنطق فلا نطيل بذكرها.
    ______________________________ ___
    [1] الأنجم الزاهرات 97.
    [2] البرهان 1/ 115- 123. وقد ذكر ص119 تعريف العلم كما ذكره هنا ونسبه للقاضى أبى بكر الباقلانى ورده كما رد غيره.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    وأما الجهل فقد عرَّفه بقوله : "وَالْجَهْلُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ" كأن تعتقد أن صلاة الفجر ثلاث ركعات، وكأن تظن أن هذا الشخص رجلا وهو امرأة.
    قال: أسمع كثيرا قولهم: هذا جهل مُرَكَّبٌ فما معناه ؟
    قلت: قد كنت أنوى تركه لما سبق، أمَا وقد ذكرته فاعلم أن الجهل ينقسم إلى: بسيط ومركب، ولكن على تعريف المصنف يخرج الجهل البسيط، وأما المشهور فى هذا فهو أن الجهل ينقسم إلى قسمين:
    1- جهل بسيط: وهو عدم الإدراك بالكلية
    2- جهل مركب: وهو إدراك الشئ على خلاف ما هو عليه
    مثال ذلك: لو سَأَلْنَا رجلا: متى كانت غزوة بدر ؟
    فقال: لاأدرى
    فهذا جهل بسيط
    وسألنا آخر فقال: فى السنة العاشرة.
    فهذا جهل مركب؛ لأنه أدرك الشئ على خلاف ما هو عليه؛ إذ إنها كانت فى السنة الثانية للهجرة
    قال: فلماذا كان الأول بسيطا ؟
    قلت: لأنه جهلُ واحدٍ لا يعلم شيئا
    قال: ولماذا كان الآخر مركبا ؟
    قلت: لأنه جهل بالواقع وجهل بالحال، فهذا المتكلم جاهل بحاله يحسب أنه على علم وليس على علم فلهذا كان مركبا من جهلين: لا يدرى، ولا يدرى أنه لا يدرى.
    قال: وأيهما أقبح الجهل البسيط أم المركب ؟
    قلت: المركب لا شك أنه أقبح.
    قال: فهذا يذكرنى بقصة توما الحكيم
    قلت: وما هى ؟
    قال: يُذْكَرُ أن رجلا يُسَمَّى (توما) يزعم أنه حكيم يتعاطى الحكمة، لكنه يفتى بغير علم، من جملة ما يفتى به يقول: تصدقوا ببناتكم على مَنْ لم يتزوج يظن أن هذا خير، وفى هذا يقول الشاعر:
    ومَنْ نال العلوم بغير شيخ ** يَضِلُّ عن الصراط المستقيمِ
    وتلتبس العلومُ عليه حتى ** يكون أضلَّ من توما الحكيم
    تصدق بالبنات على رجال ** يريد بذاك جناتِ النعيم

    قلت: صدق الشاعر، ما كان أضل توما الحكيم.
    قال: وكان له حمارٌ قيل فيه:
    قال حمارُ الحكيمِ توما ** لو أنصفَ الدهرُ كنتُ أَرْكَبْ
    لأننى جاهل بسيط ** وصاحبى جاهلٌ مُرَكَّب

    (انظر شرح نظم الورقات لابن عثيمين 44- 45)
    قلت له: أحسنت
    قال: ما أحسن قول المصنف فى تعريف العلم: "معرفة" وفى تعريف الجهل: "تصور"؛ إذ الجهل ليس بمعرفة وإنما هو حصول شئ فى الذهن، والخطأ إنما هو فى حكم العقل فمثلا إذا رأى شبحا من بعيد فظنه إنسانا وحصل فى ذهنِهِ صورة إنسان وكان الواقع أنه فرس، فتلك الصورة التى حصلت فى ذهنه صورة إنسان وإدراك له، والخطأ ليس فيها إنما هو فى الحكم بأن هذه الصورة للشبح المرئى، فالصورة التى تصورها مطابقة (لذوي الصِّوَرِ) وعدم المطابقة فى أحكام العقل المقارنة لها. (انظر شرح الورقات لابن إمام الكاملية 99)
    قلت: ما شاء الله، أحسنت.

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ: مَا لَمْ يَقَعْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ: كَالْعِلْمِ الْوَاقِعِ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ؛ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ.
    وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُكْتَسَبُ: فَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَا لِ.
    ______________________________ ______

    (وَ): استئنافية أو عاطفة
    (الْعِلْمُ): مبتدأ
    (الضَّرُورِيُّ): صفة للعلم وصفة المرفوع مرفوعة.
    (مَا): معرفة تامة خاصة بمعنى (العلم) أى: الضروريُّ عِلْمٌ لم يقع الخ وهى اسم مبنى على السكون فى محل رفع خبر.
    (لَمْ): حرف نفى وجزم وقلب
    (يَقَعْ): فعل مضارع مجزوم بـ (لم) والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (ما) والجملة فى محل رفع نعت لـ (ما).
    (عَنْ نَظَرٍ): الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل (يقع) والتقدير: (ما لم يقع ناشئا عن نظر)
    (وَاسْتِدْلَالٍ) : معطوف على (نظر)
    (كَالْعِلْمِ): الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: (وذلك كائن كالعلم) فـ (ذلك) مبتدأ و(كائن) خبر وهو الذى تعلق به (كالعلم)
    (الْوَاقِعِ): نعت لـ (العلم) مجرور مثله.
    (بِإِحْدَى): الباء حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب و(إحدى) مجرور بالباء وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والظرف متعلق بمحذوف نعت لـ (العلم).
    ولا يجوز أن يكون (ظرفًا لغوًا) متعلقا بـ (العلم) فإنه يكون هو المعلوم فى هذه الحالة كما صرح بذلك ابن قاسم العبادي والشيخ الهدة السوسي1.
    ولم يشر أحد من الشراح إلى جواز كونه (ظرفا لغوا) متعلقا بـ (الواقع) والذى يظهر لى جوازه فتأمل والله أعلم.
    و(إحدى) مضاف.
    (الْحَوَاسِّ): مضاف إليه، وهى جمع (حاسَّة) بمعنى القوة الحساسة.
    (الْخَمْسِ): نعت للحواس.
    (الظَّاهِرَةِ): نعت ثان للحواس.
    _________________________
    1- الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 86، وحاشية السوسي على قرة العين للحطاب 31.

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    (وَ): الواو للاستئناف البيانى فكأن قائلا قال له: وما الحواس الخمس الظاهرة فقال: وهى السمع الخ
    (هِيَ): مبتدأ، ضمير مبنى على الفتح فى محل رفع
    (السَّمْعُ): وما عطف عليه خبر
    (وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ):كل واحد منها معطوف على (السمع) والمعطوف على المرفوع مرفوع.
    (أَوْ): حرف عطف
    (بِالتَّوَاتُرِ): الجار والمجرور معطوف على (بإحدى) من قوله: "كالعلم الواقع بإحدى الحواس"
    (وَ): عاطفة
    (أَمَّا): حرف تفصيل وتوكيد فيه معنى الشرط، لكنه لم يُرِدْ به هنا شيئا من ذلك بل هو حرف زائد.
    (الْعِلْمُ): مبتدأ
    (الْمُكْتَسَبُ): نعت لـ (العلم)
    (فَـ): واقعة فى جواب (أمَّا) وتسمى (فاء الجزاء)
    (هُوَ): مبتدأ
    (الْمَوْقُوفُ): خبر، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل رفع خبر (العلم)
    (عَلَى النَّظَرِ): الجار والمجرور متعلق بـ (الموقوف)
    (وَالِاسْتِدْلَ لِ): معطوف على (النظر)

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    فَـ): واقعة فى جواب (أمَّا) وتسمى (فاء الجزاء)(هُوَ): مبتدأ(الْمَوْقُوفُ): خبر، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل رفع خبر (العلم)
    لعل الأولى هنا أن نقول: الخبر محذوف للعلم به والتقدير: (وأما العلم المكتسب فنقول هو الموقوف ... الخ) (فالقول) المحذوف هو الخبر، وجملة (هو الموقوف ... الخ) في محل نصب مقول القول، وذلك لأن حذف القول من الكلام كثير مطردوالله أعلمالمعنى: العلم الحادث وهو علم المخلوق ينقسم إلى قسمين: علم ضروري وعلم مكتسب: فالعلم الضروري: ما لايمكن للإنسان دفعه عن نفسه ولا يمكنه إنكاره: كالعلم الحاصل بالسمع أو البصر وباقى الحواس الخمس الظاهرة مثال ذلك: = أن تكون مضطرا إلى التصديق بأن الذى أمامك فلان من الناس= ومنه أن تسمع صوت صهيل فرس فتعلم أنه صوته = أو تمس جسما فتعلم أنه ناعم أو خشن= أو تشم رائحة فتعلم أنها طيبة أو كريهة = أو تذوق طعاما فتعلم أنه حلو أو حامض وهكذا. ومن أمثلة العلم الضرورى: العلم المستفاد بالتواتر بمعنى إخبار جماعة كبيرة من الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب وذلك مثل أن يعلم مَنْ لم يذهب إلى مصر أن هناك بلدا تسمى مصر وإن لم يرها. ومن العلوم الضرورية العلم الحاصل ببديهة العقل : كالعلم بأن الكل أعظم من الجزء وأن النفى والإثبات لا يجتمعان.وأما العلم المكتسب ويسمى (النظرى) أيضا: فهو الذى يحتاج إلى نظر وتأمل وإقامة دليل وذلك مثل: معرفة كثير من أحكام الفقه نحو: المذى نجس، وطواف الوداع واجب وغير ذلك. ومثل: الرياضيات والكيمياء والطب وغيرها من العلوم فمثلا معرفة أن مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة هذه حقيقة صحيحة لكنها غير معلومة لكل الناس ولا تحصل بالاضطرار بل لابد لمعرفتها إلى شئ من النظر.

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو معاذ إبراهيم الشناوي مشاهدة المشاركة
    لعل الأولى هنا أن نقول: الخبر محذوف للعلم به والتقدير: (وأما العلم المكتسب فنقول هو الموقوف ... الخ) (فالقول) المحذوف هو الخبر، وجملة (هو الموقوف ... الخ) في محل نصب مقول القول، وذلك لأن حذف القول من الكلام كثير مطردوالله أعلم
    سألني أحد الإخوة الكرام عن وجه الأولوية فيما سبق فلما أعدتُ النظر في هذا الاستدراك لم أجد وجها للأولوية المزعومة بل رأيتُ أن الأَوْلَى هو الإعراب الأول: وهو أن الجملة من المبتدإ والخبر في محل رفع خبر، وأما أن الخبر قولٌ محذوف والجملة مقول القول فهذا فيه تكلف في هذا الموضع ثم رجعت إلى ما كتبته في هذا الموضع وإلى سؤالات صاحبي فلم أجد هذا الاستدراك فيه بل محله في موضع آخر وذلك عند قوله :"فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان ...الخ". فالفاء في قوله :"فأقل" داخلة على قول محذوف كما صرح بذلك ابن قاسم العبادي في الشرح الكبير، ووجه ذلك أنك لو جعلت (أقسام الكلام) مبتدأ، و(أقل ما يتركب منه الكلام اسمان) خبر لم يكن شيئا فإن صورته هكذا: (أقسام الكلام أقل ما يتركب منه الكلام اسمان) فالخبر أجنبي عن المبتدإ فلهذا كان الخبرُ في هذا الموضع قولا محذوفا وجملة (أقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مقول القولفهذا موضع قد اشتبه عليَّ فأعربته أولا على الجادة ثم استدركته خطأً ثم كان هذا الاستدراك الثاني ناسخا للاستدراك الأول ومُثَبِّتٌ للإعراب الأول فلزم التنبيه على ذلك إبراءً للذمةوالله ولي التوفيق

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    [قال صاحبى]

    قال صاحبى: لماذا قلتَ: (السمعُ) وما عطف عليه خبر؟
    قلت: لأن المبتدأ (هي) مصدوقه جمع لأنه يعود على (الحواس الخمس) وهي جمع، و(السمع) مفرد ولابد من التطابق بين المبتدإ والخبر فلهذا قلت: السمع وما عطف عليه خبر
    قال: ذكرتَ: أن (ما) فى قوله: "ما لم يقع" معرفة تامة خاصة بمعنى (العِلْم).
    قلت: نعم.
    قال: ولم تذكر جواز كونها نكرة موصوفة فلعلك غفلت عن هذا
    قلت: لا، لم أغفل عنه لكنْ لا يصح أن تكون (ما) هنا نكرة موصوفة كما ذكرتَ.
    قال: ولِمَ ؟
    قلت: لأنها حينئذ تقدر بكلمة (شئ) فيكون التقدير: (العلم الضروريُّ شئٌ لم يقع عن نظر واستدلال)
    قال: وأي شئ فى ذلك ؟
    قلت: فيه أن التعريف يكون غير مانع؛ لأنه يتناول الظن والتقليد فى الجملة ولا يسمى واحدا منهما علما مع أنه يَصْدُقُ على كل منهما: (شئ لم يقع عن نظر واستدلال)، فالصواب أن (ما) هنا معرفة تامة بمعنى (العلم).
    قال: حسنا، ولكن لِمَ لَمْ تجعلها معرفة ناقصة؟
    قلت: هذا ضعيف أيضا أن تكون (ما) هنا معرفة ناقصة موصولة بمعنى (الذى) لأنها حينئذ تكون نعتا لـ (الضرورى)
    قال: وماذا في هذا أيضا؟
    قلت: فيه أن التقدير يكون حينئذ: (العلم الضرورى: العلم الذى لم يقع الخ) فحذف المنعوت (العلم) وأقام النعت - (ما) بمعنى الذى - مقامه وهذا لا يجوز، أو ضعيف
    قال: ولِمَ ؟
    قلت: لأن (ما) بمعنى (الذى) لا تكون نعتا للمعارف بخلاف (الذى) فإنه يكون نعتا للمعارف كما نص على ذلك أبو حيان[1].
    قال: لماذا قلت: إن (أَمَّا) فى قوله: "وأما العلم المكتسب الخ" حرف زائد، ولم ترض أن يكون حرف تفصيل وتوكيد وشرط؟
    قلت: أما التفصيل فلم يُرِدْهُ هنا وإلا لذَكَرَهُ فى بداية الموضع الذى بدأ التفصيل فيه وهو قوله:"والعلم الضرورى ... الخ"، والتفصيل غالب حال (أما) كما فى المغنى، وليس بلازم لها كما فى الدسوقى[2].
    وأما التأكيد فغير مراد أيضا لأنه فى مقام ذِكْرِ حَدٍّ وتعريفٍ لشئ ولا يستدعى هذا المقامُ تأكيدا، فتأمل.
    وليس حرف شرط أيضا كما ذكر المحققون بل فيه معنى الشرط للزوم الفاء فى جوابه.
    بقى أنه زائد وهو الظاهر
    قال: فما سبب زيادته هنا ؟
    قلت: سبب زيادته هنا نفى توهم عطف قوله:[color="#0000cd"] "والعلم المكتسب" [/color]على قوله:"العلم الواقع بإحدى الحواس" إذِ الصحيح أنه معطوف على قوله: "العلم الضرورى" لأنه قسَّمَ العلم إلى قسمين: ضرورى ومكتسب فلما ذَكَرَ العلم الضرورى وطال الفصل زاد (أمَّا) لبيان أنه بصدد الحديث عن القسم الثانى من أقسام العلم، فتأمل،
    والله أعلم.
    ______________________________ _____
    [1] البحر المحيط 4/ 80- 81 ت. عادل عبد الموجود وآخرون ط. دار الكتب العلمية، و (ما) فى القرآن الكريم دراسة نحوية /14/ عبد الجبار فتحى زيدان ط. مكتبة الجيل العربى
    [2] حاشية الدسوقى على مغنى اللبيب 1/ 81 ط. دار الطباعة.

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

    قال: أرأيت قولَه: "كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخ" أليس قوله: "الواقع" حشوا؟
    قلت: ولِمَ ؟
    قال:: ألست قد ذكرتَ قبلُ أن بناء المتون على الاختصار ؟
    قلت: بلى.
    قال:: فلو قال هنا: "العلم الضرورى ما لم يقع عن نظر واستدلال كالعلم بإحدى الحواس الخمس" كان أوجز، أليس كذلك ؟
    قلت: نعم، ليس كذلك.
    قال:: ولِمَ ؟
    قلت: : قد قَدَرْتَ على الجواب، فأخبرنى: لماذا حذفت قوله: "الظاهرة" فلم تقل: "الحواس الخمس الظاهرة" وقد ذكرتَ التعريفَ كله وكان يمكنك ذكر موضع السؤال فقط؟
    قال:: وقد لاحظت ذلك ؟
    قلت: : نعم، لاحظته.
    قال:حذفتها لأنها حشو أيضا، ولا فائدة من الوصف بها؛ لأن المصنف بيَّن الحواس بقوله الآتى: "وهى السمع الخ" فلم يتناول كلامه الحواس الباطنة ليحتاج إلى إخراجها بهذا الوصف.
    قلت: قد كنت أعلم أنك تظن ذلك فاسمع جواب ما ذكرت.
    قال:هات.
    قلت: : أما لفظ (الواقع) فإنه زاده لئلا يُتَوَهَّمَ أن المعلوم هو قوله: "بإحدى" فيكون قوله: "كالعلم بإحدى الحواس" محتملا أن يكون معناه: أن يكون عند الشخص علم ومعرفة بإحدى هذه الحواس، يعني أنه يعرف إحدى هذه الحواس ومقابل ذلك أنه يجهل هذه الحواس فلا يعرفها، وليس هذا المراد بل المراد أن هذه الحواس هي الآلة التي يحصل العلم بواسطتها.
    وأما قوله: "الظاهرة" فقد احترز به عن الحواس الخمس الباطنة التى يثبتها الفلاسفة، ففائدة النص على (الظاهرة) التنبيه على أن ثمت حواس أخرى باطنة لمن لا يعرفها وأما من يعرفها فإنه يخبره أن هذه الحواس الباطنة ليست مما يشمله التعريف، فنبَّهَ واحترز بقوله: "الظاهرة" ومنع من الالتباس وسوء الفهم بقوله: "الواقع".
    قال:: ياله من إمام ! لله درُّه ! ما كنت أحسبه بهذه الدقة فى هذا الكتاب من كثرة ما قرأت من تعقبات عليه
    قلت: : رحمه الله.
    قال:: فالحواس الخمس الظاهرة هى التى ذكرها بقوله: "وهى السمع والبصر الخ"
    قلت: : نعم
    قال:فما هى الحواس الخمس الأخرى الباطنة
    قلت: هذا كلام يذكره الحكماء والفلاسفة ولا فائدة فيه
    قال:فأخبرنى وأوجز فقد تشوفت إلى معرفتها.
    قلت: لا بأس، الحواس الخمس الباطنة هى :
    الأولى- الحس المشترك: وهى القوة التى ترتسم فيها صور الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس الظاهرة.
    الثانية- الخيال: وهى القوة التى تحفظ الصور المرتسمة فى (الحس المشترك) فهى كالخزانة له.
    الثالثة- الواهمة: وهى القوة التى تدرك بها المعانى الجزئية كالعداوة التى تدركها الشاة من الذئب والمحبة التى تدركها الشاة من أمها.
    الرابعة – الحافظة: وهى القوة التى تدرِك المعانى التى يدركها الوهم كالخزانة لهم.
    الخامسة – المُتَخَيِّلَة: وهى القوة المتصرفة فى الصور التى تأخذها من الحس المشترك والمعانى التى تأخذها من الوهم بالتركيب والتفريق، وتسمى المفكِّرة[1].
    قال: أما أنت فجزاك الله خيرا، وأما أنا فلم أفهم شيئا.
    فضحكتُ وقلت قد أخبرتك أنها لا فائدة لها
    ______________________________
    [1] الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 87، وحاشية السوسي على قرة العين 37- 38 وفي الأخير زيادة إيضاح.

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي

    قال صاحبي: لماذا مثل المصنف للعلم الضرورى بالعلم المدرك بالحواس وترك الذى ببديهة العقل ؟
    قلت: لأن العلم الواقع بالحواس محل خلاف فأراد أن ينص عليه وأما الذى ببديهة العقل فمتفق عليه، وقد أشار بقوله: "كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس" إلى أن العلم الضرورى غير منحصر فيما ذكره[1].
    فأراد أن يتكلم فأشرت إليه أن اسكت.
    ثم استطردت قائلا: ذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى إلى أن ما يدرك بالحواس يسمى علما، وذهب الجمهور إلى أن الإحساس غير العلم؛ لأنا إذا علمنا شيئا علما تاما ثم رأيناه وجدنا بين الحالتين فرقا ضروريا.
    فأجاب الشيخ عنه: بأن هذا لا يمنع كونه نوعا من العلم مخالفا لسائر أنواعه[2].
    قال: فلماذا انقسم العلم إلى ضرورى ومكتسب ؟
    قلت: لأنه لو كان الكل ضروريا لما احتجنا إلى تحصيله، ولو كان كسبيا لدار وتسلسل[3].[4]
    قال: يقولون: العلم ينقسم إلى تصور وتصديق.
    قلت: نعم، وذلك أن إدراك الشئ إن خلا عن الحكم عليه بنفى أو إثبات فتصوُّر وإلا فتصديق[5].
    قال: لو زدت الأمر بيانا
    قلت: التصور: هو إدراك معنى المفرد من غير تعرض لإثبات شئ له ولا لنفيه عنه: كإدراك معنى اللذة والألم، ومعنى الإنسان ومعنى الكاتب ومعنى الشجر ونحو ذلك.
    فإدراك كل مفرد مما ذكرنا ونحوِهِ – أى فهم المعنى المراد من ذلك المفرد – من غير تعرض لإثبات شئ له ولا لنفيه عنه يسمى (تصورا).
    والتصديق: إثبات أمر لأمر بالفعل أو نفيه عنه بالفعل، وهو الإسناد الخبرى عند البلاغيين ، والجملة الاسمية أو الفعلية عند النحويين، نحو: (الكاتب إنسان) فإدراك معنى الإنسان فقط تصور ومعنى الكاتب فقط تصور، وإدراك كون الإنسان كاتبا بالفعل أو ليس كاتبا بالفعل تصديق[6].
    ______________________________ ______________
    [1] غاية المأمول فى شرح ورقات الأصول 100 للشهاب الرملى ت. عثمان يوسف حاجى ط. مؤسسة الرسالة.
    [2] شرح الورقات لابن إمام الكاملية 100، وغاية المأمول 99.
    [3] الدور هو: توقف الشئ على ما يتوقف عليه وهو نوعان: الدور المصرح: وهو ما كان توقفه بمرتبة واحدة كأن يتوقف (أ) على (ب) وبالعكس، والدور المضمر: وهو ما كان توقفه بمراتب كأن يتوقف (أ) على (ب) و(ب) على (ج) وهكذا.
    وأما التسلسل فهو ترتيب الأمور بطريقة غير متناهية، أو هو: أن يستند وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه، وتستند هذه العلة إلى علة مؤثرة فيها، وهى إلى علة ثالثة مؤثرة فيها وهكذا تسلسلا مع العلل دون نهاية.
    [4] شرح الورقات لابن إمام الكاملية 101، وغاية المأمول 100.
    [5] غاية المأمول 101.
    [6] آداب البحث والمناظرة 1/ 11- 12 محمد الأمين الشنقيطى ت. سعود العريفى ط. دار عالم الفوائد، وشرح الفوزان على الورقات هامش رقم (1) ص27.

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي

    قال المصنف رحمه الله تعالى

    وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ فِي حَالِ الْمَنْظُورِ فِيهِ.
    وَالِاسْتِدْلَا لُ: طَلَبُ الدَّلِيلِ.
    وَالدَّلِيلُ: هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ.
    وَالظَّنُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الْآخَرِ.
    وَالشَّكُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.

    _________________
    (وَ): للاستئناف البيانى فإنه لما عرَّف العلم المكتسبَ: بأنه الموقوف على النظر والاستدلال، فكأن قائلا قال له: وما النظر والاستدلال؟ فقال: والنظر كذا والاستدلال كذا.
    (النَّظَرُ): مبتدأ
    (هُوَ): ضمير فصل على الأصح لا محل له من الإعراب
    (الْفِكْرُ): خبر
    (فِي حَالِ): الجار والمجرور متعلق بـ الخبر (الفكر) أو بمحذوف حال منه أى: (النظر: هو الفكر حالة كونه كائنا فى حال الخ) وقوله: "حال" مضاف
    (الْمَنْظُورِ): مضاف إليه
    (فِيهِ): متعلق بـ (المنظور)
    (وَ): عاطفة
    (الِاسْتِدْلَال ): مبتدأ
    (طَلَبُ): خبر، وهو مضاف
    (الدَّلِيلِ): مضاف إليه
    (وَ): للاستئناف البياني
    (الدَّلِيلُ هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ): مثل (والنظر هو الفكر الخ)
    (وَ): للاستئناف النحوى
    (الظَّنُّ): مبتدأ
    (تَجْوِيزُ): خبر، وهو مضاف
    (أَمْرَيْنِ): مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه مثنى، وأصل الكلام على تقدير مضاف محذوف أى: (تجويز وقوع أمرين)، أو على تقدير مضافين وجارٍّ والتقدير: (تجويز وقوعِ كلٍّ من أمرين) وهذا الأخير هو الذى ذكره ابن قاسم فى الشرح الكبير[2] واقتصر عليه لشموله، فتأمل.
    (أَحَدُهُمَا): (أحدُ): مبتدأ، وأصله مضاف إليه أى: (وقوع أحدِهما) كما قدره ابن قاسم[3] فحذف المضاف (وقوع) وأقام المضاف إليه (أحد) مقامه، وقضيته: أنه بدل من (أمرين) بدل بعض من كل لأن التقدير قبل الحذف (تجويز وقوع أمرين وقوع أحدهما الخ) فتأمل، و(أحد) مضاف والهاء ضمير مبنى على الضم فى محل جر مضاف إليه والميم حرف عماد والألف علامة التثنية
    (أَظْهَرُ): خبر إن كان ما قبله (أحد) مبتدأ
    أو نعت لـ (أحد) إن جعلته بدلا. وفيه ضمير مستتر وجوبا هو فاعله.
    (مِنَ الْآخَرِ): متعلق بـ (أظهر)، وأصله أيضا (أظهر من وقوع الآخر) فحدث فيه ما سبق من حذف المضاف الخ، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل جر نعت لـ (أمرين)، إن جعلت (أحدهما أظهر) مبتدأ وخبرا) وإلا فهما تابعان كما سبق
    (وَالشَّكُّ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ): يعرف إعرابه مما سبق
    (لَا): نافية للجنس
    (مَزِيَّةَ): اسم (لا) مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب والخبر محذوف والتقدير: لا مزية موجودة.
    (لِأَحَدِهِمَا): الجار والمجرور متعلق بـ (مزية) و(أحد) مضاف والضمير مضاف إليه كما تقدم
    (عَلَى الْآخَرِ): متعلق بالخبر أيضا
    ______________________________ ______________________________ ___
    [1] الشرح الكبير 104.
    [2] الشرح الكبير 104.

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي

    [قال صاحبى]

    قال: ذكرتَ أن (هو) ضمير فصل على الأصح لا محل له من الإعراب، فما تفسير ذلك ؟
    قلت: يقولون: (ضمير الفصل) حرف، وتسميته ضميرا مجاز نظرا للصورة.
    وقيل: هو اسم وسمى به لأنه يفصل بين الخبر والتابع أى يميز بينهما؛ إذ لو قيل: (النظر الفكر) لتوهم أن (الفكر) تابع لا خبرا.
    واعلم أنه يشترط:

    فيما قبل ضمير الفصل:

    1- أن يكون مبتدأ ولو فى الأصل نحو: كان زيد هو القائم فـ (زيد) مبتدأ في الأصل يعني قبل دخول الناسخ. و(النظر) في قول المصنف: "النظر هو الفكر" مبتدأ
    2- وأن يكون معرفة كما فى هذا المثال فـ (زيد) معرفة لأنه علم، و(النظر) في قول المصنف معرفة لأنه محلى بـ (أل)
    وأجاز بعضهم كونه نكرة نحو: كان رجل هو القائم،

    ويشترط فيما بعده:


    1- كونه خبرا ولو فى الأصل فـ (القائم) في المثال السابق (كان زيد هو القائم) خبر في الأصل قبل دخول الناسخ ثم صار خبرا له، و(الفكر) في كلام المصنف خبر
    2- وكونه معرفة أو كالمعرفة فى أنه لا يقبل (أل) نحو: {تَجِدُوهُ عِندَ اللهَ هُوَ خَيْرًا}

    ويشترط في ضمير الفصل نفسِه :

    1- أن يكون بصيغة المرفوع فيمتنع: زيد إياه الفاضل، على أن يكون (إياه) ضميرَ فصل
    2- وأن يطابق ما قبله فلا يجوز: كنتُ هو الفاضل، بل تقول: (زيد كان هو الفاضل)

    قال: قولك : "على الأصح" ؟ وقولك: "لا محل له من الإعراب" ؟
    قلت: أما قولى: "على الأصح" فمقابله أنه – أي ضمير الفصل - (مبتدأ، أو تأكيد) على القول الضعيف من جواز تأكيد الظاهر بالمضمر وإنما كان كونه فصلا أصح لإفادته تقوية النسبة.
    وأما قولى: "لا محل له من الإعراب" فهذا باتفاق على القول بحرفيته.
    وأما على القول باسميته فقيل:

    1- لا محل له كأسماء الأفعال.

    2- وقيل: له محل بحسب ما قبله.
    3- وقيل: بحسب ما بعده.

    ففى نحو: (زيد هو القائم) محله رفع باتفاقهما (لأن ما قبله (زيد) وما بعده (القائم) مرفوعان)
    وفى نحو: (كان زيد هو القائم) محله رفع على أولهما (زيد اسم كان مرفوع) ونصب على ثانيهما (القائم خبر كان منصوب)
    وفى نحو: (إن زيدا هو القائم) بالعكس فتأمل.
    ______________________________ ______________________________ ____

    قال:
    أليس (النظر) طلبٌ (والاستدلال) كذلك ؟
    قلت: بلى
    قال: فلو اكتفى بأحد اللفظين كفَى.
    قلت: لعله جمع بينهما زيادة فى الإيضاح،
    على أن تعريفه لهما يشير إلى أن النظر أعم من الاستدلال
    قال: وكيف ذلك ؟
    قلت: النظر يكون فى التصور والتصديق، والاستدلال مخصوص بالتصديق. فلهذا عرَّفَ النظر بأنه: (الفكر فى حال المنظور فيه)
    والفكر قد يكون فى حال الشئ مع الحكم عليه بأمر ما فهذا هو الاستدلال، كقولنا: (الربا حرام) و(المتعة حرام) فهذه عقود علم تحريمها بالفكر والاستدلال وحكم عليها.
    وقد يكون الفكر من جهةِ تصوُّرٍ مَّا ولا يحكم عليه وذلك لعدم الاستدلال فكان الفكر أعم والاستدلال أخص لوجوده فى أحد الفكرين[1].
    قال: بَيِّن لى هذه التعريفات السابقة ولو أوجزت كان أحسن.
    قلت: سأحاول، ولكن الإيجاز مع الإيضاح صعب فاعلم :
    أولا- أن النظر: على ضربين:

    1- النظر بالعين: وهو إدراك المنظور بالبصر
    2- والنظر بالقلب: وهو التفكير فى حال المنظور فيه

    والفكر: هو حركة النفس فى المعقولات قصدا،

    فإن كانت حركتها عن غير قصد واختيار سميت (حَدْسًا).
    قال: فما هى المعقولات ؟
    قلت: هى المقابلة للمحسوسات وقد علمت أن المحسوسات: كل ما يدرك هو وأجزاؤه بإحدى الحواس الخمس الظاهرة،
    فالمعقولات: كل ما لا يدرك هو ولا أجزاؤه بإحدى الحواس الخمس.
    قال: نعم، أكمل
    قلت: حركة النفس فى المحسوسات تسمى تخييلا
    والفكر إن كان لطلب علم أو ظن يسمى نظرا وإلا فلا.
    قال: مثل ماذا ؟
    قلت: كأكثر حديث النفس فإن أكثره لا يكون لطلب علم أو ظن ولهذا لا يسمى (نظرا)
    ولا يحصل (العلم) عن طريق النظر إلا بثلاثة شروط:


    1- أن يكون الناظر كامل الآلة (يعنى آلة الاجتهاد)
    2- أن يكون نظره فى دليل لا فى شبهة
    3- أن يستوفى الدليل لشروطه فيقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره وهكذا.

    قوله: "الدليل: هو المرشد إلى المطلوب" اعلم أن المرشد فى اللغة له معنيان:
    أحدهما- الناصب لما به الإرشاد (حقيقة)
    ثانيهما- ما به الإرشاد (مجازا)
    مثل العلامات التى يضعها الناس لمعرفة الطرق والاتجاهات فتجد مثلا علامة مكتوب عليها (طريق مكة) أو (المدينة) ونحو ذلك فهذه العلامة يطلق عليها (دليل) و(مرشد) لأنها تدل السائر فى الطريق وترشده إلى المطلوب إذا كان مطلوبه الذهاب إلى مكة أو المدينة مثلا، ولكن إطلاق (الدليل) و(المرشد) على ما به الإرشاد إطلاق مجازى، وأما الناصب لهذه العلامات فيطلق عليه (الدليل) و(المرشد) حقيقة.
    قال: فأراد الحقيقة أو المجاز فى التعريف.
    قلت: المجاز
    قال: ولِمَ ؟
    قلت: لتعليل الشراح قوله: "الدليل هو المرشد إلى المطلوب" بقولهم: "لأنه علامة عليه" [2].
    قال: فهذا معناه أنه قد أدخل المجاز فى التعريف وهو لا يجوز.
    قلت: أجاب الدمياطى: بأن تعريف الدليل بما ذُكِرَ عقب تعريف الاستدلال بطلب الدليل قرينة على إرادة معنى (المرشد) المجازى إذ هو المناسب لمعنى الاستدلال المذكور[3].
    قال: قوله – فى تعريف الظن -: "أحدهما أظهر من الآخر" يفيد أن كلا منهما ظاهر لكن أحدهما أظهر.
    قلت: نعم.
    قال: فاضرب لى مثالا
    قلت: إذا ترددت فى نزول المطر وعدمه ثم رجحت نزوله بقرينة أنك رأيت الرياح قد هبت وأن الجو قد صار غيما بعد أن كان صحوا فهذا التردد فى ثبوت نزول المطر ونفيه لا يسمى علما لأن العلم هو القطع بالشئ والجزم به على وفق ما هو عليه، لكنه قد يسمى (ظنا أو وهما أو شكا) فإن كان التردد مع رجحان الثبوت فهو (الظن) أى أن الطرف الراجح يسمى (ظنا) ومقابله وهو الطرف المرجوح يسمى (وهما)، فإن كان التردد فى النزول وعدمه على السواء فهو الشك.
    قال: فما معنى قوله: "لا مزية لأحدهما على الآخر"
    قلت: أى ليس مع أحدهما قرينة تميزه وتجعلك تقدمه على الاحتمال الآخر وإنما يتساوى الاحتمالان عندك.
    ______________________________ ____
    [1] التحقيقات فى شرح الورقات لابن قاوان 137، والأنجم الزاهرات 102 بتصرف.
    [2] انظر مثلا شرح الورقات للمحلى 84 ت. حسام الدين عفانة، وشرح ابن إمام الكاملية 102.
    [3] حاشية الدمياطى على شرح الورقات للمحلى 6.

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    711

    افتراضي

    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    وَأُصُولُ الْفِقْهِ: طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا.
    ______________________________ _________________

    (وَ): للاستئناف النحوى
    (أُصُولُ): مبتدأ، ومضاف
    (الْفِقْهِ): مضاف إليه
    (طُرُقُهُ): خبر، و(طرق) مضاف والهاء ضمير مبنى على الضم فى محل جر مضاف إليه
    (عَلَى سَبِيلِ): متعلق بمحذوف حال من (طرق) أي طرقه حالة كونها كائنة على سبيل الإجمال، و(سبيل) مضاف
    (الْإِجْمَالِ): مضاف إليه
    (وَ): عاطفة
    (كَيْفِيَّةُ): معطوفة على (طرق) و(كيفية) مضاف
    (الِاسْتِدْلَال ): مضاف إليه
    (بِهَا): الجار والمجرور متعلق بـ (الاستدلال)
    ______________________________ _______________
    المعنى:

    عرَّف المصنف فيما سبق (أصول الفقه) باعتبار مفردَيْهِ فعرَّف (الأصل) وعرَّف (الفقه) ولم يذكر النسبة بينهما، ثم ذكرها هنا لما عرَّف (أصول الفقه) باعتباره لقبا لهذا الفن.
    ومِثْلُ ذلك قولنا: (غلام زيد) فإذا تصورت (الغلام) فقط ثم تصورت (زيدا) فقط ثم علمت أن (زيدا) قد مَلَكَ (الغلامَ) فهذه نسبة تفيد إضافة (الغلام) إلى (زيد) فكذا من عَرَف (الأصل) فقط و(الفقه) فقط فلن يعلم معنى التركيب حتى يشرح له النسبة بينهما وهو ما ذكره المصنف هنا.
    وقوله: "طُرُقُهُ" أى طرق الفقه وهى الجهات التى يمكن بها إدراكه، وهى الأدلة.
    وإنما عبر بـ(الطرق) دون (الأدلة) ؛ لأن (الدليل) فى عرف بعض الأصوليين خاص بما يفيد العلم، فلا يطلقون اسم (الدليل) إلا على الطريق القطعى كالاستدلال (بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع)، وأما الطريق الظنى كالاستدلال بالقياس وغيره فيسمونه (أمارة)، فلهذا عبر (بالطرق) لأنها صالحة لإفادة العلم أو الظن[1].
    والمراد بـ (طرق الفقه الإجمالية) أدلته الإجمالية وهى القواعد العامة التى يحتاج إليها الفقيه مثل:
    1- الأمر للوجوب
    2- النهى للتحريم
    3- الإجماع حجة
    ونحو ذلك من المسائل الكلية التى تبحث فى أصول الفقه.
    أما الأدلة التفصيلية فلا تذكر فى أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل والإيضاح مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}
    وكالإجماع على أن بنت الابن تأخذ السدس مع بنت الصلب حيث لا معصب لهما[2] فهذه مسائل جزئية لا كلية تذكر فى الأصول للتوضيح والتمثيل فقط.
    وقوله: "وكيفية الاستدلال بها" إشارة إلى حال المجتهد وهو أنه مع معرفة الطرق الكلية لابد له من معرفة كيفية الاستدلال بها كحمل المطلق على المقيد وتقديم الخاص على العام والناسخ على المنسوخ والمجمل على المبين ونحو ذلك[3].
    ______________________________ ______________________
    [1] الشرح الوسيط على الورقات 32 عبد الحميد الجهنى ط. دار الصميعى، وتهذيب شرح الورقات 18 لعياض بن نامى السلمى، بتصرف.
    [2] شرح الورقات لعبد الله الفوزان 30 بتصرف.
    [3] الشرح الوسيط على الورقات 32.

صفحة 2 من 9 الأولىالأولى 123456789 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •