الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري
النتائج 1 إلى 8 من 8
6اعجابات
  • 1 Post By أبو عبد الرحمن الجزائري
  • 1 Post By أبو عبد الرحمن الجزائري
  • 1 Post By أبو عبد الرحمن الجزائري
  • 1 Post By أبو عبد الرحمن الجزائري
  • 2 Post By أبو عبد الرحمن الجزائري

الموضوع: الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    682

    افتراضي الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري

    الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة
    الدكتور محمد حاج عيسى الجزائري
    الأستاذ بكلية العلوم الإسلامية - تلمسان - الجزائر



    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئا أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فإني كنت قد كتبت منذ مدة مقالات بينت فيها أخطاء الأشعري في كتابيه الإبانة ومقالات الإسلاميين، وانتقدت قول من قال إنه مر بثلاثة أطوار، وأنه رجع إلى عقيدة السلف، وقد كان لكتابتها يومها دوافع منها:


    -السعي إلى إقناع من استغرب القول بعدم رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف بالحجة والبرهان، وبيان أن هذا الرأي هو ما عليه الأئمة المدققون في قضايا الاعتقاد من المتقدمين والمتأخرين.
    -ومنها أني رأيت بعض الناس قد اغتر بما سمع من القول برجوع الأشعري إلى عقيدة السلف، وبما في كتاب الإبانة من إثبات الصفات الذاتية كالوجه واليدين، فاجتهد في طبع ونشر هذا الكتاب ونشره، وفي تزكيته والدفاع عنه ظنا منه أنه يقيم به الحجة على الأشعرية المتأخرين.
    -ومنها أني رأيت من ذهب إلى تصويب آراء أشعرية ظنا منه أنها عقيدة السلف، ومن نَقَلَ التزكية إلى كتب أخرى تنسب إلى الأشعري ويدعو إلى تدريسها في المعاهد الشرعية.
    ولما مر على ذلك زمن أردت أن أعيد صياغة هذه المقالات في بحث يجمعها، وإخراجها نصحا للأمة وتجلية لدقائق الاعتقاد التي قد خفيت على كثير من الناس، ومساهمة في الدعوة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.


    المبحث الأول : أخطاء الأشعري في مسائل الأسماء والصفات

    للأشعري أخطاء كثيرة في باب الأسماء والصفات، يمكن تصنيفها حسب الشُّبه التي أوجبت ذلك الخطأ إلى قسمين، أخطاء سببها شبهة حلول الحوادث في الذات الإلهية ، وأخطاء سببها شبهة التجسيم والتركيب ، وفيما يأتي بيانها حسب هذا التقسيم :


    المطلب الأول : شبهة حلول الحوادث

    إن الأشعري لما ترك مذهب المعتزلة وتاب منه، لم يتخلص من جميع مبادئه وأدرانه وبقي مسلِّما لبعض أصولهم التي أوجبت لهم الضلال، ومن تلك الأصول الفاسدة اعتماد دليل الحدوث في إثبات حدوث العالم ووجود الخالق جل شأنه وقِدمه، وذلك أن اعتماد هذا الدليل يتضمن الإقرار بأن كل ما دخله التغير والتجدد والانتقال من حال إلى حال فهو محدَث مخلوق، وقد يقولون كل ما كان محلا للحوادث فهو مُحدَث مخلوق، وما كان محدثا مخلوقا فهو محتاج إلى محدِث خالق، ومن لوازم هذه القواعد التي اعتبروها قطعية -لأنها طريق الإيمان والشك فيها هو شك في وجود الله تعالى- أن المحدِث الخالق لابد أن يفارق المحدثَ المخلوق في أخص صفاته، وإلا كان مماثلا له، ومن هذا المنطلق نفى الأشعري الصفات الفعلية والاختيارية بجميع أنواعها، فأما المتعلق بالذات منها كالكلام فجعلها من الصفات الذاتية، وأما المتعلق بالمخلوق منها كالخلق والرزق فاختلف قول أصحابه فيها، ولم أقف له على نصوص تبين منهجه صراحة فيها، وهذا تتبع لمواضع أخطائه المندرجة في هذا المعنى المشار إليه.


    أولا : تعطيل صفة الكلام وكل الصفات الفعلية
    إن المشهور عن الأشعري أنه يثبت صفة الكلام لله تعالى، لكنه يثبتها على أنها صفة ذاتية أزلية غير متعلقة بالمشيئة، وقد قال في الإبانة (ص:76) :« فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما»([1]).
    فأثبت الصفة وليس ذلك كل المطلوب، بل لابد من بيان نوع هذه الصفة أيضا، لأن في الطوائف قبله من يثبت الكلام على أنه صفة ذاتية نفسية لا كما يعتقده أهل السنة والجماعة كابن كلاب والقلانسي وغيرهما، وهو في كل موضع يذكر فيه صفة الكلام يؤكد على قدمها وأزليتها مخالفة للمعتزلة ومباينة لمقولتهم، ولكنه لا يذكر تعلقها بالمشيئة بتاتا، وقد أتى في استدلالاته بعبارات تبين أنه لم يثبت الصفة كما أثبتها السلف بل كما أثبتها ابن كلاب، ومن ذلك قياس صفة الكلام على العلم الأزلي، فقال (ص:77): «ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالاً في غيره مخلوقا في شيء سواه كما لا يجوز في العلم».
    وشبهة الأشعري التي دفعته إلى هذا التعطيل هو دليل الحدوث كما سبق، وهي عين الشبهة التي تعلق بها ابن كلاب وأتباعه، حيث قالوا إن إثبات الصفات الفعلية يستلزم أن تكون الذات الإلهية محلا للحوادث، ولما لم يكن لهم في إثبات الصفات الذاتية (المعنوي منها كالعلم والحياة) أيَّ شبهة أثبتوا هذه على أنها من جنسها.
    ومما يدل أيضا على تبني الأشعري لهذا المذهب المخالف لما عليه السلف قوله في الإبانة (ص:74): «ولم يلحق الفناء كلمات ربي كما لا يلحق الفناء علم الله عز وجل، ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا عز وجل صح أنه لم يزل متكلما، لأنه لو لم يكن متكلما لوجب عليه السكوت والآفات»([2]).
    وهذا الكلام أيضا مخالف لعقيدة أهل السنة، لما فيه من نفي السكوت عن الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت يكون تارة عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلانه ... لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت لا تصح على قول من يقول أنه متكلم كما أنه عالم، لا يتكلم عند خطاب عباده بشيء، وإنما يخلق لهم إدراكا ليسمعوا كلامه القديم، سواء قيل هو مجرد معنى، أو معنى وحروف كما هو قول ابن كلاب والأشعري ... فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت وهو المشهور من قولهم، أو يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق الإدراك للخلق يسمعون به كلامه القديم»([3]).
    تأمل قوله إن معاني السكوت:« لا تصح على قول من يقول أنه متكلم كما أنه عالم» وتأمل أنه نسب هذا القول لابن كلاب والأشعري دون أن يبين رجوعه عنه، ومنه يعلم أن الذي رجع عنه الأشعري في هذه القضية هو القول بخلق صفة الكلام وهذا رجوع بدعة ضلالة وليس كل من ترك البدعة أصاب السنة ولا بد.
    وإذا كان هذا اعتقاد الأشعري في صفة الكلام فإن اعتقاده في غيرها من الصفات الفعلية لن يختلف لأن قاعدته في الباب واحدة والشبهة الدافعة للتأويل أيضا واحدة.


    ثانيا : مسألة الحدوث وتجدد صفة الكلام
    وهذه المسألة تابعة لسابقتها أفردتها للتنبيه على خطأ وتأويل مُحدَث لآية من كتاب الله تعالى وقع فيه الأشعري في كتاب الإبانة، جره إليه معتقده الفاسد في كلام الله تعالى.
    قال في الإبانة (ص:94): « فإن قال قائل : أليس قد قال الله عز وجل: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء:2) قيل له : الذكر الذي عناه الله عز وجل ليس هو القرآن بل هو كلام الرسول ووعظه إياهم ».
    ففي هذا الموضع نفى الأشعري أن يكون كلام الله تعالى مُحدثا بمعنى متجددا متعلقا بمشيئته كما هو مذهب أهل السنة، فحمل الذكر على غير محمله الصحيح، وكون القرآن متجددا لا يستلزم أن يكون مخلوقا كما يتوهمه المعتزلة والأشعرية وغيرهم، قال ابن تيمية :« ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أُنزِل جديدا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شيء فالمنزل أولا قديم بالنسبة للمنزل آخرا »([4]). وقال رحمه الله عن أهل السنة والحديث : «فيسمون ذلك مُحدَثا كما قال: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (الأنبياء:2) وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة »([5]). والذي أحدثه هو النهي عن تكلمهم في الصلاة، وقولهم (إن المحدث يفتقر إلى إحداث وهلم جرا). هذا يستلزم التسلسل في الآثار مثل كونه متكلما بكلام بعد كلام، وكلمات الله لا نهاية لها، وأن الله لم يزل متكلما إذا شاء، وهذا قول أئمة السنة، وهو الحق الذي يدل عليه النقل والعقل»([6]).
    وبمثل هذا الكلام الأخير آخذ الأشعرية ابن تيمية وألزموه بالقول بالتسلسل في الحوادث الذي يعني قدم العالم وإثبات خالق غير الله تعالى، وتبعهم بعض أهل السنة في مؤاخذتهم اغترارا بإلزام الأشعرية وغفلة منهم عن من مقصد شيخ الإسلام، الذي عبر عن عقيدة السلف بمصطلحات المتكلمين ولغتهم.


    ثالثا: مسألة اللفظ بالقرآن
    من المسائل المتعلقة بكلام الله تعالى مسألة اللفظ المشهورة، ذات التفصيل المعروف، وقد تكلم فيها الأشعري في المقالات بكلام مجمل، فكان ظاهره صوابا موافقا لقول أهل السنة حيث قال (ص:292):« من قال اللفظ والوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ».
    ولكنه في الإبانة فسَّر المذهب وعلَّله فأتى بالعجب، إذ قال (ص:94):« فإن قال حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه؟ قيل له: القرآن يقرأ في الحقيقة ويتلى ولا يجوز أن يقال يلفظ به لأن القائل لا يجوز له أن يقول إنه كلام ملفوظ به، لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت اللقمة من في معناه رميت بها، وكلام الله عز وجل لا يقال يلفظ به، وإنما يقال يقرأ ويتلى ويكتب ويحفظ. وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق ويزينوا بدعتهم وقولهم بخلقه».
    ومن المعلوم المتقرر عند أهل السنة أن القرآن كلام الله تعالى بلفظه ومعناه، ومن المتقرر عندهم أيضا أن أفعال العباد مخلوقة، لذلك فهم لا يقولون لفظي بالقرآن مخلوق لأنه قد يراد بذلك المتلو وهو القرآن، ولا يقولون غير مخلوق لأنه قد يراد بذلك التلاوة وهي فعل العبد، ففي قضية اللفظ لابد من التفريق بين التلاوة والمتلو، وما ذكره الأشعري إما حيدة وتهرب عن بيان حقيقة اعتقاده، وإما جهل بحقيقة مذهب أهل السنة ([7]).


    رابعا : تأويل صفتي الرضا والغضب
    من الصفات الفعلية والاختيارية المتعلقة بالمشيئة الثابتة لله تعالى صفتا الغضب والرضا، والأشعري يثبتهما على أنهما صفتان قديمتان أزليتان أيضا، فقال في الإبانة (ص:82):« ثم يقال لهم: إذا كان غضب الله غير مخلوق، وكذلك رضاه وسخطه، فلم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق؟ ومن زعم أن غضب الله مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه على الملائكة والنبيين يفنى حتى لا يكون راضيا على أوليائه، ولا ساخطا على أعدائه وهذا هو الخروج عن الإسلام».
    والشبهة هنا هي نفسها الشبهة السابقة من أن ما كان متعلقا بالمشيئة يلزمه الفناء والآفات، وأهل السنة يقولون إنه يرضى على العبد حين يؤمن أو يطيع، ويغضب على العبد حين يكفر أو يعصي، فيرضى عنه ثم يغضب عليه وليس في ذلك نقص أو آفات ولا أثر لم أسموه فناء لأن قدم النوع لا تنافي تجدد الآحاد، بل النقص أن يكون راضيا عن العاص حال عصيانه وغاضبا عنه حال طاعته كما يقوله الأشعرية.


    خامسا : تأويل صفة الإرادة
    إن الأشعري قد قرر قدم صفة الإرادة وأزليتها قياسا على صفة العلم، كما صنع مع صفة الكلام، وصرح بإنكار الإحداث والتجدد فيها وربطه بالقول بخلقها.
    فقال في الإبانة (ص:122) : «قيل لهم: فلم لا قلتم إن من لم يزل عالما في وقت من الأوقات ، فلم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت ، وما لم يزل عالما أنه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون، وأنه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم ».
    وقال أيضا (ص:123) :« قيل لهم: ولا تجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان ».
    وهذه عقيدة ابن كلاب لا عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الإرادة التي اشتهر عن الأشعري والأشعرية إثباتها، وهم إنما أثبتوا جنسها دون آحادها وزعموا أن إثبات آحادها يستلزم أنها صفة مخلوقة، قال شيخ الإسلام وهو يتحدث عن صفة الإرادة :« فللناس فيها أقوال، قيل الإرادة قديمة أزلية واحدة، وإنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة،…فهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما»، ثم ذكر قول الكرامية وقول الجهمية والمعتزلة، ثم قال: « والقول الرابع أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته، وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها ، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله وأراد فعلها في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله فالأول عزم والثاني قصد»([8]). وهذا قول أهل السنة والجماعة.

    المطلب الثاني : شبهة التركيب والتجسيم


    إن من أخطاء المعتزلة الظاهرة أن جعلوا تعدد الصفات مفضيا إلى القول بتعدد الآلهة أو التجسيم والتركيب كما يقولون، والأشعري وإن خالفهم في قضية تعدد الآلهة، فإنه بقي فيه نفور زائد من قضية التجسيم، وقد فرع المعتزلة على شبهة التجسيم والتركيب هذه نفي علو الله على خلقه واستواءه على عرشه، وكذا نفي إمكان رؤيته سبحانه يوم القيامة، كما نفوا أيضا بقية الصفات الذاتية الخبرية كالوجه واليدين ونحوها، ولم يوافقهم الأشعري في ذلك ورد عليهم تأويلاتهم المتعسفة، ولكن هل ذلك يعني أنه وافق قول أهل السنة المحضة في معتقدهم؟ في ذلك عندي وقفة ونظر ويتضح ذلك في النقط الآتية:


    أولا : نفي الجسم
    قال الأشعري في المقالات (ص:211):« وقال أهل السنة وأصحاب الحديث، ليس بِجسم ولا يشبه الأشياء».
    وهذا إطلاقٌ فاسد ونسبةٌ غير صحيحة في آن واحد، وقد ردهما عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:« وقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة، كما حكى عنهم أشياء بموجب اعتقاده هو من مذهبهم، والسلف والأئمة وأهل الحديث من جميع الطوائف لا يصفونه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله»([9]).
    وأهل السنة قد أعرضوا عن مثل هذه الألفاظ، لأنها لم ترد في الكتاب والسنة ولا في كلام السلف، ولأن معناها يدخل فيه الحق والباطل، فمن يطلق النفي كان نافيا للحق ومن أطلق الإثبات كان مثبتا للباطل، ومن الباطل الذي يدخلونه عند الإثبات في معنى الجسم أنه المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة أو ما يقبل التفريق، ومن الحق الذي يدخلونه فيه عند النفي ما يشار إليه، وما يرى وما تقوم به الصفات، وإذا ما اضطروا للحديث عنها فإنهم يفصلون ويقولون في الألفاظ الموهمة حق وباطل([10]). فيقولون إن قصدتهم بكونه جسما أنه يرى يوم القيامة وأنه له مكانا في السماء وأنه له وجها ويدين فنحن نثبت كل ذلك لورودها في الكتاب والسنة وإن اعتبرتموها تجسيما، ولا نثبت المعاني الباطلة التي لم ترد في الكتاب والسنة سواء سميتموها تجسيما أو تركيبا أو غير ذلك.


    ثانيا : قول الأشعري في الرؤية
    سبق أن من مقتضى نفي الجسمية عن الإله عند النفاة أنه تعالى لا يرى ولا يشار إليه، وقد التزم ذلك المعتزلة، وأما الأشعري وأئمة أتباعه فلم يلتزموا هذا اللازم وأثبتوا رؤية الله تعالى، ولما شعر المتأخرون منهم بالتناقض صرَّحوا أنه سبحانه يُرى في غير جهة.
    والأشعري وإن أثبت رؤية الله تعالى بالأبصار، واستدل عليها في الإبانة بأدلة صحيحة، لكنه لما أراد دفع شبهة المعتزلة لم يحسن إذ كان في رده عليهم مسلما لهم بعض أصولهم الفاسدة، ومن ذلك أنه قال :« فإن قال قائل: فما معنى قوله : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) (الأنعام:103). قيل له : يحتمل أن يكون لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين، ويحتمل أن الله عز وجل أراد بقوله (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) أي لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين».
    وفي كلامه هذا أخطاء منها تسليمه للمعتزلة بأن معنى الإدراك هو نفسه معنى الرؤية.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الأشاعرة :« وهؤلاء القوم أثبتوا ما لا يمكن رؤيته، وأحبوا نصرة مذهب أهل السنة والجماعة فجمعوا بين أمرين متناقضين …ولهذا فسَّروا الإدراك بأنه الرؤية في قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) كما فسرتها المعتزلة، ولكن عند المعتزلة هذا خرج مخرج المدح فلا يرى بحال، وهؤلاء قالوا : لا يرى في الدنيا دون الآخرة. والآية تنفى الإدراك مطلقا [دون الرؤية وهو قول] ابن كلاب وهذا أصح. وحينئذ فتكون الآية دالة على إثبات الرؤية، وهو أنه يُرى ولا يُدرك، فيُرى من غير إحاطة وحصر وبهذا يحصل المدح؛ فإنه وصف لعظمته أنه لا تدركه أبصار العباد وإن رأته وهو يدرك أبصارهم »([11]).


    ثالثا : كلام الأشعري في الاستواء
    لقد عُدَّ الأشعري من مثبتة الصفات لإثباته الصفات في الجملة، وعدم تجرئه على التعطيل الصريح والتأويل المفضوح الذي صرح به المعتزلة، ومن أهم الصفات التي أثبتها فباين بذلك أهل التعطيل المحض صفة العلو والاستواء ونفي المخالطة للخلق، كما هو ظاهر وواضح في كتابه الإبانة، وأبطل قول المعتزلة بأن الله عز وجل في كل مكان (كما في الصفحة 99) وردَّ تأويلهم للاستواء بالاستيلاء (كما في الصفحة 98).
    ومع كل هذا فقد جاء في كتابه هذا بجمل وعبارات موهمة تدعو إلى التأمل والتساؤل عن حقيقة مذهبه.
    وقبل إيراد هذه العبارات نقول إن الذي تقتضيه أصوله ويدل عليه تصرفه مع صفات الكلام والإرادة والرضا والغضب هو نفي كل صفة فعلية متعلقة بالمشيئة، وتأويلها بمعنى يُصيرها صفةً ذاتية حتى لا يصادم النص مصادمة بينة، وكذلك لما نفى الجسمية كان من المنطقي أن ينفي الرؤية والاستواء ولكن لم يفعل ذلك وقد اعتبر ذلك من تناقضات الأشعري كما سبق.
    وبعد هذا نسوق العبارات المشار إليها لتتأمل :
    -قال في الإبانة (ص:97):« استواء يليق به من غير طول استقرار ».
    -وقال في (ص:100) :« استواء منـزها عن الحلول والاتحاد ».
    -وقال في (ص:102) : «إنه مستو على عرشه دون كيف ولا استقرار».
    -وقال في (ص:103) :« وهذا يدل على أن الله عز وجل على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش ».
    فما معنى هذه العبارات التي لم تعهد عن السلف؟ وما هي الاعتقادات التي أراد الاحتراز عنها بها؟
    ولعل خير من يجيبنا عن هذا التساؤل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما قال: «ولهذا كان قول ابن كلاب والأشعري والقلانسي ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة …أن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش وكذلك يقولون في النـزول، ومعنى ذلك أنه يُحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم به بنفسه فعل اختياري …وكذلك النـزول عندهم فهم يجعلون الأفعال اللازمة بمنزلة الأفعال المتعدية، وذلك لأنهم اعتقدوا أنه لا يقوم به فعل اختياري لأن ذلك حادث»([12]).
    وقال أيضا:« والذين أثبتوا الصفات الخبرية لهم في هذه قولان، منهم من يجعلها من جنس الفعل المتعدي يجعلها حادثة في غيرها، وهذا قول الأشعري وأئمة أصحابه ومن وافقهم، فالأشعري يقول : فعل فعله في العرش فصار به مستويا على العرش وكذلك يقول في الإتيان والنزول »([13]). ثم ذكر القول الثاني الذي هو قول أهل السنة والجماعة.
    ولم يذكر ابن تيمية للأشعري في مثل هذه الصفات قولان، فيظهر أن هذا ما فهمه شيخ الإسلام من مذهبه في الإبانة وغيرها والله تعالى أعلم.


    رابعا : الزعم بأن أسماء الله هي الله سبحانه وتعالى
    ومن المسائل المتعلقة بشبهة التركيب والتجسيم مسألة أسماء الله عز وجل هل هي الله أو غيره، وهو سؤال فيه مغالطة لأن مقصود المعتزلة بطرقه الزعم بأن الأسماء والصفات مخلوقة ، لأن من تسرع في الجواب وقال هي غير الله قيل له وما سوى الله كله مخلوق إذن أسماؤه مخلوقة، قد صرح الأشعري بتخطئة من قال إن أسماء الله هي غير الله تعالى، فقال في المقالات (ص:290) :« وأن أسماء الله لا يقال لها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج». وقال في الإبانة (ص:44) :« وأن من زعم أن اسم الله غيره كان ضالا».
    وهذا كلام صحيح، ولكن عند تقرير العقيدة لا يجوز الوقوف عليه، لأنه قد يفهم منه أن الضد صحيح وليس كذلك ، وهذا ما كان يقصده الأشعري وقد صرح به في موضع آخر من المقالات (ص:293) فقال عن أهل السنة:« ويقولون أسماء الله هي الله». فأخطأ في الاختيار وفي نسبة القول لأهل السنة.
    وللأشعري قول آخر هو المشهور عنه ينقله عنه أئمة أصحابه أن الأسماء ثلاثة أقسام، فمنها ما يكون هو المسمى كاسم الموجود، ومنها ما يكون غيره كالخالق، ومنها ما لا يكون هو المسمى ولا غيره كالعليم والقدير([14]).
    وقد نص شيخ الإسلام على أن المتقدمين من أهل السنة والجماعة ليس لهم نص فيها كمسألة اللفظ، فإنها من المسائل الكلامية المُحدثة من طرف الجهمية الذين قالوا إن أسماء الله مخلوقة وأنها غير الله سبحانه، فتصدى لهم أهل السنة بالإنكار لقولهم والمنقول عنهم في ذلك كثير([15])، ولعل هذا ما جعل الأشعري يظن أن مذهبهم أنها هي المسمى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« ولم يعرف أيضا عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى ، بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة وأنكره أكثر أهل السنة عليهم »([16]).
    ولأهل السنة كما ينقله شيخ الإسلام قولان آخران، فمنهم من اختار الإمساك عن النفي والإثبات، لأن كلا القولين بدعة نقله الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، ومنهم من قال الاسم للمسمى نسبه شيخ الإسلام إلى أكثرهم وقال :« فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول قال الله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف: 180) وقال : (أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)»([17]).


    خامسا : هل للصفات الذاتية كيف؟
    الذي يعتقده أهل السنة في صفات الله تعالى الإثبات والتنـزيه مع تفويض علم الكيفية إلى الله سبحانه، والقول بأن المعنى معلوم والكيف مجهول، بمعنى أن صفات الله تعالى حقيقية ولها وجود ولها كيفية، والذي ينفى ولا يخاض فيه العلم بالكيفية أو تكييف الصفات لا الكيف مطلقا. فإن الذي لا كيف له هو ما لا حقيقة له ولا وجود، قال الشيخ خليل هراس في شرح الواسطية :« وليس المراد من قوله من غير تكييف أنهم ينفون الكيف مطلقا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن مرادهم أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه »([18]).
    وإن وجد من السلف من عبَّر بنفي الكيف مطلقا فهذا مراده، ومن هذا القبيل عبارة الأشعري في الإبانة (ص:106) : « فنثبت له اليدين بلا كيف ». وقال في المقالات (290) :« وأن له يدين بلا كيف …وأن له عينين بلا كيف ».
    وهذا الإطلاق هو الذي جعل بعض المتأخرين ينسب إليه عقيدة التفويض ويقول وهي طريقته في الإبانة([19])، أما الرسالة إلى أهل الثغر ففيها التصريح بذلك –أعني التفويض-([20])، لكن هي لتلميذه ابن مجاهد على الراجح وقد بينت ذلك في بحث خاص .

    الخلاصة

    أظن أنه بعد هذا التتبع للأخطاء الاعتقادية الواردة في الإبانة والمقالات، قد اتضح أن الأشعري لم يرجع إلى عقيدة السلف في باب الصفات سوى الصفات الذاتية كالوجه واليدين، أما الصفات الفعلية فإنه وافق فيها ابن كلاب الذي رمى التوسط بين مذهب الاعتزال ومذهب السلف، فوافق أهل السنة في الظاهر وسلك طريق التعطيل في الباطن، وهذا ما ألمح إليه أبو نصر السجزي إذ قال : «وكثير من مذهبه يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملا ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره والعالم يهجره لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإظهار أولئك ومحاربتهم أهل السنة وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق»([21]). ولأجل هذا اغتر كثير من الفقهاء والمحدثين بهذا المذهب وانتسبوا إليه، ثم منهم من دافع عنه مستميتا، نسأل الله تعالى الهداية إلى الحق، والعصمة من مثل هذا الزلل، فالواجب على السني أن يكون على حذر من كل المتكلمين بلا تمييز، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية فقد كشف باطل هؤلاء وفضحهم ولم يغتر بظاهر قولهم وإن كانت مشابهة قولهم لقول أهل السنة عظيمة جدا، قال رحمه الله تعالى عن مذهب الأشعري وابن كلاب في مسألة الكلام : «وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب، ولكنه هو ومن اتبعه عليه كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك أن القرآن محفوظ في القلوب حقيقة، متلو بالألسنة حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة»([22]). فانظر رحمك الله مع أن هذا الكلام صواب فإن ابن تيمية لم يجعله تراجعا ولا قولا ثانيا، بل ولا تناقضا كما قد يظهر للواحد منا ابتداء، ولكن هذه ثمرة التدقيق في النظر فرحمه الله رحمة واسعة.


    [1]/ الطبعة المحال عليها هي طبعة محمد بشير عيون.
    [2]/انظر جواب هذه الشبهة في المجموع لابن تيمية (6/291).
    [3]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/179).
    [4]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/522).
    [5]/ الحديث أورده البخاري معلقا وأخرجه أبو داود (924) والنسائي (1221) وأصله بغير هذا اللفظ في الصحيحين عند البخاري (1216) ومسلم (568).
    [6]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/3383-384) وانظر (6/160).
    [7]/ انظر المسألة في مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/359) وما يليها.
    [8]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/301-303) انظر (8/342-343).
    [9]/درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (10/25).
    [10]/انظر منهاج السنة النبوية (2/134-224) ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (10/307).
    [11]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/87-88).
    [12]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/437).
    [13]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/393-394) وانظر أيضا (12/250)(5/386،401).
    [14]/ انظر الاعتقاد للبيهقي (31-32) مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/188).
    [15]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/185).
    [16]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/187).
    [17]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/206-207).
    [18]/ شرح العقيدة الواسطية (69) وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/41-42) .
    [19]/ لسان الميزان لابن حجر (3/291) .
    [20]/ رسالة إلى أهل الثغر (166-167).
    [21]/الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي (181).
    [22]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/424) والعبارة نفسها في الإبانة (94).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد مختار حق

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    682

    افتراضي رد: الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري

    الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة (2)


    المبحث الثاني:
    أخطاء الأشعري في مسائل القضاء والقدر

    وأما أخطاء الأشعري في مسائل القدر فهي أظهر من أخطائه في الصفات، وهي كلها متفرعة عن القول بعقيدة الجبر، وهذا أمر متوقع منه، فإنهم قد ذكروا من أسباب رجوعه عن الاعتزال مناظرته لشيخه الجبائي في قضية من قضايا القدر، ومذهب المعتزلة النفي فلما فارقهم ناقضهم بالغ في الإثبات حتى قال بالجبر، وكلا القولين ضلال، ويمكن تنظيم أخطاء الأشعري في هذا الباب في المطلبين الآتيين:
    المطلب الأول : الأخطاء الصريحة المرتبطة بالصفات
    المطلب الثاني : المسائل المرتبطة بالحكمة والتعليل


    المطلب الأول: الأخطاء الصريحة المرتبطة بالصفات


    إنه مما لا يخفى أن قضايا الاعتقاد مرتبطة بعضها ببعض، وأن باب القدر مبني على باب الصفات، وما ضل فيه إلا من اشتبه عليه أمرها، وأن سلامة الاعتقاد فيه لا تحصل إلا بسلامة الاعتقاد في الله عز وجل وأسمائه وصفاته، وبالنسبة لمن جنح إلى القول بالجبر، فإنه أتي من جهة نفيه للصفات الفعلية الاختيارية كالإرادة والهداية والغضب والرضا، وجعلها معنى واحدا قائما بالنفس لا تتعدد أفراده ولا تختلف أحواله، وفيما يلي توضيح لهذا النوع من الأخطاء.


    أولا : القول الصريح بالجبر
    إن عقيدة الجبر فيما كتبه الأشعري في مقالات الإسلاميين والإبانة عن أصول الديانة أمر واضح جلي، وهو أول شيء أدخل في قلبي الريبة والتساؤل حول رجوعه إلى عقيدة السلف وأنا بعد في المراحل الأولى للطلب، ومن ذلك قول الأشعري في المقالات (ص:291-292) :« وإن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين، ولطف بالمؤمنين ونظرهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين، وأن الله سبحانه يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن لا يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم». والمقالة نفسها كررها في الإبانة (ص:46). وهذا إطلاق في نفي الهداية للكافرين وأنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم ، إطلاق فاسد مخالف لعقيدة أهل الحق، وحقيقته القول بعقيدة الجبر.
    وعقيدة الجبر اشتهر بها الجهم بن صفوان كما عرف بها أيضا الأشعري وأتباعه، وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في غير موضع من مؤلفاته، ومن ذلك قوله:« والمقصود هنا أن جهما اشتهر عنه بدعتان إحداهما نفي الصفات، والثانية الغلو في القدر والإرجاء، فجعل الإيمان مجرد المعرفة ، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة، وهذان غلت المعتزلة في خلافه فيهما، أما الأشعري فوافقه على أصل قوله، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية»([1]). أي وافقه في أصل قوله في القضايا الثلاث جميعا الصفات والقدر والإيمان.
    وأصرح من هذا في تقرير موافقته للجهم في الجبر قوله رحمه الله:« وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة والجهمية ، وكذلك مذهب الأشعري في الصفات، أما في القدر والإيمان فقوله قول جهم »([2]).
    فهذا كلام الأشعري في بيان عقيدته في القدر وشهادة ابن تيمية على أنه كان جبريا جهميا، وما يأتي من مسائل يدل على هذه الحقيقة ويؤكدها .


    ثانيا : نفي الفعل عن الإنسان
    إن الناس في قضية أفعال العباد -وهي قضية دقيقة جدا- طرفان ووسط.
    فأما الطرف الأول فهم المعتزلة القائلون بأن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، وأنه قادر تام القدرة، ولا أثر لمشيئة الله تعالى في ذلك، إذ معنى مشيئة الله عز وجل عندهم هو الأمر والنهي فحسب.
    وأما الطرف الثاني فهم الجهمية الذين يسلبون العبد اختياره وقدرته ويجعلونه مجبورا على حركاته وسكناته، ويجعلون أفعال العباد أفعالا لله عز وجل حقيقة، وأن العبد كسبها وفعلها مجازا، إذ لا يجوز عندهم أن يكون للفعل الواحد فاعلان، وهذا الفعل المجازي الذي يسمونه كسبا يعرفونه بأنه قدرة لا تأثير لها في الفعل؟
    وأما أهل الوسط أهل السنة والجماعة فيقولون إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهي فعل العبد قائمة به وليست فعلا لله تعالى قائمة به، فالله تعالى خلق العباد وأفعالهم، وأعطى العباد قدرة واختيارا على فعلها وتركها، فإذا أراد العبد الشيء وكانت له قدرة عليه ففعله كان فاعلا له حقيقة([3]).
    والأشعري اختار قول جهم في هذه القضية كسائر قضايا القدر الآتية، فقال في الإبانة (ص:46): « وأنه لا خالق إلا الله ، وأن أعمال العباد مخلوقة له مقدورة له». وهذا جزء من العقيدة الصحيحة وبه يفارق المرء عقيدة المعتزلة القدرية، ولكن لا يجوز الوقوف عنده بل لابد من أن يقال بعد ذلك:«وأن العباد فاعلون لها حقيقة ». حتى يفارق عقيدة الجهمية الجبرية.
    ثم قال (ص:127): «وجواب آخر أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله عز وجل من اكتساب العباد ما لا يريده، كما لا يجوز أن يكون من فعله المجمع عليه على أنه فعله ما لا يريده، لأنه لو وقع من فعله ما لا يعلمه لكان في ذلك إثبات النقصان». وهذا كلام صريح في بيان عقيدته، فهو يقول إن للعبد كسبا الله تعالى يكسبه إياه، وأن العبد لو استقل بالكسب لخرج عن علم الله تعالى. وهذا تمويه واضح البطلان، لأنه لا يلزم من كون الإنسان كاسبا فعلا حقيقة أن يخرج عن علم الله تعالى ولا عن إرادته.
    ثم إنه بناء على هذا الأصل تجرأ على تحريف كلام الله عز وجل فقال (ص:137): «وإن سألوا عن قول الله عز وجل : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء:79) فالجواب عن ذلك : قال الله عز وجل : (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) (النساء 78) في قولهم: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) فحذف قولهم لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه، لأن القرآن لا يتناقض …».
    ومعنى الآية عند أهل السنة والجماعة أن ما أصاب العبد من النعم فهو بفضل الله ورحمته، وأن ما يصيبه من الشر فهو بذنوبه وتفريطه، فلا بد من إضافة السيئات إلى النفس مع العلم بأن الله خالقها كلها وموجدها، وهذا معنى قوله تعالى : (كل من عند الله)([4]).
    والأشعري يسمي فعل الإنسان كسبا، وبين في مقالات الإسلاميين أن الكسب ليس فعلا حقيقيا لأنه يتم بقدرة محدثة، ولا يستحق أن يكون فاعلا إلا من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، وليس ذلك إلا الله تعالى، وهذا نصه في (ص:538-539) إذ قال :« ومعنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة، فكل من وقع معه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب، وهذا هو قول أهل الحق».
    والتفريق بين الفعل والكسب أمر اختص به الأشعري وعُرف به، ولا يقر به أحد من أهل السنة بل ولا من العقلاء حيث حده بأنه فعلا لا قدرة له على التأثير، مثله مثل صفات الأحوال التي قال إنها صفة لموجود لا يتصف بوجود ولا عدم!! وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:« ولما قيل لهؤلاء ما الكسب؟ قالوا : ما وجد بالفاعل وله عليه قدرة محدثة أو ما يوجد في محل القدرة المحدثة. فإذا قيل لهم : ما القدرة؟ قالوا: ما يحصل به الفرق بين المرتعش وحركة المختار. فقال لهم جمهور العقلاء: حركة المختار حاصلة بإرادته دون حركة المرتعش، وهي حاصلة بقدرة أيضا، فإن جعلتم الفرق مجرد الإرادة فالإنسان قد يريد فعل غيره ولا يكون فاعلا له، وإن أردتم أنه قادر عليه فقد عاد الأمر إلى معنى القدرة. والمعقول من القدرة معنى به يفعل الفاعل ولا تثبت القدرة لغير الفاعل، ولا قدرة يكون وجودها وعدمها بالنسبة للفاعل سواء، وهؤلاء المتبعون لجهم يقولون: إن العبد ليس بفاعل حقيقة وإنما هو كسب، ويثبتون الكسب قدرة لا تأثير لها في الكسب، بل وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء»([5]).


    ثالثا : عدم التفريق بين الهداية العامة والهداية الخاصة
    قلنا فيما مضى من أسباب الضلال في القدر الضلال في باب الصفات وخاصة صفة الهداية، والجبرية يقولون :« من هداه الله اهتدى ومن ضل فلأن الله لم يهده بل أضله». هكذا بإطلاق وفي هذا نسبة الإله سبحانه إلى الظلم، لأن هذا الضلال سيترتب عليه الإثم والعقاب يوم القيامة، وهم يقولون يضله ويعاقبه بالخلود في جهنم ولا ظلم في صنيعه، لأن الظالم في اصطلاحهم هو من تصرف في ملك غيره، والله تعالى لا يمكن أن يكون ظالما لأنه يتصرف في ملكه. وهذا تحريف ساقهم إليه القول بالجبر، وإلا فمعنى الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وشأن أهل الكلام اعتقاد البدعة ثم تفسير النصوص وألفاظ الشرع على وفق اعتقادهم، وهذا ما صنعه الأشعري أيضا في قضية الهداية التي نحن بصدد الحديث عن مذهبه فيها، فقد حرف معاني آيات ظهر له معارضتها الصريحة لمعتقده الفاسد.
    ومن ذلك أنه قال في الإبانة (ص:153-154) :« فإن سأل سائل عن قول الله عز وجل: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت:17) فقال : أليس ثمود كانوا كافرين وقد أخبر الله أنه هداهم . قيل له: ليس الأمر كما ظننت، والجواب في هذه الآية على وجهين :
    أحدهما : أن ثمود فريقين كافرين ومؤمنين …فالذين عنى الله عز وجل من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين؛ لأن الله عز وجل قد بين لنا في القرآن أنه لا يهدي الكافرين …
    الوجه الآخر : أن الله تعالى عنى قوما من ثمود كانوا مؤمنين ثم ارتدوا فأخبر أنه هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان، وكانوا حال هداهم الله مؤمنين»([6]).
    ومن ذلك أنه قال (ص:152) :« تقولون أليس قد قال الله عز وجل : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) (البقرة:185) فما أنكرتم أن يكون القرآن هدى للكافرين والمؤمنين؟ قيل لهم: الآية خاصة، لأن الله عز وجل قد بين أنه هدى للمتقين، وأخبرنا أنه لا يهدي الكافرين، والقرآن لا يتناقض، فوجب أن يكون قوله: (هدى للناس) أراد به المؤمنين دون الكافرين ».
    والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات الهداية العامة والهداية الخاصة، فأما العامة فهي هداية البيان والدلالة التي تقوم بها الحجة على العباد أو التي تبصرهم وترشدهم إلى الحق، وهذه الهداية عامة للمؤمنين والكافرين جميعا بما جعل فيهم من فطرة وركب فيهم من عقل، وبما أرسل إليهم من الرسل وأنزل من الكتب، فثمود كانوا في ضلال فهداهم بإرسال صالح عليه السلام الذي بين لهم الحق ودعاهم إليه، فاختاروا التمادي في الضلال والإعراض عن الحق.
    وأما الهداية الخاصة فهي هداية التوفيق التي خص الله تعالى بها عباده المؤمنين الذين قبلوا الهداية العامة، قال تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن 11) وقال سبحانه : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69) أما الذين استكبروا عن الهداية الأولى فيضلهم الله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل:107) وقال سبحانه : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص: 50) ([7]).
    ومن هذا التقسيم يعلم أن لا تعارض أيضا بين كون القرآن هدى للناس جميعا وبين كونه هدى للمتقين على وجه الخصوص، فهو هدى للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم وصالحهم وفاجرهم هداية البيان والدلالة، وهو هدى للمتقين هداية التوفيق والتثبيت والتزيين في القلوب.


    رابعا : عدم التفريق بين المحبة والإرادة
    من اللوازم الفاسدة التي التزمها الأشعري بناء على عقيدته في الصفات وفي القدر أنَّ كلَّ ما أراده الله تعالى أحبه بلا فرق بين الخير والشر وبين الكفر والإيمان، وفي بيان هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: « وجهم لا يثبت شيئا من الصفات لا الإرادة ولا غيرها، فإذا قيل إن الله يحب الطاعات ويبغض المعاصي فمعناه الثواب والعقاب، والأشعري يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج إلى الكلام فيها، هل هي المحبة أم لا؟ فقال: المعاصي يحبها الله ويرضاها كما يريدها، وذكر أبو المعالي أنه أول من قال ذلك »([8]).
    وقد صرح الأشعري بهذه المقالة الفاسدة في الإبانة فقال (ص:125):« ويقال لهم: إذا قلتم إنه يكون في سلطانه تعالى ما لا يريد فقد كان إذا في سلطانه ما كرهه، فلا بد من نعم. فيقال لهم: فإذا كان في سلطانه ما يكرهه، فما أنكرتم أن يكون في سلطانه ما يأبى كونه؟ فإن أجابوا إلى ذلك قيل لهم: فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى، وهذه صفة الضعف والفقر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا». ومعنى كلامه أن كل ما كان في كونه فهو لا يكرهه أي يحبه وإلا لزم من ذلك عليه الضعف والحاجة وهما محال على الله تعالى.
    ثم قال :« مسألة: ويقال لهم: أليس فعل العباد ما يسخطه تعالى ويغضبه عليهم إذا فعلوه، وإذا فعلوه فقد أغضبوه وأسخطوه؟ فلا بد من نعم. فيقال لهم : فلو فعل العباد ما لا يريده وما يكرهه لكانوا قد أكرهوه، وهذه صفة القهر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا». فتأمل كيف قرن بين ما لا يريده وما يكرهه مما يقتضي أن يكون ما أراده قد أحبه!؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
    والتفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أمر متقرر عند أهل السنة والجماعة، فالإرادة الأولى مقتضية أن لا يكون في ملكه إلا ما يريد سبحانه وتعالى، والإرادة الثانية هي شرعه وأمره ونهيه، وبذلك يتعلق حبه وبغضه، فما أمر إلا بما يحبه وما نهي إلا عما يبغضه ، فليس كل ما أراده قدرا قد أحبه شرعا والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب سبحانه الفساد([9]).
    المطلب الثاني : المسائل المرتبطة بالحكمة والتعليل

    إن من ألزم الأقوال لمن قال بعقيدة الجبر أن ينفي الحكمة والتعليل، لأن أول ما يرد عليهم من الأسئلة أن يقال إذا كنا مجبرين غير مخيرين فلِم التكليف إذن؟ ولماذا أمر الله الكفار بالإيمان والعصاة بالطاعة؟ فتخلصوا من هذا السؤال بقولهم إن الله يأمر وينهي لا لغاية، بل ويخلق من غير حكمة، فأركبوا الخطأ خطأ آخر ووصفوا الله تعالى بالعبث، لكنهم سبقوا وجعلوا تعطيلهم تنزيها، وقالوا نحن ننفي الحكمة والتعليل تنزيها لله تعالى عن الأهواء والأغراض.
    وفيما يأتي بيان للأخطاء التي وقع فيها الأشعري في كتابيه مما له تعلق بهذه القضية المهمة.


    أولا : التصريح بنفي الحكمة والتعليل
    كما سبق فإن من لوازم عقيدة الجبر نفي الحكمة والتعليل في الخلق والأمر جميعا، فالجبرية يزعمون أن الله تعالى فعال لما يريد لا لسبب ولا لغاية، لذلك فالمعروف عنهم إنكار لام التعليل في كتاب الله تعالى وتأويلها إلى لام الصيرورة والعاقبة.
    ومن أثر ذلك وأمثلته أنه من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن غاية إيجاد الخلق عبادة الله تعالى، وذلك لقوله سبحانه : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56)، والأشعري لا يرى ذلك كما صرح به في الإبانة (ص:137-138) حيث قال:« وإن سألوا عن قوله عز وجل : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) فالجواب: أن الله عز وجل إنما عنى المؤمنين دون الكافرين، لأنه أخبر أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم وأحصاهم وعدهم وكتبهم بأسمائهم وأسماء أمهاتهم([10]) غير الذين خلقهم لعبادته ». فمعنى الآية عنده أن الله تعالى خلق المؤمنين لعبادته وليس كل الخلق، وهذا يعني أنه لم يعتبر اللام في "ليعبدون" لام تعليل ولكن لام عاقبة وصيرورة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« وأما نفاة الحكمة كالأشعري وأتباعه كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وغيرهم فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئا لشيء، فلم يخلق أحدا لعبادته ولا لغيرها، وعندهم ليس في القرآن لام كي، ولكن يقولون في القرآن لام العاقبة »([11]). وبيَّن رحمه الله أن أصل هذا هو عقيدة الجبر فقال :« وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان ومن اتبعه من المجبرة »([12]). وليس للأشعري في هذه المسألة إلا هذا القول لذلك فابن تيمية لا ينسب إليه غيره . قال رحمه الله تعالى: «فالذي عليه جمهور المسلمين من السلف والخلف أن الله تعالى يخلق لحكمة ويأمر لحكمة …وذهب طائفة من أهل الكلام ونفاة القياس إلى نفي التعليل في خلقه وأمره وهو قول الأشعري ومن وافقه»([13]).


    ثانيا : مسألة إيلام الأطفال
    مسألة إيلام الأطفال من مسائل القضاء والقدر المرتبطة بالحكمة والتعليل وبمعنى العدل والظلم، والأشعرية لما قالوا إن الله تعالى يتصرف في ملكه كما يريد فلا يمكن أن يكون ظالما بحال، ونفوا الحكمة والتعليل جوَّزوا أن يُدخل الله تعالى العابد الطائع النار خالدا فيها، وأن يُدخل الكافر الفاسق الجنة خالدا فيها بمحض الإرادة، وليس في ذلك ظلم ما دام يتصرف في ملكه.
    وقد ذكر الأشعري مسألة إيلام الأطفال المندرجة في هذا السياق والتي مفادها أن الله تعالى يجوز أن يُعذِّب الأطفال في الآخرة عذابا لا نهاية له من غير ذنب فعلوه، وإن لم يعقلوا ولم تبلغهم رسالة ([14])، فقال في الإبانة (ص:138-139) : «ويقال لهم: أليس قد آلم الله عز وجل الأطفال في الدنيا بآلام أوصلها إليهم؟ كنحو الجذام الذي يقطع أيديهم وأرجلهم وغير ذلك مما يؤلمهم، وكان ذلك سائغا؟ فإذا قالوا نعم. قيل لهم: فإذا كان عدلا فما أنكرتم أن يؤلمهم في الآخرة ويكون ذلك منه عدلا ».
    وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه لا يعذب أحدا بذنب إلا بعد مجيء الرسول أو قيام الحجة الرسالية عليه، لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15)، وأما مسألة إيلام الأطفال في الدنيا التي تعلق بها الأشعري فلا تخرج عن الحكمة الإلهية سواء أدركناها أم لم ندركها، وما ذكر الأشعري ما ذكر إلا إمعانا في مناقضة المعتزلة الذين قالوا : لا يكون الإيلام إلا بجرم سابق أو عوض لاحق، وأهل السنة قد أنكروا عليهم الحصر في ذلك ليس إلا، لأنه قياس لله تعالى على الواحد من الناس، وتمثيل لحكمة الله تعالى وعدله بحكمة الواحد من الناس وعدله([15]).


    ثالثا : نفي الاستطاعة قبل الفعل
    من اللوازم الباطلة لقول الجبرية أن المكلف لا يقدر على الفعل شيء حتى يفعله، لأن الله تعالى هو الذي يحدثه حينها أما قبل ذلك فليس للإنسان قدرة عليه، وقد صرح بهذا الأشعري في مقالات الإسلاميين(ص:291) ونسبه إلى أهل السنة إذ قال:« وقالوا : إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله». وكذلك قال في الإبانة (ص:45): « وإن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله». ودلل على ذلك في موضع آخر فقال (ص:134):« ويقال لهم فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان فما أنكرتم أن يكونوا موفقين للإيمان؟ ولو كانوا موفقين مُسدَّدِين لكانوا ممدوحين، وإذا لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين، ووجب أن يكون الله عز وجل اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين».
    ومذهب أهل السنة والجماعة أن الاستطاعة والقدرة على الفعل قسمان إحداهما تكون قبل الفعل وهي سبب التكليف ، والأخرى تكون مع الفعل وبها ينجز العمل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «أحدهما : القدرة الشرعية المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي ، الثاني : القدرة القدرية الموجبة للفعل التي هي مقارنة للمقدور ولا تتأخر عنه. فالأولى هي المذكورة في قوله عز وجل : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران:97) فإن هذه الاستطاعة لو كانت مقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلا على من حج، فلا يكون من لم يحج عاصيا بترك الحج …»([16]). والله تعالى أمر الناس بالإيمان وجعل لهم قدرة على ذلك، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، والأشعري لم يثبت القدرة الشرعية المصححة للتكليف مناقضة للمعتزلة الذين لم يثبتوا غيرها ، لذلك فهو يقول لا قدرة على الإيمان وغيره إلا لمن آمن وقام بالفعل([17]).


    رابعا : التكليف بما لا يطاق
    مسألة التكليف بما لا يطاق من المسائل التي لها ارتباط بالحكمة والتعليل أيضا ، ولها تعلق بمسألة الاستطاعة السابقة، وعند الجبرية مادام الإله يأمر وينهى لا لحكمة فإنه يجوز أن يأمر الناس بما لا يطيقونه، لأن الطاعة والامتثال ليست مقصودة، وكذلك ما دامت الاستطاعة عندهم لا تكون إلا مع الفعل فالتكليف كله بما لا يطاق بهذا الاعتبار عندهم، وقد قرر الأشعري هذه العقيدة الفاسدة في الإبانة فقال (ص:138): « ويقال لهم: أليس قد كلف الله عز وجل الكافرين أن يستمعوا الحق ويقبلوه ويؤمنوا به…؟ فلابد من نعم. فيقال لهم: فقد قال عز وجل: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) (هود:20) وقال: (وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) (الكهف:101)، وقد كلفهم استماع الحق . ويقال لهم : أليس قد قال الله عز وجل : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) (القلم:42) وهذا تثبيت لما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله إذا أمرهم أن يقدروا»([18]).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف ما لا يطاق، وليس في السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق، كما أنه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر، وإطلاق القول بأنه يُجبِر العباد كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون. وهذا سلب قدرتهم على ما أمروا، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين»([19]).
    أما الشبهات التي ذكر الأشعري فجوابها أن السماع المنفي هو سماع الفهم، الذي لا يمكن أن يحصل مع الإعراض، وأما الأمر بالسجود فهو أمر تعجيز لا أمر تكليف فافترق الحال([20]).
    (يتبع)

    [1]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/229-230).
    [2]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/308).
    [3]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/444،468).
    [4]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/64،442).
    [5]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/467).
    [6]/ وانظر الصفحات (141،146،149،151) من الإبانة.
    [7]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/205).
    [8]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/230).
    [9]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/131،340،475 ).
    [10]/ قال الذهبي في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطبري الميزان (1/327) كان بصنعاء قال ابن عدي منكر الحديث، روي عن مروان بن معاوية عن حميد عن أنس مرفوعاً يدعى يوم القيامة بأسماء أمهاتهم ستراً من الله عليهم و هذا منكر ». ويعارضه حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ رواه البخاري (6177) ومسلم (1735) أما حديث حديث هُشَيْمٌ (ثقة كثير التدليس والإرسال الخفي) عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَمْرٍو (صدوق يخطئ ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ فهو حديث ضعيف أخرجه أَبُو دَاوُد (4948) وقال ابْنُ أَبِى زَكَرِيَّا لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاءِ.
    [11]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/44).
    [12]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/38).
    [13]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/377).
    [14]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/677) (19/215).
    [15]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/125).
    [16]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/129).
    [17]/ انظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/60).
    [18]/ وانظر صفحة (139) أيضا .
    [19]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/469).
    [20]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/8-12).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد مختار حق

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    682

    افتراضي رد: الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري

    الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة (3)


    المبحث الثالث : موقف ابن تيمية من عقيدة الأشعري
    بعد أن بينا في المبحثين السابقين الأخطاء التي تدل على بقاء الأشعري على المنهج الكلامي في إثبات العقائد، وعلى عدم رجوعه إلى عقيدة السلف ومنهجهم في التلقي، نأتي في هذا المبحث لنبين موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من قضية رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف، ولنسجل شهادته من كتبه المتعددة أنه لم يعرفها ولم يرجع إليها، وأنه لما ترك الاعتزال انتقل إلى مذهب توسط فيه بين مذهب أهل السنة والمعتزلة في قضايا الصفات، وتطرف في مخالفتهم في قضايا أخرى.
    وسأبين على لسان شيخ الإسلام أنه لم تكن له سوى مرحلتين، وذلك من خلال تفصيل عقيدة الأشعري في الصفات، ولما كان إثباته لبعض الصفات التي عطلها المنتسبون إلى نحلته من المتأخرين؛ قد جعل كثيرا من أهل السنة يحسنون الظن به ويقولون برجوعه في مرحلة ثالثة إلى عقيدة السلف، رأيت ضرورة تفصيل القول في مذهب الأشعري في صفات المولى عز وجل بجميع أنواعها وكذلك عقيدة ابن كلاب ليتبين موافقته له في أكثر الأنواع([1]). وقد جعلت هذا المبحث في تمهيد ومطلبين:


    تمهيد في بيان أقسام الصفات عند الأشعرية
    المطلب الأول : عقيدة الأشعري وابن كلاب في الصفات الخبرية
    المطلب الثاني : من أوجه تخطئة من قال برجوع الأشعري إلى عقيدة السلف.
    تمهيد في بيان أقسام الصفات عند المتكلمين


    تنقسم صفات المولى عز وجل عند المتكلمين إلى قسمين صفات عقلية وصفات خبرية.
    أولا : الصفات العقلية :
    وهي التي دل عليها العقل مع ورود السمع بها كالوجود والكلام والإرادة.
    وهي تنقسم إلى أقسام كثيرة، وهم يختلفون في إثبات بعضها ونحن نذكرها جميعا .
    1-الصفات النفسية وهي التي تدل على الذات فقط دون معنى زائد عليها - في زعمهم - وهي صفة الوجود.
    2-صفات المعاني وهي الصفات السبع المشهورة (الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام).
    3-الصفات المعنوية أو الأحوال وهي متعلقة بالصفات السبع المشهورة ( كونه حيا، وكونه عليما، وكونه قادرا وكونه مريدا وكونه سميعا …) ويقولون الحال صفة لموجود لا يتصف بوجود ولا عدم!!.
    4-الصفات السلبية (تطلق على الله ولا يراد بها إثبات معناها ولكن نفي ضدها) وهي عندهم خمسة: الوحدانية والقدم والبقاء والقيام بالنفس والمخالفة للحوادث.

    ثانيا : الصفات الخبرية :
    وهي الصفات التي دل عليها السمع وليس في العقل ما يدل عليها كالوجه واليدين. وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام يختلفون في التعامل معها إثباتا وتعطيلا وتفويضا.
    1-الصفات الذاتية كالوجه واليدين والعينين، وقد تخص عند بعضهم باسم الصفات الخبرية .
    2-صفات فعلية (وهي عند أهل السنة متعلقة بالمشيئة )
    ومنها الصفات اللازمة للذات لا تتعلق بالمخلوقات كالاستواء والنزول والمجيء
    ومنها الصفات المتعدية تتعلق بالمخلوقات كالخلق والرزق والإحياء والإماتة.

    المطلب الأول :عقيدة الأشعري وابن كلاب في الصفات الخبرية


    إن أهل السنة والجماعة لا يقرون بأصل التقسيم المذكور في التمهيد، حيث جعل ضابطه حكم العقل، لأن العقل لا حكم له في الأصول ولا الفروع، ولكنه يفهم ويؤمن ويصدق ويسلم، لذلك هم يخالفون الأشاعرة في الصفات التي اعتبروها سلبية لا تدل على معاني ثبوتية كما يخالفونهم في الصفات المعنوية كالسمع والبصر والكلام التي جعلوها تدل على معان قائمة بالذات دون أن تكون متجددة ومتعلقة بالمشيئة، ولذلك سنبين في هذا المطلب عقيدة الأشعري وابن كلاب – سلف الأشعري فيما رآه وذهب إليه- في القسم الثاني الذي سموه صفات خبرية :

    أولا : الصفات الخبرية الذاتية
    أول شيء يبين خطأ من ظن رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف في مرحلة ثالثة، هو بيان عقيدة ابن كلاب في الصفات، فابن كلاب لا يعرف عنه إثبات الصفات السبع دون غيرها، بل المعروف عنه إثبات الصفات الذاتية الخبرية قولا واحدا. هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من كتبه، منها قوله:« ابن كلاب وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد والاستواء »([2]). وقال :« أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية([3]) ثلاثة أقوال معروفة، أحدها إثبات صفات أخرى كالرضا والغضب والوجه واليدين والاستواء وهذا قول ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي والأشعري وقدماء أصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن بن مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثالهم وهو قول أبي بكر بن فورك وقد حكى إجماع أصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد وهو قول أبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي .... كما هو قول سائر المنتسبين إلى أهل السنة والحديث وليس للأشعري نفسه في إثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان، بل لم يختلف قوله أنه يثبتها ولا يقف فيها بل يبطل تأويلات من ينفيها ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها»([4]).
    فمذهب ابن كلاب والأشعري والمتقدمين من المنتسبين إلى مذهبه إثبات الصفات الخبرية في الجملة، وليس مذهبهم كمذهب المتأخرين فيها، الذي لا يختلف عن مذهب المعتزلة كثيرا.
    وقولنا إنهم أثبتوا الصفات الخبرية في الجملة لأنهم مع إثباتهم لها وردِّهم تأويلات المعتزلة لها قد أخطأوا في تفسير الصفات الفعلية كما سيأتي، فإثباتهم الاستواء وردهم على من أوَّله بالاستيلاء، يُخرجهم عن دائرة الاعتزال ولا يدخلهم دائرة أهل السنة، لأنهم فسَّروه تفسيرا آخر غير صحيح سبقت الإشارة إليه في المبحث الأول.
    أما الصفات الخبرية الذاتية كالوجه واليدين، فإنهم لم يتردَّدوا في إثباتها ولم تكن لهم شبهة فيها والله تعالى أعلم.

    ثانيا : عقيدة ابن كلاب والأشعري في الصفات الفعلية اللازمة
    أما الصفات الفعلية اللازمة فقد سبق بيانها ومعناها، ووجه الفرق بينها وبين الصفات الفعلية المتعدية في التمهيد، وقد اتفق ابن كلاب والأشعري وقدماء أصحابه على نفي الصفات المتعلقة بالمشيئة لشبهة قيام الحوادث بالذات الإلهية، وهذا من رواسب الاعتزال التي علقت بهم أو من قواعد الاعتزال التي سلموها لهم، فأثبتوا هذه الصفات ولكن على غير مراد الله تعالى فجعلوا أكثرها من الصفات الذاتية القديمة التي لا تتعلق بالمشيئة، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :« فأثبت ابن كلاب الصفات اللازمة به ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما»([5]). وقال أيضا:« وهؤلاء يقولون : النزول من صفات الذات، ومع هذا فهو عندهم أزلي كما يقولون مثل ذلك في الاستواء، والمجيء، والإتيان، والرضا، والغضب، والفرح، والضحك، وسائر ذلك: إن هذا جميعه صفات ذاتية للّه، وإنها قديمة أزلية، لا تتعلق بمشيئته واختياره؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب، وهو أن الرب لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره»([6]).
    فهم يقولون إن الله تعالى لم يزل رضيا على من علم خاتمته الحسنة ولم يزل غاضبا على من علم خاتمته السيئة، قال ابن تيمية :« وابن كلاب -ومن تبعه كالأشعري وأبي العباس القلانسي ومن تبعهم- أثبتوا الصفات، لكن لم يثبتوا الصفات الاختيارية مثل كونه يتكلم بمشيئته، ومثل كون فعله الاختياري يقوم بذاته، ومثل كونه يحب ويرضى عن المؤمنين بعد إيمانهم، ويغضب ويبغض الكافرين بعد كفرهم، ومثل كونه يرى أفعال العباد بعد أن يعملوها، كما قال تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون َ) (التوبة:105)، فأثبت رؤية مستقبلة، وكذلك قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس:14) ومثل كونه نادى موسى حين أتى، لم يناده قبل ذلك بنداء قام بذاته، فإن المعتزلة والجهمية يقولون: خلق نداء في الهواء. والكلابية والسالمية يقولون: النداء قام بذاته وهو قديم، لكن سمعه موسى، فاستجدوا سماع موسى، وإلا فما زال عندهم مناديًا »([7]).

    ثالثا : عقيدة ابن كلاب والأشعري في الصفات الفعلية المتعدية

    وبعد اتفاق ابن كلاب والأشعري على نفي الصفات الفعلية وعلى جعل اللازمة منها ذاتية قديمة بقي النظر في القسم الثالث وهو الصفات الفعلية المتعدية، وقد وقع فيه الاختلاف بينهما.
    فأثبت ابن كلاب الفعل المتعدي لله تعالى كالخلق والرزق والإحياء والإماتة على أنه صفة قائمة بالنفس قديمة غير متعلقة بالمشيئة، وسماه صفة التخليق أو التكوين التي اشتهر بها الماتريدية بعده .
    وأما الأشعري فقال: الخلق هو المخلوق والفعل هو المفعول، فوافق الجهمية والمعتزلة في هذا القسم([8]).
    ولعل الذي جره إلى هذا القول أنه جمع إلى شبهة قيام الحوادث التي اتفق هو وابن كلاب عليها، إضافة إلى قوله بالجبر ونفيه لكل فعل إلا فعل الخالق سبحانه.
    قال ابن تيمية :«يقولون : معنى النزول والاستواء وغير ذلك : أفعال يفعلها الرب في المخلوقات، وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعري وغيره، قالوا: الاستواء فعل فعله في العرش كان به مستويًا .. وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف، وليس الأمر كذلك»([9]).

    المطلب الثاني : أدلة خطأ من قال برجوع الأشعري إلى عقيدة السلف

    بعد أن بينا بشيء من الإيجاز عقيدة الأشعري وابن كلاب في الصفات الخبرية ومواطن اتفاقهما واختلافهما ومواطن موافقتهما للسلف وخلافهما لهم، نأتي إلى ذكر دلائل خطأ من ظن رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف مع بعض الأسباب التي أوجبت له هذا الخطأ.

    أولا : هل نفى الأشعري الصفات الخبرية الذاتية في غير الإبانة؟

    إن الأشعري بعد أن رجع عن مذهب الاعتزال سار في باب الصفات على أصول الكلابية لا أصول أهل السنة، وهذه الأصول قضت بموافقته لأهل السنة في بعض القضايا ظاهرا وباطنا وموافقته لهم في أخرى ظاهرا فقط كما سبق شرحه، وموافقته لأصول ابن كلاب أمر قد قرره العارفون بمقالاته من أهل السنة والأشاعرة فلا ينبغي أن يشك فيه ، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «وقد جمع أبو بكر بن فورك شيخ القشيري كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفقاهما في الأصول»([10]).
    ومن الأشياء التي وافق فيها ابن كلاب وأهل السنة إثبات الصفات الذاتية كالوجه واليدين، وذلك فور رجوعه عن الاعتزال وبقي عليه إن مات وهو ما دونه في الإبانة والمقالات وغيرها من كتبه، ولم يثبت عنه القول بتأويلها قط، وابن تيمية يؤكد أن من نسب إليه فيها قولان قد افترى عليه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهكذا نقل عنه سائر الناس حتى المتأخرين كالرازي والآمدي ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية لا يحكون عنه قولين، فمن قال إن الأشعري كان ينفيها وأن له في تأويلها قولين فقد افترى عليه»([11]).
    وليس معتمد شيخ الإسلام ابن تيمية النقل عن هؤلاء الأشاعرة، ولكنه قد وجد الأمر كذلك في كل كتب الأشعري التي اطلع عليها، بل قد وجد هذا القول وهو الإثبات قد قال به تلاميذ الأشعري والطبقة الثانية والثالثة من الأشاعرة، وفي هذت يقول رحمه الله تعالى: « أما الأشعري وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية والرد على من يتأولها كمن يتأول استوى بمعنى استولى، وهذا مذكور في كتبه كلها كالموجز الكبير والمقالات الصغير والكبير والإبانة وغيرها »([12]).
    إذن ليس للأشعري قول بتأويل هذه الصفات الخبرية ومن ظن أنه كان يؤلها في المرحلة الثانية المزعومة فقد أخطأ عليه خطأ بينا.

    التأويل مذهب الجويني وأتباعه
    وبعد أن تجلت هذه الحقيقة يظهر تساؤل منطقي إذا لم يكن الاقتصار في الإثبات على الصفات السبع مذهب ابن كلاب والأشعري فمذهب من هو؟
    الجواب أن مذهب إثبات الصفات السبع وتأويل الصفات الخبرية جملة تفصيلا بنحو تأويلات المعتزلة هو مذهب الجويني، وتبعه عليه أكثر المتأخرين من الأشاعرة، في هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:« لكن أبا المعالي وأتباعه لا يثبتون الصفات الخبرية»([13])، ويقول أيضا:« ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها، ثم لهم في التأويل والتفويض قولان فأول قولي أبي المعالي التأويل كما ذكره في الإرشاد وآخرهما التفويض كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل وأنه محرم»([14]).
    ومن هنا نعلم أن الأشعري قد ضل عن مذهب السلف الذي انتسب إليه وادعى نصرته، وأن الأشعرية قد ضلوا عن مذهب الأشعري الذي انتسبوا إليه وزعموا نصرته.
    ومما جعل الجويني وغيره يوافقون المعتزلة في الصفات الخبرية ويرجعون إلى قولهم أن الأشعري فارقهم في القول في الصفات وسلم لهم في الوقت نفسه مقدمات وقواعد تؤدي إلى القول بقولهم ، فكأنهم رأوا التناقض في أقوال الأشعري وعند الترجيح غلبوا الأصول على الفروع ، خاصة أن الجويني كان أقل معرفة بمذهب السلف والآثار من الأشعري فسهل عليه أن يقول بقول المعتزلة والله تعالى أعلم([15]). ويعلل ابن تيمية ذلك في موضع فيقول:« أما الجويني ومن سلك طريقه فمالوا إلى مذهب المعتزلة، فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم قليل المعرفة بالآثار فأثر فيه مجموع الأمرين»([16]).

    ثانيا : هل يقصر النظر على باب دون سائر الأبواب؟

    إن معتمد من قال برجوع الأشعري إلى عقيدة السلف، ما أظهره الأشعري في باب الصفات الخبرية الذاتية من إثباتٍ وردٍّ لتأويلات المعتزلة التي تبناها المتأخرون من المنتسبين إليه، ولا يخفى أن هذا المأخذ ضعف ، وأن هذا المنهج في الحكم غير سديد، لأننا لو سلمنا موافقة الأشعري لأهل السنة في كل أبواب الصفات لم يكن ذلك كافيا للدلالة على أنه سني سلفي، لأن في العقيدة أبواب أخرى غير الصفات ينبغي تأملها كالقدر والإيمان والوعيد والنبوات.
    وإن من الفِرق الضالة بلا خلاف من أُثر عنهم موافقة أهل السنة في الصفات، ولم يقل أحد إنهم كانوا من جملة أهل السنة كمتقدمي الروافض والخوارج والقدرية الصرفة والمرجئة وغيرهم.
    ولنستمع إلى قول شيخ الإسلام الذي يلخص لنا فيه ما توصل إليه في شأن عقيدة الأشعري في الصفات والقدر والإيمان:« وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة والجهمية، وكذلك مذهب الأشعري في الصفات، أما في القدر والإيمان فقوله قول جهم »([17]). وقال مجموع الفتاوى - الرقمية - (ج 3 / ص 103)
    وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبى وأبى العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل»([18]).
    ومن أراد البرهان على صدق ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية فليرجع إلى ما سطر في المبحثين الأول والثاني، ويبقي تحقيق قول الأشعري في الإيمان، والذي شهد به ابن تيمية في هذا الموضع هو موافقته للجهم، وقد بيَّن في غيره أن ذلك هو المذكور في أكثر كتبه وهو المشهور عنه الذي أخذه عنه أكابر أصحابه، وذكر أن للأشعري قولا آخر موافق لأهل السنة في الظاهر ذكره في المقالات والإبانة([19]).

    ثالثا : الاعتماد على نسبته نفسه إلى أهل السنة ومذهب أحمد

    مما يُتمسك به للدلالة على رجوع الأشعري إلى العقيدة السلفية انتسابه إلى أهل الحديث وإلى الإمام أحمد بن حنبل في كتابيه المقالات والإبانة. وربما فرقوا بين هذين الكتابين وغيرهما من كتبه بقولهم هذان من آخر ما صنف.
    وجواب هذا الاستدلال أن مجرد الانتساب إلى أهل السنة لا يدل على صحة المعتقد ولا على أنه منهم، وإذا اعتبرنا قول ابن تيمية في ابن حزم رحمه الله يتجلى لنا ذلك بوضوح، قال رحمه الله تعالى:« وقد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم مع أنه لا يثبت علما هو صفة، ويزعم أن أسماء الله كالعليم والقدير ونحوها لا تدل على العلم والقدرة، وينسب نفسه إلى أحمد وأمثاله من أئمة السنة ، ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث ، ويذم الأشعري وأصحابه ذما عظيما، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب أهل السنة والحديث في الصفات »([20]). فهل مجرد الانتساب مع ظهور المخالفة البينة ينفع ؟ الذي لا شك فيه أنه يبقى مجرد دعوى لا حقيقة لها، نعم من انتسب إلى أهل السنة ولم يظهر مقالة تخالفهم أو خالفهم في أشياء يسيرة لا تتعلق بأصول المسائل أو منهج التلقي فذلك هو السني السلفي.
    زيادة على هذا فإن انتساب الأشعري إلى أهل السنة والحديث لم يكن سوى في هذين الكتابين فإنه بعد رجوعه عن الاعتزال ما كان ينتسب إلا إلى أهل الحديث([21]). وتقرير هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :« وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال إلى أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما ذكر في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها»([22]). وهذه الحقيقة تنفي المرحلة الثانية المزعومة لأنه بين انتسابه إلى أحمد بن حنبل في جميع كتبه التي ألَّفها دون تفريق بين متقدم ومتأخر.

    رابعا : من لم يعرف مذهب السلف كيف يرجع إليه؟

    وآخر شيء أذكره على لسان شيخ الإسلام في بيان عدم رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف، أن الأشعري نفسه لم يعرف عقيدة السلف إلا جملا وكلمات مجملة ذكرها في المقالات ومقدمة الإبانة، وهذه الجمل كان قد أخذها عن زكريا الساجي أو غيره من المحدثين، وقد أساء فهم بعضها وتصرف في البعض الآخر.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : «كتابه في اختلاف المصلين من أجمع الكتب وقد استقصى فيه أقاويل أهل البدع، ولما ذكر قول أهل السنة والحديث ذكره مجملا غير مفصل، وتصرف في بعضه فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم من غير أن يكون ذلك منقولا عن أحد منهم، وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية، وكذلك مذهب الأشعري في الصفات، وأما في القدر و الإيمان فقوله قول جهم، وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث، وقال:" وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول و إليه نذهب"، فهو أقرب ما ذكره، وبعضه ذكره عنهم على وجهه، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات و القدر، إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول، وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث وموافقتهم فأراد أن يجمع بين ما رآه من رأى أولئك، وبين ما نقله عن هؤلاء؛ ولهذا يقول فيه طائفة : إنه خرج من التصريح إلى التمويه» ([23]).
    وقال في موضع آخر :« ونفس مقالة أهل السنة لم يكن يعرفها ولا هو خبير بها»([24]). وقال عما ذكره في المقالات أنه ما اعتقد أنه مذهب أهل السنة أي وليس هو معتقدهم في الواقع وحقيقة الأمر ([25]). بل مثَّل شيخ الإسلام ابن تيمية معرفته بعقائد أهل السنة بمعرفة المسلمين بعقائد النصارى فقال رحمه الله :« وأين العلم المفصل من العلم المجمل وهو يشبه من بعض الوجوه علمنا بما جاء به محمد e تفصيلا وعلمنا بما في التوراة والإنجيل مجملا لما نقله الناس عن التوراة والإنجيل وبمنزلة علم الرجل الحنفي أو الشافعي أو المالكي أو الحنبلي بمذهبه الذي عرف أصوله وفروعه واختلاف أهله وأدلته بالنسبة إلى ما يذكرونه من خلاف المذهب الآخر فإنه إنما يعرفه معرفة مجملة» ([26]).
    ولا شك أن من كانت هذه حاله لا يمكنه تبني الاعتقادات الصحيحة والدفاع عنها والتأليف في الانتصار لها، وإن حاول ذلك صدرت منه الأغلاط التي تبين حقيقة معتقده، وبُعده عن التأهل لهذه المهمة التي انبرى لها.

    [1]/ هذا أول مقال جمعت في هذه المسألة وبينت في مقدمته يوم نشرته: إني اعتمدت على ابن تيمية اعتمادا كليا لأنه رحمه الله من أعرف الناس بالمذاهب والفرق والملل، ولأن ما يذكره عنهم إنما ينقله من كتبهم مباشرة، ولأن من يدعي رجوعه ينسب هذا القول إلى ابن تيمية أيضا.
    [2]/ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (5/248) وانظر الدرء أيضا (4/107) (7/106).
    [3]/ حصر الصفات في ثمانية جاء على لسان الشهرستاني في نهاية الإقدام ولعله أضاف على السبعة المعنوية الصفة النفسية وهي الوجود.
    [4]/ درء تعارض العقل والنقل (3/380-381).
    [5]/ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (2/6).
    [6]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/410) وانظر الدرء (2/17-18).
    [7]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/131).
    [8]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/19-20).
    [9]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/401).
    [10]/ الاستقامة لابن تيمية (1/105) وانظر المجموع (7/395، 509، 550) ومنهاج السنة (5/288) .
    [11]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/203).
    [12]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/203).
    [13]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/203) وانظر الدرء (7/236).
    [14]/ درء تعارض العقل والنقل (3/381).
    [15]/ انظر منهاج السنة النبوية لابن تيمية (5/275-276).
    [16]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/52) وانظر (13/139).
    [17]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/308) وانظر المجموع (13/99) ومنهاج السنة (8/9).
    [18]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/103).
    [19]/ انظر مجموع الفتاوى (7/395-396، 509، 550) ومنهاج السنة (5/288).
    [20]/ درء تعارض العقل والنقل (5/249).
    [21]/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/53) .
    [22]/ درء تعارض العقل والنقل (2/16) وانظر الدرء (2/308) ومنهاج السنة (8/9) .
    [23]/ انظر مجموع الفتاوى (16/308-309).
    [24]/ انظر النبوات لابن تيمية (346).
    [25]/ انظر منهاج السنة النبوية لابن تيمية (8/9).
    [26]/ انظر منهاج السنة (5/278-279) (8/9).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد مختار حق

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    682

    افتراضي رد: الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري

    الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة (4)


    المبحث الرابع :
    نقد شهادات من قال برجوع الأشعري إلى عقيدة السلف

    بعد أن بينت الأخطاء الاعتقادية التي وردت في المقالات والإبانة، وفندت قول من رأى أن الأشعري مر بثلاث مراحل آخرها الاستقرار على عقيدة السلف ، أرجع في هذا المبحث إلى نقد الشهادات المعتمدة للقول برجوعه إلى عقيدة السلف، وقد جعلته في المطالب الآتية :
    المطلب الأول : الاعتماد على ثناء الأشاعرة على الأشعري
    المطلب الثاني : الاعتماد على كلمات مجملة وأخرى مصحفة
    المطلب الثالث : الاعتماد على تزكية لمجهول فيها ما يردها
    المطلب الرابع : إنصاف الإبانة ومفاد رسالة ابن درباس


    المطلب الأول : الاعتماد على ثناء الأشاعرة على الأشعري

    من الأمور التي تمسك بها من قال برجوع الأشعري إلى عقيدة السلف بعض الشهادات الصادرة من بعض الأعلام، التي إذا تأملناها وجدناها لا تعدو أن تكون من مدح أئمة المذهب الأشعري ومؤرخيه لشيخ مذهبهم وطريقتهم، والذي لا شك فيه أن مثل هذه التزكيات والشهادات لا ينبغي أن تعتمد في مثل موضوع بحثنا وهو رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف، لأن مراد من تكلم بكلمة "السنة" و""أهل السنة" غير مراد من يستدل بها.
    والأشاعرة الذين يراد إقامة الحجة عليهم أغلبهم يظن أن عقيدته هي عقيدة السلف وأهل السنة، إذ جميعهم يقول إن الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال نصر مذهب السلف وعقيدة أهل السنة بالطريقة الكلامية، وهم جميعا يسمون أنفسهم أهل السنة وأهل الحق، ويصفون السلفيين السنيين بحق "حشوية" و"مجسمة" و"مشبهة" و"كَتَبَة الحديث" وغير ذلك من الألقاب التي يراد بها الذم ليس إلا.
    وهذا في تقديري خطأ واضح بيِّن لا يحتاج إلى شرح طويل، وإن كان قد وقع فيه شيوخ أفاضل وعلماء سنيين أجلاء، ولا عصمة لأحد من السهو والخطأ، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وفيما يأتي بيان لتلك الشهادات.

    أولا : شهادة أبي بكر بن فورك (ت:406)
    من هذه الشهادات المعتمدة قول أبي بكر بن فُورك :« رجع الأشعري عن الاعتزال إلى مذهب أهل السنة سنة ثلاثمائة »([1]).
    وابن فورك من أشهر أعلام الأشاعرة والمتنصرين لآراء الأشعري، وهو صاحب كتاب مجرِّد مقالات الأشعري الذي جمع فيه آراء الأشعري الكلامية من مختلف كتبه، وهو صاحب كتاب مشكل الحديث الذي أول فيه الصفات الواردة في السنة ما صح منها وما لم يصح وضمنه الرد على كتاب التوحيد لابن خزيمة وكتاب الأسماء والصفات للصبغي أحد تلاميذ ابن خزيمة، وهو في التأويل قد تعدى مذهب الأشعري إلى تأويل الصفات الذاتية كلها، ومع ذلك يزعم أنه ألف كتابه للدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة وأهل الحق والسنة، ويصف المثبتين لتلك الصفات بالمبتدعين والمجسمين.
    فشهادة من هذه حاله للأشعري بأنه كان على السنة لا تفيد شيئا، ثم إن المتامل للعبارة المنقولة يجده يجعل للأشعري مرحلتين لا ثالث لهما، إذ لم يذكر للأشعري بعد الاعتزال إلا مرحلة واحدة وصفها بأنها مذهب أهل السنة الذي يعتقد هو أنه مذهب أهل السنة، وهذا يجعلنا نعكس الاستدلال بهذا النص بأنه لا تعرف للأشعري مرحلة ثالثة لأن ابن فورك من أعلم الناس بالأشعري ومذهبه كما سبق.

    ثانيا : شهادة القشيري (ت:465)
    ومنها قول أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري:« واتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن كان إماما من أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، وتكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة»([2]).
    ولا يخفى أمر القشيري عقيدة وعلما بمذاهب المحدثين، فهو أشعري صوفي مشهور، ولم يكن من أهل الحديث رواية ولا نقدا ولا عقيدة، قال الخطيب البغدادي:« وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي»([3]). ووصف أهل الحديث عنده وعند ابن فورك سابقه يشمل رواة الحديث الذين لا شأن لهم بفقهه أو تأويله ويشمل من سموهم أهل النظر والعقل الذين يفقهون معناه وتأويله ، وهم يعدون أنفسهم وأهل الكلام على طريقتهم من الصنف الثاني من أهل الحديث ، أما أهل الحديث بحق فهم عندهم المشبهة والمجسمة.
    وهذا النص عبارة عن وثيقة كتبها القشيري بخطه، ثم وقع عليها جمع من الأشاعرة الذين كانوا في بغداد أيام حدوث الفتنة بينهم وبين أهل السنة.
    والاتفاق المذكور غير مسلم فإن أهل السنة لم يرضوا عن الأشعري وطريقته ابتداء من معاصري الأشعري إلى من عاصر القشيري ومن بعده، فمن معاصري الأشعري ابن سريج (ت:306) الذي اشتهر عنه ذم الكلام وأهله وقد قد اعتبر مجدد القرن الثالث ([4])، ومنهم البربهاري (ت:329) الذي لم يقبل من الأشعري كتابه الإبانة ([5]).
    وممن نقل عنهم إنكار مذهب الأشعري وابن خويز منداد (ت:390) الذي قال: « أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام ، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعرى، ولا تقبل لهم شهادة في الإسلام، ويهجر ويؤدًّب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها»([6]).
    وممن اشتهر عنه ذلك أبو عبد الله ابن منده (ت:395) ومن أقواله:« ليتق الله امرؤ وليعتبر بمن تقدم ممن كان القول باللفظ مذهبه ومقالته، وكيف خرج من الدنيا مهجورًا مذمومًا مطرودًا من المجالس والبلدان؛ لاعتقاده القبيح وقوله الشنيع المخالف لدين الله مثل: الكرابيسي والشواط وابن كُلًّاب وابن الأشعري، وأمثالهم ممن كان الجدال والكلام طريقه في دين الله عز وجل» ([7]) ومنهم أبو حامد الإسفرائيني(ت:406) الذي كان يعلن براءته من الباقلاني الأشعري ومن قوله في القرآن كل يوم جمعة([8]).
    ومنهم أبو نصر السجزي(ت:444) الذي صنف كتاب الرد على من أنكر الصوت والحرف، ومن أقواله :« ثم بُلِىَ أهلُ السنة بعد هؤلاء بقوم يدَّعون أنهم من أهل الإتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم، وهم : أبو محمد بن كُلًّاب وأبو العباس القلانسي وأبوالحسن الأشعرى. وبعدهم محمد بن أبى تريد بسجستان، وأبو عبد الله بن مجاهد بالبصرة. وفى وقتنا: أبو بكر بن الباقلانى ببغداد، وأبو إسحاق الإسفرايينى، وأبو بكر بن فورك بخرسان فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم، ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردُّوه على المعتزلة» ([9]).
    ومن المعاصرين للقشيري أبو إسماعيل الهروي (ت:481) الذي صنف كتاب ذم الكلام وكان يبالغ في الرد على الأشعرية، وربما لعنهم ([10]).

    ثالثا : شهادة ابن عساكر (ت:571)
    وأما أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر فإنه وإن كان أحفظ أهل زمانه إلا أنه أشعري صرف، وكتابه تبيين كذب المفتري شاهد على ذلك، حيث لم يكتف فيه بالدفاع عن الأشعري بل زاد على ذلك أن ترجم لطبقات الأشعرية الناشرين لضلالات الأشعري، ومما مدح به الأشعري في مقدمة كتابه قوله:« أشد العلماء اهتماماً بعلم الكلام، وألدهم لمن حاول الإلحاد في أسماء الله وصفاته خصاماً، وأمدهم سناناً لمن عاند السنة، وأحدهم حساماً وأمضاهم جناناً عند وقوع المحنة وأصعبهم مراماً، ألزم الحجة لمن خالف السنة والمحجة إلزاماً، فلم يسرف في التعطيل، ولم يغل في التشبيه، وابتغى بين ذلك قواماً، وألهمه الله نصرة السنة بحجج العقول، حتى انتظم شمل أهلها به انتظاماً، وقسم الموجودات من المحدثات أعراضاً وجواهر وأجساماً، وأثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات إعظاماً، ونفى عنه ما لا يليق بجلاله من شبه خلقه إجلالاً له وإكراماً، ونزهه عن سمات الحدث تغيراً وانتقالاً وإدباراً وإقبالاً وأعضاء وأجراماً، وائتم به من وفقه الله لاتّباع الحق في التمسك بالسنة ائتماماً»([11]).
    وفي هذا الدفاع إقرار بمخالفته لمنهج أهل السنة والجماعة في العقيدة بالخوض في الجواهر والأعراض، وبنفي الصفات الموهمة للحركة والانتقال والصفات الدالة على معنى الأعضاء كما هو تعبيره، وهذا مع عدم صحة نسبته بهذا الإطلاق للأشعري -كما سبق تحقيقة- يدل على فساد معتقد ابن عساكر في باب الصفات مما يبطل الاستدلال بما تضمنه كلامه من نصرة الأشعري للسنة والاعتماد عليه في القول برجوعه على عقيدة السلف في مرحلة ثالثة.

    رابعا : شهادة ابن السبكي (ت:771)
    والكلام نفسه يقال عن ابن السبكي الأشعري المشهور بتعصبه على أهل السنة والجماعة نصرته للأشعرية، وقوله في مدح الأشعري:« أبو الحسن الأشعري كبير أهل السنة بعد الإمام أحمد ابن حنبل وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد رحمة الله واحدة لاشك في ذلك ولا ارتياب وبه صرح الأشعري في تصانيفه، وذكره غير ما مرة من أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل، هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع من كلامه».
    وهذا لا يفيد شيئا لأن فائدة هذا النقل عنده أن كل ما يقوله الأشعري في كتبه هو عقيدة الإمام أحمد والسلف وأهل السنة، وهذا ما يقوله الأشاعرة يقولون إن الأشعري نصر عقيدة السلف بطريقة الكلام، وهذا الكلام كله باطل؛ فعقيدة الإمام أحمد تعرف بالنقل عنه وعن أصحابه لا بنقل الأشعري الذي لم يكن له علم بتفصيل عقائد السلف، والزعم بأنه نصر عقائد السلف بطريقة الكرم فرع التسليم بمعرفته لعقائد السلف ونحن لا نسلم معرفته بدقائقها إلا جمل المقالات التي يوافقها في الظاهر ويخالفها عند التفسير والاستدلال.
    ويقول ابن السبكي بعد أن سرد جملة من عقائد الأشعري وفيها الكثير مما يخالف عقيدة أهل السنة:« وفى الجملة لا يجحد علم الكلام إلا أحد رجلين جاهل ركن إلى التقليد وشق عليه سلوك أهل التحصيل وخلا عن طريق أهل النظر والناس أعداء ما جهلوا فلما انتهى عن التحقق بهذا العلم نهى الناس ليضل غيره كما ضل، أو رجل يعتقد مذاهب فاسدة فينطوى على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم فضائح طويته وعقيدته ويعلم أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعهم ويظهرون للناس قبح مقالتهم»([12]).
    وهو يصف أهل السنة بحق بالحشوية ويذمهم بالبدعة، وذلك أشهر من أن يظهر يكفي أن ننقل قوله في أبي إسماعيل الأنصاري الهروي :« وللأنصاري أيضا كتاب الأربعين سمتها أهل البدعة الأربعون في السنة، يقول فيها باب إثبات القدم لله باب إثبات كذا وكذا، ... ومن مصنفاته التي فوقت نحوه سهام أهل الإسلام كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه وأفصح»([13]).
    وهو يعد ابن تيمية رأسا في الضلالة، ومن أقواله :« واعلم أن هذه الرفقة أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرا ما أتباعهم أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا، وحملهم على عظائم الأمور أمرا ليس هينا وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم وأوقفهم في دكادك من نار المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولأصحابهم»([14]).
    وإذا علم هذا تبين أنه لا معنى لتصريح ابن السبكي برجوع الأشعري إلى السنة ولا بكونه على عقيدة أحمد بن حنبل.

    خامسا : شهادة ابن خلكان (ت:681)
    وكذلك يقال عن عبارة ابن خلكان: «كان أبو الحسن الأشعري معتزليا ثم تاب». فإنها بغض النظر عن معتقد قائلها لا تفيد سوى المعنى المتفق عليه وهو تركه الاعتزال وتمامه :« ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة»، وقد قال في ترجمته أيضا:« هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه، والقاضي أبو بكر الباقلاني ناصر مذهبه ومؤيد اعتقاده»([15]).
    وهذا الكلام يؤكد أن ثناءه على الأشعري لا يختلف عن ثناءه عن الباقلاني وعن جميع المنتسبين إليه .

    سادسا : ابن فرحون (ت:799)
    وأما برهان الدين إبراهيم بن علي ابن فرحون الذي قال :« كان أبو الحسن الأشعري في ابتداء أمره معتزلياً، ثم رجع إلى هذا المذهب الحق، ومذهب أهل السنة ». فأمره لا يختلف عن سابقيه فهو أشعري على طريقة المتأخرين وليس في كلامه أكثر من الدلالة على الرجوع عن مذهب المعتزلة .

    المطلب الثاني : الاعتماد على كلمات مجملة وأخرى مصحفة

    وكذلك اعتمد من رأى خلاف ما ذكرنا على أقوال صدرت من أئمة سلفيين، لكن بعضها نقله مصحفا والبعض الآخر كلام مجمل ينبغي أن يرد إلى الكلام المبين المفصل.
    أولا : النقول المصحفة

    وأعني بالنقل المصحف نقلان أحدهما عن ابن تيمية والآخر عن الذهبي .
    أما ابن تيمية فقد نُقل عنه أنه قال :« لما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق أهل السنة وانتسب إلى أحمد بن حنبل كما ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها »([16]).
    والنقل الصحيح كما في الدرء وعنه في اجتماع الجيوش الإسلامية :« لما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق [ابن كلاب ومال إلى] أهل السنة وانتسب إلى أحمد بن حنبل كما ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها »([17]).
    وهذا السقط مؤثر جدا في المعنى فالرجل مال إلى أهل السنة وانتسب إليهم، أما الطريق الذي سلك فهو طريق ابن كلاب والمقصود انه سلك طريقه في باب الأسماء والصفات.
    وأما الذهبي فقد نقل عنه أنه قال في كتاب العلو:« كان أولا معتزليا أخذ عن أبي علي الجبائي ثم نابذه ورد عليه وصار متكلما للسنة ووافق أئمة الحديث، فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن الأشعري ولزموها لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض القدماء الأوائل في الأشياء ، ومشوا خلف المنطق فلا حول ولا قوة إلا بالله»([18]).
    والنقل الصحيح المثبت في كتاب العلو :« كان أولا معتزليا أخذ عن أبي علي الجبائي ثم نابذه ورد عليه وصار متكلما للسنة ووافق أئمة الحديث [في جمهور ما يقولونه].... فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن الأشعري ولزموها لأحسنوا ، ولكنهم خاضوا كخوض القدماء الأوائل في الأشياء ، ومشوا خلف المنطق فلا حول ولا قوة إلا بالله ». كذا هو في مختصر العلو للعلي العظيم([19])، ولا شك أن ثمة فرقا بين قوله « وافق أهل الحديث » وقوله « وافق أهل الحديث في جمهور ما يقولونه ». على أن هذه الموافقة هي موافقة في الظاهر لا في الباطن كما سبق ذكره وبيانه.

    ثانيا : الكلام المجمل

    وأما الكلام المجمل فهو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية :« وكان يحي بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية الجهمية الإناث. ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما قول من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، ولكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة ، لاسيما وأنه يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وتنفتح بذلك أبواب الشر »([20]).
    أقول إن هذا الكلام مجمل ولتحصيل الفهم الصحيح له لابد من وصله بكلام ابن تيمية في غير هذا الموضع، ولابد أيضا من ربطه بالسياق الذي ورد فيه .
    1-أما كلام ابن تيمية في غير هذا الموضع فقد نقلت منه الشيء الكثير في المبحث السابق، وأزيد هنا كلاما آخر يجلي لنا موقف ابن تيمية من الأشعري . قال رحمه الله تعالى في منهاج السنة النبوية :« ثم إنه رجع وصنف في الرد عليهم ، ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب إلى الحق والسنة من قولهم ( المعتزلة ) ولم يعرف غيرها، فإنه لم يكن خبيرا بالسنة والحديث »([21]). وقال أيضا :« فالقدر الذي يحمد عليه من مذهبه هو ما وافق فيه أهل السنة كالجمل ، وأما القدر الذي يذم من مذهبه فهو ما وافق فيه بعض المخالفين للسنة والحديث من المعتزلة والمرجئة والجهمية والقدرية ونحو ذلك»([22]). وقال كذلك :« وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث وموافقتهم ، فأراد أن يجمع بين ما رآه هؤلاء وما نقل عن هؤلاء، ولهذا يقول فيه طائفة إنه خرج من التصريح إلى التمويه »([23]). فشيخ الإسلام شاهد على ضلال الأشعري في أبواب القدر والصفات الفعلية، ومنه لا يمكن ان يتصور أن يكون مقصوده أن من قال بقوله في الإبانة بالإطلاق مصيب ومن أهل السنة.
    2- وأما السياق فإنه ومن دون أدنى شك عندي يدل على أنه أراد من قال بما في الإبانة في خصوص الصفات الخبرية الذاتية دون غيرها من المسائل التي خرج فيها الأشعري عن قول أهل السنة والجماعة ([24])، ودليل ذلك يأتي:
    أولا : إن سياق كلامه هو الكلام عن الصفات وليس عن كل أبواب الاعتقاد ، بل وكان يتكلم عن الصفات الخبرية دون غيرها إذ قال قبل هذا الكلام :« وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقا؛ وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات»([25]).
    ثانيا : أنه لما رد على من وصف الأشعرية بأنهم جهمية قال :« مرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية ». وحمل قولهم على المتأخرين دون المتقدمين، والخلاف بين المتقدمين من الأشاعرة ومتأخريهم، إنما هو في الصفات الخبرية الذاتية.

    المطلب الثالث : الاعتماد على تزكية لمجهول فيها ما يردها


    قال ابن كثير في طبقات الشافعية :« ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال ، أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة ، والحال الثاني إثبات الصفات العقلية السبعة وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك ، والحال الثالث إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة »([26]).
    فهذا المجهول الذي قال هذا الكلام -أو المجهولون – في كلامه أخطاء واضحة سبق بيانها في المبحث الثالث :
    أولا : أما المرحلة التي نسب فيها الأشعري إلى تأويل الصفات الخبرية فخطأ محض على الأشعري، إذ ليس له فيها بعد رجوعه عن الاعتزال إلا قول واحد هو الإثبات، وقد قال ابن تيمية إن من نسب له قولا بتأويلها فقد افترى عليه.
    ثانيا : وكذلك من نسب إثبات الصفات العقلية دون ما سواها إلى ابن كلاب فقد أخطأ عليه وقد بينا أنه لم يكن يتأول إلا الصفات الفعلية ، فهذه المرحلة الثانية المزعومة فيها خطأ على الأشعري وابن كلاب كليهما.
    ثالثا : الادعاء بأن الأشعري أثبت كل الصفات في كتاب الإبانة خطأ واضح قد بيناه وشرحناه مفصلا في المبحث الأول، حيث ظهر لنا أنه لم ثبت إلا الصفات الخبرية الذاتية كالوجه واليدين على طريقة أهل السنة أما الصفات الخبرية الفعلية فأثبتها على طريقة ابن كلاب.
    والعمدة في الحكم الرجوع إلى الإبانة لا إلى ما قيل عن الإبانة .

    المطلب الرابع : إنصاف الإبانة ومفاد رسالة ابن درباس

    ومن باب الإنصاف أقول إن الإبانة مع ما فيها من الأخطاء الدالة على أن صاحبها لم يرجع إلى عقيدة السلف المحضة والصافية، إلا أنها خير من كتابه المقالات مع قلة كلامه فيه ، وخير من كتبه الأخرى، وذلك من جهة إعراضه عن الكلام عن بعض التفصيلات التي ضُلل بها، كالتصريح بإثبات الكلام النفسي ونفي الجسمية عن الذات الإلهية، واعتماد دليل الحدوث الباطل، وتفسير الكسب بما لا يعرفه العقلاء، زيادة على تصريحه في الإبانة بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
    ولعل هذا ما جعل الذهبي يقول في كتابه العرش :« فله ثلاثة أحوال حال كان معتزليا وحال كان سنيا في بعض دون بعض، وحال كان في غالب الأصول سنيا وهو الذي علمناه من حاله»([27]). وكأنه يعني بالمرحلة الثانية ما دونه في كتبه المشهورة كاللمع وبالمرحلة الأخيرة ما سطره في كتابه الإبانة .
    وفي كونه في غالب الأصول سنيا نظر، لأن ثمة أمور سكت عنها في الإبانة وصرح بها في اللمع فلا بد من التأكد من تراجعه عنها، بل ولو اعتبارنا ما سكت عنه في الإبانة قد تراجع عنه، وأضفنا إلى تلك الأصول في الوعيد والكرامات وعذاب القبر لم يصح أن نقول أنه في غالب الأصول سني، لأنه تبقى أمور عظيمة لابد من معرفة قوله فيها كتفسير التوحيد وطريق إثبات النبوة وتفسير المعجزة.

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد مختار حق

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    682

    افتراضي رد: الإبانة عن أخطاء الأشعري في المقالات والإبانة د.محمد حاج عيسى الجزائري

    مفاد شهادة ابن درباس (ت:622)
    ومن الشهادات المعتمدة التي لم نشر إليها فيما سبق شهادة ابن درباس صاحب رسالة الذب عن الأشعري ، وقد جاء في صدرها أن مؤلفها هو عبد الملك بن عيسى بن درباس (ت:605)([28])، ثم تبين أنها لابن أخيه أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس (ت:622)، ولعل الناسخ وجد في الأصل ابن درباس فانصرف ذهنه إلى أشهر آل درباس الذي كان قاضي صلاح الدين الأيوبي في مصر.
    ومن دلائل نسبها لإبراهيم بن عثمان شيوخه الذي نقل عنهم في هذه الرسالة وأولهم عمه أبو القاسم عبد الملك بن عيسى والحافظ السلفي وعلي بن المفضل المقدسي (ت:611) والقاسم ابن عساكر (ت:600).
    ويظهر أن أبا إسحاق كان على الجادة أو على الأقل كان على طريقة الأشعرية المتقدمين منكرا لما أدخله المتأخرون من الأشاعرة في المذهب من تأويلات الجهمية، وشهادته هذه لا تفيد أكثر مما يفيده كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من صحة نسبة كتاب الإبانة للأشعري، وأن الأشعري لم يعرف عنه تأويل الصفات الخبرية بتأويلات الجهمية.
    وقد نقل ابن تيمية عن ابن درباس هذا كلمة يفهم منها ذمه للكلام بإطلاق حيث قال:« وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه : تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة، ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه ـ يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد ـ كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها .
    فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة تسميهم شكاكا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونَوَابت [النَّوابت: الأغمار من الأحداث]. وغثاء، وغُثْرًا [الغُثْر: سَفِلَة الناس]، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مفتريًا»([29]).
    في آخر رسالته يؤكد على انحراف الأشعرية المتأخرين حيث يقول وهو يتحدث عن كتاب الإبانة:« ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس، فأنكرها وجحدها، وقال: ما سمعنا بها قط، ولاهي من تصنيفه، واجتهد آخرًا في إعمال روايته ليزيل الشبهة فطنته، فقال بعد التحريك - تحريك لحيته -: لعله ألفها لما كان حشويًا، فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف مع العلماء، أو من جهله لحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها؟
    .... فإذا كانوا بحال من ينتمون إليه بهذه المثابة يكونون بحال السلف الماضي وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأعلام الفقهاء والمحدثين، وهم لا يلوون على كتبهم ولا ينظرون في آثارهم، وهم والله بذلك أجهل وأجهل، كيف لا وقد قنع أحدهم بكتاب ألفه الجهمية بعض من ينتمي إلى أبي الحسن بمجرد دعواه، وهو في الحقيقة مخالفة لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تدينه عليها»([30]).
    وقد نقل الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي ترجمة عزيزة للمؤلف من كتاب تاريخ إربل للمبارك بن أبي الفتوح أحمد المعروف بابن المستوفي (ت:637)، فقال:«وقال ابن المستوفي في تاريخ إربل (2/215): هو أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس الماراني المصري المولد والمنشأ، من أهل الحديث الذين رحلوا في طلبه، وكتب الكثير، وسمع الكثير، شافعي المذهب، إلا أنه على ما قيل عنه، يطعن على أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، ويقع فيه، سمعته من غير واحد»([31]). وهذا إن كان صحيحا فيفيد أنه كان على الجادة، وإن لم صحيحا فهو يفيد أن الأشعرية المتأخرين ألزموه ذلك لأنه خالفهم فيما يقولونه وفيما ينسبونه إلى الأشعري.

    خاتمة
    ولعل بعض الناس يرى فيما سطر في هذا البحث إضعافا لحجة من الحجج التي طالما تمسك به أهل السنة في هذا العصر في مواجهة الأشعرية، وأنه كان ينبغي السكوت عن هذه الأخطاء للمصلحة الراجحة، وجواب هذا الزعم الباطل أن المصلحة التي لا أرجح منها نصرة التوحيد وعقيدة أهل السنة، وكشف الأباطيل عن أن تنسب إلى عقيدة السلف، وإذا كانت الحجة التي يتمسك بها أهل المذهب ضعيفة، فمن واجب أهل الإنصاف بيان ضعفها والعدول إلى غيرها، وتصحيح الأدلة الضعيفة أو السكوت عنها إذا كانت تؤيد المذهب هذا شأن المتعصبة وليس ذلك من شأن أهل السنة، وإن مما نعتقده أن الاحتجاج بالأدلة الضعيفة مما يضعف الحق وأهله، ومما يشغل الناس في معارك جانبية لا تفيد الحقيقة شيئا.
    وقد رأيت بعض الناس إذا بينت أخطاء الأشعري في كتبه وتجلى له أنه لم يكن على طريقة السلف أصيب بإحباط وكأن أهل السنة لم يكن من حجة على الأشاعرة سوى إثبات كتاب الإبانة والزعم بان الأشعري كان على عقيدة السلف، والواقع أن هذه الحجة التي جعلها بعضهم أصلا ما هي إلا نافلة من النوافل اعتمدها بعض أهل العلم على طريق الإلزام للمتأخرين من الأشاعرة الذين صاروا في باب الصفات إلى مذهب الجهمية والمعتزلة . لأنه لا حجة في قول أحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما الحجة في هذا الباب في كتاب الله تعالى وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيما أجمع عليه سلف الأمة، وعلى ذلك اعتمد العلماء المحققون في هداية الأشعرية كما اعتمدوا على نقض الخيالات العقلية التي تشبثوا بها في رد النصوص، ولكن في عصرنا هذا قصرت الهمم عن تحصيل الحجج نقليها وعقليها، وقنعت بمثل هذه الحجة الإضافية على ضعفها، الأمر الذي جعل كثيرا من عوام أهل السنة يتجرأون على مناقشة أرباب الأشعرية في هذا الزمان ويظنون أنهم يقيمون عليهم الحجة بمجرد أن يقال لهم إن الأشعري رجع إلى عقيدة السلف.
    مع أني اعتقد أن كتاب الإبانة يصلح لدفع تشنيع الأشعريين الذين سلكوا طرق الجهمية وأصبحوا يرمون أهل السنة والجماعة بالتجسيم والتشبيه لأجل إثباتهم للصفات الخبرية الذاتية ونفيهم لتأويلات المعطلة، وذلك بإلزامهم بتنزيل هذا الوصف على الأشعري الذي ينتسبون إليه، لأنه صرح بإثبات هذه الصفات كما صرح بالرد على من أول الاستواء بالاستيلاء من الجهمية ومن تبعهم.
    هذا آخر ما أردنا تسطيره نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وأن ينفع به ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



    [1]/ مقدمة الإبانة طبعة محمد بشير عيون (10) وتجد هناك جميع الشهادات الآتية حيث أثبت المحقق في مقدمته رسالة الشيخ حماد الأنصاري عن أبي الحسن الأشعري.
    [2]/ تبيين كذب المفتري(ص:113) وقد نُقل هذا الكلام على أنه لابن عساكر في رسالة الشيخ حماد كما في مقدمة الإبانة (ص:9)، وقد قلد الشيخ حماد في هذا الخطأ غير واحد من الموافقين والمخالفين.
    [3]/ وفيات الأعيان (3 /207).
    [4]/ قال ابن سريج:« ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام» السير (14/203) تذكرة الحفاظ (3/23).
    [5]/ طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (2/18).
    [6]/ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (رقم 1800).
    [7]/ ذم الكلام للهروي (4/424).
    [8]/ قال الشيخ أبو الحسن الكرجي (ت:532):« ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري وعلقه عنه الإمام أبو بكر الزادقاني وهو عندي وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه "اللمع" و" التبصرة " حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميز وقال: هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي استنكفوا منهم ومِنْ مذهبهم في أصول الفقه فضلا عن أصول الدين» انظر الفتاوى الكبرى (4/284-285).
    [9]/ الرد على من أنكر الصوت والحرف (222-223).
    [10]/ انظر مجموع الفتاوى (14/354).
    [11]/ تبيين كذب المفتري لابن عساكر (26).
    [12]/ طبقات الشافعية الكبرى (3/421).
    [13]/ طبقات الشافعية الكبرى (4/272).
    [14]/ طبقات الشافعية الكبرى (10/400).
    [15]/ وفيات الأعيان (3/284).
    [16]/ مقدمة الإبانة (ص:19).
    [17]/ درء تعارض العقل والنقل (2/16) اجتماع الجيوش الإسلامية (133).
    [18]/ مقدمة الإبانة (ص:10).
    [19]/العلو للعلي العظيم للذهبي (221-222).
    [20]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/359).
    [21]/ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (5/277).
    [22]/ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (8/9).
    [23]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (16/308).
    [24]/ وقد رأيت الدكتور عبد الرحمن المحمود قد حمل كلام ابن تيمية على نفس المحمل الذي ذكرت، انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة (1/397) .
    [25]/ مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/357).
    [26]/ طبقات الشافعية لابن كثير (1/210).
    [27]/ كتاب العرش للذهبي (2/303).
    [28]/ وفي النسخة التي طبعها على بن محمد بن ناصر الفقيهي نسبها لعبد الملك بن عيسى لكنه أثبت في الغلاف سنة وفاة ولده محمد (ت:659) وفي ص107 وعي أول الرسالة أثبت في الأصل ما جاء في المخطوط عبد الملك بن عيسى بن درباس وترجم في الهامش لولده محمد.
    [29]/ مجموع الفتاوى (5/111).
    [30]/ رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس تحقيق الفقيهي (ص:131-132).
    [31]/عن موقع مجلة مركز ودود للمخطوطات.
    محمد مختار حق و ممدوح عبد الرحمن الأعضاء الذين شكروا.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    1,063

    افتراضي

    جزاك الله خيرا
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    المشاركات
    144

    افتراضي

    مقالات في غاية النفاسة والأهمية

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2015
    المشاركات
    382

    افتراضي

    قال ابن تيميه :"ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻣﻌﻨﻰ اﻟﻨﺰﻭﻝ ﻭاﻻﺳﺘﻮاء ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ: ﺃﻓﻌﺎﻝ ﻳﻔﻌﻠﻬﺎ اﻟﺮﺏ ﻓﻲ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ. ﻭﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﻤﻨﺼﻮﺹ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ اﻟﺤﺴﻦ اﻷﺷﻌﺮﻱ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻗﺎﻟﻮا: اﻻﺳﺘﻮاء ﻓﻌﻞ ﻓﻌﻠﻪ ﻓﻲ اﻟﻌﺮﺵ ﻛﺎﻥ ﺑﻪ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎ ﻭﻫﺬا ﻗﻮﻝ ﺃﺑﻲ اﻟﺤﺴﻦ ﺑﻦ اﻟﺰاﻏﻮﻧﻲ. ﻭﻫﺆﻻء ‏ ‏ يدعون أنهم وافقوا السلف وليس الأمر كذلك" ٥/٤٠١

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •