استكبار العالم والعابد






أ.د. الشريف حاتم العوني





الجمعة 27/12/2013




أقبح الكِبر كِبر العالِم بعلمه والعابد بعبادته؛ لأنه تكبّرٌ بما كان يجب عليه أن يتواضع به.. فمن أولى من العالم والعابد بالتواضع لعباد الله، وألا يريا في هاتين النعمتين إلا صنعَ الله بهما ورحمته لهما وتفضله عليهما، فلا يتعاليا بعلم ولا يترفعّا بعبادة على عباد الله .
ولا يخفف من قبح كبرهما وتعاليهما أنه كبرٌ موجهٌ لجاهل أو أنه تعالٍ على عاصٍ، فجهل الجاهل لا يجيز التعالي عليه، ومعصية العاصي لا تبيح التكبر عليه.
وأقبح من هذا كله:
1- أن يتعالى بما يظنه علمًا، وهو قشور العلم وسطحه، لا لبه وأعماقه، فهذا العالم سيكون كالعائل المستكبر؛ لأنه تعالى بما لا يملكه ولا يتصف به.
2- أن يتعالى العابد بما يظنه عبادة، وهي عبادة جوارحَ وأعمالٍ ظاهرة، تخلو من عبادة القلب (كحب الله تعالى وتعظيمه)، التي هي حقيقة العبادة، بل إن عبادة مثل هذا العابد إن لم تكن في حقيقتها معصية؛ بالرياء والسمعة، كانت مرافِقةً لمعصية، هي معصية العُجب والتعالي بها.
لذلك لا تظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر عن صفة أهل النار، وذكر أوصافهم: وأنهم كُلُّ ‏ ‏عُتُلٍّ ‏ ‏جَوَّاظٍ ‏ ‏مُسْتَكْبِرٍ‏ ، أن هذا الوصف منحصرٌ في أهل الجهالة والعصاة.. بل لا تستغربوا إن وجدتم في بعض من يتصف بصفات أهل النار رجلا موسوما بالعلم الشرعي أو بالعبادة!! فيا رُبّ عالم وهو عُتلّ جواظ مستكبر، ورب عابد وهو عتل جواظ مستكبر!!
ولا شك أن العلم الحقيقي يورث الخشية، كما قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}، ولكن لما تسمى بالعلم واشتهر به من لم يكن عنده حقيقة العلم من حَـفَـظَتِه بغير حقه (من فقهه وآدابه)، أصبح ليس غريبًا أن تجد عالمًا فيه استكبار أهل النار!
ولا شك أن العُـبّاد كانوا هم من تتوفر فيهم سمات أهل الجنة: لينَ جانبٍ ورحمةً وسماحة وحسن أخلاق، حتى إذا ظن الناس العبادة هي أعمال الجوارح بلا أعمال قلب، فصاروا يرون عُبّادا صفاتهم هي صفات أصحاب الجحيم!!
ولتكبر العالم والعابد صور، قد يختلف بعضها عن صور التكبر التي يعرفها الناس: فإصرار العالم على خطأ علمي، رغم ظهور خطئه، ورفضه مناقشة رأيه وترجيحه، وتعاليه عن سماع حجة المخالِف، فضلا عن فهمها وعن إدراك مدى قوتها، كل ذلك تكبر.
وتشنيع العالم على من خالفه، بما لا يستحقه، وبغيه عليه في خصومته، واستغلال علاقته بالسلطان للإضرار به ( كما وقع في تاريخنا الإسلامي كثيرا)= هذا كله يجعله عتلا جواظا مستكبرا!!
واحتقار العابد للعصاة، وترفعه عليهم، واعتقاد أنه أحق بالنجاة منهم= كل ذلك من التألّي على الله تعالى، ولا يصدر إلا من قلب ملأه العُجب والغرور بالعمل، وحاشا العبادة المزكِّية أن تكون هذه ثمارها؛ لولا خلل في قلب العابد، جعلها لا تؤتي ثمارها؛ إلا ثمارًا فاسدة!!
فلا يظنن عالمٌ شرعي أنه بعلمه لن يكون من أصحاب النار، رغم قوله: قال الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولا يظنن عابدٌ أنه بعبادته الظاهرة وحدها لن يكون من أصحاب الجحيم.
ولا يظنن الناس أن العلماء والدعاة والعباد ناجون من داء الاستكبار، فهم في هذا كغيرهم؛ خاصة لما انحرف معنى العلم والعبادة عن المعنى الصحيح لهما.