هذا بحث لي عن دلالة الإشارة وأثرها في الفقه الإسلامي, .. وأسأل الله تعالى أن ينفع به إخواني طلاب العلم.

بسم الله الرحمن الرحيم
دلالة الإشارة, وآثارها الفقهيَّة
نظرة أصولية تطبيقية
(1-2)
ان الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء:1].{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فسوف نتناول بإذن الله تعالى في هذا الباب مباحث في علم أصول الفقه الذي هو بستانُ العلوم ومعيارُها إذ هو المصحح للفهم والمقوم لما اعوج من استنباط, وقد كثرت الدراسات في هذا العلم, وحظي بعقول عظيمة تتابعت على تأصيل قواعده وتطويرها, وتأطير مسائله وإثرائها, وفاضت القرائح, وجادت الملَكَات بما شاء الله من علم على اختلاف مناهج المصنفين وطرق تعبيرهم.
غير أن فيه وعورةً للمبتدئ, تصدُّ العجِل, وتصقل ملكة الفقيه, فتنظيره متشعب, وتخريج الأثر الفقهي عليه مشوق, إلا أن الصبر والمعلم الحاذق مما يستعان به على هذه الصعوبة,كما أن كثرة المراس فيه قراءة وبحثاً ونقاشاً مستجلبٌ للملكة.
وقد برزت مسألة مهمة, ويدور عليها جزء كبير من الاستنباط, ألا وهي مسألة: "دلالة الإشارة" حاولت إفرادها في هذا المبحث اللَّطيف, ولمّ ما تفرق من مسائلها. متناولاً التعريف, وحرصت على تحليل عدد منها, ومدى حجيتها, وعلاقتها بمسائل الدلالات, وما قد يلزم عليها من لوازم ومزالق, وقمت بعرض الآثار الفقهية المترتبة عليها لها.
وهذا المبحث لا يدركه ويحسن الاستدلال به استدلالا منضبطاً إلا الفقهاء والمجتهدون ذوو الخبرة العملية و"الذوق الفقهي" المدركون للأحكام الشرعية فهماً واستنباطاً. وتبرز أهمية هذه الدلالة في أنها دلالة مستقلة عن غيرها من الدلالات من حيث المبنى والمعنى والوظيفة.
وقد تناولت المسألة في عدة مباحث:
المبحث الأول: حقيقة دلالة الإشارة.
المبحث الثاني: الفرق بين دلالة الإشارة والدلالات الأخرى (كالنص والظاهر والاقتضاء).
المبحث الثالث: أنواع دلالة الإشارة.
المبحث الرابع: حكم دلالة الإشارة.
المبحث الخامس: التعارض بين العبارة والإشارة.
المبحث السادس:أثر دلالة الإشارة في الفقه الإسلامي.
المبحث السابع: مسائل متممة.
واستعنت ربي –سبحانه- على العرض لهذا الموضوع في هذه الورقات المستقلة, علَّ أحداً ينتفع بها, والله تعالى أسأل التوفيق والسَّداد.

المبحث الأول: حقيقة دلالة الإشارة:
المطلب الأول: المعنى اللغوي:
أشار الرجل يشير إشارة إذا أومأ بيديه, وأشار يشير إذا ما وجه الرأي.
ويقال فلان جيد المشورة. نقله الزهري عن الأصمعي .
وهي عند الإطلاق حقيقة في الحسية ، وتستعمل مجازاً في الذهنية ، كالإشارة بضمير الغائب ونحوه ، فإن عُدي بـ" إلى " تكون بمعنى الإيماء باليد ، ونحوها ، وإن عدي بـ " على " تكون بمعنى الرأي .
وفي الوسيط ذكر من معانيها "التلويح بشيء يفهم منه المراد" .
من خلال هذا التعريف سيتضح إنْ -شاء الله تعالى- بعض المعنى, ومأخذ الأصوليون في تعريف دلالة الإشارة.
المطلب الثاني: التعريف الاصطلاحي:
قال البزدوي: "والاستدلال بإشارة هو العملُ بما ثبت بنظمه لُغةً لكنه غيرَ مقصود ولا سِيقَ له النَّصُّ, وليس بظاهر من كل وجه فسميناه إشارة, كرجل ينظر ببصره إلى شيء ويدرك مع ذلك غيره بإشارة لحظاته .
وهذا نحو ما عرّف الجرجاني به أيضاً فقال:
الإشارة: هو الثابت بنفس الصيغة من غير أن يسبق له الكلام. إشارة النص هو: العمل بما ثبت بنظم الكلام لغةً لكنَّه غير مقصود ولا سيق له النص, كقوله تعالى: "وعلى المولود له رزقهن" البقرة, سيق لإثبات النفقة وفيه إشارة إلى أن النسب إلى الآباء .
فتعريف البزدوي رحمه الله تعالى قد أوضح الاستدلال بالإشارة من حيث يطلبها المجتهد ويتخذها طريقاً لاستنباط الأحكام الشرعية, والاستدلال بها على المعاني المُفادة من النصوص القرآنية والنبوية. فقد نظر إلى الإشارة لا باعتبارها مفهوماً بالإشارة من النص, وإنما باعتبار أنها وسيلة وطريق للمجتهد, لكي يدرك الأحكام التشريعية من مظانها.
وقد نوَّه إلى مراده هذا في صلب التعريف حيث صدَّره بقوله: "الاستدلال" أي: طلب دلالة الإشارة بالنظر إلى أنها وسيلة لإدراك الحكم الشرعي, وباب من أبواب المعرفة التي يلج منها المجتهد والفقيه لفهم المدلول الذي يؤخذ بالدلالة الإشارية.
ولم يخرج صاحب التعريف عن مفهوم النظم ودائرته حينما قال: "هو العمل بما ثبت بنظمه لغة".
وعلى هذا فقد عرج إلى وضع الحد لدلالة الإشارة بالنظر إلى أنها مفهومة من النظم التشريعي القرآني أو النبوي, وأن هذا المفهوم المفاد من النص لكنه غير مقصود له لا أصلاً ولا تبعاً. وبهذا قد وضع احترازاً للتعريف, كي لا يدخل معه مفهوم عبارة النص فعبارة النص هي مدلوله الذي يفهم منه, باعتبار أنه مقصود بالأصالة أو التبع. وأما الإشارة فهو ما يفهم من النص ولم يكن هذا النص مسوقاً بغرض بيان المراد. فالإشارة ليست مرادة من النص ولكنها مدركةٌ منْه.
وقد احترز بقوله "لغة": بما يفهم بالعقل أو القياس أو الاستدلال النظري من غير الطريق اللغوي. حيث إن الدلالة لها طريقان: أولهما, طريق لغوي والإشارة واحدة منها. والطريق الثاني: فهم الأحكام عن طريق القياس وإعمال العقل بإلحاق غير المنصوص على ما هو منصوص إذا اتحدت العلة.
وبهذا ظهر الفرق بين ما يدركه الفقيه من النص من معانٍ ومدلولات لغوية غير مقصودة, وبين ما يدركه الفقيه بإعمال النظر والعقل عن طريق الإلحاق والقياس .
وعرفها السَّرخسي بقوله: "والثابت بالإشارة ما لم يكن السِّياق لأجله, لكنه يعلم بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة فيه ولا نقصان, وبه تتم البلاغة ويظهر الإعجاز" .
نظره في تعريف السَّرخسي: اعتبر السَّرخسي أن هذا المعنى أخذ من طريق الإشارة تعبير عن البلاغة والإعجاز, وهذه كلمة حق يدركها من يعيش في ظل المعاني القرآنية وفي فهم المراد منها.
فالنّص الشرعي كما ورد بنظمه وصوغه وألفاظه البينة وعباراته الواضحة, ويدل على معنى إشاري غير مقصود للنص قصداً أولياً أو تبعياً, لكنه مدرك للمجتهد ويؤخذ منه حكم تشريعي يصار إليه من فهم معنى النص, ويحقق مطلباً من مطالب الفرد والجماعة في بناء أحكامها على التشريع الإلهي والنظام الإسلامي.
وعرفها ابن الهمام بقوله: "دلالة اللفظ على ما لم يقصد به أصلاً إشارة, وقد يتأمل" .
قوله: "وقد يتأمل": ذلك أن دلالة العبادة مدركة من غير تأمل, وإنما يتبادر الفهم إليها, بسبب أن النصَّ سيق للدلالة عليها.
وأما دلالة الإشارة فقد اختلفت موضعاً ومعنى عن دلالة العبارة, فهي تحتاج إلى تأمل في معنى النص وفي عبارته وفي كلامه, لا إدراك المعنى الإشاري, وقد ذكر بعض الأصوليين النسبة بين دلالة العبارة والإشارة بقولهم: "الإشارة من العبارة, كالكتابة من الصريح والظاهر" .
وعرفها الغزَّالي بقوله: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه. فكما أن المتكلم قد يُفهم بإشارته وحركته –في أثناء كلامه- ما لا يدل عليه نفس اللفظ, فيسمى إشارة, فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به وينتبه له .
وعرفها سيف الدين الآمدي بقوله: "إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم, فدلالة اللّفظ عليه تسمى دلالة الإشارة ... لم يقع مقصوداً من الكلام" .
وعرّفها ابن النجار: "لا يكون مقصوداً للمتكلم ... وإن لم يكن المعنى المستفاد من اللفظ مقصوداً للمتكلم" . وعرفه الإبياري بقوله: هو ما يؤخذ من إشارة اللفظ, وإن لم تدع إليه ضرورة, بل يفهم الاقتصار على المذكور, ولكن تشير الألفاظ إلى جهة أخرى ليست في المقصود الأصلي, ولكنها من توابعه .
أما ملا خسرو فقد أتى بتعريف يختلف في التعبير عن الآخرين, وإن كان يتفق في الغرض, قال: وأما الدالُّ بإشارته فما دلَّ بها أي: بإحدى الدلالات الثلاث على ما ليس له السِّياق بمعنى كونه مقصوداً أصلياً فلا ينافي كونه مقصوداً في الجملة كما سبق بشرط كون اللازم ذاتياً أي متأخراً لا يكون بواسطة المناط حتى لو كان بواسطة لا يكون ثابتاً بالإشارة بل بالدلالة والقياس .
وذكرها الشوكاني بقوله: "دلالة الإشارة حيث لا يكون مقصوداً للمتكلم" .
وعرفها الشنقيطي بقوله: "إشارة اللفظ إلى معنى ليس مقصوداً منه بالأصالة, بل بالتّبع, مع أنه لم تدع إليه ضرورة لصحة الاقتصار على المذكور دون تقديره" .
يلاحظ من خلال هذه التعريفات أمور:
1- أنَّها لا تكون إلا إلتزامية, فهي تفترق عن دلالة العبارة من هذا الجانب, حيث إن دلالة العبارة قد تكون تضمنية, وقد تكون مطابقة, وقد تكون إلتزامية.
2- أنَّ العلماء الذين تناولوا التعريف تواردوا على كونها: "غير مقصودة من سوق النص"وهذا قد يتعقب.
وهو ما أورده الأمير الصنعاني رحمه الله, فقال:
كيف يحكم على شيء يؤخذ من كلام الله أنه لم يقصده تعالى وتثبت به أحكام شرعية؟ ومن أين الاطلاع على مقاصد علام الغيوب؟ فإن أرادوا قياس كلامه على كلام العباد فإنه قد يستلزم كلامهم ما لا يريدونه ولا يقصدونه, ولا يخطر لهم ببال, ولذا جزم المحققون بأن لازم المذهب ليس بمذهب؛ لأنه لا يقطع بأنه قصده قائله بل لا نظن, وكذلك التخاريج على كلام أئمة العلم لا تكون مذهباً لمن خرجوه عنه؛ وذلك لقصور البشر, وأنه لا يحيط علمه عند نطقه بلوازم كلامه قطعاً ولا يقصده, بخلاف علام الغيوب, فهو يعلم بلوازم كلام العباد, وما تطلقه ألسنتهم, وما يكنه الفؤاد. فكيف ما يتكلم عز وجل به؟! وقد ذاكرت بعض شيوخي بهذا ومن أتوسم فيه الإدراك, فما وجدت ما يشفي مع هذا الاتفاق من أئمة الأصول عليه! .
وقد يُتعقب تعقب الصنعاني بأن يقال: أن كلام العلماء في التعريفات السابقة أنه ليس بمقصود للشارع أي قصد أصالة بل قصد تبعيّ, كما في تعريف العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى. وقد عبر عنه الزاهدي من المعاصرين بالذي لم يدل عليه اللفظ مباشرةً, بل هو من لوازم ما دلَّ عليه اللفظ .
وقد ذهب تاج الشريعة إلى أن المعنى المستفاد من طريق النَّص مقصود للشارع تبعاً لا أصلاً وعلَّله بأنَّ كثيراً من الأحكام الشرعية ثابتةٌ عن طريق إشارة النص, فليس من المعقول أن لا تكون غير مقصودة أصلاً عند الشارع, مع أنها كثيرة جداً .
3- أنَّ الأصوليين أكدوا وجود تلازم بين المعنى الذي يدل عليه النص بعبارته وبين المعنى الذي يدل عليه بإشارته, بل لا بد أن يكون هناك التلازم بينهما لا انفكاك له .

المبحث الثاني: الفرق بين دلالة الإشارة والدلالات الأخرى:
أ*) الفرق بين دلالة الإشارة ودلالة الظاهر:
بالنظر في تعريف الدلالة الإشارية: "غيرَ مقصود ولا سِيقَ له النَّصُّ" قد يظن شمول هذا التعريف للظاهر أيضاً إلا أن حُسام الدين السنغاقي في شرح البزدوي ذكر الوجه الفارق بينهما, فقال:
"ولكنهما يفترقان من حيث إنَّ الإشارة قد تقع خفية فتحتاج إلى نوع تأمل بخلاف الظاهر, فإنه ظاهر كاسمه لا يخفى على أحد, ولهذا خفي على الشَّافعي حكمُ الإشارة في قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين" حيث قال بعدم زوال أملاكهم عما خلفوا في دار الحرب" .
ب*) الفرق بين دلالة الإشارة ودلالة النَّصِّ:
الدلالة الإشارية تدل على مدلولاتها من ذات النَّصِّ, دون احتياجٍ إلى علة, أما دلالة النَّصِّ فإنها تحتاج إلى علة لتدل على مدلولها في غير النَّصِّ, كالأذى الذي هو علة التحريم في قوله تعالى: "فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما", فكلما تحققت العلة التي هي الأذى يتحقق التحريم. وكل فعل يتضمن هذه العلة فهو محرم. أما دلالة الإشارة فهي تدل على معناها دون احتياج إلى علة وهي تشير إلى مدلولها دون أن تتعدى النَّصَّ الذي استُفيدتْ منه.
ج*) الفرق بين دلالة الإشارة ودلالة الاقتضاء:
تفترق دلالة الإشارة عن دلالة الاقتضاء في كون الدلالة الإشارية لازم ذاتي متأخر, ودلالة الاقتضاء لازم شرعي أو عقلي أو واقعي متقدم, وكذلك فإن دلالة الاقتضاء تحتاج إلى عبارة ليستقيم بها المعنى أما الدلالة الإشارية فلا تحتاج إلى إضافة أي عبارة .

المبحث الثالث: أنواع دلالة الإشارة:
الناظر في المعاني والأحكام المستنبطة بدلالة الإشارة يجدها تتباين من حيث الظهور والخفاء, وعليه فإنها تنقسم إلى قسمين:
*دلالة إشارية واضحة.
*دلالة إشارية خفية.
أولاً: دلالة الإشارة الواضحة:
وهي ما تحتاج إلى تأمل وتفكر دون أن تكون خفية على أحد من أهل العلم ممن توفرت فيهم معرفة الوضع اللغوي والملكة الفقهية التي تدرك بثاقب بصرها الأحكام التشريعية التي كانت مقصودة من السوق, وهي التي تسمى الدلالة الإشارية .
ثانياً: دلالة الإشارة الخفية:
وهي التي لا تتضح لكثير ممن أدركوا الوضع اللغوي أو الاستنباط الشرعي للأحكام من مظانها النصية بطريق غير مسوق له اللفظ.
وترتب على هذا أنْ اختلف كثير من أهل العلم في كثير منْ مسائل الأحكام.
وسيأتي–إن شاء الله تعالى- مبحث فيه بيانٌ لبعض الآثار الفقهيَّة الناتجة عنْ دلالة الإشارة.

المبحث الرابع: حجية دلالة الإشارة:
تنحصر أقوال العلماء في دلالة الإشارة على قولين:
القول الأول: أن دلالة الإشارة قطعية:
وذلك كدلالة العبارة من غير تفرقة بين الإشارة الواضحة والخفية .
القول الثاني: أن الدلالة الواضحة تفيد القطع, والخفية تفيد الظنَّ:
وهذا هو المختار لدى أبي زيد الدبوسي, السرخسي, وصاحب كشف الأسرار . ووجهه أن الدلالة الخفية لا تكون واضحة للجميع فهي إذن لا تفيد القطعية لوجود الخفاء لاعتمادها على الظن لا اليقين في الكشف عنها.
تنبيه مهم:
يجب أن ينتبه إلى أمر مهم هنا ألا وهو: أن دلالة الإشارة يؤخذ بها ما لم تعارض بنص أصرح وأوضح في الدلالة. حيث أنه قد يأتي نص آخر أوضح في الدلالة, أو يكون هناك نص مخصص لعموم هذا الاستنباط, أو مقيد لإطلاقه, أو ربما ملغٍ لدلالته, وهناك أمثلة كثيرة على هذا في كتب الفقه والأصول.
يقول الشاطبي -رحمه الله تعالى-:
من الواجب أن ينظر في الوجه الذي تستفاد منه الأحكام, وهل يختص بجهة المعنى الأصلي أو يعم الجهتين معاً, أما جهة المعنى الأصليّ: فلا إشكال في صحة اعتبارها في الدلالة على الأحكام بإطلاق, ولا يسع فيه خلاف على حال, ومثال ذلك: صيغ الأوامر والنواهي والعمومات والخصوصات, وما أشبه ذلك مجرداً من القرائن الصارفة لها عن مقتضى الوضع الأول, وأما جهة المعنى التبعيّ: فهل يصح اعتبارها في الدلالة على الأحكام من حيث يفهم منها معان زائدة على المعنى الأصلي أم لا؟ هذا محل تردد, ولكل واحد من الطرفين وجه من النظر...
ثم قال الشاطبي -رحمه الله تعالى- عن الحكم الشرعي الزائد بعد الأصلي بأنه: أقوى الجهتين, ثم قال: لكن يبقى فيها نظر آخر, ربما أخال أن لها دلالة على معان زائدة على المعنى الأصلي, هي آداب شرعية وتخلقات حسنة يقر بها كل ذي عقل سليم فيكون لها اعتبار في الشريعة, فلا تكون الجهة الثانية خالية عن الدلالة جملة, وعند ذلك يشكل القول بالمنع مطلقاً, وبيان ذلك يحصل بأمثلة سبعة... .
فقد تستنبط حكما معيناً جاء النص بخلافه, وهذا أمر مهم جداً في مسألة استنباط الفوائد والأحكام من النص.

المبحث الخامس: التعارض بين العبارة والإشارة:
إن التفاوت بين الإشارة والعبارة قائم من ناحتين:
الناحية الأولى: أن العبارة قطعية في دلالتها وأن ما يفاد عن طريقها يكون قطعياً في معناه وحكمه إلا إذا قام دليل يصرفه إلى معنى آخر. أمَّا الاحتمال الناشئ عن غير دليل فلا يؤثر في قطعيتها.
أما الإشارة فقد اختلف العلماء في مدلولها وفيما يدخل عليها من حكم ومعنى, أهو قطعي أم ظني؟ كما سبق.
ومن كلام أهل العلم وتناولهم للمسائل عملياً نجد أن دلالة الإشارة لا تكون قطعية دائما, بل قد تكون قطعية إذا كانت واضحة لجميع العلماء بالوضع أو الاستنباط الفقهي وقد تكون خفية وعندئذٍ تكون دلالتها مظنوناً بها, لعدم جلائها ووضوحها, وكلما كانت خفية كانت قوتها أضعف ودلالتها أقل درجة.
الناحية الثانية: أن العبارة مقصودة من النص قصداً أولياً أو تبعياً. وأما الإشارة فهي غير مقصودة من النص أصالة. وهذا الناحية شديدة الظهور في إبراز التفاوت بين المدلول العباري والإشاري, إذ إن العبارة مقصودة للنص, والإشارة غير مقصودة.
وهذا التفاوت يتضح جلياً في التفاوت في الأحكام المستفادة من الدلالتين, كما يظهر في تقديم المدلول العباري على المدلول الإشاري, وهذا ما سوف يتضح جلياً في المثال التالي.
لنضرب مثالاً: روي عن النبي أنه قال: "تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي" .
فهذه الرواية –على فرض الثبوت لإعمال القاعدة- أفادت بإشارتها أن فترة الحيض لدى المرأة تمتد خمسة عشر يوماً. إلا أن هذه الإشارة معارضة بعبارة النص, وذلك فيما روى أبو هريرة أن رسول الله خطب الناس فوعظهم, ثم قال: "يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لكثرة لعنكن يعني وكفركن العشير" قال: "وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن" قالت امرأة منهن وما نقصان دينها وعقلها؟ قال: "شهادة امرأتين منكن بشهادة رجل ونقصان دينكن الحيضة تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي" . فهذا الحديث واضح في دلالة العبارة. وفي حديث يروى أنه قال: "أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر" . فهذه الأحاديث –على فرض الثبوت- دلالة عبارة واضحة تفيد أن المرأة تقعد في عدة حيضها عشرة أيام كحد أقصى.
وحيث وقعت المعارضة بين دلالة العبارة والإشارة فإن الدال بعبارته مقدم على ما دل بإشارته.
• مثال آخر لإشارة خالفتها دلالة العبارة:
استدل بعض العلماء على أن البقرة تجزئ في الهدي عن أكثر من سبعة بحديث أن النبي نحر عن أزواجه بقرة أخرجها النسائي وأبو داود وكذا مسلم فقالوا بأن الظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته وهن تسع. قال الشوكاني رحمه الله: ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تُعارض به الأحاديثُ الصريحة الصحيحة السالفة المجمع على تداولها .
إذن يلاحظ من الأمثلة السابقة أن المعاني الإلتزامية المستفادة من إشارة النص قد تكون خفية لا تدرك إلا بتأمل دقيق ونظر عميق, وقد لا يتفطن إليها البعض, ولا يستطيع إدراكها إلا الفقهاء الراسخون فتستفاد من النصوص بطريق الإشارة, وهذا بخلاف ما يدرك من المعاني بدلالة عبارة النص, إذ هي تكون بدرجة من الوضوح بحيث يدركها حتى غير الفقيه .

هذا ما تيسر تحريره, ويتبع -إن شاء الله تعالى- الجزء الآخر, في العدد القادم, وهو
(المبحث السادس:أثر دلالة الإشارة في الفقه الإسلامي).

كتبه: الشيخ أحمد عبد الكريم الراوي.