تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )
صفحة 1 من 9 123456789 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 161
7اعجابات

الموضوع: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة ويليه المسائل المستنبطة منها


    عبد الله بن إبراهيم القرعاوي


    تفسير سورة الفاتحة ويليه المسائل المستنبطة منها - الكتيبات الإسلامية
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    الثمر الداني من لطائف التفسير والسبع المثاني

    السيد مختار

    مكتبة صيد الفوائد الاسلامية



    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    أسماء وفضائل وأحكام سورة الفاتحة

    محمد سعد عبدالدايم


    مكتبة صيد الفوائد الاسلامية





    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة


    الشيخ محمد محمد مخيمر


    تفسير سورة الفاتحة



    ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7].

    نطقت الأحاديث الصحيحة بأن من أسماء سورة الفاتحة أنها أم القرآن وأنها أفضل سورة أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم. وهي أول سورة نزلت كاملة.
    ولما كانت الأغراض التي أنزل الله تعالى القرآن لأجلها ترجع إلى خمسة مقاصد هي:(1) بيان الدين بعقائده وأحكامه وهو ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم محكمًا وأمرنا بالعمل به.
    (2) ومتشابه وهو ما كلفنا الله تعالى بالإيمان به دون بحث عنه.
    (3) ووعد من الله وهو ما أرشدنا إلى الطمع فيه والعمل على تحصيله.
    (4) ووعيد وهو ما خوف الله تعالى به عباده وأنذرهم به.
    (5) وقصص وهو ما أنزل من الأخبار للعبرة والموعظة ولا يكاد القرآن العزيز يخرج عن الكلام في هذه الأمور الخمسة. والفاتحة على كونها سورة صغيرة لا تزيد على سبع آيات فقط، مشتملة على تلك المقاصد جميعاً ولذلك سميت بهذا الاسم وهو (أم القرآن).
    أما بيان اشتمالها على تلك المقاصد ومكان كل مقصد منها في السورة فيبدو جلياً من تدبر آياتها وتفهمها فهمًا صحيحًا فتعريف الله سبحانه وتعالى إيانا بأنه رحمن رحيم مالك يوم الدين، راجع إلى المحكم لأنه بيان منه تعالى ببعض أسمائه وصفاته مع الإشارة بالرحمن الرحيم إلى الوعد الذي أرشدنا إلى الطمع فيه وبمالك يوم الدين إلى الوعيد الذي خوفنا به ومع الإشارة اللطيفة إلى المتشابه فإن الإيمان باليوم الآخر ملحق بالمتشابه لأنه لا زال أمراً غيبياً يقتصر في معرفته على ما بينه الكتاب والسنة مع التسليم به وإن كان غير معهود مثله في دار الدنيا ككون ثمار الجنة لا تنقطع على كثرة ما يؤخذ منها.
    ويشير قوله تعالى ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إلى أحكام الدين جملة فإنه لا يمكن تصحيح العبادة إلا بعد معرفة أحكامها معرفة صحيحة. والعبادة والدين شيء واحد في المعنى إذ لا تنحصر العبادة في الأمور الظاهرة بل تشملها والأمور القلبية كالعقائد الحقة والإيمان. والأحكام والعقائد هي مجموع الدين.
    أما الإشارة إلى القصص وهو خامس المقاصد فبقوله تعالى ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ إلى آخر السورة لأنه يشير إلى أصناف الناس من جميع الأمم ويحصرهم في ثلاثة أصناف هم أهل وعده الذين أنعم عليهم، وأهل وعيده وهم المغضوب عليهم والضالون، ومعرفة هذه الأصناف الثلاثة تفصيلًا لا تكون إلى بمعرفة أخبارهم وقصصهم المفصلة في كثير من المواضع والسور المختلفة في القرآن الكريم.
    وبهذا تكون فاتحة الكتاب قد اشتملت على أغراض إنزال القرآن الخمسة واستحقت التسمية بأم القرآن.
    وأما شرح ألفاظها ومعانيها على وجه الإيجاز والاختصار فهو:﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه مستحق للحمد والثناء من نفسه ومن جميع الكائنات إما بلسان المقال أو بلسان الحال،ولفظ الله اسم للحق تبارك وتعالى لا يشاركه فيه أحد وهو المعبود بحق الذي اتصف بجميع المحامد وتنزه عن جميع النقائص خلاف كلمة إله التي تدل معنى التعظيم والمعبودية؛ سواء كان بحق واستحقاق كما في جانب الله تبارك وتعالى أو بغير استحقاق كما في جانب كل من عبد من دونه. أما الرب فهو المالك المنعم والمدبر المربي. وهذه المعاني الأربعة موجودة منه تعالى للعالم إذ هو الذي يملكه ويدبره وينعم عليه ويربيه وهو المراد بالعالمين، فإن العالم بفتح اللام هو كل ما سوى الله تعالى من مخلوقاته. وكلمة الرحمن معناها صاحب الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء من العالم في دار الدنيا كما أن الرحيم معناها من خصت رحمته المؤمنين من عباده في الآخرة وبهذا البيان يعرف أن كلمة رحيم أوسع معنى من الرحمن كما يستفاد هذا من مواضع ورود الاسمين الكريمين في القرآن.
    أما معنى ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فيخبرنا الله تعالى أنه وحده مالك يوم الجزاء ملكًا حقيقيًا لزوال كل ملك صوري مما يقع في دار الدنيا عن أصحابه في ذلك اليوم ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ وأما قوله ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فمعناه أن العباد قد قطعوا على أنفسهم عهدًا وأتوا موثقًا لله أن لا يعبدوا غيره ولا يستعينوا بغيره، فمن وفى منهم بذلك العهد في الدنيا استحق من الله الجزاء الأوفى من الخير يوم القيامة كما يشير إليه الحديث الذي يذكر بتمامه في آخر هذا الكلام.
    أما بقية الآيات من اهدنا إلى آخر السورة فمعناها الإجمالي هو أنه تعالى أمر عباده أن يسألوه الهداية والتوفيق للدين الحق علما وعملا ليصلوا بالسير في هذا الصراط الذي هو الطريق المستقيم (الدين الحق) في الدنيا إلى السعادة الدائمة في الآخرة وأن يكونوا من الذين أنعم الله تعالى عليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، دون من غضب الله عليهم وهم الذين عرفوا الحق ثم حادوا وانحرفوا عنه من جميع الأمم إلى يوم القيامة، ودون الضالين الذين لم يميزوا الحق من الباطل بل ظلوا في حيرة مدة الدنيا. نسأله السلامة.
    وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال الله تعالى أثنى علي عبدي، وإذا قال ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قال مجدني عبدي، وقال مرة فوض إلي عبدي، فإذا قال ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قال هذا بيني وبين عبدي (أي هذا عهد بيني وبين عبدي فإذا وفى به وفيت له).
    ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
    هذا ولتكرر أنواع الثناء على الله تبارك وتعالى في النصف الأول من السورة سميت بالسبع المثاني.
    ولما كانت جملة اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة دعاء، طلب من العباد بعدها أن يسألوا الله تعالى الإجابة بكلمة آمين التي معناها استجب يا الله هذا الدعاء ممن دعاك به. والله أعلم.
    أما ما يتعلق بفاتحة الكتاب من الأحكام كضرورة قراءتها في الصلاة أو غير ذلك فمرجعه كتب الحديث والتفسير والفقه، وربما أفردنا لذلك بحثًا مستقلًا في الأعداد القادمة من المجلة إن شاء الله تعالى.
    المجلة
    السنة
    العدد
    التاريخ
    الهدي النبوي الأولى الأول ربيع الثاني سنة 1356 هـ







    رابط الموضوع: ط?ظپط³ظ?ط± ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ظپط§ط?ط*ط© - ط¹ظ„ظˆظ… ط§ظ„ظ‚ط±ط¢ظ† - ظ…ظˆظ‚ط¹ ط¢ظپط§ظ‚ ط§ظ„ط´ط±ظ?ط¹ط© - ط´ط¨ظƒط© ط§ظ„ط£ظ„ظˆظƒط©
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة لابن حجر العسقلاني من خلال فتح الباري جمعاً ودراسة

    http://www.alukah.net/userfiles/file/fateha.rar


    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تأملات في سورة الفاتحة


    د. أمين بن عبدالله الشقاوي



    سورة الفاتحة



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:فإن من سور القرآن العظيم التي نقرؤها في كل صلاة فرضًا ونفلًا: سورة الفاتحة، وهي أعظم سور القرآن، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي بالمسجد فدعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجبه فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج، قلت: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته"[1].وروى الترمذي في سننه من حديث أبي بن كعب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته"[2].وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس قال: "بينما جبريل - عليه السلام - قاعد عند النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته"[3].قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ الحمد هو الثناء، على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه.و ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الرب هو المتولي جميع العالمين، وهو الذي أوجد الخلق من العدم، وأنعم عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى، قال سبحانه: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53].والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، ولا يستعمل الرب لغير الله إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، ولا تقول الرب على غير الله.قوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها الله للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156].روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله منالرحنة ما قنط من جنته أحد"[4].قوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، أي: هو المتصرف في ذلك اليوم، وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، فهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما أضيف الملك إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَة ُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ: 38].وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [الانفطار: 17 - 19].وقال تعالى: ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 15، 16].روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا"[5].قال ابن عباس: "لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا، قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه" كذا قال غيره من الصحابة والتابعين.قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فالعبادة كمال المحبة، وكمال الخضوع، والخوف والذل، وقدم المفعول - وهو إياك - وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، ولذلك قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة، فالأول التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة. بل إن الصلاة لا تصح لمن لم يقرأ بهذه السورة، روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"[6].قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ فهذا هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بعد الفتح بقوله: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح: 2].والهداية ههنا التوفيق والإرشاد، فليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم النافع، والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله.و ﴿ الصِّرَاطَ ﴾ هو الطريق الواضح والمستقيم الذي لا عوج فيه، والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].وأنت دائمًا في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم، وعليك من الفرائض أن تصدق الله أن طريقه هو المستقيم، وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس بمستقيم، بل معوج، وهذه أول الواجبات من هذه الآية، واعتقاد ذلك بالقلب، وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملًا وتركه مفصلًا، فإن أكثر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحق، وأن ما خالفه باطل، فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70].وأما قوله: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم، وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات، فيا سبحان الله، كيف يعلمه الله، ويختار له، ويفرض عليه أن يدعو به دائمًا، مع أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله، هذا من ظن السوء بالله[7].ويستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين، ومعناها: اللهم استجب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"[8].اللهم اجعل هذا القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واجعله شافعًا وحجة لنا يوم القيامة.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    [1] برقم (٤٤٧٤).
    [2] برقم (٢٨٧٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
    [3] برقم (٨٠٦).
    [4] برقم (٢٧٥٥).
    [5] البخاري برقم (٢٧٥٣)، ومسلم برقم (٢٠٤).
    [6] البخاري برقم (٧٥٦)، ومسلم برقم (٣٩٤).
    [7] انظر: رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في تفسير سورة الفاتحة (ص 18-27).
    [8] البخاري برقم (٧٨٠)، ومسلم برقم (٤١٠).



    رابط الموضوع: ط?ط£ظ…ظ„ط§ط? ظپظ? ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ظپط§ط?ط*ط© - ط¹ظ„ظˆظ… ط§ظ„ظ‚ط±ط¢ظ† - ظ…ظˆظ‚ط¹ ط¢ظپط§ظ‚ ط§ظ„ط´ط±ظ?ط¹ط© - ط´ط¨ظƒط© ط§ظ„ط£ظ„ظˆظƒط©
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تأملات في سورة الفاتحة


    د. أمين بن عبدالله الشقاوي



    سورة الفاتحة



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:فإن من سور القرآن العظيم التي نقرؤها في كل صلاة فرضًا ونفلًا: سورة الفاتحة، وهي أعظم سور القرآن، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي بالمسجد فدعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجبه فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج، قلت: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته"[1].وروى الترمذي في سننه من حديث أبي بن كعب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته"[2].وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس قال: "بينما جبريل - عليه السلام - قاعد عند النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته"[3].قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ الحمد هو الثناء، على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه.و ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الرب هو المتولي جميع العالمين، وهو الذي أوجد الخلق من العدم، وأنعم عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى، قال سبحانه: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53].والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، ولا يستعمل الرب لغير الله إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، ولا تقول الرب على غير الله.قوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها الله للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 156].روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله منالرحنة ما قنط من جنته أحد"[4].قوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، أي: هو المتصرف في ذلك اليوم، وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، فهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما أضيف الملك إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَة ُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ: 38].وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [الانفطار: 17 - 19].وقال تعالى: ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 15، 16].روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا"[5].قال ابن عباس: "لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا، قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه" كذا قال غيره من الصحابة والتابعين.قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فالعبادة كمال المحبة، وكمال الخضوع، والخوف والذل، وقدم المفعول - وهو إياك - وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، ولذلك قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة، فالأول التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة. بل إن الصلاة لا تصح لمن لم يقرأ بهذه السورة، روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"[6].قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ فهذا هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بعد الفتح بقوله: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح: 2].والهداية ههنا التوفيق والإرشاد، فليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم النافع، والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله.و ﴿ الصِّرَاطَ ﴾ هو الطريق الواضح والمستقيم الذي لا عوج فيه، والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].وأنت دائمًا في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم، وعليك من الفرائض أن تصدق الله أن طريقه هو المستقيم، وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس بمستقيم، بل معوج، وهذه أول الواجبات من هذه الآية، واعتقاد ذلك بالقلب، وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملًا وتركه مفصلًا، فإن أكثر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحق، وأن ما خالفه باطل، فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70].وأما قوله: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم، وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات، فيا سبحان الله، كيف يعلمه الله، ويختار له، ويفرض عليه أن يدعو به دائمًا، مع أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله، هذا من ظن السوء بالله[7].ويستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين، ومعناها: اللهم استجب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"[8].اللهم اجعل هذا القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واجعله شافعًا وحجة لنا يوم القيامة.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    [1] برقم (4474).
    [2] برقم (2875) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
    [3] برقم (806).
    [4] برقم (2755).
    [5] البخاري برقم (2753)، ومسلم برقم (204).
    [6] البخاري برقم (756)، ومسلم برقم (394).
    [7] انظر: رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في تفسير سورة الفاتحة (ص 18-27).
    [8] البخاري برقم (780)، ومسلم برقم (410).



    رابط الموضوع: ط?ط£ظ…ظ„ط§ط? ظپظ? ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ظپط§ط?ط*ط© - ط¹ظ„ظˆظ… ط§ظ„ظ‚ط±ط¢ظ† - ظ…ظˆظ‚ط¹ ط¢ظپط§ظ‚ ط§ظ„ط´ط±ظ?ط¹ط© - ط´ط¨ظƒط© ط§ظ„ط£ظ„ظˆظƒط©
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة


    الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر




    ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 2 - 4].

    وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحْدَه لا شريك له، هو الإله المعبود الحق الذي لا يستحقُّ غيره شيئًا من عبادته، والمستعان الذي لا تتحقَّق عبادته إلا بإعانته.وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الهادي من اتَّبعه إلى الصراط المستقيم، والمنذِر لِمَن بلَّغه من عذاب الجحيم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه، أولئك هم المفلحون.أما بعدُ:فيا أيها الناس، اتقوا الله - تعالى - حقَّ التقوى، واستمسكوا بكتابه فإنه يهدي للتي هي أقوم وأبقى، وتدبَّروا آياته، تصيبوا من بركاته، وتذكَّروا به، تنتفعوا بعِظَاته وتفوزوا بهداياته، فاتْلوه حقَّ تلاوته واعملوا به، تكونوا من أهل شفاعته؛ فإنَّه يأتي شفيعًا لأهله يوم القيامة، وقائدًا لهم إلى دار الكرامة.عباد الله، إنَّ القرآن هو حَبْلُ الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم، فيه نبأُ ما قبلكم، وخَبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم، هو الفصْل ليس بالْهَزْل، مَن قال به صَدَق، ومَن حَكَم به عَدَل، ومَن عَمِل به أُجِر، ومَن دعا إليه هُدِي إلى صراطٍ مستقيم، ومَن تَرَكه مِن جَبَّار قَصَمَه الله، ومَن ابتغى الهدى من غيره أضلَّه الله، فالسعيد في الدارين من اتَّبع هداه، وأخْلَص دينه لله، والشَّقِي مَن أعْرَض عن ذِكْره فكَفَر بمولاه، واتَّخذ إلهه هواه.عباد الله، فـ"الحمد" معناه: الثناء على الله - تعالى - بصفات الكمال ونعوت الجلال، والله هو ذو الألوهيَّة والعبودية على خَلْقه أجمعين، فالألوهيَّة صفته، وهي: التفرُّد المطلق بكلِّ كمال، والتنزُّه عن صفات النقْص والعيب والْمِثال، والعبوديَّة حقَّة على عباده في جميع الأحوال.والـ"ربُّ": هو الخالق الرازق المتصرِّف، المربِّي لجميع العالمين بأصناف النِّعَم، ولعباده خاصَّة بالإيمان والتوفيق لِخِصال الإحسان.و"العالمين": جمع: عالَم، وهم أصناف مَخلوقات الله في السموات والأرض، والبَرِّ والبحر، المتقدِّم منه والمتأخِّر، فهي أصناف كلٌّ منها قَد عمَّه ربُّه بأنواعٍ من الإحسان والألطاف، وهدى كلَّ نوعٍ منها لِمَا خَلَقه له بلا اختلاف.وقد جمَع الله - تبارك وتعالى - معاني القرآن كلَّها في سورة الفاتحة التي سُمِّيتْ بذلك؛ لأنه افتتح بها؛ فهي بابُه والمدخل إليه، وتُسَمَّى: بأُمِّ الكتاب؛ لاشتمالها على مقاصده ومعانيه، وهي: السبع المثاني؛ لأنها سبع آيات تُثنى، أي: تُكَرَّر، فتقرأ وجوبًا في كل ركعة من ركعات الصلاة، وهي: الرقية؛ لِمَا فيها من شفاء أمراض القلوب والأبدان، والحمد؛ لأنها مفتتحَة به، وهو الثناء على الله بالألوهيَّة والربوبيَّة والرحمة، وأنه الملك الدَّيَّان، فهذه الأسماء دالَّة على صفات الكمال ونعوت الجلال، ومَن هذا شأْنُه فإنه هو الإله الحق الذي ينبغي أن يُخلِصَ له العباد في جميع عباداتهم في سائر الأحوال، وأنْ ينزِّهوه عن النِّدِّ والشِّرْك والسَّمِي والمثال، فإنَّه - تعالى - لا إله غيره، كما أنَّه خالقٌ ولا ربَّ سواه.معشر المسلمين، لقد اشتَمل القُرآن على الدعوة إلى التوحيد وذكر حقيقته وفضائله، والنهي عن الشِّرْك وبيان شُعَبه وغوائله، والترغيب في التوبة إلى الله من الشرك وما دونه، ووعَدَ التائبين بحسن المثوبة وعظيم الكرامة، وتوعد المصرِّين والمعاندين بأليمِ العقوبة والْحَسرة والندامة يوم القيامة، وفيه الحثُّ على إخلاص العبادة لله، التي تزكو بها النفوس، وتحيا بها القلوب، وتَقْوى معها الرهبة والخشية مِن علاَّم الغيوب، وفيه بيان سبيل السعادة، الموصل إلى النعيم الْمُقيم، ورضوان الربِّ العظيم في الدَّارين، وذكر الأخبار والقَصص عن المهتدين الذين أطاعوا مولاهم، فزادهم هدًى وآتاهم تقواهم، ونَصَرهم في الحياة الدنيا والآخرة وأكرم مثواهم، وسوء عاقبة الذين أساؤوا واتَّبعوا أهواءَهم، وكيف وثقوا في الدنيا وكانت النار مثواهم.فـ«إيَّاك نعبد»؛ أي: تفرد يا ربنا بالقَصْد في عباداتنا كلِّها.«وإيَّاك نستعين»؛ أي: نطلب إعانتك على طاعتك وعلى أمورنا كلِّها، والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبديَّة، وحُسن العاقبة في جميع الأمور، والنجاة في الدارين من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما، ولا وصولَ إلى الجنة وما فيها من النعيم المقيم ورضوان الربِّ العظيم إلا بالْجَمع بينهما، والعبد مضطر إلى توفيق الله له أن يعبده بما شَرَع، وأن يجنِّبَه الشِّرْك والبِدَع، وهذا يحتاج إلى هداية إلى العلم النافع والعمل الصالح، وهو طريق الهدى الذي سَلَكه مَن أنعم الله عليهم واصطفَى؛ ولهذا اختُتمتْ هذه السورة بصدق الضراعة إلى الله بسؤال الهدى.و: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ أي: طريق من أنعمتَ عليهم بالعِلم والعمل، وعَصَمْتَهم من الضلال والزَّلل؛ كاليهود الذين ضلُّوا قصدًا عن سواء السبيل، والنصارى الذين يتعبَّدون على غير هدًى ودليل؛ ولذا قال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7].أيُّها المؤمنون، وأمَّا ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3]، فاسمان دالان على أنه - تعالى - ذو الرحمة الواسعة، والنعمة السابغة؛ فرحمته وسعتْ كلَّ شيءٍ، ونعمته عمَّتْ كلَّ حيٍّ، فهو رحمن بِخَلْقِه في الدنيا عامَّة، ورحيم في الدنيا والآخرة بالمؤمنين خاصَّة.وأمَّا ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، فالمراد به: مالك يوم القيامة، يوم الحساب، هو يوم الثواب والعقاب، يجزي الذين أساؤوا بما عَمِلوا، ويجزي الذين أحسنوا بالْحُسنى، ومَن هذا شأنه فهو المستحقُّ أن يُفْرَد بجميع أنواع العبادة؛ وهي غاية الحبِّ مع غاية الذُّلِّ والخضوع، وبالاستعانة به وحْدَه، وهي: الاعتماد على الله وحدَه؛ اعتمادًا عليه في جَلْب المنافع ودَفْع المضار، وثِقَةً به فإنه الواحد القهار، مع غاية الرغبة والاضطرار إليه وكمال الانكسار، فلا تحصيل للمقصود، إلا بإخلاصٍ للمعبود.بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنبٍ، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    رابط الموضوع: ط?ظپط³ظ?ط± ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ظپط§ط?ط*ط© - ط®ط·ط¨ ظ…ظ†ط¨ط±ظ?ط© - ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ط´ظ?ط® ط¹ط¨ط¯ط§ظ„ظ„ظ ط¨ظ† طµط§ظ„ط* ط§ظ„ظ‚طµظ?ظ‘ظگ ط± - ط´ط¨ظƒط© ط§ظ„ط£ظ„ظˆظƒط©
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة


    أ. د. مصطفى مسلم



    بين يدي السورة:
    أولاً- أسماؤها:
    كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وقد وردت أسماء كثيرة لسورة الفاتحة، منها ما ثبت بالنص ومنها ما استنبط من خلال ما قيل عنها، وسنقتصر على ما ثبت من أسمائها بالنص الصحيح.

    أ*- الفاتحة أو ( فاتحة الكتاب):
    أخرج مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ أحرفاً منهما إلا أوتيته.

    وقيل في تعليل هذه التسمية لأنها أول ما يفتح به الكتاب، فهي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من القرآن العظيم.

    وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب[1].

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خراج-يقولها ثلاثاً-).

    أم الكتاب:
    ورد في سنن أبي داود ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني[2].

    قال الإمام البخاري في أول كتاب التفسير: (وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة).

    قال ابن جرير: والعرب تسمي كل جامع أمر أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه (أماً).

    1- أم القرآن:
    في صحيح البخاري: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم)، وأخرج مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خراج، ثلاثاً، غير تامة).

    2- السبع المثاني:
    أخرج البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: (لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، قال: نعم، الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)، قالوا: سميت بذلك لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة.

    3- سورة الصلاة:
    روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] قال الله تعالى: (حمدني عبدي، وإذا قال العبد ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل فإذا قال:﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل[3].

    4- سورة الرقية:
    في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نَأْبِنُه[4] برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبناً، فلما رجع، قلنا له أكنت تحسن رقبة أو كنت ترقى؟ قال: لا ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي ونسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم)[5].


    ثانياً- فضائل سورة الفاتحة:
    أغلب الأحاديث التي ذكرت أسماء الفاتحة تدل على فضائلها فمن هذه الفضائل:
    1- سورة الفاتحة أعظم سور القرآن الكريم وقد تقدم حديث أبي سعيد المعلى عندما قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد... ثم ذكر له أنها سورة الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني والقرآن العظيم[6].

    2- لا مثيل لسورة الفاتحة في الكتب المنزلة فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي بن كعب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: (أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ ثم أخبره أنها الفاتحة.

    3- سورة الفاتحة نور:
    وتقدم الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه... فنزل منه ملك فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته.

    4- سورة الفاتحة:
    رقية وعلاج ودواء وشفاء للأسقام المادية والمعنوية، وتقدمت الأحاديث في ذلك، عندما رقى الصحابي اللديغ بالفاتحة، وكذلك الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن خارجة ابن الصلت التميمي عن عمه: أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثوق بالحديد، فقال أهله: أعندك ما تداوي به هذا؟ فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال: فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية، أجمع بزاقي ثم أتفل فبرأ فأعطاني مائة شاة، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له فقال: كل فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق.

    ثالثاً- عدد آيات الفاتحة:
    أجمع العلماء على أن فاتحة الكتاب سبع آيات، إلا أنهم اختلفوا في الآية السابعة، فمن جعل البسملة أولى آياتها[7]، قال إن قوله تعالى:﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ آية واحدة وهي السابعة، ومن لم يجعل البسملة آية من الفاتحة[8]قال ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ لآية السادسة و ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ الآية السابعة[9].

    قال الخازن: وهي سبع آيات بالاتفاق، وسبع وعشرون كلمة، ومائة وأربعون حرفاً[10].

    رابعاً- وقت نزولها:
    قال جمهور العلماء: نزلت سورة الفاتحة بمكة، ولهم أدلة على ذلك، منها:
    1- أخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف عن عبادة قال: فاتحة الكتاب نزلت بمكة.

    2- وأخرج الواحدي في أسباب النزول عن علي قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة عن كنز تحت العرش.

    3- وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن رجل من بني سلمة قال: لما أسلمت فتيان بني سلمة... فسأله فقرأ عليه: الحمد لله رب العالمين، وكان ذلك قبل الهجرة.

    4- وقالوا: لم تكن صلاة في الإسلام بدون فاتحة الكتاب، ومن المعلوم أن الصلاة شرعت في الأيام الأولى من البعثة، وفرضت الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج، وكانت قبل الهجرة بثلاث سنوات.

    وقال مجاهد:
    ♦ إنها نزلت في المدينة، واعتبر بعض العلماء أن هذا القول كبوة جواد من مجاهد، والرواية التي استندوا عليها هي ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو سعيد ابن الأعرابي في معجمه والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد عن أبي هريرة: رنَّ إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب، ونزلت بالمدينة، ولا تقوم بهذه الرواية حجة.

    ♦ وقيل نزلت مرتين، مرة في مكة حين فرضت الصلاة، ومرة في المدينة حين حولت القبلة، ولذلك سميت مثاني، قاله البنوي، وأيضاً هذا القول لا دليل عليه، وفي القول بنزول بعض السور أو الآيات مرتين نظر.

    والراجح القول الأول- أي أنها سورة مكية، لقوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87] وهذه الآية في سورة الحجر، وسورة الحجر مكية بالإجماع، وقد صح في الحديث قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الفاتحة إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.

    خامساً- موضوعات سورة الفاتحة:
    قال جلة من علماء التفسير: إن سورة الفاتحة اشتملت على أغراض القرآن الأساسية، فمن الموضوعات في سورة الفاتحة:
    1- الألوهية:
    التوحيد بأنواعه: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فأخذ ذلك من قوله تعالى:﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾


    2- اليوم الآخر:
    هو يوم الدين الذي يلقى العبد فيه حسابه على ما قدمت يداه في الحياة الدنيا، وكل ما يكون بعد الموت يتعلق بيوم الدين، فالحياة البرزخية والبعث بعد الموت، والحشر والحساب والميزان والصراط، والاستقرار في الجنة أو النار، كلها من متعلقات يوم الدين، اليوم الآخر، فأخذ ذلك من قوله تعالى:﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]


    3- عبادة الله سبحانه وتعالى:
    والإخلاص لله تعالى فيها، العبادة بمفهومها الواسع وتدخل الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، في مفهوم العبادة الواسع دخولاً أولياً، فإن حياة المؤمن ومماته على منهج الله وفي طاعته كلها عبادة كما تشير الآية الكريمة ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162-163]، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾.

    4- الاستعانة بالله وحده:
    في كل الأمور وجميع شؤون الحياة، ما تعلق منها بالمعاش وما تعلق منها بالتوفيق لصالح العمل والإخلاص فيه، والقبول عند الله في كل ما يعمله العبد وما يدع، فالله الموفق لصالح العمل المعين على أدائه المتفضل بقبوله، وهو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾


    5- الالتزام بالصراط المستقيم:
    بعد الاهتداء إليه فضل عظيم من الله تعالى يوفق عباده المخلصين، وللصراط المستقيم دلالة واسعة يشمل كل ما جاء من الله سبحانه وتعالى وأنزله على أنبيائه ورسله من لدن آدم عليه السلام إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي اشتملت رسالته على جميع الرسالات وهداياتها، كما أشارت الآية الكريمة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة/48، وكل ذلك في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾.

    6- صراط المنعم عليهم:
    من عباد الله المصطفين المخلصين، الذين جاء ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، وهذا الصراط بمفهومه المديد عبر تاريخ البشرية يشمل معتقدا ت المنعم عليهم، وأساليبهم في دعوة الأقوام إلى الخير الذي التزموا به، والعظات والعبر التي أخذت من الحوادث التي مرت بهم، وما خلفوه وراءهم من سير عطرة، وحضارات ربانية بقيت منارات ومعالم يهتدي بها على مر العصور.

    7- تجنب صراط المغضوب عليهم والضالين:
    وهما نموذجان من البشر:
    الأول: عرف الحق ثم عاداه وتنكب طريقه، بسبب الحسد أو العناد أو اتباعاً للهوى، وعلى رأس هذا النموذج اليهود.
    والثاني: فئات الضلال، ولا تحصى هذه الفئات فمنهم من أضل الطريق فلم يهتد إلى الحق، ومن منهم من ضل في متاهات الأفكار البشرية، ومنهم من انحرف عن منهج الحق وجادة الصواب، وكلما استجدت أفكار وأحداث استجدت فئات الضلال، وعلى رأس هؤلاء الضالين النصارى.

    وقد ورد في الحديث النبوي تمثيل هذين النموذجين (المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى) كما في حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه-.

    ولو رجعنا إلى أغراض القرآن المكي لوجدناها تدور حول (التوحيد، اليوم الآخر، النبوات، أمهات العبادات والأخلاق) ولو رجعنا إلى أغراض القرآن المدني لوجدناها تدور حول (بناء المجتمع الإسلامي بتشريع العبادات والمعاملات، وحمايته من مكائد الأعداء والمنافقين من الخارج والداخل، وصيانته من الانحرافات والأخطاء).

    وكل هذه الأغراض في السور المكية والمدنية تعود إلى الأغراض المذكورة في الفاتحة، ولعلنا ندرك بعد هذا البيان الحكمة من وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسورة الفاتحة أنها (أم الكتاب وأم القرآن)، فهي كالأم ومن الأم تتوالد الذرية وتتكاثر، وإلى الأم يرجع في الانتساب فمن موضوعات سورة الفاتحة المجملة تأتي التفصيلات في السور الأخرى، وكل أغراض السور القرآنية ترجع إلى هذه الأساسيات المجملة في سورة الفاتحة.

    وهل يمكننا بعد هذا البيان أن نفهم من قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87]، ومن قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الفاتحة إنها السبع المثاني القرآن العظيم الذي أوتيته.

    أن الفاتحة سبع آيات اشتملت على سبعة أهداف، وهذه الأهداف تثنى في سور القرآن الكريم وتكرر من خلال محاور السور وأغراضها؟؟.

    سادساً- محور سورة الفاتحة:
    يمكن أن يقال إن لسورة الفاتحة محوراً واحداً هو (بيان طريق العبودية لله وحده) كما يمكن أن يقال إن للفاتحة عدة محاور، هي المحاور التي يدور عليها القرآن الكريم كله بسوره المكية والمدنية.

    ولعل إشارة ابن مسعود إلى هذا الجانب الأخير، فقد أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال: لو كتبتها لكتبت في أول كل سورة، وكأنه يرى أن كل سورة تفصل جانباً أو محوراً مما اشتملت عليه سورة الفاتحة، وهذا ما أطلقنا عليه عنوان (موضوعات سورة الفاتحة)، وسيأتي تفصيله فيما بعد.

    وفصل محمد بن جزي الكلبي ذلك وكأنه شرح لكلام ابن مسعود يقوله: (سميت أم القرآن لأنها جمعت معاني القرآن كله، فكأنها نسخة مختصرة، وكأن القرآن كله بعدها تفصيل لها، وذلك لأنها جمعت:
    ♦ الإلهيات في ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
    ♦ والدار الآخرة في ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]
    ♦ والعبادات كلها من الاعتقاد والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]
    ♦ والشريعة كلها في ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]
    ♦ والأنبياء وغيرهم في ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]
    ♦ وذكر طوائف الكفار في ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾.

    ولو أضاف أمراً سابعاً أو محوراً سابعاً وهو (طريق العبودية إلى الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا ﴾ لاكتملت المحاور السبعة، ولألقى ضوءً على سر تسميتها بالسبع المثاني والقرآن العظيم).

    سابعاً: التفسير الإجمالي للفاتحة:
    سورة الحمد أفضل سورة في القرآن، اشتملت على آداب وحكم ومواعظ في غاية الشمول والعموم والدقة والروعة والجمال.

    ففيها براعة الاستهلال، وحسن الثناء على خالق الكون ومدبر أمره، الذي خلق ورزق، ولطف بعموم رحمته وعميم فضله، وإليه مصي الخلائق للحساب جزاء وفاقاً.

    وفي هذه السورة تعليم العباد بالتوجه إلى بارئهم بتقديم الوسائل التي شرعها لهم ربهم، والتقرب إليه بخالص النيات لتثبيتهم على شرائع الإسلام بالتمسك بالعروة الوثقى، وحبل الله المتين، الذي تمسك به عباده المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والذي طرفه من عند الله وطرفه الآخر في جنات النعيم، وأن يجنبهم الزلل في المعتقد والانحراف في السلوك، كما كان حال ملل عرفت الحق فتنكبته عن عمد وسبق إصرار فاستحقوا غضب الله ومقته، وملل تاهت عن الحق فضلت سبيل الهداية، فهم في كل وادٍ يهيمون.

    إن هذه المعاني التي اشتملت عليها سورة الفاتحة من الثناء على الله سبحانه وتعالى واللجوء إليه في الدعاء، رمز هذه العبودية التي يتقرب بها المؤمن إلى الله عز وجل، فيتعلق قلبه بربه رب العالمين، ويحاسب نفسه في تلك المحطات التي يقف فيها بين يديه ليستشعر عظمة مالك يوم الدين فيعيد النظر فيما قدمه بين الصلاتين من قول أو عمل ليدرك في أي كفتي الميزان توضع، وليدرك أن لا توفيق ولا فلاح إلا من وفقه الرحمن الرحيم وأخذ بناصيته إلى الخير والطاعة وثبته عليها، وان من سلك سبيل الغي وابتع هواه وانساق وراء أهل الزيغ والضلال فنهايته إلى غضب الله وعذابه.

    فليدرك المؤمن هذا الاستشعار والتوجه في أعماقه وهو يقف بين يدي ربه في صلاته ودعائه، وليقل بعد قراءة هذه السورة العظيمة الجامعة (آمين) أي استجب يا ربنا لدعائنا.

    ثامناً- الهدايات والحكم والآداب فيها:
    1- تسميتها بفاتحة الكتاب:
    يدل على فضلها وشرفها، لأن الابتداء بالشيء يدل على أهميته، وتقدمه على غيره، وفي سورة الفاتحة براعة الاستهلال وجمال الابتداء.

    2- تسميها بأم الكتاب وأم القرآن:
    لأنها مشتملة على أغراض القرآن الأساسية، فسور القرآن الكريم كالتفصيل لما ورد في الفاتحة من الإجمال، فصارت كالأصل، والأم تشبيهاً بالأم التي هي منشأ الولد، من حيث ابتداء الظهور والوجود.

    3- تسميتها بالسبع المثاني:
    لأنها سبع آيات تثنى -تكرر- في الصلوات، أو تكرر معانيها في سور القرآن الكريم.

    4- يسن للقارئ بعد فراغه من الفاتحة:
    أن يقول (آمين) مفصولاً عنها بسكتة، ويقولها المأموم أيضاً، في صحيح البخاري: أن الإمام إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام بالتأمين).

    5- استحباب التوسل إلى الله عز وجل:
    قبل الدعاء بأسمائه الحسنى وصفاته العلى والثناء عليه وتمجيده، فهو أرجى للإجابة.

    6- الله جل جلاله المستحق بالعبادة وحده، ومنه وحده تطلب المعونة على أدائها، وسائر شؤون الحياة.

    7- لزوم المداومة على الدعاء:
    بالثبات على الدين القويم والالتزام بشرائع الله سبحانه وتعالى (فقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ومن دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)[11].

    8- استحباب الدعاء:
    بصيغة الجمع ليضم دعاءه إلى دعاء الصالحين فهو أدعى للقبول، وكأنه يقول: انني العبد المذنب المقصر أرفع حاجتي مع حاجات عبادك الصالحين، فشفعهم في، فلا يليق بجناب الكريم أن يقضي بعض الحاجات ويرد بعضها، وقد رفعت مجتمعه.

    9- الاقبال على الله سبحانه وتعالى:
    عنوان السعادة وجملة الخير والفلاح والأعراض عن الله تعالى والبعد عن شرائعه والالتزام بها رأس المفاسد والمعاصي والآفات والخذلان في الدنيا والآخرة وذلك لأن أول الفاتحة اشتمل على الحمد لله والثناء عليه، وآخرها في ذم المعرضين عن الإيمان وتنكب شرائعه وطاعته[12].

    10- شأن المؤمن أن يكون من الرجاء والخوف:
    فهما كجناحي الطائر ليعتدل طيرانه، فإن اختل أحدهما لم يستقم أمره، وكذلك المؤمن في سيره إلى الله تعالى فيدعو ربه ليهديه إلى طريق المنعم عليهم ويرجو ذلك ويتطلع إليه، ويستعيذ بالله من أن يكون مع المغضوب عليهم والضالين، فهو يخاف أن ينضم إلى فئاتهم ويحشر معهم.

    [1] صحيح البخاري، الحديث رقم (756)، وصحيح مسلم، الحديث رقم (394).
    [2] صحيح البخاري، كتاب التفسير ص9، ص4.
    [3] صحيح مسلم الحديث رقم 829.
    [4] نأبنه: أي ما كنا نعلم أنه يرقي فنعيبه بذلك، والأُبن: التهمة، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1/33، ط دار المعرفة- بيروت. ت خليل شيما.
    [5] صحيح البخاري، الحديث رقم (5617)، وصحيح مسلم، الحديث رقم (5687).
    [6] تقدم تخريج الحديث في البخاري.
    [7] وهم قراء الكوفة ومكة، وبه أخذ الإمام الشافعي ورواية عند أحمد.
    [8] وهم قراء المدينة والبصرة والشام وبه أخذ الجمهور أبو حنيفة ومالك وأحمد.
    [9] من أراد أدلة كل فريق فليراجع أحكام القرآن للجصاص، وأحكام القرآن لابن العربي وتفسير آيات الأحكام للسايس. ومفاتيح الغيب للرازي.
    [10] انظر تفسيره المسمى لباب التأويل 1/11.
    [11] انظر سنن الترمذي، كتاب الدعوات، الحديث رقم (3524)، ومسند أحمد 4/182.
    [12] مفاتيح الغيب للرازي 1/262.




    رابط الموضوع: ط?ظپط³ظ?ط± ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ظپط§ط?ط*ط© - ط¹ظ„ظˆظ… ط§ظ„ظ‚ط±ط¢ظ† - ظ…ظˆظ‚ط¹ ط£.ط¯. ظ…طµط·ظپظ‰ ظ…ط³ظ„ظ… - ط´ط¨ظƒط© ط§ظ„ط£ظ„ظˆظƒط©
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير الفاتحة للشيخ جعفر الكتاني - رحمه الله -

    حمل: تفسير سورة الفاتحة لشيخ الإسلام جعفر الكتاني


    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة


    أضواء البيان - للشنقيطي - رحمه الله -




    ص -5- بسم الله الرحمن الرحيم
    سورة الفاتحة
    قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، لم يذكر لحمده هنا ظرفا مكانيا ولا زمانيا. وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية: السماوات والأرض في قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الآية 18]، وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية: الدنيا والآخرة في قوله: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} [الآية70] وقال في أول سورة سبأ: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} والألف واللام في {الْحَمْدُ} لاستغراق جميع المحامد. وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به.
    وقوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} الآية [26/24،23]
    قال بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفا بصفات الكمال والجلال، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيات لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [3/190] والآية فى اللغة: العلامة.
    قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هما وصفان لله تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، و الرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء. وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: الرحمن رحمن الدنيا والآخرة والرحيم رحيم ص -6- الآخرة. وقد أشارتعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [25/59]، وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [20/5], فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. قاله ابن كثير. ومثله قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَن} [67/19]؛ أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء. ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [55/1,2] إلى قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [55/13]، وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِين َ رَحِيماً} [33/43] فخصهم باسمه الرحيم. فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلى الله عليه وسلم: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما".فالظاه ر في الجواب,والله أعلم,أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا,لكنه لا يختص بهم في الاَخرة,بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضاً:فيكون معنى:"رحيمهما" رحمته بالمؤمنين فيهما.
    والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضا : أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِين َ رَحِيماً}؛ لأن صلاته عليهم وصلاة الملائكة وإخراجه إياهم من الظلمات الى النور رحمة بهم في الدنيا. وإن كان سبب الرحمة في الآخرة أيضا، وكذلك قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [9/117]، فانه جاء فيه بالباء المتعلقة بالجيم الجارة للضمير الواقع على النبي صلى الله علية وسلم و المهاجرين والأنصار ، وتوبته عليهم رحمة بهم في الدنيا و إن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا. والعلم عند الله تعالى.
    قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لم يبينه هنا، وبينه في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} الآية [82/19،18،17].
    والمراد بالدين في الآية الجزاء. ومنه قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [24/25]، أي جزاء أعمالهم بالعدل.ص -7-
    قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله؛ لأن معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات. فالنفي: خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع. وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو {إِيَّاكَ} وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة. وفي المعاني في مبحث القصر: أن تقديم المعمول من صيغ الحصر. وأشار إلى الإثبات منها بقوله: {نَعْبُدُ}.
    وقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلا في آيات أخر كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} الآية [2/21]، فصرح بالإثبات منها بقوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون} [2/22]، وكقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}, فصرح بالإثبات بقوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وبالنفي بقوله: {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وكقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [2/256]، فصرح بالنفي منها بقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ}، وبالإثبات بقوله: {وَيُؤْمِنْ بِاللََّهِ}؛ وكقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [43/27،26]، وكقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [21/25]، وقوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [43/45]؛ إلى غير ذلك من الآيات.
    قوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، بعد قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَلَيْهِ} الآية [11/123]، وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} الآية [9/129]، وقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [73/9]، وقوله: {قُلْ هُوَص -8- الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [27/29]، وإلى غير ذلك من الآيات.
    قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لم يبين هنا من هؤلاء الذين أنعم عليهم. وبين ذلك في موضع آخر بقوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [4/69].
    تنبيهــان
    الأول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم ـ أعني الفاتحة ـ بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم.
    وذلك في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين. وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق.
    الثاني: قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم الله عليهم. وقد صرح تعالى بأن مريم ابنة عمران صديقة في قوله: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} الآية [5/75]، وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [1/7]، أو لا ؟
    الجواب: أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي: هل ما في القرآن العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل ؟ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك، وعليه: فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين:
    الأول: إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع.
    والثاني: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم نفسها: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [66/12]، وقوله في امرأة العزيز: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِيص -9- لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [12/29]، وقوله في بلقيس: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [27/43]، وقوله فيما كالجمع المذكر السالم: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} الآية [2/38]؛ فإنه تدخل فيه حواء إجماعا. وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل. واستدلوا على ذلك بآيات كقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ} إلى قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [33/35]، وقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [24/30]، ثم قال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُن} الآية [24/31]، فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن. وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع. وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق. وعقن الآيات بأن دخول الإناث فيها. إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه.
    وعلى هذا القول: فمريم غير داخلة في الآية وإلى هذا الخلاف أشار في "مراقي السعود" بقوله: [الرجز]
    وما شمول من للانثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا
    وقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} قال جماهير من علماء التفسير: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، اليهود و "الضالون" النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعا مغضوبا عليهم جميعا، فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمدا، فكان الغضب أخص صفاتهم. والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم.
    وعلى هذا فقد يبين أن {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود. قوله تعالى فيهم: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} الآية [2/90]، وقوله فيهم أيضا: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [5/60]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَب} الآية [7/152]؛ وقد يبين أن {الضَّالِّينَ} النصارى، قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [5/77].




    المصدر : تفسير سورة الفاتحة
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة

    عبد الملك بن محمد القاسم


    تفسير سورة الفاتحة - الكتيبات الإسلامية
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )







    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الحافظة مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ..
    ....
    ......


    .. المفتاح لكنوز الأرض والجنة ..



    قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الطب النبوي (4-347) :

    فَاتِحَةُ الْكِتاب:
    وأُمُّ القرآن،
    والسبعُ المثاني،
    والشفاءُ التام،
    والدواءُ النافع،
    والرُّقيةُ التامة،
    ومفتاح الغِنَى والفلاح،
    وحافظةُ القوة،
    ودافعةُ الهم والغم والخوف والحزن.

    - لمن عرف مقدارَها وأعطاها حقَّها
    - وأحسنَ تنزيلها على دائه،
    - وعَرَفَ وجهَ الاستشفاء والتداوي بها،
    - والسرَّ الذي لأجله كانت كذلك.


    ولما وقع بعضُ الصحابة على ذلك، رقى بها اللَّديغ، فبرأ لوقته. فقال له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وما أدراك أنَّها رُقْيَة ».

    ومَن ساعده التوفيق، وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرارِ هذه السورة، وما اشتملت عليه مِنَ التوحيد، ومعرفةِ الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثباتِ الشرع والقَدَر والمعاد، وتجريدِ توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كُلُّه، وله الحمدُ كُلُّه، وبيده الخيرُ كُلُّه، وإليه يرجع الأمرُ كُلُّه، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصلُ سعادة الدارين، وعَلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأنَّ العاقبةَ المطلقة التامة، والنعمةَ الكاملة مَنوطةٌ بها، موقوفةٌ على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرُّقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابَه.

    وهذا أمرٌ يحتاجُ استحداثَ فِطرةٍ أُخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر، وتاللهِ لا تجدُ مقالةٌ فاسدة، ولا بدعةٌ باطلة إلا وفاتحةُ الكتابِ متضمِّنة لردها وإبطالها بأقرب الطُرُق، وأصحِّها وأوضحِها، ولا تجدُ باباً من أبواب المعارف الإلهية، وأعمالِ القلوب وأدويتها مِن عللها وأسقامها إلا وفى فاتحة الكتاب مفتاحُه، وموضعُ الدلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايتُه ونهايتُه فيها.

    ولعَمْرُ الله إنَّ شأنها لأعظمُ من ذلك، وهى فوقَ ذلك. وما تحقَّق عبدٌ بها، واعتصم بها، وعقل عمن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تاماً، وعِصمةً بالغةً، ونوراً مبيناً، وفهمها وفهم لوازمَها كما ينبغي ووقع في بدعةٍ ولا شِركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِماماً، غيرَ مستقر.

    هذا.. وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاحُ لكنوز الجَنَّة، ولكن ليس كل واحد يُحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أنَّ طُلابَ الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، وتحقَّقُوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسناناً، وأحسنُوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكُنوزِ من غير معاوِق، ولا ممانع.

    ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً؛ بل حقيقةً، ولكنْ لله تعالى حكمةٌ بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالَمين، كما لَه حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوزُ المحجوبة قد استُخدمَ عليها أرواحٌ خبيثة شيطانية تحولُ بين الإنس وبينها، ولا تقهرُها إلاَّ أرواحٌ عُلْوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني، معها منه أسلحةٌ لا تقومُ لها الشياطين، وأكثرُ نفوس الناس ليست بهذه المَثابة، فلا يُقاوِمُ تلك الأرواح ولا يَقْهَرُها، ولا ينال من سلبِها شيئاً، فإنَّ مَن قتل قتيلاً فله سلبه.
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,281

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    تفسير سورة الفاتحة لابن عثيمين

    سورة الفاتحة سمِّيت بذلك؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم؛ وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة..
    هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سمِّيت "أم القرآن"(47)؛ والمرجع للشيء يسمى "أُمّاً"..
    وهذه السورة لها مميزات تتميّز بها عن غيرها؛ منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ ومنها أنها رقية: إذا قرئ بها على المريض شُفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: "وما يدريك أنها رقية"(48) ..
    وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة، فصاروا يختمون بها الدعاء، ويبتدئون بها الخُطب ويقرؤونها عند بعض المناسبات .، وهذا غلط: تجده مثلاً إذا دعا، ثم دعا قال لمن حوله: "الفاتحة"، يعني اقرؤوا الفاتحة؛ وبعض الناس يبتدئ بها في خطبه، أو في أحواله . وهذا أيضاً غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، والاتِّباع..

    القرآن
    (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم)

    التفسير:
    قوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم }: الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يقَدَّر فعلاً متأخراً مناسباً؛ فإذا قلت: "باسم الله" وأنت تريد أن تأكل؛ تقدر الفعل: "باسم الله آكل"..
    قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولا بد لكل معمول من عامل..
    وقدرناه متأخراً لفائدتين:
    الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عزّ وجل.
    والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركاً به، ومستعيناً به، إلا باسم الله عزّ وجلّ.
    وقدرناه فعلاً؛ لأن الأصل في العمل الأفعال . وهذه يعرفها أهل النحو؛ ولهذا لا تعمل الأسماء إلا بشروط
    وقدرناه مناسباً؛ لأنه أدلّ على المقصود؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "من لم يذبح فليذبح باسم الله"(49) . أو قال صلى الله عليه وسلم "على اسم الله"(50) : فخص الفعل..
    و{ الله }: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له..
    و{ الرحمن } أي ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن "فَعْلان" الذي يدل على السعة..
    و{ الرحيم } أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن "فعيل" الدال على وقوع الفعل.
    فهنا رحمة هي صفته . هذه دل عليها { الرحمن }؛ ورحمة هي فعله . أي إيصال الرحمة إلى المرحوم . دلّ عليها { الرحيم }..
    و{ الرحمن الرحيم }: اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر: أي الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة..
    والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دلّ عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنّة من إثبات الرحمة لله . وهو كثير جداً؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله..
    هذا وقد أنكر قوم وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوها إلى الإنعام، أو إرادة الإنعام، زعماً منهم أن العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: "لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة؛ وهذا لا يليق بالله عزّ وجلّ"؛ والرد عليهم من وجهين:.
    الوجه الأول: منع أن يكون في الرحمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوك الأقوياء رحمة دون أن يكون منهم خضوع، ورقة، وانكسار..
    الوجه الثاني: أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة، ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق سبحانه وتعالى فهي تليق بعظمته، وجلاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقصاً بوجه من الوجوه..
    ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله عزّ وجلّ، فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله عزّ وجلّ؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها . كإنزال المطر، وإزالة الجدب، وما أشبه ذلك . يدل على رحمة الله..
    والعجب أن منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أن العقل لا يدل عليها، أو أنه يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلاً على الإرادة؛ ولا شك أن هذا صحيح؛ ولكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام، فإنك لو سألت عامياً صباح ليلة المطر: "بِمَ مطرنا؟"، لقال: "بفضل الله، ورحمته"..

    مسألة:
    هل البسملة آية من الفاتحة؛ أو لا؟
    في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهراً في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة؛ ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله؛ وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا: النص، وسياق السورة..
    أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: إذا قال: { الحمد لله رب العالمين } قال الله تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: { الرحمن الرحيم } قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي؛ وإذا قال: { مالك يوم الدين } قال الله تعالى: مجّدني عبدي؛ وإذا قال: { إياك نعبد وإياك نستعين } قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين؛ وإذا قال: { اهدنا الصراط المستقيم }... إلخ، قال الله تعالى: هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل"(51) ؛ وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "صلَّيت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر؛ فكانوا لا يذكرون { بسم الله الرحمن الرحيم } في أول قراءة، ولا في آخرها"(52) : والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر وعدمه يدل على أنها ليست منها..
    أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله تعالى: { إياك نعبد وإياك نستعين } وهي الآية التي قال الله فيها: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"؛ لأن { الحمد لله رب العالمين }: واحدة؛ { الرحمن الرحيم }: الثانية؛ { مالك يوم الدين }: الثالثة؛ وكلها حق لله عزّ وجلّ { إياك نعبد وإياك نستعين }: الرابعة . يعني الوسَط؛ وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد؛ { اهدنا الصراط المستقيم } للعبد؛ { صراط الذين أنعمت عليهم } للعبد؛ { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } للعبد..
    فتكون ثلاث آيات لله عزّ وجل وهي الثلاث الأولى؛ وثلاث آيات للعبد . وهي الثلاث الأخيرة؛ وواحدة بين العبد وربِّه . وهي الرابعة الوسطى..
    ثم من جهة السياق من حيث اللفظ، فإذا قلنا: إن البسملة آية من الفاتحة لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين؛ ومن المعلوم أن تقارب الآية في الطول والقصر هو الأصل..
    فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة . كما أن البسملة ليست من بقية السور..

    القرآن
    (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

    التفسير:.
    قوله تعالى: { الحمد لله رب العالمين }: { الحمد } وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ ولا بد من قيد وهو "المحبة، والتعظيم" ؛ قال أهل العلم: "لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة، ولا تعظيم: لا يسمى حمداً؛ وإنما يسمى مدحاً"؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريد أن ينال منه شيئاً؛ تجد بعض الشعراء يقف أمام الأمراء، ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في المال الذي يعطونه، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا عزّ وجلّ حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ؛ فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ و "أل" في { الحمد } للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد..
    وقوله تعالى: { لله }: اللام للاختصاص، والاستحقاق؛ و "الله" اسم ربنا عزّ وجلّ؛ لا يسمى به غيره؛ ومعناه: المألوه . أي المعبود حباً، وتعظيماً..
    وقوله تعالى: { رب العالمين }؛ "الرب" : هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور؛ و{ العالمين }: قال العلماء: كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته..
    الفوائد:
    .1 من فوائد الآية: إثبات الحمد الكامل لله عزّ وجلّ، وذلك من "أل" في قوله تعالى: { الحمد }؛ لأنها دالة على الاستغراق..
    .2 ومنها: أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" ؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: "الحمد لله على كل حال"[53] ..
    .3 ومنها: تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية؛ وهذا إما لأن "الله" هو الاسم العَلَم الخاص به، والذي تتبعه جميع الأسماء؛ وإما لأن الذين جاءتهم الرسل ينكرون الألوهية فقط..
    .4 ومنها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى: (العالمين.. )

    القرآن
    (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

    التفسير:.
    قوله تعالى: { الرحمن الرحيم }: { الرحمن } صفة للفظ الجلالة؛ و{ الرحيم } صفة أخرى؛ و{ الرحمن } هو ذو الرحمة الواسعة؛ و{ الرحيم } هو ذو الرحمة الواصلة؛ فـ{ الرحمن } وصفه؛ و{ الرحيم } فعله؛ ولو أنه جيء بـ "الرحمن" وحده، أو بـ "الرحيم" وحده لشمل الوصف، والفعل؛ لكن إذا اقترنا فُسِّر { الرحمن } بالوصف؛ و{ الرحيم } بالفعل..

    الفوائد:
    .1 من فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين . { الرحمن الرحيم } لله عزّ وجلّ؛ وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، ومن الرحمة التي هي الفعل..
    .2 ومنها: أن ربوبية الله عزّ وجلّ مبنية على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة؛ لأنه تعالى لما قال: { رب العالمين } كأن سائلاً يسأل: "ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ، وانتقام؛ أو ربوبية رحمة، وإنعام؟" قال تعالى: { الرحمن الرحيم }..

    القـرآن
    (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)

    التفسير:
    قوله تعالى: { مالك يوم الدين } صفة لـ{ الله }؛ و{ يوم الدين } هو يوم القيامة؛ و{ الدين } هنا بمعنى الجزاء؛ يعني أنه سبحانه وتعالى مالك لذلك اليوم الذي يجازى فيه الخلائق؛ فلا مالك غيره في ذلك اليوم؛ و "الدين" تارة يراد به الجزاء، كما في هذه الآية؛ وتارة يراد به العمل، كما في قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 6] ، ويقال: "كما تدين تدان"، أي كما تعمل تُجازى..
    وفي قوله تعالى: { مالك } قراءة سبعية: { مَلِك}، و "الملك" أخص من "المالك"..
    وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة؛ وهي أن ملكه جلّ وعلا ملك حقيقي؛ لأن مِن الخلق مَن يكون ملكاً، ولكن ليس بمالك: يسمى ملكاً اسماً وليس له من التدبير شيء؛ ومِن الناس مَن يكون مالكاً، ولا يكون ملكاً: كعامة الناس؛ ولكن الرب عزّ وجلّ مالكٌ ملِك..
    الفوائد:
    .1 من فوائد الآية: إثبات ملك الله عزّ وجلّ، وملكوته يوم الدين؛ لأن في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات، والملوك..
    فإن قال قائل: أليس مالك يوم الدين، والدنيا؟
    فالجواب: بلى؛ لكن ظهور ملكوته، وملكه، وسلطانه، إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي: {لمن الملك اليوم} [غافر: 16] فلا يجيب أحد؛ فيقول تعالى: {لله الواحد القهار} [غافر: 16] ؛ في الدنيا يظهر ملوك؛ بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم؛ فالشيوعيون مثلاً لا يرون أن هناك رباً للسموات، والأرض؛ يرون أن الحياة: أرحام تدفع، وأرض تبلع؛ وأن ربهم هو رئيسهم..
    .2 ومن فوائد الآية: إثبات البعث، والجزاء؛ لقوله تعالى: ( مالك يوم الدين )
    .3 ومنها: حث الإنسان على أن يعمل لذلك اليوم الذي يُدان فيه العاملون..

    القـرآن
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

    التفسير:
    قوله تعالى: { إياك نعبد }؛ { إياك }: مفعول به مقدم؛ وعامله: { نعبد }؛ وقُدِّم على عامله لإفادة الحصر؛ فمعناه: لا نعبد إلا إياك؛ وكان منفصلاً لتعذر الوصل حينئذ؛ و{ نعبد } أي نتذلل لك أكمل ذلّ؛ ولهذا تجد المؤمنين يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلاً لله عزّ وجلّ: يسجد على التراب؛ تمتلئ جبهته من التراب . كل هذا ذلاً لله؛ ولو أن إنساناً قال: "أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي" ما وافق المؤمن أبداً؛ لأن هذا الذل لله عزّ وجلّ وحده..
    و "العبادة" تتضمن فعل كل ما أمر الله به، وترك كل ما نهى الله عنه؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد: لو لم يفعل المأمور به لم يكن عابداً حقاً؛ ولو لم يترك المنهي عنه لم يكن عابداً حقاً؛ العبد: هو الذي يوافق المعبود في مراده الشرعي؛ فـ "العبادة" تستلزم أن يقوم الإنسان بكل ما أُمر به، وأن يترك كل ما نُهي عنه؛ ولا يمكن أن يكون قيامه هذا بغير معونة الله؛ ولهذا قال تعالى: { وإياك نستعين } أي لا نستعين إلا إياك على العبادة، وغيرها؛ و "الاستعانة" طلب العون؛ والله سبحانه وتعالى يجمع بين العبادة، والاستعانة، أو التوكل في مواطن عدة في القرآن الكريم؛ لأنه لا قيام بالعبادة على الوجه الأكمل إلا بمعونة الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه..
    الفوائد:
    .1 من فوائد الآية: إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: { إياك نعبد }؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول..
    .2 ومنها: إخلاص الاستعانة بالله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { وإياك نستعين }، حيث قدم المفعول..
    فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] إثبات المعونة من غير الله عزّ وجلّ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة"؟(54) ..
    فالجواب: أن الاستعانة نوعان: استعانة تفويض؛ بمعنى أنك تعتمد على الله عزّ وجلّ، وتتبرأ من حولك، وقوتك؛ وهذا خاص بالله عزّ وجلّ؛ واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به: فهذه جائزة إذا كان المستعان به حياً قادراً على الإعانة؛ لأنه ليس عبادة؛ ولهذا قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2 ].
    فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟
    فالجواب: لا؛ الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان به قادراً عليها؛ وأما إذا لم يكن قادراً فإنه لا يجوز أن تستعين به: كما لو استعان بصاحب قبر فهذا حرام؛ بل شرك أكبر؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئاً؛ فكيف يعينه!!! وكما لو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الوليّ الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده: فهذا أيضاً شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر أن يعينه وهو هناك..
    فإن قال قائل: هل يجوز أن يستعين المخلوقَ فيما تجوز استعانته به؟
    فالجواب: الأولى أن لا يستعين بأحد إلا عند الحاجة، أو إذا علم أن صاحبه يُسَر بذلك، فيستعين به من أجل إدخال السرور عليه؛ وينبغي لمن طلبت منه الإعانة على غير الإثم والعدوان أن يستجيب لذلك..

    القـرآن
    (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)

    التفسير:
    قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم }: { الصراط } فيه قراءتان: بالسين: {السراط} ، وبالصاد الخالصة: { الصراط }؛ والمراد بـ{ الصراط } الطريق؛ والمراد بـ "الهداية" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: { اهدنا الصراط المستقيم } تسأل الله تعالى علماً نافعاً، وعملاً صالحاً؛ و{ المستقيم } أي الذي لا اعوجاج فيه..
    الفوائد:
    .1 من فوائد الآية: لجوء الإنسان إلى الله عزّ وجلّ بعد استعانته به على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص؛ يدل عليه قوله تعالى: { إياك نعبد }؛ ومن استعانة يتقوى بها على العبادة؛ يدل عليه قوله تعالى: { وإياك نستعين }؛ ومن اتباع للشريعة؛ يدل عليه قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم }؛ لأن { الصراط المستقيم } هو الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
    .2 ومن فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث حذف حرف الجر من { اهدنا }؛ والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب الهداية: التي هي هداية العلم، وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم، وإرشاد؛ وهداية توفيق، وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة؛ والله عزّ وجلّ قد هدى بهذا المعنى جميع الناس، كما في قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس} [البقرة: 185] ؛ والثانية فيها التوفيق للهدى، واتباع الشريعة، كما في قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتقين} [البقرة: 2] وهذه قد يحرمها بعض الناس، كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] : {فهديناهم} أي بيّنّا لهم الحق، ودَلَلْناهم عليه؛ ولكنهم لم يوفقوا..
    .3 ومن فوائد الآية: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج؛ فما كان موافقاً للحق فهو مستقيم، كما قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} [الأنعام: 153] ؛ وما كان مخالفاً له فهو معوج..

    القرآن
    (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)

    التفسير:.
    قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم } عطف بيان لقوله تعالى: { الصراط المستقيم }؛ والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} (النساء: 69).
    قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم }: هم اليهود، وكل من علم بالحق ولم يعمل به..
    قوله تعالى: { ولا الضالين }: هم النصارى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من عمل بغير الحق جاهلاً به..
    وفي قوله تعالى: { عليهم } قراءتان سبعيتان: إحداهما ضم الهاء؛ والثانية كسرها؛ واعلم أن القراءة التي ليست في المصحف الذي بين أيدي الناس لا تنبغي القراءة بها عند العامة لوجوه ثلاثة:.
    الوجه الأول: أن العامة إذا رأوا هذا القرآن العظيم الذي قد ملأ قلوبهم تعظيمه، واحترامه إذا رأوه مرةً كذا، ومرة كذا تنزل منزلته عندهم؛ لأنهم عوام لا يُفرقون..
    الوجه الثاني: أن القارئ يتهم بأنه لا يعرف؛ لأنه قرأ عند العامة بما لا يعرفونه؛ فيبقى هذا القارئ حديث العوام في مجالسهم..
    الوجه الثالث: أنه إذا أحسن العامي الظن بهذا القارئ، وأن عنده علماً بما قرأ، فذهب يقلده، فربما يخطئ، ثم يقرأ القرآن لا على قراءة المصحف، ولا على قراءة التالي الذي قرأها . وهذه مفسدة..
    ولهذا قال عليّ: "حدِّثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يُكذب الله، ورسوله"(55) ، وقال ابن مسعود: "إنك لا تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"(56) ؛ وعمر بن الخطاب لما سمع هشام بن الحكم يقرأ آية لم يسمعها عمر على الوجه الذي قرأها هشام خاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهشام: "اقرأ" ، فلما قرأ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت" ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: "اقرأ" ، فلما قرأ قال النبي صلى الله عليه وسلم "هكذا أنزلت"(57) ؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فكان الناس يقرؤون بها حتى جمعها عثمان رضي الله عنه على حرف واحد حين تنازع الناس في هذه الأحرف، فخاف رضي الله عنه أن يشتد الخلاف، فجمعها في حرف واحد . وهو حرف قريش؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن بُعث منهم؛ ونُسيَت الأحرف الأخرى؛ فإذا كان عمر رضي الله عنه فعل ما فعل بصحابي، فما بالك بعامي يسمعك تقرأ غير قراءة المصحف المعروف عنده! والحمد لله: ما دام العلماء متفقين على أنه لا يجب أن يقرأ الإنسان بكل قراءة، وأنه لو اقتصر على واحدة من القراءات فلا بأس؛ فدع الفتنة، وأسبابها..
    الفوائد:
    .1 من فوائد الآيتين: ذكر التفصيل بعد الإجمال؛ لقوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم }: وهذا مجمل؛ (صراط الذين أنعمت عليهم ): وهذا مفصل؛ لأن الإجمال، ثم التفصيل فيه فائدة: فإن النفس إذا جاء المجمل تترقب، وتتشوف للتفصيل، والبيان؛ فإذا جاء التفصيل ورد على نفس مستعدة لقبوله متشوفة إليه؛ ثم فيه فائدة ثانية هنا: وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم..
    .2 ومنها: إسناد النعمة إلى الله تعالى وحده في هداية الذين أنعم عليهم؛ لأنها فضل محض من الله..
    .3 ومنها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم؛ وقسم مغضوب عليهم؛ وقسم ضالون؛ وقد سبق بيان هذه الأقسام..
    وأسباب الخروج عن الصراط المستقيم: إما الجهل؛ أو العناد؛ والذين سببُ خروجهم العناد هم المغضوب عليهم . وعلى رأسهم اليهود؛ والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل كل من لا يعلم الحق . وعلى رأسهم النصارى؛ وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة . أعني النصارى؛ أما بعد البعثة فقد علموا الحق، وخالفوه؛ فصاروا هم، واليهود سواءً . كلهم مغضوب عليهم..
    .4 ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعول الدال على أن الغضب عليهم حاصل من الله تعالى، ومن أوليائه..
    .5 ومنها: أنه يقدم الأشد، فالأشد؛ لأنه تعالى قدم المغضوب عليهم على الضالين؛ لأنهم أشد مخالفة للحق من الضالين؛ فإن المخالف عن علم يصعب رجوعه . بخلاف المخالف عن جهل..
    وعلى كل حال السورة هذه عظيمة؛ ولا يمكن لا لي، ولا لغيري أن يحيط بمعانيها العظيمة؛ لكن هذا قطرة من بحر؛ ومن أراد التوسع في ذلك فعليه بكتاب "مدارج السالكين" لابن القيم رحمه الله..

    --------------------
    (47) أخرجه البخاري في صحيحه ص61، كتاب الأذان، باب 104: القراءة في الفجر، حديث رقم 772؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ص740 في كتاب الصلاة، باب 11: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم 878 [38] 395؛ وأخرجه الترمذي في جامعه ص1968، كتاب تفسير القرآن، باب 15: ومن سورة الحجر، حديث رقم 3124، ولفظه: "الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني".
    (48) أخرجه البخاري في صحيحه ص177، كتاب الإجارة، باب 16: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، حديث رقم 2276؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ص1068، كتاب السلام، باب 23: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، حديث رقم 5733 [65] 2201.
    (49) أخرجه البخاري في صحيحه ص77، كتاب العيدين، باب 23: كلام الإمام والناس في خطبة العيد، حديث رقم 985؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ص1027، كتاب الأضاحي، باب 1: وقتها، حديث رقم 5064 [1] 1960.
    (50) أخرجه البخاري في صحيحه ص474، كتاب الذبائح والصيد، باب 17: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فليذبح على اسم الله"، حديث رقم 5500؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ص1027، كتاب الأضاحي، باب 1: وقتها، حديث رقم 5064 [2] 1960.
    (51) أخرجه مسلم في صحيحه ص740، كتاب الصلاة، باب 11: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم 878 [38] 395.
    (52) أخرجه مسلم في صحيحه ص741، كتاب الصلاة، باب 13، حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، حديث رقم 892 [52] 399.
    (53) أخرجه ابن ماجه في سننه ص 2703 كتاب الأدب باب 55 فضل الحامدين حديث رقم 2803 وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/499 كتاب الدعاء وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/319 حديث رقم 3066.
    (54) أخرجه البخاري ص232، كتاب الجهاد، باب 72: فضل من حمل متاع صاحبه في السفر حديث رقم 2891؛ وأخرجه مسلم ص837، كتاب الزكاة، باب 16: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم 2335 [56] 1009، واللفظ لمسلم.
    (55) أخرجه البخاري ص14، كتاب العلم، باب 49: من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم 127.
    (56) أخرجه مسلم ص675، مقدمة الكتاب، رقم 14.
    (57) أخرجه البخاري ص189، كتاب الخصومات، باب 4: كلام الخصوم بعضهم في بعض، حديث رقم 2419؛ وأخرجه مسلم ص805 – 806، كتاب صلاة المسافرين، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به، باب 48: بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف وبيان معناها، حديث رقم 1899 [270] 818.
    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb رد: تفسير سورة الفاتحة - كتب ورسائل ومقالات - (للمشاركة )

    عنوان الكتاب
    تفسير سورة الفاتحة (ت بن دهيش)
    المؤلف
    عبد الله بن عمر بن دهيش
    المحقق
    عبد الملك بن عبد الله بن دهيش
    الناشر
    دار خضر للطباعة والنشر - بيروت
    سنة النشر
    1418 - 1998
    التحميل
    الكتاب , رابط بديل
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي
    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

صفحة 1 من 9 123456789 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •