ابنُ عباس ينادي طلاب العلم 2/ 3


أشرت في الجزء الأول ابنُ عباس ينادي طلاب العلم 1 - 3 - الموقع الرسمي للدكتور/ عمر بن عبد الله المقبل إلى أهمية الإفادة من شخصية ابن عباس -رضي الله عنهما- في تربية النشء على الجدية في طلب العلم، وذكرتُ هناك مَعْلَمين بارزين في هذه الشخصية:
الأول: حرصُه على الطلب مبكراً، وقربُه من العلماء، وعلى رأسهم معلمه الأول صلى الله عليه وسلم.
الثاني: صبره على طلب العلم، وعلوّ همته في ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا الجزء نواصل الحديث عن هذه المعالم:

ثالثاً: يلفتُ النظر في سيرة هذا الحبر الجليل؛ اهتبالُه الفرصَ، واغتنامه لها، ليقترب من العلماء متى ما لاحت له فرصة، فإن لم تحنْ، صبر وتريّث حتى تحين الفرصة المناسبة.

وقد سبق - في الجزء الأول من هذه المقالات - الإشارة إلى قصةِ وضعِه الوضوءَ للنبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل الخلاء، فنال بذلك بركةَ دعوتِه صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين»([1]).

وفي الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكثتُ سنةً أريد أن أسأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق؛ عَدَلَ إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سِرتُ معه، فقلت: يا أمير المؤمنين! من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنتُ لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل! ما ظننتَ أن عندي مِن علم فاسألني، فإن كان لي علم أخبرتك به... الحديث ([2]).

فتأمل كيف بقي ابنُ عباس هذه المدة الطويلة يتحين فرصةً لسؤال شيخه عمر -رضي الله عنه- عن هذه المسألة التي أشكلت عليه، فلم يفعل حتى وجد الفرصة الملائمة!

لقد وجدَ شيخُه عمر - رضي الله عنه - في هذا الموقف فرصةً لتشجيعه، وحثِّه على عدم ترك السؤال خشية هيبته، وتربيتِه على هذا الأصل العظيم: "فإن كان لي علم أخبرتك به"!

إن اجتماع الأدب والحرص على العلم، مع الصبر عليه من قِبلِ الطالب، ووجود صفة الورع في العالم الذي يتلقى عنه، وتشجيعِ التلاميذ على السؤال؛ سيخرّج أجيالاً تتمثل العلم الرباني، الذي يجمع بين العلم والعمل، وهؤلاء هم شامة العلماء، وسادة الأمة.

ومن جميل ما يذكر في سيرة هذا الحبر الجليل؛ أنه لما مات - رضي الله عنه - قال محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية -: "اليوم مات ربانيّ هذه الأمة"([3])!

فمتى وجدتَ -يا طالبَ العلم- شيخاً كهذا فالزمه، وتعلّم مِن سمْتِه وديانته كما تنهل من علمه، وإياك والملل، والاستعجال، ولا تمنعنّك هيبته، أو وجود بعض النقص في شيء من أخلاقه؛ من ترك الاستفادة منه! بل الطالب الموفَّق هو الذي يتأمل فيما كره من أخلاق شيخه، فيسعى لتجنبها؛ حتى لا يقع فيها إذا كبر واحتاج الناس إلى علمه.

رابعاً: لم يكن فوات شيء كثيرٍ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مانعاً من الحرص على جمعه، وسماعه ممن سمعه منه.

يقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق، وفقهٍ فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، ونائل، وما رأيت أحداً أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنده، فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر.

هذه شهادة من أحد أكابر أصحاب ابن عباس، وهي تلخّص ما كان يعانيه ابن عباس من تتبع، وحرص على استدراك ما فاته، مما وقع لا بتقصير منه، بل بسبب صغر سنّه.

لقد عرفتُ - فيمن لقيت من طلاب العلم عند شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله [ت: 1421هـ] - من جاء إلى شيخنا في آخر سنيّ حياته، لكنّه أكبّ على علم الشيخ - الذي كان حينها في الأشرطة والمذكرات أكثر منه في الكتب - وأدرك كثيراً مما فاته بسبب تأخر لحاقه بالشيخ لصغر سنّه، أو لعدم قدرته على اللحاق به إلا متأخراً.

وهكذا الطالب الذكي الموفّق؛ يغتنم زمانه، وسنوات طلبه المبكرة، ويجتهد في استدراك ما فاته من علوم شيوخه، ويستعين بالله، فإن صبر وثبت؛ حصّل واستفاد، وأدرك كثيراً، وربما فاق من سبقوه سنّاً وطلباً للعلم.

وللحديث صلةٌ إن شاء الله.

ـــــــــــــــ ــــــــــــــ
([1]) البخاري ح(143).

([2]) البخاري ح(4913)، مسلم ح(1479).
([3]) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 281) .


* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-3876.html