ذمُّك بغير حق مدحٌ بحق (2/2)


أ.د. الشريف حاتم العوني
الجمعة 27/09/2013

ذكرت في الأسبوع الماضي مثالا لأمثلة الذم الذي هو في حقيقته مدح وثناء؛ لأنه كان ذمًّا بغير حق!
وقد خصصت الإمام أبا حنيفة (رحمه الله) بالأمثلة؛ لأنه أحد الأئمة الذين نالهم قدر كبير من الهجوم بغير حق، تجاوز النقدَ المنصفَ والتخطيءَ بحق؛ وإلا فإن النقد بحق والتخطيء بإنصاف حق مكفول لمن التزم العلم والعدل في نقده وتخطيئه.
ولتجاوُزِ كثيرٍ من ذلك النقد والتخطيء شرطَ قبوله (العلم والعدل)، فقد كان كثيرٌ من ذلك النقد والتخطيء هو نفسه من أدلة فضل الإمام أبي حنيفة ومن شواهد كمالاته (رحمة الله عليه)! ليكون هذا الانقلاب دليلا من أدلة ثبوت الحق وزوال الباطل، وربما بلسان الباطل أو بسنانه!!
وسأسوق اليوم ثلاثة مواقف لهذا الإمام، يذكرها المنتقصون له في سياق الذم، وهي بالثناء والمدح أحرى!!
أولها: ما صح أن الإمام سفيان بن عيينة مر بمجلس الإمام أبي حنيفة في المسجد، وحوله طلابه، وقد ارتفعت أصواتهم في مدارسة ونقاش مسائل العلم.. فاستنكر سفيان هذا الأمر، وطلب من أبي حنيفة أن ينهاهم عن رفع أصواتهم في المسجد.. فقال له الإمام: ((دعهم؛ فإنهم لا يفقهون إلا بهذا)).
يذكرون هذا الخبر انتقادا لمجلس تعليم الإمام، وأنه كان لا يتحلى بوقار مجالس العلم، أو أنه لم يلتزم بأدب الجلوس في المسجد!
وبغض النظر عن صحة هذين الملحظين، فهذا الخبر هو من وجه آخر: دليل على صحة منهج الإمام أبي حنيفة في التعليم، وأنه لم يكن منهجا تلقينيا، يقوم على الإلقاء والحفظ، بل كان مبنيا على الفهم العميق والاستدلال الدقيق.. ولذلك تخرج في مدرسته فقهاء، لم يكونوا مجرد حفظةٍ لفقهه، بل كان كل واحد منهم رأسا في الفقه، كأبي يوسف ومحمد بن الحسن.. فحملوا فقهه، على أنه فقههم (لشدة عمقهم فيه)، وناصروه بالحجج كما ينصره صاحبه، واستطاعوا الوقوف به أمام خلافٍ قوي لهم، يقف فيه أمامهم أئمة وجبال من جبال العلم . فلو لم يكونوا ثمرة لذلك المنهج الذي يُعمِّقُ الفقهَ ويقوِّي الاستدلالَ، ما كان لفقه أبي يوسف أن يصمد أمام مناظرات الإمام مالك وفقهاء المدينة، ولا لفقه محمد بن الحسن أن يصمد أمام فقه الإمام الشافعي ومناظراته الكثيرة.. لكنهم كانوا فقهاء حقا، وأئمة صدقا، ولذلك صمد هذا المذهب الجليل وانتصر ببقائه وذيوعه وسعة انتشاره.
وصدق أبو حنيفة: (( إنهم لا يفقهون إلا بهذا))، فلقد فقهوا، وأي فقه فقهوا!!
وفي قصة أخرى: يعود أبو حنيفة أحد كبار أهل القرآن والحديث، وهو سليمان بن مهران الأعمش (المقرئ والمحدث)، وكان الأعمش مريضا.. فقال له الإمام أبو حنيفة: يا أبا محمد، لولا أن يثقل عليك مجيئي، لعدتك كل يوم.. فقال له الأعمش: أنت والله ثقيل في منزلك، فكيف إذا جئتني!!
هذا الخبر قد أفهمه على أنه مزاح من الإمام الأعمش! على أنه ضيق خُلق عُرف به، لا يُمدح به، ولا يُقتدى به فيه، وإن عُذر فيه، وغُمر في جانب محاسنه وفضائله!! لكن أن يُصبح من دلائل الذم في أبي حنيفة، ويُساق في هذا الباب، كما قد وقع!! فهذا من أعجب الاستدلال!!
أهذا حقُّ إمامٍ عاد مريضا، وكلّمه بكل لطفٍ ورقة وذوق رفيع؟!
ثم الخبر لا يذكر من أبي حنيفة غضبا، ولا جوابا.. مما يدل على أنه استقبل هذه المزحة أو الإساءة بصدر رحب، يدل على خُلُقٍ رفيع وسعة صدر تليق بالأئمة.
وفي مثال أخير: يذكرون قصصا عديدة لمن عاصروا الإمام أبا حنيفة، تحكي استغرابهم من تغير اجتهاد الإمام، وأنه ربما أفتى بقول، ثم قال بنقيضه . ويذكرون ذلك لذم فقهه، ووصفه بما يُشعر بعدم متانته، وأنه لا يعتمد على الدليل !
ولو نظروا لذلك من جانب آخر : لكان ذلك دليلا على عمق فقهه، وعلى عدم أنفته من التخلي عن اجتهاده إذا تبين له غلطه، وأنه ما زال يتأمل العلم ومسائله، فلا يبالي أن يقول اليوم قولا، ويخالفه غدا، إذا ترجح عنده خلاف قوله . ومن عرف عمق العلم عرف أن تغير الاجتهاد في ظنياته سمة العلماء المجتهدين (سمتهم واجبًا وواقعًا)، وأما الثبات على قول واحد في هذه الظنيات فهو سمة المقلدين الجامدين (سمتهم واجبا وواقعًا أيضًا).
هذه كلها نماذج لمقالات أرادت الانتقاص من الإمام أبي حنيفة، فكانت هي نفسها مناقب جليلة في جملة مناقبه الكثيرة !
وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وفي بيان حماية الله لأوليائه، حتى ربما رفع ذكرهم على لسان خصومهم، وأظهر محاسنهم على يد من أرادوا انتقاصهم!!


رضي الله عن أبي حنيفة..