مزايا التراجم الإسلامية 8/3
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف


إن للتراجم الإسلامية مزايا عديدة تفضل بها أي تراجم أخرى لمن تُرجم لهم من الأمم الكافرة ، فمن ذلك:
1. إسلام الوجه لله تعالى:
إن تراجم أعلام هذه الأمة يميزها أنها مسلمة لله تعالى، أصحابها يدينون لله -تعالى- بتوحيده وطاعته والالتـزام بمنهجه الذي ارتضاه لعباده، ويصدرون عن هذا الالتـزام وتلك الطاعة -غالباً- في تصرفاتهم وأحوالهم وعلاقاتهم بالمجتمع، بينما لا نجد ذلك عند قراءة تراجم أعلام الأمم الأخرى الكافرة التي لا تدين لله - تعالى- بتوحيد ولا طاعة ولا التزام لمنهجه، فتختل عندها الموازين، فالدنيا هي غاية أملهم ومبلغ علمهم ومنتهى رضاهم، والعياذ بالله، قال تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا)
وقال سبحانه: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام)
وقال تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)
وكفى بهذا ذماً، نسأل الله العافية.


2. التوازن الرائع:
إن أكثر التراجم الإسلامية متوازنة في شخصياتها، فتجد صاحب الترجمة مؤمناً بالله تعالى، حسن الخلق - غالباً- جميل الشمائل والصفات، جامعاً بين جوانب عدة من الفضائل، فتجد الواحد من الأشخاص عالماً، وفي الوقت نفسه هو عابد، زاهد ، وهذه كثرة كاثرة، وتجد شخصاً آخر قائداً بطلاً شجاعاً وفي الوقت نفسه قد يكون عابداً زاهداً، وقد يكون عالماً فقيهاً -كأسد بن الفرات مثلاً - وقد تجد شخصاً جامعاً لفضائلَ وشمائلَ على وجه عجيب، وأحب أن أمثل بذلك دائماً بالإمام الكبير عبدالله بن المبارك، رحمه الله تعالى، فقد كان من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، توفي سنة 181، ومن جوانب شخصيته أنه كان:
1. أميرَ المؤمنين في الحديث.
2. فقيهاً عالماً.
3. عابداً زاهداً.
4. مجاهداً فارساً بطلاً.
5. كريماً منفقاً.
6. تاجراً ثرياً.
7. صاحبَ خلق كريم خاصة المروءة.
8. أديباً شاعراً.


فأين نجد في الأمم مثله، أما الأمم المؤمنة فقليل مثله، وأما الكافرة فليس هناك قطعاً مثله ولا عشر معشاره، فهذا نابليون عُرف عنه أنه قائد عسكري جيد دوّخ أوروبا، واحتل مصر، لكن يبقى السؤال قائماً عن سائر جوانب شخصيته، فهو ماكر مخادع، ناقض للعهود؛ إذ لما استسلم له 4000 من أهل يافا في فلسطين فأصبحوا أسرى قتلهم جميعاً عن بكرة أبيهم ولم يرقب فيهم إلاً ولا ذمة ، وفي الوقت نفسه هو كافر لا يساوي عند الله جناح بعوضة.


3. العمل النافع :
إن القارئ للتراجم الإسلامية الجليلة يرى أن عمل أصحابها كان نافعاً بالمقياسين: الشرعي الخاص، والإنساني العام، فقد كان وجودهم في الأرض خيراً لأهلها بما بثوا فيهم من علم، ورغبوهم من عمل، وأصلحوا فيهم من سلوك، وعدلوا فيهم من خلق، وهدوهم من ضلالة، وأنقذوهم من جهالة.


وكم أنقذوا من البشر عدداً لا يحصى من ضلالات الكفر، وأخرجوهم من الظلمات إلى النور، وأدخلوا عليهم السعادة في الدنيا والآخرة، وعلموهم الشريعة فتهذبت نفوسهم بعد أن كانوا كالبهائم بل أضل، فلله ما أحسنَ عملَهم، وما أعظم صنيعهم، فأين منهم كبراء أهل الملل الكافرة، الذين نصبهم العالم نجوماً، وأبطالاً، ورموزاً، وقدوات، وعظماء وهم أجهل بالله -تعالى- من الدواب، وعملهم وبال عليهم وعلى غيرهم؛ فهم مفسدون للعقائد، مضللون للعقول، محاربون للفضائل، داعون إلى الرذائل، عاملون على نشر الفواحش والموبقات ، لا هدف لهم ولا غاية ، وأكثرهم ملحد ولو رفع لنصرانيته أو غيرها راية ، ولقد رأينا من شرورهم ، وعرفنا من مخازيهم ، ووقفنا على أنواع من فسادهم ، وإجرامهم، ما صرنا معه - ولله الحمد- نفتخر بعظمائنا وأعمالهم النافعة لنا ولسائر البشر، والناظر النظر الأولي في أحوال العالم يعلم هذا الذي ذكرته، فهو أشهر من أن يُدلل عليه، وأظهر من أن يجادل فيه، لكن الإعلام العالمي طمس رجالنا وأظهر زعماء الضلال، وأغمض عينيه عن عظمائنا واكتفى بالرويبضات الجهال، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وساعده على ذلك وسائل إعلام بلادنا الإسلامية، التي ضلت طويلاً، وجلبت لأهلها شروراً وداء وبيلاً.


4. الأثر المفيد:
إذا نظرنا إلى آثار عظماء الملة الإسلامية، أصحاب التراجم الطاهرة العلية، رأينا جلالاً وعظمة، وفوائد وأعمالاً عادت على البشرية عامة والبلاد الإسلامية خاصة بأعظم العوائد، وهذه الآثار متنوعة بين آثار إيمانية وأخلاقية وسلوكية واجتماعية وعلمية لا يزال العالم يذكرها بكل خير، ويسطرها في كتب الحضارات رغم أنف الحاسدين والجاحدين.


ولقد أنشأ عظماء الرجال والنساء في الأرض حضارة جمعت بين الروح والمادة، والإيمان والعمل، والزهد والإعمار، والتوكل والأخذ بالأسباب، وقيادة الناس والعبودية لله، ولئن دالت تلك الحضارة، وزالت، وبادت بعد أن سادت، وأُنكر فضلها وجُحِد، لكنها ما زالت يتردد صداها في جنبات الزمان، وأخبار عظمائها مسطورة في الكتب وتدل عليها بواقي الآثار العظام.


واليوم - ولله الحمد- هناك آثار خَلّفها عظماء من العصر الحديث يوشَك أن تُؤتيَ أُكُلَها، وتعيد المسلمين إلى ماضيهم السعيد ومجدهم السليب، وعزهم التليد، إن شاء الله تعالى.


وللمقارنة فهؤلاء مفكرو فرنسا الكبار ساند أكثرهم الغزو الهمجي الفرنسي للجزائر، وكانوا أنصاراً لتلك الوحشية، سواء منهم من عاصر الغزو أو من جاء بعدهم إلى يوم الناس هذا حتى قال الأستاذ محمد الأمين بلغيث الجزائري:
"إن المثقفين الفرنسيين من رجال القانون والفلاسفة المتعاطفين مع الجزائريين -"معذبي الأرض" كما كتب ذات يوم فرانز فانون- قد جاءت صحوتهم متأخرة فلم يتحركوا على حد علمي وعلى حد النصوص التي اعتمدتها إلا منذ 1957 بصورة ملفتة للانتباه، ولكن إذا عرفنا السبب بطل العجب؛ فلم يتحرك ضمير معظم هؤلاء حتى شاهدوا أبناء جلدتهم يساقون إلى جهنم الجزائر إلى حيث الموت المحقق، وإلى حيث يعاد نعش مُسَجّى بعلم بلاده الملوث بدماء الأبرياء العُزَّل...".


وهؤلاء مقدمو الإسبان من أدباء وعلماء ومفكرين قد عاصروا محاكم التفتيش الرهيبة وحرق المسلمين وهم أحياء ، ورأوا نقض وعود الإسبان لهم بالعيش بأمان فلم نسمع منهم إنكاراً لما جرى، بل إن أكثر المفكرين الإسبان اليوم لا ينكرون ما جرى ويغلب عليهم التعصب في نظرتهم إلى تاريخ المسلمين في الأندلس.


وقد شاهدنا في التاريخ كيف عامل أعلام ساسة أمريكا الكبار السود قبل التحرير وبعده إلى قرب نهايات القرن الفائت بدون أن يكون هنالك نكير أو صنيع جاد يرفع عن أولئك المساكين الظلم.


لكن لا يمكن لعالم مسلم أو مفكر أن يقر أمثال تلك الجرائم لو صدرت عن أمته، ولو وُجد فهم قلة نادرة لا يُلتفت إليهم؛ فكم من علماء في مصر والشام واسطنبول وغيرها قاموا في وجه السلاطين لما أرادوا إخراج أهل الذمة أو إيذاءهم بغير وجه حق ، وقد نقل لنا التاريخ كثيراً من أمثلة ذلك، فهذا السلطان سليمان القانوني وهو أعظم سلاطين بني عثمان أراد إخراج كل النصارى من امبراطوريته ، ولم يكن أحد يستطيع أن يعصي أمره أو يخالف قراره، أو يرد عليه ما عزم عليه، لكن شيخ الإسلام في الدولة العثمانية وهو مفتي السلطنة وكبير المشايخ- لم يقبل منه هذا العمل، وهو الشيخ زنبيلي أفندي ، وإليكم ما قاله أمير البيان شكيب أرسلان ، رحمه الله تعالى في هذه المسألة ، فقد ذكر في كتابه "حاضر العالم الإسلامي" ؟ أن السلطان العثماني أراد إخراج النصارى من بلاده أو يسلمون فأبي عليه شيخ الإسلام كل الإباء ، وقال له : ليس لنا عليهم إلا الجزية.


فذلك موقف عظيم من شيخ الإسلام ، على أن المصلحة كانت في إخراجهم لأننا وجدنا أنهم كانوا سبباً رئيساً في إسقاط الدولة العثمانية بعد ذلك هم واليهود ، لكن الوقوف عند حد الشريعة هو الذي جعل شيخ الإسلام يقول للسلطان ما قاله ، وفي تفصيل لطيف لما جرى قال الأستاذ شكيب :
"إن أحد الوزراء العثمانيين كان مرة في أحد المجالس في جدال مع بعض رجال الدولة في أوروبا فيما يتعلق بموضوع التعصب ، فقال لهم الوزير العثماني : إننا نحن المسلمين من ترك وعرب وغيرهم مهما بلغ بنا التعصب في الدين فلا يصل إلى درجة استئصال شأفة أعدائنا ولو كنا قادرين على استئصالهم ، ولقد مرت بنا قرون وأمور كنا قادرين فيها على ألا نبقي بين أظهرنا إلا من أقرّ بالشهادتين ، وأن نجعل بلادنا كلها صافية للإسلام ، فما هجس في ضمائرنا خاطر كهذا الخاطر أصلاً ، وكان إذا خطر هذا ببال أحد من ملوكنا كما وقع للسلطان سليم الأول العثماني تقوم في وجهة الملة ، ويحاجه أهلها مثل علي أفندي شيخ الإسلام الذي قال للسلطان بلا محاباة : ليس لك على النصارى واليهود إلا الجزية ، وليس لك أن تزعجهم عن أوطانهم ، فيرجع السلطان عن عزمه امتثالاً للشرع الحنيف ، فبقي بين أظهرنا حتى أبعد الفرق وأصغرها : نصارى ، ويهود ، وصائبة ، وسامرة ، ومجوس ، وكانوا كلهم وافدين ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ، أما أنتم معاشر الأوروبيين فلم تطيقوا أن يبقي بين أظهركم مسلم واحد ، واشترطتم عليه إذا بقي بينكم أن يتنصر ، ولقد كان في إسبانيا ملايين وملايين من المسلمين ، وكان في جنوب فرنسا وفي شمال إيطاليا وجنوبها مئات الآلاف منهم ، ولبثوا في هذه الأوطان أعصراً مديدة ولا تزالون تستأصلونهم حتى لم يبق في هذه البلدان شخص واحد.. يدين بالإسلام ، ولقد طفت بلاد إسبانيا كلها فلم أعثر فيها على قبر واحد يُعرف أنه قبر مسلم".


- هذه كانت بعض مزايا التراجم الإسلامية التي تظهر جلال وروعة أعمال أسلافنا العظماء.


المصدر
موقع التاريخ