سقوط غرناطة
حمد خيري العمري


عام 1491 م سقطت غرناطة.ونص اتفاق تسليمها على حماية معتقدات المسلمين وحقهم في العبادة والاحتكام إلى شريعتهم.
عام 1502 م صدر قانون يخير المسلمين بين ترك الأندلس أو التحول إلى النصرانية.ومن يومها ظهر مصطلح الموريسكي والذي يعني المسلم سابقا الذي تنصر بعد هذا القانون ..

خلال المائة سنة اللاحقة ظهرت قوانين جديدة تضيق على الموريسكيين للتأكد من عدم محافظتهم على إسلامهم سرا..
كل عقود التملك بالعربية كانت تعتبر لاغية ، وكذلك عقود الزواج التي لا تعقد في الكنيسة ، كذلك كان القوانين تشدد على التأكد من شربهم للخمر ، وأكلهم الطعام في نهار رمضان ،،وعدم إجراء الختان ، وعدم التحدث بالعربية ، بل أن الكنيسة كانت ترسل من يراقب أي ولادة تحدث بين الموريسكيين للتأكد من عدم "الآذان" في أذن المولود الجديد أو تحنيكه...

وكانت المخالفات لهذه القوانين تودي بالمخالف لمحاكم التفتيش وأهوالها وعقوباتها التي كانت تنص على أكثر الميتات عذابا (بالمناسبةإيزاب لا التي اصدرت هذه القوانين كرمت من قبل الكنيسة الكاثوليكية في عام 1974م وحصلت على لقب "خادمة الرب" علما أنها مرشحة دائما للحصول على لقب "قديسة"!!)..
عام 1602 م صدر قانون يطرد كل الموريسكيين (أي كل النصارى الذين كانوا مسلمين سابقا بغض النظر عن التزامهم بالنصرانية أو عدم التزامهم بها)..


طرد من الأندلس ما يقارب المليون موريسكي...
مات منهم أثناء عملية الطرد ما يقارب الثلث..


أتمنى كثيرا لو أقابل من تلك الفترة أربع شخصيات، بين 1492 م و 1602 م..
أتمنى أن أقابل شخصا ما بعد توقيع الاتفاقية...شابا في مقتبل العمر وله أسرة مثلا..
أود أن أعرف كيف كان يفكر...هل كان يعتقد أن الاتفاقية ستنفذ وأنهم سيتركونه مسلما يربي أولاده ليكونوا مسلمين دون تهميش وأقصاء ..هل كان يعتقد أنه سيسلم على أرضه وعرضه وممتلكاته؟ هل كان يرى الخطر القادم واضحا جليا لكنه يفضل أن يشيح بنظره إلى الجهة الأخرى ويدفن رأسه في رمال الإنكار؟ هل كان يتحدث عن ضرورة التعايش وقبول الآخر وكل الشعارات الجميلة التي تستخدم كحقنة تخدير..


أتمنى أن اقابل شخصا آخرا بعد صدور القرار بأن يتخلى الجميع عن الإسلام؟...هل قال بأنه سيبقى مسلما خفية؟ هل جادل بأن إيمانه اقوى من قوانينهم وأنه سيتمكن من الصمود وإظهار النصرانية وكتمان الإسلام؟..
هل قال أن الوطن أولا؟ وأن عليه أن يضحي في سبيل البقاء في أرض أجداده؟

أتمنى أن أقابل شخصا في منتصف الفترة ، بعد عشرين أو ثلاثين عاما من الاعتناق الظاهري للنصرانية..
هل كان يقول ان فرديناند الثاني افضل من تشارلس وأن البابا الجديد ينوي أن يكون أكثر تساهلا ورحمة معهم؟ هل كان يترحم على لإيزابيلا مقارنة بحفيدها مثلا؟ هل كان يقول أنها مرحلة عابرة وأنهم في النهاية سيملون ويتركوننا في شأننا؟ هل كان يقول أن الله غالب لا محالة وإن ما علينا إلا الصبر ويتجاهل السنن الالهية التي تؤدي إلى النصر والتمكين؟
وأخيرا..

اتمنى أن التقي بفتى يافع ، عشية التهجير..بعد أكثر من قرن على الاتفاقية..

هل كان قد بقي مسلما؟
أتحدث عن غرناطة....
وأقصد سواها حتما..
أقصد مدينة يتعرض سكانها الأصليون ..للشيء ذاته...
لكن لأن كل شيء يحدث بالتدريج ، فهم لا ينتبهون لذلك.