النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف.. دراسة تأصيلية تحليلية!
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف.. دراسة تأصيلية تحليلية!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,784

    Post النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف.. دراسة تأصيلية تحليلية!

    الدكتور محماد بن محمد رفيع12/31/2013



    * عنوان الكتاب: النظر الشرعي في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف
    * المؤلف: الدكتور محماد بن محمد رفيع، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، المغرب.
    * النشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة.
    * الطبعة والسنة: الطبعة الأولى، سنة 1433/ 2012.
    * عدد صفحات الكتاب: 184 صفحة.

    بين يدي الكتاب
    يندرج هذا الكتاب في إطار عمل علمي تأصيلي يحاول أن يسهم في الإجابة العلمية عما أفرزته وتفرزه الانتفاضات الشعبية التي شهدتها عدد من الدول العربية، من إشكال ضرورة صياغة العمل المشترك لبناء ما خربه الاستبداد في الوطن، لكن في واقع يتميز بالاختلاف الفكري والتعدد الديني والتنوع المذهبي، وذلك من خلال تقديم أسس بناء الائتلاف بين المتخالفين، وتفصيل سبل تدبير الاختلاف بينهم في الشريعة الإسلامية كتابا وسنة واجتهادا.
    ويرى الكاتب في مقدمة كتابه أن مبدأ الاختلاف الفكري بين بني البشر قديم قدم الإنسان على هذه الأرض، كما أشار إلى ذلك الحق سبحانه بقوله: { {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118-119]. ويقول المؤلف أنه إذا كان من البديهي أن تتنوع الثقافات والأفكار والعادات والتقاليد والمذاهب حتى ضمن المجتمع الواحد، فإنه من غير الطبيعي النظر إلى هذا الاختلاف كما لو أنه ظاهرة مرضية يجب القضاء عليها، لأن كل محاولة لإلغاء الآخر لن يكتب لها النجاح، كما حدث للتجربة الشيوعية التي حاولت بكل ما أوتيت من وسائل القمع إلغاء كل ما هو غير شيوعي، فكانت النتيجة انهيار كل ما هو شيوعي وبقاء الآخر المخالف صامدًا.
    ويشدد الكاتب على أن الوعي بأهمية البحث عن منهجية تدبير الاختلاف الثقافي والفكري في الدراسات الفكرية بدأ يتنامى، فبدأت كلمة الحوار تتردد على كل لسان وتتكرر في أكثر من خطاب ومقال، وتعقد لبحث أبعاده ودلالاته المؤتمرات والندوات، لأن الجميع أدرك مركزية الحوار في التدبير الأمثل للاختلاف الثقافي والفكري في اتجاه بناء أجواء التفاهم والتعايش السلمي، وفض النزاعات مع الآخر المخالف. وأدى غياب الحوار، حسب الكاتب، إلى فشل ذريع في تدبير الاختلاف في كثير من القضايا، وهو ما أدى على المستوى الداخلي إلى إثارة النزاعات في صغائر الأمور، وضُخم الخلاف على حساب الوفاق، وبددت طاقات الأمة في صراعات هامشية، كثيرًا ما كانت السبب في إجهاز العدو على مصالح الأمة الكبرى. وعلى المستوى الخارجي، شجر الخلاف وتكلست العقول على نظرة حادة إلى الآخر من كلا الطرفين، ونسي الجميع المشترك الإنساني الواجب تنميته، والمختلف اللازم احترامه، فآل الأمر إلى إشعال الحروب التي أهلكت الحرث والنسل إلى الآن.
    ويثير الكاتب الانتباه إلى أن مقصد البحث في هذا الموضوع، تقديم دراسة تأصيلية تحليلية لأصول المشترك الإنساني المعاصر، انطلاقًا من نص الوحي ومقصده، لإدراك أن ارتباط هذا المفهوم في الثقافة الغربية بخصوصيات تاريخها الفكري ومنعرجاتها، وبمفهوم حقوق الإنسان الوثيقة المعروفة في القرن الماضي المنجزة في حضن هذه الثقافة، لا ينسي حقيقة مفهوم المشترك الإنساني وأصالته ونصاعته في كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام. كما يروم البحث تأصيل وتقعيد قضية تدبير الاختلاف مع الآخر من خلال المرجعية الإسلامية، وسواء كانت مخالفة هذا الآخر كلية أو جزئية، لأن ضوابط التدبير هنا تمثل في مجموعها منهجًا عامًا في إدارة حالات الاختلاف.

    معالم بناء الائتلاف مع المخالف في النظر الشرعي
    عالج الكاتب الفصل الأول من الكتاب، وضمن المبحث الأول "المعالم التكوينية للائتلاف الإنساني"، ويقصد بها الكليات التي يتأسس عليها الفعل التدبيري للحق سبحانه في آيات هذا الكون بمقتضى إرادته الكونية، ذلك أن الله عز وجل، يتصرف بمقتضى إرادتين، إرادة تكوينية وأخرى تشريعية، فيكون موضوع الأولى الكون وموضوع الثانية الشرع.
    وقد اقتضت إرادة الله الكونية جعل آية الاختلاف والتعددية بين الناس سنة كونية مطردة، سواء في المجال اللغوي أو في المجال المذهبي والفكري، غير أن النظر إلى هذا الاختلاف على أنه آية ثراء وغنى وفق قصد الله الكوني، إنما يتم من خلال ما يتأسس عليه من ائتلاف واشتراك بين أهل الاختلاف، فقد قرر القرآن الكريم أن وحدة المشترك الإنساني حقيقة وجودية كونية، اقتضتها الإرادة التكوينية لفاطر الكون ومن فيه ومدبره سبحانه، وذلك انطلاقا من ستة حقائق، وهي "وحدة أصل الإنسانية"، و"وحدة العبودية التكوينية الاضطرارية"، و"وحدة الوظيفة الكونية"، و"وحدة القدرة على الإدراك المعرفي"، و"وحدة الطهارة الفطرية"، وأخيرًا "وحدة الكرامة الإنسانية".
    وبعد تحليل الكاتب للحقائق الست، انتقل في المبحث الثاني لدراسة "المعالم التشريعية لبناء الائتلاف الإنساني"، واعتبر أن المنهج القرآني لم يكتف بتأسيس المشترك الإنساني على الأساس التكويني، وإنما زاوج ذلك بأساس تشريعي، احتفاء بقضية المشترك الإنساني في شرع الإسلام. وبناء على ذلك، يرى الكاتب أن هناك معالم تشريعية يتأسس عليها المشترك الإنساني في المنهج القرآني، وهي "المعلم العقدي لبناء الائتلاف مع المخالف"، ويتمثل في هذا البعد العقدي في حقيقة التوحيد القائمة على ركيزتين، وهما وحدة الألوهية ووحدة العبودية. أما المعلم الثاني، فهو "المعلم المقاصدي للائتلاف الإنساني"، ويقول أن المصلحة الإنسانية التي قصدت الشريعة رعايتها بأحكامها الملائمة هي في الوجود على مراتب متفاوتة، ويذكر الكاتب ثلاث مشتركات خلال معالجته للمشترك الإنساني، يرى أن نظيرها عز في التشريعات الأممية، وهذه المستويات الثلاثة هي "الضروريات وحفظ الائتلاف الإنساني"، و"الحاجيات وتنمية الائتلاف الإنساني"، ثم التحسينات وتحسين الائتلاف الإنساني"، ليخلص الكاتب إلى أن النظام المقاصدي الشرعي يمتلك القدرة الهائلة والمرونة الكافية لحماية وتنمية المشترك الإنساني، تارة بأحكام الإيجاد والتنمية، وأخرى بأحكام الوقاية والتأمين ممثلة في النظام الجنائي الشرعي.
    وفي المبحث الثالث، توقف المؤلف عند "الأولويات المقاصدية الراهنة في بناء الائتلاف الإنساني"، وذكر أنه لما كان مدار الشريعة على الحكم والمصالح كما ذكر ابن القيم، وكان القصد العام من نزول القرآن، هداية الخلق وإصلاح البشرية وعمارة الأرض، كما قال علال الفاسي، لزم تلمس تلك المصالح البشرية وأوجه الإصلاح والعمارة في الأرض في كل زمان ومكان، باعتبارها أولويات الزمان في بناء قاعدة المشترك الإنساني. ويتوقف الكاتب عند ثلاث أولويات، وهي "أولوية العدل"، ويعتبر أنه إذا كان العدل في ارتباطه بإعطاء الحقوق يكتسب معنى خاصًا، فإن وروده بأقوى صيغة للتكليف والإلزام في قوله تعالى، "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، ووروده كذلك مقصدًا أسمى لبعثة الأنبياء والرسل في قوله تعالى، "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم بالقسط"، يكتسب به معنى أعم وأشمل، حتى عده ابن عاشور "الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات". أما الأولوية الثانية، فهي "أولوية التعارف والتعاون"، فالتعارف أساس دعا إليه القرآن، وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمال لروح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها، فقد نص القرآن الكريم بإطلاق ومن غير تقييد ولا تخصيص، أن من مقاصد التنوع بين البشر التعارف والتعاون. والأولوية الثالثة، التي يختم بها المؤلف، هي "أولوية السلم العالمي"، ويذكر أن من مقاصد الشريعة العامة حفظ نظام العيش بين الناس في الأرض، ويظهر جليا أن القرآن الكريم يُرسي قواعد بناء السلم العالمي، وأسس نظام التعايش على الأرض بين خلق الله أجمعين.
    وأخيرًا، تطرق المؤلف في مبحثه الرابع من هذا الفصل الأول، إلى "معالم المنهاج النبوي في بناء الائتلاف مع المخالف"، وقال أن الشريعة الإسلامية لم تكتف بالتأسيس النظري المقاصدي لقضية الائتلاف الإنساني، وإنما عززت ذلك بالتأسيس العملي من خلال البيان النبوي التفصيلي في سيرته صلى الله عليه وسلم، الذي يعد بحق منهجًا علميًا فريدًا في تاريخ البشرية في حسن معاملة المخالف واستيعابه حضاريًا، وذلك على النحو الذي يقوي أواصر التقارب مع المخالف ويضمن معه بناء الائتلاف.
    ويرى المؤلف أن هناك معالم للمنهاج النبوي في بناء الائتلاف مع المخالف، يذكر منها "معلم حماية المخالف"، ويقول أنه أعلى مراتب الضمان على الإطلاق في الشريعة الإسلامية، وشملت هذه الحماية "تأمين حياة المخالف" و"الحماية الدستورية لحقوق المخالف، ثم "حماية الحرية الدينية". أما المعلم الثاني فيتعلق بـ"معلم التواصل الاجتماعي مع المخالف"، والذي قرره القرآن الكريم من خلال ستة قضايا يتطرق إليها المؤلف بالتفصيل، ونكتفي في هذا المقام بذكرها فقط، وهي "مؤاكلة المخالف الديني"، و"مناكحة المخالف الديني"، و"مكافلة المخالف"، و"عيادة مرضى المخالفين الدينيين"، و"حسن مجاورة المخالف"، و"صلة رحم المخالف". لينتقل المؤلف بعد ذلك إلى المعلم الثالث، وهو "التواصل الثقافي مع المخالف"، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قدم في سيرته نموذجًا عمليًا رائعًا من التواصل الحضاري والتبادل الثقافي مع المخالف، وذلك من خلال إشراك المخالفين في بعض القيم الثقافية المشتركة، التي تبرز قدرة القيم الحضارية الإسلامية في استيعاب المخالف، يذكر منها، موافقة المخالف الديني في التعبديات والهندام وحسن المعاملة اليومية له، من حسن استقبال وتشميت.
    كانت هذه بعض معالم المنهاج النبوي في معاملة المخالفين، تبرز كمال خلقه صلى الله عليه وسلم، في السعي لبناء أجواء الائتلاف داخل المجتمع التعددي.

    النظر الشرعي في تدبير الاختلاف مع الآخر
    يتأسس النظر الشرعي في موضوع تدبير الاختلاف مع الآخر، حسب المؤلف، على جملة أسس مرجعية متينة، ويتحصن بضوابط معرفية وإجرائية متكاملة رصينة، تشكل في مجموعها منهجا متكاملا لحسن إدارة الاختلاف في اتجاه بناء المعارف الصحيحة وإقامة العلاقات المتينة بين المخالفين.
    ومن أجل التقعيد لهذه الأسس، خصص الكاتب لهذا الفصل مبحثين، الأول حول الأسس المرجعية لتدبير الاختلاف في التصور الإسلامي، واعتبر أنه إذا كانت الشريعة الإسلامية أقرت الاختلاف ظاهرة متأصلة في الإنتاج المعرفي للإنسان، فإنها دعت نظريا وعمليا إلى حسن تدبير هذا الاختلاف واستثماره حتى يكون عامل إثراء وبناء لا عنصر فرقة وبلاء، وذلك على أساس الحوار العلمي الهادف الذي يعترف بالآخر ولا ينفيه.
    ويستعرض الكاتب ثلاث أساسات، وهي "الأساس القانوني" و"الأساس النبوي" و"الأساس الأصولي"، لينتقل بعد ذلك إلى مناقشة ضوابط تدبير الاختلاف في التصور الإسلامي، واعتبر أنه إذا كانت ظاهرة الاختلاف وأوجه تدبيرها متأصلة في المرجعية العليا للفكر الإسلامي، وكان حسن تدبير هذا الاختلاف منهجًا تطبيقيًا مقعدًا زمن النبوة ابتداء، وما تلاها تبعًا واقتداء، فإن البحث عن ضوابط حسن هذا التدبير في زوايا تراث الفكر الإسلامي قضية علمية حيوية من شأن تقديمها في صيغة تقعيدية محبوكة أن تسهم في إعادة قطار الخلاف المعرفي إلى سكته، ليواصل مشواره في زمن ينادي فيه الجميع بالحوار أسلوبًا مركزيًا لإدارة الاختلاف.
    وقسم الكاتب الضوابط إلى قسمين، الأول الضوابط الكلية والثاني الضوابط التفصيلية، ويقصد الكاتب بالضوابط الكلية جملة القضايا التي تشكل في مجموعها السياج العام الذي يحصن المسألة الخلافية من عوامل التفرقة المذموم وصور المراء المحظور.
    وأثناء تحليله للقسم الأول وهو الضوابط الكلية، اعتبر الكاتب أن هناك صنفين، الأول مرتبط بضوابط التأسيس، وهي الضوابط التي تحتفي بناء وتحرير أسس الاختلاف المعتبر، ويذكر منها "وجود طرفين مؤهلين للقضية الخلافية"، ثم "التركيز على المشترك في موضوع الاختلاف"، و"وحدة قانون الاستدلال والاحتجاج"، أما الصنف الثاني، فيرتبط بضوابط تأمين الحوار بين المتخالفين، ويرى الكاتب أن هذه الضوابط، يسعى الفكر الإسلامي من خلالها إلى بناء الأجواء التربوية والعلمية التي تضمن السير الهادف للحوار بين المتخالفين، ويذكر منها الكاتب "التزام الأمانة العلمية في التباحث والتحاور"، و"إنصاف المخالف واحترامه"، و"التزام حسن الاستدلال"، وأخيرا "أولوية تحديد لغة الحوار".
    أما القسم الثاني من الضوابط التي تحدث عنها الكاتب، فتتعلق بالضوابط التفصيلية، ويقصد بها جملة من الإجراءات المنهجية التي تنظم تفاصيل النقاش بين أطراف الحوار والخلاف في أهم جوانب الجدل ومراحل المناظرة، وصنفها الكاتب إلى ثلاثة، وهي ضوابط الاستدلال وضوابط السؤال والجواب ثم ضوابط القدح في الدليل.

    نماذج تطبيقية لتأصيل الاختلاف وتدبيره
    ويشتمل هذا الفصل على مبحثين: يتطرق الأول إلى ضوابط تدبير الاختلاف عند سعيد النورسي، والثاني خصصه إلى موضوع تدبير الاختلاف في الخلافة الراشدة.
    ويقول الكاتب أن معالجة الحكيم النورسي رحمه الله لقضية تدبير الاختلاف، تميزت بالدقة والعمق سواء على المستوى الفلسفي أو المستوى العملي الإجرائي، حيث ربط مبدأ الاختلاف تأصيلًا بالإرادة التكوينية للحق سبحانه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، كما ربط تدبيره بمقتضى أرادة الله التشريعية، غير أن القيام بالتدبير، حسب المؤلف، يستدعي جملة ضوابط تربوية ومعرفية لتأمين تدبير الاختلاف في المجتمعات حتى يكون الاختلاف عامل إثراء وإغناء لا عامل فرقة وبلاء.
    ومن أجل تفصيل القول في هذه القضية عند النورسي، ارتأى الكاتب أن ينتظم الكلام في مطلبين، أحدهما تأصيلي لقضية التعددية والاختلاف عند الإمام النورسي، وثانيهما تدبيري للقضية في فكر الإمام.
    يتميز النورسي حسب المؤلف، في موضوع التأصيل بنظر شمولي أصيل وعميق، يقوم على ثنائية كلية مترابطة، وهي الشريعة التكوينية والشريعة التكليفية، ومن خلال الشريعتين تستمد القضايا أصالتها، فبمدأ التعددية والاختلاف في فكر الحكيم النورسي يستند في أصالته إلى الأساسين التاليين، "الأساس التكويني" حيث حرص النورسي على وضع قضية التعددية والاختلاف في سياقها التكويني باعتبارها ظاهرة من ظواهر هذا الكون البديع الذي يسير تدبيره وفق إرادة مبدعه التكوينية، ثم "الأساس التشريعي"، حيث يقول الكاتب أنه إذا تقرر في فكر النورسي أن التعددية والاختلاف آية من آيات الله الكونية المنتظمة في سلك قصد الله الكوني، فإن وظيفة هذه التعددية بمقتضى قصد الله التشريعي تتمثل في نظر النورسي في التعاون والتعارف بين المختلفين لا في التخاصم والتناكر، كما في قوله تعالى، "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".
    من جهة أخرى، وأثناء مناقشة الكاتب لموضوع النظر التدبيري للتعددية والاختلاف عند النورسي، قال إن ما قام به الإمام النورسي من البيان التأصيلي لقضية التعددية والاختلاف من خلال شريعة الله التكوينية وشريعته التنزيلية، يعد المقدمة النظرية اللازمة قبل النظر في إشكال التدبير لهذه القضية من خلال ما يمكن البحث عنه في زوايا الفكر النورسي من ضوابط علمية من شأن تقديمها في صيغة تقعيدية محبوكة أن تسهم في إرساء دعائم المنهج الأمثل لحسن تدبير الخلاف الديني والثقافي والمذهبي في المجتمعات التعددية.
    وتتبع المؤلف في تراث النورسي الضوابط المعتمدة في تدبير الاختلاف مع الآخر، وتوجيهه نحو البناء الاجتماعي والإنتاج العلمي والسلام العالمي، وصنف الكاتب هذه الضوابط إلى ضوابط تربوية وأخرى معرفية. فالضوابط التربوية ذكر منها الكاتب "ضابط الإيمان" و"ضابط الصدق" و"ضابط الأخلاق"، أما الضوابط المعرفية"، والتي يقصد بها المؤلف جملة القضايا التي تشكل في مجموعها عند الحكيم النورسي السياج العام الذي يحصن المسألة الخلافية من عوامل التفرقة المذموم وصور المراء المحظور، ويؤمن بناء علاقة اجتماعية إيجابية منتجة بين المتخالفين، وهذه الضوابط هي "ضابط العدل والإنصاف" و"ضابط المختلف يبنى على المؤتلف"، و"ضابط العلم بقضايا الخلاف".
    ويختم المؤلف بذكر بعض النماذج في تدبير الاختلاف في الخلافة الراشدة، والتي تعتبر في تاريخ التشريع الإسلامي عموما وتاريخ تدبير الاختلاف خصوصا، مرحلة تأسيسية لفقه التنزيل، لما تقرر في الكتاب والسنة في مرحلة النبوة. ويسرد بعض القضايا السياسية التي عرفتها مرحلة الخلافة الراشدة، والتي تتعلق باستكمال بناء دولة الخلافة، ومنها "تدبير الاختلاف في اختيار رئاسة الدولة"، و"تدبير الاختلاف مع المعارضة المنظمة"،ثم أخيرًا "تدبير الاختلاف في القضايا التشريعية".
    وقبل خاتمة الكتاب، استعرض الكاتب بعض المبادئ المرجعية لتدبير الاختلاف في تجربة الخلافة الراشدة، منها "مبدأ الاحتكام إلى المرجعية الدستورية في إثبات المشروعية"، و"مبدأ الشورى تأسيسا وتدبيرا"، و"مبدأ حرية الرأي"، وأخيرا "مبدأ المساواة أمام القانون".

    خاتمـــة
    يؤكد الكاتب في ختام بحثه، على أن ما دار عليه البحث من حقيقة بناء الائتلاف بين المخالفين على أساس المروءة والقيم الخلقية والمبادئ الحضارية، منشؤه الفطرية الإنسانية، ومستنده الشرائع السماوية، وفي مقدمتها شريعة الإسلام الخاتمة، ويؤكد على أنه لا ينبغي أن يشوش على هذا المشترك الإنساني التوظيف العولمي للمفهوم الهادف إلى محو الخصوصية الثقافية للشعوب. فأصالة هذا المفهوم ثابتة، يقول المؤلف، في وحي الله المسطور وكونه المنظور، ذلك أن المتتبع لمنهج الشريعة كتابًا وسنة في بناء الائتلاف الإنساني، يجده في غاية الوضوح والشمول مع العمق، حيث حظي مفهوم الائتلاف مع المخالف ببناء متين على قاعدتين كليتين، إحداهما تكوينية تمثل قصد الله الكوني، وثنتاهما تشريعية تعبر عن قصد الله الشرعي.

    ويجزم المؤلف أنه في الختام، يستطيع من خلال الدراسة أن يقرر ما يلي:
    - القرآن قدم لنا منهجًا متكاملًا حيويًا في تدبير الخلاف مع الآخر، فأرسى القواعد والأسس، وقدم نماذج تطبيقية رائعة في إدارة الخلاف بين أنبياء الله ورسله.
    - قدمت لنا السيرة النبوية صورًا رائعة في تدبير الخلاف مع الآخر، يستطيع المسلمون وغيرهم أن يتخذوها دليلًا لهم في إدارة مختلف القضايا الخلافية.
    - استطاع علماؤنا في الأصول والكلام والجدل أن يؤسسوا منهجا عمليا تفصيليا لتدبير الخلاف ضمن المنهج العام الذي رسمه القرآن وفصلته السنة.
    - بامتلاكنا وتشبعنا بالمنهج الإسلامي الأصيل في بناء الائتلاف وتدبير الاختلاف الفكري، نتأهل بامتياز لمحاورة مختلف الثقافات والحضارات، وقيادة أهلها للتعاون في بناء المشترك الإنساني، وتمحيص المعرفة الإنسانية.
    - إن تجربة الخلافة الراشدة هي الصورة التنزيلية العملية لما تقرر مؤصلا في الوحي من منهج تدبير الاختلاف، ولذلك فهي تجربة ثرية وغنية لصور تدبير الاختلاف من خلال قضايا متعددة ومتنوعة.
    - إن نماذج القضايا التي استعرض الكاتب من خلالها صور تدبير الاختلاف في دولة الخلافة الراشدة، مكنت من اقتناص ما تأسست عليه من المبادئ المرجعية المؤمنة للاختلاف أن يصاغ منه الائتلاف وبناء إطار الوحدة التي لا تلغي التنوع.
    - وأخيرًا، فإن البحث والتنقيب في مرحلة الخلافة الراشدة، وفي زوايا تراث الإمام النورسي، في موضوع تدبير الاختلاف، أفضى بالكاتب إلى اكتشاف مبادئ معيارية ناظمة لصور تدبير الاختلاف وفق رؤية تأصيلية عميقة لقضية التعددية والاختلاف، ونظر حكيم في تدبير الاختلاف بين المتخالفين.
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2015
    المشاركات
    5

    افتراضي

    جزاكم الله كل خير

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •