من دفائن الكنوز
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: من دفائن الكنوز

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,968

    افتراضي من دفائن الكنوز

    من دفائن الكنوز
    مقال للشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله :
    مشقات الحج ونفقاته في القرن السادس الهجري :
    إن العالم الكاتب الشاعر الأديب الغرناطي الأندلسي صاحب الرحلة المعروفة برحلة ابن جبير قد حج البيت الحرام ثلاث مرات ، خرج للأولى من غرناطة لثمانٍ من شهر شوال سنة (578) ثم ركب البحر من «سبتة» في مركب للروم الجنويـين في (28) منه قاصدًا «الإسكندرية» .
    وبعد حجه وإلمامه بالعراق فسورية عاد إلى الأندلس في البحر ، ولقي فيه أهوالًا عظيمة منها انكسار مركبهم . وما وصل إلى بلده غرناطة إلا لثمانٍ بقين من المحرم سنة (581) وكان في أثناء هذه الرحلة يقيد أهم ما رآه وما سمعه وما ألم به هو ومن معه ، فكان ذلك كتابًا حافلًا سمي (تذكرة بالأخبار ، عن اتفاقات الأسفار) واشتهر برحلة ابن جبير .
    وإنني أنقل منه هنا بعض ما كتبه من خبر إرهاق الحجاج في الإسكندرية وفي صعيد مصر ثم في جدة *ثغر الحجاز الأعظم* ليكون عبرة لإخواننا المصريـين ولسائر المسلمين ، فيشكروا نعم اللَّه تعالى عليهم بما من على عباده من تيسير إقامة هذا الركن العظيم من أركان الإسلام في هذا العصر وقلة نفقاته .
    قال رحمه اللَّه تعالى :
    حال الحجاج في الإسكندرية والصعيد
    في القرن السادس سنة 578 هـ
    قال ابن جبير في حوادث شهر ذي الحجة سنة (578) :
    أوله يوم الأحد ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية ، فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء إلى المركب من قبل السلطان بها لتقيـيد جميع ما جلب فيه ، فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدًا واحدًا . وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم ، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناضٍّ ليؤدي زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل ، وكان أكثرهم متشخصين لأداء الفريضة لم يصطحبوا سوى زاد لطريقهم فلزموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل هل حال عليه حول أو لا .
    واستنزل أحمد بن حسن منا ليسأل عن أنباء المغرب ، وسلع المركب ، فطيف به مرقبًا على السلطان أولًا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ، ثم على جماعة من حاشية السلطان ، وفي كلٍّ يُستفهم ثم يُقيَّد قوله ، فخلى سبيله وأمر المسلمين بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم ، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم ويحمل جميع ما أنزلوه إلى الديوان ، فاستدعوا واحدًا واحدًا وأحضر ما لكل واحد من أسباب ، والديوان قد غص بالزحام ، فوقع التفتيش لجميع الأسباب ، ما دق منها وما جل ، واختلط بعضها ببعض ، وأدخلت الأيدي إلى أوساطهم بحثًا عما عسى أن يكون فيها ، ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا ؟ وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس ، لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام ، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم ، نسأل اللَّه أن يعظم الأجر بذلك .
    وهذه لا محالة من الأمور الملبَّس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين ، ولو علم بذلك* على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق* لأزال ذلك . وكفى اللَّه المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه ، وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الأحدوثة التي هي من تشدد الدواوين .


    ثم قال ابن جبير في الكلام على «قوص» وغيرها من الصعيد ما نصه :
    «وببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق للحجاج والمسافرين كإخميم ، وقوص ، ومنية ابن الخصيب ، من التعرض لمراكب المسافرين وتكشفها والبحث عنها ، وإدخال الأيدي إلى أوساط التجار فحصًا عما تأبَّطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير ما يقبح سماعه ، وتستشنع الأحدوثة عنه ، كل ذلك برسم الزكاة دون مراعاة لمحلها أو ما يدرك النصاب منها حسبما ذكرته في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب ، وربما ألزموهم الأيمان على ما بأيديهم ، وهل عندهم غير ذلك ؟ ويحضرون كتاب اللَّه العزيز يقع اليمين عليه .
    فيقف الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزي ومهانة تذكرهم أيام المكوس .
    وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه ، ولو عرفه لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه ، ولجاهد المتناول له ، فإن جهادهم من الواجبات ؛ لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الإرهاق وسوء المعاملة مع غرباء انقطعوا إلى اللَّه عز وجل ، وخرجوا مهاجرين إلى حرمه الأمين ، ولو شاء اللَّه لكانت عن هذه الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع و التجارات مع مراعات رأس كل حول الذي هو محل الزكاة ، ويتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه ، وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله ، وسار في الآفاق ذكره ، ولا يسعى فيما يسيئ الذكر بمن قد حسَّن اللَّه ذكره ، ويقبِّح المقالة في جانب من أجمل اللَّه المقالة عنه .
    ومن أشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة في أيديهم المسال الطوال ـ مخيط ضخم (إبرة عظيمة ) ـ ذوات الأنصبة ، فيصعدون إلى المراكب استكشافًا لما فيها ، فلا يتركون عِكمًا ( عَكَمَ المتاعَ يَعْكِمُه ) عَكْمًا : ( شَدَّه بِثَوْبٍ ) ، وهو أنْ يَبْسُطَه ويَجْعَلَ فيه المتاعَ ويَشُدَّهُ ، ويُسَمَّى حينَئِذٍ : عِكْمًا ـ ولا غِرارة إلا ويتخللونها بتلك المسال الملعونة ، مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيب عليه من بضاعة أو مال ، وهذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعنة ، وقد نهى اللَّه عن التجسس ، فكيف عن الكشف لما يرجى بستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها أن يطلع عليها ، إما استحقارًا أو استنفاسًا دون بخل بواجب يلزمه ، واللَّه الآخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه إن شاء اللَّه» .
    ثم قال : الكلام على جدة :
    وأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون حسنيون وحسينيون وجعفريون *رضي اللَّه عن سلفهم الكريم* وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقًا ، ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن ؛ من إكراء جمال إن كانت لهم ، أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه ، وربما تناول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفسهن ، فسبحان المقدر لما يشاء ، ولا شك أنهم أهل بيت ارتضى اللَّه لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا ، جعلنا اللَّه ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا .
    (ثم قال) : وأكثر أهل هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم ، قد تفرقوا على مذاهب شتى ، وهم يعتقدون في الحاج ما لا يعتقد في أهل الذمة ، قد صيَّروهم من أعظم غلَّاتهم التي يستغلونها ؛ ينتهبونهم انتهابًا ، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابًا ، فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤنة إلى أن يـيسر اللَّه رجوعه إلى وطنه .
    ولولا ما تلافى اللَّه به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادى وليده ، ولا يلين شديده ، فقد رفع ضرائب المكوس عن الحاج وجعل عوض ذلك مالًا وطعامًا يأمر بتوصيلهما إلى مكثر أمير مكة ، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم بسبب المكوس .
    واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة فأسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور ، فورد أمره «بأن يضمن الحجاج بعضهم بعضًا ويدخلوا إلى حرم اللَّه ، فإن ورد المال والطعام اللذان يرسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج» هذا لفظه ، كأن حرم اللَّه ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج . فسبحان مغير السنن ومبدلها .
    والذي جعل له صلاح الدين بدلًا من مكس الحاج ألفا دينار ، اثنان وألفا أردب من القمح ، وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عندنا ، حاشا إقطاعات أقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور .
    ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج . فأحق بلاد اللَّه بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل اللَّه هذه البلاد الحجازية ، لما هم عليه من حل عرى الإسلام ، واستحلال أموال الحاج ودمائهم ، فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس إسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب ، وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه اللَّه عز وجل ، فراكب هذا السبيل راكب خطر ، ومعتسف غرر ، واللَّه قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال ، فكيف وبيت اللَّه الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام ، وجعلوه سببًا إلى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حل ومصادرة الحجاج عليها ، وضرب الذلة والمسكنة الدنية عليهم ، تلافاها اللَّه عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين أنصار الدين ، وحزب اللَّه أولي الحق والصدق والذابين عن حرم اللَّه عز وجل والغائرين على محارمه والجادين في إعلاء كلمته وإظهار دعوته ونصر ملته ، إنه على ما يشاء قدير ، وهو نعم المولى ونعم النصير .
    وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب ؛ لأنهم على جادة واضحة لا بنيات لها ، وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء ، وبدع ، وفرق ضالة ، وشيع ، إلا من عصم اللَّه عز وجل من أهلها ، كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه إلا عند الموحدين* أعزهم الله* فهم آخر أئمة العدل في الزمان ، وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة ؛ يُعَشِّرون تجار المسلمين ، كأنهم أهل ذمة لديهم ، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب ، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع مثلها ، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين قد ذكرنا سيرته ومناقبه لو كان له أعوان على الحق مما أريد . واللَّه عز وجل يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه» اهـ المراد نقله من هذه الرحلة .
    لئن كان فضل اللَّه تعالى على الحجاز في القرن السادس عظيمًا بجعله تحت حكم السلطان صلاح الدين الأيوبي *رحمه الله* ؛ إذ أزال منه جل تلك المظالم المرهقة لأهله حتى الشرفاء منهم والحجاج فإن فضل اللَّه تعالى على الحجاز وحجاج الأقطار في هذا العصر بالملك عبد العزيز آل سعود أعظم ، فإنه لم يعرف المسلمون عصرًا بعد صدر الإسلام كان الحاج فيه آَمَنَ على نفسه وماله من الظلم والتعدي مثل هذا العصر ، دع تعبيد الطرقات وكثرة المياه والإسعافات الطبية فيها ، وقطع المسافات بالسيارات لمن شاء . ولو قيض اللَّه لهذا الملك من الرجال المصلحين ما طالما تمنيناه له كما تمناه ابن جبير لصلاح الدين لكان هذا الإصلاح المادي والمعنوي في الحجاز أكبر وأعم مما هو الآن ، ولا نيأس من روح اللَّه ، والحمد للَّه على آلائه .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    974

    افتراضي رد: من دفائن الكنوز

    نقل موفق أخي في الله ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,968

    افتراضي رد: من دفائن الكنوز

    وقال الشيخ رحمه الله في مقال آخر له :
    أخبرني الرحالة الشيخ عبد الرشيد إبراهيم أنه رأى مرة في البيت الحرام رجلًا من حجاج «بلخ» فسأله عن فائدة حجه ، فأجابه بأن اللَّه تعالى جعل بيته في هذه البقعة الجرداء ، وسخر لأهله الناس لأجل أن يمونوهم ويدروا عليهم الأرزاق ، ففائدتي أنني ممن سخرهم اللَّه تعالى لما يحبه من ذلك ، فهذا البلخي الأعجمي قد فهم من هذه الحكمة من حكم الحج ما لم تفهمه الألوف الكثيرة من المسلمين .

    وأختم هذه الذكرى بمخاطبة مولانا صاحب الجلالة ملك مصر باسم اللَّه وبما تقدم من آيات كتابه وسنة خليله إبراهيم ، وحبيبه محمد صلوات اللَّه وسلامه عليهما ، أن يصدر أمره لوزارة الأوقاف بـإرسال جميع مخصصات الحرمين المتأخرة إليهما في هذا العام ؛ فإنه يكون بحسن النية أكبر أجرًا من جميع الحجاج فيما ينفقون فيه ، وإن لم يبذل من ماله الخاص شيئًا ، ويكون له أعلى الذكر وأرفع الشرف والحمد في جميع العالم ، وترفع في بيت اللَّه ، ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم وسائر مشاعر الحج أصوات البائسين وغيرهم بالدعاء المرجو الإجابة له ولولي عهده .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,997

    افتراضي رد: من دفائن الكنوز

    نفع الله بكم وبكنوزكم شيخنا الكريم
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •