تراجم المعاصرين 7/8
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف


إن تراجم المعاصرين لها مزايا وخصائص تختلف عما سبق ذكره من تراجمَ في جوانبَ وتتفق في جوانب أخرى، فمن نقاط الاتفاق:
1. التراجم المتميزة بقوتها وجلالتها لها أثرها البالغ على المطلعين عليها.
2. جاذبية التراجم القوية وتشويقها تشترك فيها تراجم السلف الماضين والعظماء المعاصرين.

ومن نقاط الافتراق ما يلي:
1. تراجم السلف الماضين أعظم أثراً وأجل عملاً من تراجم المعاصرين في الجملة، وإلا ففي المعاصرين مَن ضرب أروع الأمثلة وأجلَّها، وجاهد واستفرغ وسعه وبذل طاقته مع ما أحاط به من عوامل التيئيس والترهيب والتشويه.

2. العناية بتراجم مَن مضى أعظم من العناية بتراجم المعاصرين، وهذا عجيب؛ لأنه كان ينبغي لعلم التراجم أن يرتقي الرقي الطبيعي عبر القرون كما ترتقي سائر العلوم والفنون، والناظر لتراجم عظماء ونبلاء وفضلاء القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي يجد أن كثيراً جداً منها لم يدون بعد أو دُوِّن وفُقد أو بقي مخطوطاً، ثم إنه لا يوجد لها ديوان جامع إلى الآن يجمعها بينما سلفنا ترجموا لعظمائهم في دواوين جامعة لكل قرن ابتداءً من القرن الثامن الهجري كما تقدم في المبحث الأول.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن طرائق إيراد الترجمة عند المعاصرين تجلب الملل لقارئها بخلاف قارئ تراجم السلف الماضين فإنه يستمتع بها غاية الاستمتاع ؛ وذلك لأن أكثر مَن كتب تراجم المعاصرين كان ينهج المنهج العلمي الجافّ الذي تصبح التراجم بسببه كأنها قطعة من النثر المملّ الذي لا يكاد يؤثر في القارئ إلا قليلاً.

3. كتب تراجمَ السلف والخلف - غالباً- علماء كبار، وحفاظ عظماء كالحافظ السبكي، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي، والحافظ السيوطي، والإسنوي، والمرادي مفتي الشام، وعبدالحي الندوي العالم الهندي، ومحمد بن الطيب القادري المغربي، والشوكاني وغيرهم، بينما لم يكتب علماء عصرنا -في الغالب- التراجم وتركوها لطلابهم، أو الأساتذة غير المتخصصين في الشريعة، وكان لهذا أثره في ضعف كثير من التراجم التي كتبت لأهل القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، الضعف من حيث الركاكة في الصياغة، والضعف من حيث الأخطاء الشرعية التي يقع فيها كاتبو تلك التراجم.

4. قد ترجم أسلافنا لبعض الضُلال والمبتدعة لكنهم نقدوا أحوالهم، ولم يعظموا أمرهم -غالباً- أما ضُلال عصرنا فقد عظمهم مَن ترجم لهم تعظيماً بالغاً، ورفعوا من شأنهم، ولبّسوا على الناس أمرهم، وقد جرى هذا لجماعة كبيرة من الماركسيين والشيوعيين والقوميين والناصريين والبعثيين والعلمانيين اللادينيين، فقد ترجم لهم تلاميذهم ومحبوهم وتابعوهم تراجم مملوءة بالضلال والمروق، وعظموا من شأنهم تعظيماً لا مزيد عليه، وقد كثر هذا في الحقبة المظلمة من القرن الفائت، أعني بها الأربعينات الهجرية إلى نهاية القرن، أو العشرينات الميلادية إلى نهاية القرن، عندما لم يكن للإسلام ولا لمنهجه ولا لشرعه كبير اعتبار عند كثير من المثقفين والمتصدرين للشأن السياسي والاجتماعي، والناظر نظرةًَ عجْلى للمكتبة التاريخية المعاصرة يعلم هذا ويجده في متناول اليد.

5. كان السلف والخلف يتصدرون للتراجم بلا وجل، ولا إشفاق من عواقب صنيعهم، فإن تجنبوا شيئاً فإنهم يتجنبون ذكر واليهم في زمان تدوين الترجمة إن كان ممن يُخشى بطشه، أما في زماننا هذا فإن كثيراً من التراجم يُخشى من كتابتها الضرر، ثم إذا كتُبت على وجهها فإنها لا تجد لها ناشراً، وإن وجدت فبعض الناشرين المغمورين، وهذا هو السبب في أن أكثر الشخصيات التي كانت تلي الشأن العام لم يُترجم لها إلى يوم الناس هذا، أو تُرجم لها لكن لم تُنشر بعد، والله أعلم.

6. أحاط بالمترجمين في عصرنا من ذوي الاتجاهات الإسلامية من الأحوال وتغير الزمان وتبدل الأوضاع ما لم يحط بأسلافنا، وقد أثر هذا أثراً بالغاً في كل جوانب الترجمة تقريباً، وقد فصلت في هذا في بعض المباحث السابقة، لذلك فإن قارئ تراجم عظماء عصرنا قد تفجؤه بعض الحوادث والأحوال التي ربما لا تليق بصاحب الترجمة، فإن وجد مثل ذلك فليحمله على تغير الزمان وتبدل الأوضاع والمفاهيم، وهذا يبدو واضحاً في تراجم مَن عاش في القرن الفائت والذي قبله.

7. قد كان أسلافنا يكتبون التراجم بتوازن مقبول إلى حد ما، فكانوا يوردون أخبار المغاربة والأندلسيين، والمشارقة العرب والعجم على اختلاف بلدانهم فلا يكادون يغادرون منطقة إلا ويوردون من تراجم أهلها قليلاً أو كثيراً، لكن الناظر إلى عصرنا يجد أن هذا التوازن مختل إلى حد كبير؛ إذ أين هي تراجم عظماء الملايو من أهل ماليزيا واندونيسيا وتلك البلاد خاصة في القرن الماضي وما قبله؟
وأين هي تراجم مسلمي الصين؟
وأين هي تراجم مسلمي الترك في آسيا الوسطى بلاد القزق والقيرغيز والتركمان والأوزبك؟
وأين هي تراجم عظماء افريقيا السوداء؟
وأين هي تراجم عظماء السنة في بلاد فارس؟

فهنالك نقص كبير بل أستطيع أن أقول إنه لا وجود اليوم لتراجم أكثر ما ذكرته من مناطق وبلاد، وإن وجدت فهي باللغة المحلية ويشوبها نقص وخلط وضعف، وأقول هذا عن علم وتجربة ومعاناة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وليت المجامع الثقافية العربية والإسلامية تضطلع بهذا العبء وتجعل على نفسها مهمة إحياء هذه التراجم والعناية بها، خاصة أن هذا من صلب عملها واهتماماتها.


8. الكثرة الكاثرة من عظماء السلف والخلف قد وُفُّوا حقهم في تراجمَ جليلةٍ مضيئة استقرت عبر توالي السنين الطويلة، أما المعاصرون فأزعم أن كثيراً منهم لم يُوَفّ حَقَّه بعد من الترجمة المظهرة لفضله، والمبينة لعظيم عمله، وبعضهم قد ظُلم وتُعدي عليه، وقلبت حسناته إلى سلسلة متتالية من السيئات، في سياق من عدم الإنصاف لم يسبق له نظير؛ فإن عظماء السلف والخلف إذا ظلم مؤرخ ما واحداً منهم هرع سائر المؤرخين لإنصافه، أما هؤلاء الذين ظُلموا من أهل عصرنا فقلّ مَن يُنصفهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فإن هذه من المصائب التي يُسترجع لها، والله.

المصدر
موقع التاريخ