د. الشريف حاتم العوني
الجمعة 20/09/2013


تُروى بعض الأخبار في سياق الذم لبعض قممنا الإسلامية، ويذكرها بعض ناقليها للاستدلال بها على الانتقاص من تلك القمم. ولكن يأبى مشهدُ الحق وعين الإنصاف إلا أن تُظهر جوانب العظمة في تلك الشخصيات، رغم كل تلك المحاولات في طمس فضائلها.
ومن هذه القمم: الإمام أبو حنيفة (رحمه الله)، فقيه الأمة، وصاحب المذهب الجليل الذي ما زال يفوق المذاهب كلها انتشارا وعدد أتباع في العالم الإسلامي.
ومناقب هذا الإمام وفضائله لست في مجال سردها، فهي محل اتفاق وإجماع، وصُنفت في بيانها مؤلفات مفردة كثيرة: قديمًا جدًا، وحديثًا، فلا مجال هنا لسرد جانب منها، وهي أوسع من كتاب، وأكثر من مجلدات.
ولكني سوف أبين أن جوانب من عظمة هذا الإمام تتضح حتى في كثير من سياقات عبارات انتقاصه، ممن حاولوا انتقاصه قديما، في زمنه وبعد زمنه بقريب.
ومثل هذه الدلالات على العظمة وعلى الكمالات التي كان يتحلى بها هذا الإمام، من أقوى الدلالات؛ لأنها جاءت بغير قصد الثناء، بل بقصد الذم والانتقاص! وليست من عبارات محب ولا معجب، بل ربما كانت من مبغض أو حاسد أو مخالف!! ولذلك فلمثل هذه العبارات من قوة الدلالة على الفضل والشرف ما لا يكاد يوجد في غيرها من عبارات المدح الصريح والثناء الواضح!!
ومن ذلك:
يذكر منتقصو علم هذا الإمام باللغة العربية خبرا صحيحا، وهو أنه روى مرةً حديثًا، عن يوم القيامة، وفي خبر آخر أهل النار خروجا من النار ودخولا الجنة، فرواه بلفظ: ((يدخل الجنة قومٌ حفاةً منتنين قد أمحشتهم النار))، ومعنى المحش: أي أحرقتهم حتى ظهرت عظامهم، وكان في مجلس الإمام العالم النحوي أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري، فأنكر على الإمام قوله ((أمحشتهم))، وصوّب له الرواية، وأنها ((مَـحَشَتْهم)) بغير همزة. فقال له الإمام أبو حنيفة: ((ممن أنت؟))، فقال له: من أهل البصرة. فقال له الإمام: ((كل أصحابك مثلك))؟ فقال أبو زيد: أنا أخسهم، فقال له الإمام أبو حنيفة: ((طوبى لقوم أنت أخسهم!)).
يذكرون هذا الخبر في الاستدلال به على نقص علم هذا الإمام بالعربية، وربما دافع عنه أتباع مذهبه ببيان صحة روايته من جهة اللغة. ولكن ليس هذا هو ما أريد تسليط الضوء عليه، وإنما أردت النظر في هذا المجلس من زاوية أخرى:
فأبو زيد الأنصاري من طبقة تلامذة الإمام أبي حنيفة، إذ يكبره الإمام أبو حنيفة بأكثر من أربعين سنة، فهو من جيل صغار أبنائه وتلامذته.
ومع ذلك: يتعقب هذا التلميذ شيخه في مجلسه علانية، ويُغَلِّطُه في روايته أمام الناس.
ثم هذا الغلط (لو كان غلطا) شيءٌ محتمل، والتغليط فيه أمر يقبل النقاش، وليس محسوما في أقل تقدير. ولو كان غلطًا فليس هو بالخطأ الخطير على الدين ولا اللغة. ومع ذلك يتجرأ هذا التلميذ الصغير بالتعقب على شيخه، بهذا الأسلوب الصريح الواضح!
فما نهره الإمام، ولا رفع صوته عليه، ولا أنكر عليه فعله. بل سأله عن بلده، لأنه ليس من الكوفة، فيما يبدو عليه. وكان بين الكوفة والبصرة منافسات وخصومات علمية ومذهبية في الفقه واللغة وغيرهما. فلما علم الإمام أنه من البصرة، سأله سؤالا غريبا، قد يكون المقصود به الذم وقد يكون المقصود به المدح، حيث قال له: ((كل أصحابك مثلك؟))، فقد يكون مقصود الإمام بهذا السؤال: هل هم مثلك في سوء الأدب، وقد يكون مقصوده: هل هم مثلك في كثرة العلم! فأجابه أبو زيد بجواب ينفع في الوجهين. ومثل إبهام هذا الجواب من التلميذ ما زال فيه شيء من التمرد على مقام مجلس هذا الإمام الجليل، حيث قال له أبو زيد: ((أنا أخسهم)).
فما كان من الإمام إلا أن قال له بتواضع عظيم، وبقلب كبير، يفيض حبا وشفقة وتشجيعا لهذا التلميذ: ((طوبى لقوم أنت أخسهم!)).
لقد أصبح أبو زيد يفخر بهذا الخبر، ويذكره معتزا بهذا الثناء!!
ولكن جاء بعد أبي زيد من صار يسوق هذا الخبر في سياق ذم الإمام، والاستدلال به على نقص علمه باللغة!
ولكنه (رغم ذلك) بقي هذا الخبر يقص علينا حادثة مؤثرة، ويذكر مشهدا من مشاهد الأخلاق الكريمة في مجالس الأئمة! فهو قد حَدّثَنا عن شدة تواضع الإمام أبي حنيفة، وعظم حلمه، وسعة صدره، وسماحة طباعه! وعن حسن تربيته، وكمال تأديبه، وجودة تعليمه! وعن حبه للعلم، وتقديمه له على حظوظ نفسه، وشدة تعلقه بالفائدة ولو كان فيها تغليظه.
فانقلب هذا الذم مدحا عظيما، بنظرة له من جانب آخر، بل بنظرة أكثر تفحصا وأقرب للإنصاف.
وسأكمل في مقال الأسبوع المقبل بإذن الله حكاية أخبار أخرى سيقت للانتقاص، فدلت على جوانب فضل وكمال في الإمام أبي حنيفة (رحمه الله).