تعلمتُ مِن عامل النظافة


خرج صاحبي من بيته وبرفقته أطفاله الصغار، فمروا بعامل النظافة، فارتفعت من أبنائه الصغار كلماتٌ تدل على احتقار لمهنته، وهيئته!! متأثرين بمن حولهم من أقرانهم الذين اعتادوا مثل هذه المواقف –للأسف-، والتي هي نتاج ثقافة عامة في محيطهم.
هنا اغتنم صاحبي هذه الفرصة ليجعل من رؤية هذا العامل -وما صاحَبَه من ضحك وسخرية- فرصةً لتربية أطفاله لإيصال رسالةٍ -بل رسائل- نتعلمها من رؤية هذا العامل وأمثاله، فقال لهم:
يا أولادي .. صحيحٌ أن هذا عاملُ نظافة، لكن العمل في الإسلام -ولو كان في مهنةٍ كهذه- شرفٌ، وهو خيرٌ من الذي يَسأل الناس (يشحذ).
يا أولادي .. صحيحٌ أنه عاملُ نظافة، وقد لا يُؤْبَهُ له، ولا يَلتفت له أحدٌ؛ فهو غريب وفقير، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم علّمنا أن هذا النوع من الناس، الذين لا وزن لهم من الناحية الاجتماعية، فيهم مَن قد يكون له منزلة عالية عند الله، لا يبلغها المشاهير، ولا الأغنياء، ولا الذين يَظهرون في الإعلام! كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((رُبّ أشعثَ، مدفوعٍ بالأبواب؛ لو أقسم على الله لأبرَّه))([1]).
فالرسول صلى الله عليه وسلم يصفه بثلاث صفات:
- "أشعث" وهو الملبّدُ الشَّعْرِ، المغبرِّ غيرِ مدهون ولا مُرجّلٍ ولا مُسرّح.
- "مدفوع بالأبواب" أي: لا قَدْر له عند الناس؛ فهم يدفعونه عن أبوابهم، ويطردونه عنهم؛ احتقاراً له.
- "لو اقسم على الله لأبرّه" أي: لو حلف على وقوع شيءٍ أوقعه الله؛ إكراماً له بإجابة سؤاله؛ لعظم منزلته عند الله، وإن كان حقيراً عند الناس.
يا أولادي .. صحيحٌ أنه عاملُ نظافة، لكنه سافرَ وجاء من بلادٍ بعيدة يطلب الرزق، الذي هو قرين الجهاد في سبيل الله، كما في الآية التي تحفظونها: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾[المزمل: 20]، وكم من نفْسٍ تنتظر راتِبَه في آخر الشهر! والداه .. زوجته .. أطفاله! إنه في جهادٍ -يا أولادي- يستحق أن يُقَدّر ويُحترَم لأجله.
نعم يا أولادي .. هو عاملُ نظافة، لكن السخرية ليست من أخلاقنا ولا من ديننا في شيء، لا مع المسلمين ولا مع الكفار، بل حتى الحيوانات! فلقد نادى اللهُ أهلَ الإيمانِ بقوله: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنّ﴾[الحجرات: 11].
يا أولادي .. لقد تعلمنا من سلفنا الصالح البُعدَ عن السخرية حتى من الحيوانات العجماوات، فهذا ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "لو سَخِرتُ مِن كلبٍ؛ خشيتُ أن أُحَوَّل كَلباً"([2])، وقال أبو ميسرة: "لو رأيتُ رجلاً يرضَع عنزاً فسخِرتُ مِنْهُ خشيتُ أن أكون مثله"([3])، فإذا كانوا يحذَرون من السخرية بالحيوانات؛ فهم عن السخرية بإخوانهم أبعد وأبعد.
يا أولادي .. إن وجود بعض النماذج السيئة من هؤلاء العمال لا تُبيح لنا التعميم، ولا تُجيز لنا السخرية بهم، بل هي فرصة لأن نرفع أكُفّنا لربنا؛ شاكرين له على نِعمَه وأفضالَه، وأن أغاننا من فضله.


ـــــــــــــــ ــــــــــــ
([1]) مسلم ح(2622).
([2]) الزهد لهناد بن السري: (2/ 570).
([3]) التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (3/ 173).


* المقال على الموقع: تعلمتُ مِن عامل النظافة - الموقع الرسمي للدكتور/ عمر بن عبد الله المقبل