بين العَشْر والعَشر


مضى على انسلاخ العشرِ الأواخر من رمضان شهرانِ بالتمام والكمال، ودخلت عشرُ ذي الحجة التي ورد في فضلها جملةٌ من الأحاديث والآثار، ومن أشهرها حديث عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء»[1].
وتبرز –كالعادة- مسألةٌ شهيرة، وهي: هل عشرُ ذي الحجة أفضل مِن عشر رمضان، أم العكس؟
وليس المراد هنا بحث هذه المسألة - فقد توسَّع فيها جماعةٌ من أهل العلم رحمهم الله[2] - إلا أن المشاهَد أن عشر ذي الحجة لا تَشهدُ تلك الحفاوةَ التي تشهدها العشرُ الأواخرُ من رمضان، فما السبب يا ترى؟
لعل مِن أكبر الأسباب:
- كون تلك العشر تأتي في نهاية موسم رمضان بخلاف هذه.
- ولكون تلك العشر فيها الليلة التي فضِّلت على ألف شهر.
ولكن كيف يكون لهذه العشر العظيمة - التي ظاهر النصوص يدل على تفضيلها مطلقاً على العشر الأواخر من رمضان - أثرُها الواقعي في حياتنا؟
أذكر ههنا بعض الأمور التي تعين على ذلك:
1) تذكير الأهل بفضلِ هذه العشر؛ إما من خلال الجلسة العائلية، أو سماع مقطع صوتي، أو توزيع مطوية صغيرة، ويمكن إقامة مسابقة عليها.
2) أن يكون الوالدان قدوةً عملية في هذا الأمر، فإن القدوة الماثلةَ أمامَ الأولاد تؤثِّر ولو بعد حين؛ من خلال ما يرونه من تغيّر في برنامج البيت اليومي، بدءاً من صلاة الفجر، وانتهاء بالوتر.
3) التخفف من المشغلات والملهيات ولو كانت مباحة، فكيف بالمحرمة! فإن الملاحظ أن للأجهزة الالكترونية أثرُها الواضح في ضياعِ كثيرٍ من الوقت بدون فائدة، بل ظهر أثرُها السلبي في تشتت الأسرة وتفرّقها وإن كانوا داخل البيت الواحد.
4) وضع محفزات داخل البيت للمتميز من الأولاد في هذه العشر المباركة، وتكريمه يوم العيد.
5) البعد عن المعاصي في كل وقتٍ متعين، وهو في هذه المواسم أكثر تأكداً. قال بعض السلف: "احذروا المعاصي فإنها تَحْرِم المغفرةَ في مواسم الرحمة". خاصة معاصي النظر التي أفسدت القلوب، وكدَّرت صفاء النفوس، وأفقدت لذةَ التعبد.
6) كثرة الدعاء والتضرع لله، وطلب الإعانة منه سبحانه على ذِكره وشُكره وحسن عبادته، فإن العبد لا يستطيع أن يحرّك شفتيه بذكره، ولا تخطو قدماه إلى طاعة، ولا تنفق يمينه بصدقة؛ إلا بعون الله وتوفيقه، "والخذلان أن يخلي اللهُ تعالى بين العبد وبين نفسه ويَكِلَه إليها، والتوفيق ضدُّه؛ أن لا يدَعَه ونفسَه ولا يكله إليها، بل يصنع له ويلطف به، ويعينه ويدفع عنه، ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خلَّى بينه وبين نفسه هلك كل الهلاك، فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس! فإن تولاه الله لم ظفر به عدوُّه، وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئبُ الشاةَ"[3].
وختاماً.. "الغنيمةَ الغنيمةَ بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عِوَض ولا لها قيمة، المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجلَ العجلَ قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرِّط على ما فعل، قبل أن يَسأل الرجعةَ ليعمل صالحاً فلا يُجاب إلى ما سَأل، قبل أن يَحوْل الموت بين المؤمِّل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرءُ مرتهناً في حفرته بما قدَّم مِن عمل"[4].

ـــــــــــــــ ـــــــــــــ

([1]) البخاري ح(969).
([2]) ومن أوسع من وقفت عليه: ابن رجب في كتابه الماتع "لطائف المعارف" (ص: 467) في الفصل الثاني من مجالس عشر ذي الحجة.
([3]) "شفاء العليل" لابن القيم، باختصار (ص: 100).
([4]) "لطائف المعارف" لابن رجب (ص: 274).



* رابط المقال على الموقع: ��� ������� ������� - ������ ������ �������/ ��� �� ��� ���� ������