ثورة الزنج على الخلافة العباسية .. دروس الماضي والحاضر والمستقبل.
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ثورة الزنج على الخلافة العباسية .. دروس الماضي والحاضر والمستقبل.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,786

    Post ثورة الزنج على الخلافة العباسية .. دروس الماضي والحاضر والمستقبل.

    لفترة زمنية تزيد عن الخمسة قرون كان للخلافة العباسية أيام مجيدة بيضاء في تاريخ الإسلام كثُرت فيها الفتوحات والانتصارات - لا تحتاج منا في هذا المجال للذكر والبحث - وحُق لكل مسلم أن يفخر بها وبإنجازاتها , ولكنها عانت أيضا من أحداث حالكة السواد اشتدت عليها فيها المحن والانكسارات .

    وكعادة الدول القوية لا تسقط من أول هزة أو اختبار , بل تكمن عناصر قوتها داخلها , ويمكنها مقاومة السقوط لفترة طويلة , وتكون عودتها عودة سريعة وقوية حتى تبدأ في الانحدار , ويأذن الله عز وجل بفنائها ككل كيان بشري معرض وقابل للانتهاء والفناء .

    وكان من أكثر أسباب الهدم والانكسار في الدولة العباسية – كحال بقية الدول والممالك الإنسانية عامة والإسلامية خاصة – ظهور الترف بين أفرادها وغلبته على الجادة والاستقامة , فأتى أول معول هدم في الدولة العباسية من قبل الفتنة الدائمة على الإسلام والمسلمين من خطر النساء حتى لو كانت في إطار شرعي ولكنه مسرف .

    فتبارى خلفاء الدولة العباسية ومعهم الأمراء والوجهاء في استجلاب الجواري من دول غير عربية ولا مسلمة , ومعظمهن كن يدخلن في الإسلام طواعية ولكن يدخلنه بثقافاتهن وأفكارهن , وكان أبناؤهن – أبناء الخلفاء – خلفاء مستقبليين وأمراء على الإسلام والمسلمين , لدرجة أن ثلاثة فقط من خلفاء الدولة العباسية كانت أمهاتهم من العرب , بينما كان للأربعة والثلاثين خليفة الآخرين أمهات من غير العرب من الجواري الترك والأرمن والبويهيين والسلاجقة وغيرها .

    وكان هذا خللا واضحا في الدولة العباسية , إذ أنه من الطبيعي عندما يحكم أحدهم دولة الخلافة أنه سيقرب أخواله وأقرباءهم منن جنسياتهم لينالوا العديد من مناصب الدولة المؤثرة وخاصة في الجيش , وهنا كمنت الخطورة الحقيقية.

    فعلى سبيل المثال تحكم الترك في دولة الإسلام كوزراء ومستشارين وقادة للجيش لفترة طويلة تزيد عن المائة عام مر عليهم خلالها ثلاثة عشر خليفة عباسي , ولم يبق للخليفة وقتها سوى المنصب الشرفي فقط , بينما كانت الدولة تدار من قبلهم حتى اصبح منصب الخليفة يخضع لسلطانهم وهواهم في تعيينه وعزله وربما بسجنه وقتله , وعندما حاول عدد من الخلفاء إنهاء سيطرة الترك على الدولة - مثل المنتصر بالله والمهتدي بالله - كان مصيرهما القتل بالسم على يد الترك .

    ومن الواجب ذكره أنه دائما- وفي كل الممالك والبلدان أيضا - أن يصاحب وجود هذا الترف في الصفوة والانشغال بالملذات وجود ظلم اجتماعي بيِّن , تعانيه طبقة أو عدة طبقات في المجتمع , فما من إسراف في جانب إلا ويصاحبه تقتير في جانب آخر , وحينها يكون هذا الظلم الاجتماعي قنبلة موقوتة لا تحتاج إلا للقليل من بذل الجهد لتحريكها ككتلة صماء لكي تنفجر في المجتمع كله .

    وهذا من ثمرات الحكم البالغة في المنهج الإلهي الذي أمر العدل بين الناس فقال " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " , والعدل أحد أهم أركان الحكم في الإسلام والظلم أول مقومات هدمها , ولذلك فهو تحقيق للجملة الشهيرة التي قالها شيخ الإسلام عن قدر الله الكوني في عباده : " فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى : " { اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً } "[1] .وصدقت به أيضا الكلمة المنسوبة لكسرى الفرس " العدل أساس الملك " .

    ومنذ أن خرج الإمام الحسين بن على يزيد بن معاوية تأصلت فكرة الخروج على الحكام عند من يدعون أنهم من شيعة آل البيت , فكانت لا تخلو فترة من فترات الحكم الإسلامية من وجود علوي منتسب - نسبا حقيقا أو مزورا - للإمام علي رضي الله عنه خارج على الخلافة بجماعة من الناس موالين له , ويكوِّن منهم جيشا يقل أو يكثر , ويحارب الخلافة فينتصر على جيشها مرة أو مرات ثم ينهزم ويفنى ليأتي غيره ليقوم بنفس مقام الأول وليكرر نفس الفعل .

    وكغيرهم من الناس لم يكن المنتسبون للإمام علي رضي الله عنه على نسق واحد , بل كان منهم الصالحون الأبرار الأخيار الذين يستحقون التقديم والتصدر في دين الناس ودنياهم , وكان منهم الطالحون المفسدون الذين لا يستحقون أبدا أن يتصدروا أي مشهد , بل كان منهم أبضا المزورون الضالون المضلون الذين استغلوا شغف الناس بآل البيت فانتسبوا زورا لهم وعملوا على إهلاك الأمة الإسلامية باستمرار القتال الذي يستنزف الجهود المسلمة لتحقيق مآرب شخصية ومنافع دنيوية , ولا عجب في ذلك فليس بين الله عز وجل وبين خلقه واسطة ولا نسب , وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول " وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ " [2] .

    وقامت ثورات عدة على الدولة العباسية إلا أن أخطرها على الإطلاق الثورة التي اجتمعت فيها كل عناصر القوة واستغلت كل نقاط الضعف في الدولة العباسية , وهي التي استمرت أربعة عشر عاما , وخلفت دمارا واسعا وشديدا , وتركت كما هائلا من المآسي في نفوس المسلمين وخاصة النساء الحرائر العفيفات اللاتي تعرضن لإذلال شديد جدا أثر كثيرا عليهم حتى بعد انتهائها والقضاء عليها .

    وهذه الثورة التي تحدث عنها الكثيرون على أنها ثورة مجيدة كريمة ومشابهة لثورة العبيد على الرومان , وأنها سطر ساطع من سطور الحرية والكرامة , وما كانت كذلك بعد قراءتها القراءة الصحيحة والمتأنية , هذه الثورة التي سميت في التاريخ الإسلامي بثورة الزنج .

    ولذا من الضروري والهام جدا دراسة هذه الثورة بالذات دراسة واعية ومتعمقة من أكثر من زاوية لكي تضعها الممالك والدول الإسلامية نصب أعينها , وخاصة أنها كانت اخطر ثورة عرفتها الدولة العباسية , وأنها كادت بالفعل أن تسقط الدولة العباسية بكامل تاريخها , وليس في دراستها اجترار للماضي بقدر ما هو استشراف مستقبلي تاريخي من مرحلة مهمة في التاريخ الإسلامي لم تنل حقها الواجب في الدراسة, لكي نخرج بنتائج هامة بعد دراسة أسباب قيامها لكي تتم معالجتها المعالجة الإسلامية الصحيحة , حتى لا تتكرر مثل هذه الثورة في التاريخ الإسلامي مرة ثانية قد تكون مهلكة بالفعل .

    وسنقسم كتابتنا فيها ههنا لثلاثة أقسام هامة منفصلة ومتصلة , فسنذكر – بإذن الله - الأسباب والأحداث والدروس المستفادة منها .

    ثورة الزنج : البدايات والأسباب ووسائل الحشد

    كان لثورة الزنج أسباب وعوامل تغذية كثيرة – قد تكون مختلفة في الأهمية والترتيب والشرعية - اجتمعت فيها ويسرت لمن أشعلها القيام بها وسرعة إنشائها وزيادة خطورتها وتتلخص في أربعة عوامل هامة جدا وهي على سبيل الإجمال " مؤسس و فكرة ومناخ وأتباع " .

    1- مؤسس الثورة وزعيمها

    رغم أن هذه الثورة معروفة بثورة الزنج إلا أن مؤسسها - الذي بدأت به والتي لم تنته إلا بموته - هو علي بن محمد لم يكن زنجيا بل كان فارسي الأصل , ثم ادعى نسبته – زورا كما جزم الطبري – إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه , فاستغل فكرة المهدي المنتظر العميقة الجذور لدى الشيعة وغيرهم أو فكرة المخلص التي تعمقت أيضا في الوجدان الشيعي في هذه الفترة وما تلاها .

    وعلي بن محمد كان يمتلك من القدرات الطموحة الساعية للصدارة والزعامة الكثير مما أهله أن يكون مقربا من الخليفة المنتصر بالله الذي حاول أن يقلص صلاحيات الترك ويحد من سلطاتهم الغاشمة وتحكمهم الظالم لعموم أهل الإسلام في تلك الفترة , فكان علي أحد الذين تمكنوا من الوصول لقصر الخلافة ونيل ثقة الخليفة ضعيف الصلاحيات الشديد الرغبة في الإصلاح .

    وهنا نستطع أن ندرك خطورة إمكانيات الرجل الفارسي الذي استطاع اقتحام تلك الأسوار المفروضة على الخليفة العباسي , وعندما شعر الترك بخطورة نوايا المنتصر بالله وأهمية ما يمثله من أفكار قتلوه بالسم , وقتلوا وسجنوا واعتقلوا حاشيته والمقربين منه , فكان من المعتقلين علي بن محمد الذي قضى في معتقله فترة في حياته مكنته من الاتصال بغيره من المساجين محرضا , ثم ليظهر نفسه ويقدمها بصورة البطل الذي قاوم الطغيان وسُجن , فكان لهذه النقطة خطورتها إذ بدأت منذ هذه اللحظة خطة استجلاب الأتباع للقيام بثورة .

    ولسبب غير واضح تمكن من الهرب من السجن ثم غادر بغداد إلى "سامراء" ومنها إلى البحرين ليبدأ منها نشر فكرته في الخروج على الخلافة العباسية بدعوى مقاومة الترك المتحكمين فيها , ولو كان حسن القصد – كما زعم - لخرج لإعانتها على التخلص من الترك لا على أن يكون معول هدم لها .

    وامتاز علي بن محمد أيضا بالقدرة الهائلة على الحشد وتجميع الأنصار والدعوة لفكرته بحسن بيانه واستغلال نقاط ضعف خصمه وإلهاب المشاعر بكلماته الحماسية , فبحث طويلا عن مجموعة معينة ناصرة نتفق معه في الأفكار وتسلم له قيادتها , حتى استقر أخيرا وبعد دراسة كاملة لكل الطوائف على طائفة الزنج الذين يمتازون بعدة مميزات له سنعرضها عند التحدث عنهم , فوجد فيهم ضالته المنشودة واستقرت عليهم خطته , ولا عجب أن نراه ينسب نفسه لآل البيت وهو فارسي الأصل والنسب دون اعتراض من احد , ولا عجب أكثر حينما نراه قد ادعى النبوة وأنه يوحى إليه فلم يعترض عليهم احد من أتباعه كذلك .

    2- فكرة الثورة الدائمة عند المتشيعة

    على الرغم من التناقض الواضح عند الشيعة في فهم وتفسير الموقفين المختلفين بين الإمام علي والإمام الحسين رضي الله عنهما الذين وُضعا في نفس الموقف تقريبا , فلا يجد الشيعة أي تناقص بين الموقفين بل يعتبرونهما عمدة لأحكامهم وتصرفاتهم بعد ذلك .

    فقد حارب الإمام علي من خرجوا عليه وسماهم كما قال " إخوة لنا بغوا علينا " – وهو حق لا مرية فيه فقد كان الإمام الشرعي حينئذ وكان خروج من خرج عليه اجتهادا نظنه لم يكن صائبا – رضي الله عن الجميع - , لكن حدث من الإمام الحسين رضي الله عنه أن خرج على يزيد بن معاوية – وهو الإمام الشرعي حينها – وحاربه جيش يزيد وقُتل الإمام الحسين بعد خذلان من يدعون أنهم شيعته له , فاعتبر الشيعة بالموقفين أنهم حينما يحكمون يقاتلون من يخرج عليهم اقتداء بما فعل الإمام علي , وحينما يُحكمون يخرجون على أئمتهم ويحاولون تكوين الجيوش للثورة عليهم اقتداء بما فعل الإمام الحسين , فلا منطق ولا فهم إلا مفاهيم براجماتية خالصة ليس لها من الإسلام شئ .

    فأصبح الإمام الحسين - وإلى الآن - رمزا أصيلا من رموز الثورة وأيقونتها المتألقة , بدافع حب آل البيت المتغلغل في قلوب المسلمين , ولهذا ينتشر دوما الربط الدائم بين اسم الإمام الحسين والثورة , ولعلنا نتذكر في الكثير من الأدبيات أمثال " الحسين ثائرا " لعبد الرحمن الشرقاوي .

    فلم تخمد تلك الفكرة أبدا بين الشيعة , فعادة ما كان يتجمع عدد من الناس ضد الخلافة بشرط أن تكون زعامتهم علوية أو طالبية حتى يمكن لها أن تلقى القبول العام بين المسلمين , وحتى لا ينسى الناس هذه الثورة وحتى لا يخمد الشعور العام بها ولضمان استمرارها تقام اللطميات سنويا على أهل البيت بل تعقد المجالس للعزاء في آل البيت بعد كل هذه القرون التي انقضت , ليتم استثمارها سياسيا في حشد الناس ضد الدول والممالك السنية ولضمان استمرار الشعور بالمظلومية التي تشكل الوقود الدائم للثورة الشيعية على أي حكم إسلامي سني .

    ولهذا لم يكن علي بن محمد وحده صاحب ثورة على الدولة العباسية في هذا الوقت بل صاحبه عدة ثورات بنفس الطبيعة وبنفس الأفكار وبنفس القيادات العلوية في وقت واحد , فكانت في الكوفة بزعامة يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين , وفي طبرستان ووصلت لجرجان بقيادة الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل , وفي الري بزعامة محمد بن جعفر بن الحسن , وفي قزوين بقيادة الحسن بن إسماعيل بن محمد , مع ملاحظة أن كل من هو منتسب لآل البيت مختلفون في التقييم على المستوى الشخصي , فمنهم من كان بالفعل صالح مصلح يبغي العدل والإنصاف وخرج لإعلاء كلمة الدين ومنهم من كان يدعو للخروج السياسي بداع من دواعي الدنيا والهوى والرغبة في الزعامة لا الدين , وكذلك كان الأتباع .

    3- المناخ العام

    على الرغم من التاريخ المشرف للدولة العباسية وكثرة إنجازاتها وسوابق خيراتها وفضلها , إلا أنها مرت بحالات ضعف وترهل ولم تُحكم السيطرة على أفرادها وخاصة الأمراء والوزراء من غير العرب الذين تحكموا فيها لفترات , وفي هذه الفترة كانت فترة لتحكم الترك الكامل في دولة الإسلام حتى سمي هذا العصر تاريخيا بـ "عصر نفوذ الترك" , وفيه انشغل الخلفاء بالملذات والشهوات وإرضاء الترك اتقاء لخطرهم ولشرورهم ولضمان بقائهم كخلفاء , وغلب على الترك الظلم الاجتماعي , فاجتمع الترف في جانب والظلم من جانب حتى كادا أن يهلكا الدولة العباسية , ولا يجتمعان في بلد مهما كان ثراؤه أو قوته إلا ويعملان معا على إهلاكه حتى وان بدا هذا المجتمع متماسكا أو قويا في ظاهره , فهذا العاملان سينخران في عظامه حتى يخر في لحظة ما , ما لم يتدارك القائمون على كل بلد بمعالجة الأمرين معا وبشكل سريع ودائم وليس بحلول مؤقتة أو سطحية أو مسكنة فقط .

    فكان المناخ عاملا ايجابيا ومشجعا من عوامل إنشاء وقيام الثورات, فلو نادى أي مناد الثورة لاجتمع عليه من الفرقاء الكثيرون الذين يرغبون في إنهاء هذا الوضع الخطأ , حتى لو كانت معالجته أيضا خاطئة , وحتى لو سيقوا تحت أي زعامة , ومهما كانت درجة ثقتهم في الزعامة , فكثرة الضغوط على الشعوب تهيئ المناخ العام للثورات , وحسبنا ما رأيناه من الثورات المسماة بالربيع العربي التي قامت على مظالم متعددة , ولهذا ضمت فئات متباينة لا تكاد تجتمع إلا على رفع الظلم عنها , وهذا ما يُحذر منه دوما ويجب الانتباه له لشدة خطورته .

    فالدول والممالك دوما هي التي تصنع الثورات وليس الشعوب , فالشعوب دوما في رغبة دائمة للاستقرار وتقبل ولو حدا أدنى من الحرية , ولكنها تصطدم بالابواب المغلقة والمظالم الاجتماعية وتشجيع الدول للطبقية , وحينما يجد الإنسان نفسه يعامل معاملة العبيد في بلده إذا كان مواطنا أو في البلد التي يقطنها إن كان وافدا عليها ويهان في كرامته وإنسانيته , حينها يجب وان تحذر الدولة من ثورة شديدة مؤلمة قد تحل بها .

    4- الأتباع .. وقود الثورات

    كان السبب الرئيسي في فشل معظم الثورات على الحكم العباسي – وربما لكثير من الثورات – هو فقدانها للزخم الشعبي أو عدم التزام الثوار بأوامر القيادات , فغالب الثوار في جميع الثورات يقبلون بأي بارقة أمل لتمنحهم بعض ما يثورون من أجله فتخمد قواهم ويعودون عن ثورتهم , وقد تكون هذه المنح حيلة من الحكام لإبعاد الشبح الثوري عن الشعوب , ثم الانقضاض عليهم وتفتيتهم بعد فقدانهم للحركة الجماعية , ولذلك تفشل كثير من الثورات , ولكن ما اختلفت فيه هذه الثورة بتدبير من قائدها ومحركها علي بن محمد بأنه وبعد دراسة عميقة لتركيبة المجتمع السكانية وللجموع البشرية فيه وقع اختياره على الزنج ليكونوا وقودا لثورته .
    وكان له في نظرته لهم عدة أمور رآها مناسبة جدا لكي يختارهم القوة الفاعلة الأولى لهذه الثورة ومنها :

    - الزنج عبيد محرومون من حقوقهم الأساسية

    وجد علي بن محمد أن الزنج مجموعة بشرية سيقت من أواسط وشرق أفريقيا كعبيد وخدم ويعاملون معاملة شديدة القسوة من أسيادهم سواء كانوا عربا أو فرسا , فكانوا يجمعون بين القيام بالأعمال الشاقة مثل استصلاح الأراضي الواقعة بين مدينتي البصرة وواسط , مع معاناة دائمة في المتطلبات البشرية للبقاء , فلا طعام كاف ولا أجور يومية , والأجور شهرية زهيدة وتأتي أحيانا وتضيع أكثر الأحيان , فكانوا يموتون جوعا وهزالا بينما يرون غيرهم من يعيش على دمائهم وعلى استنزاف طاقاتهم ويستغلونهم أبشع استغلال , ولكن الأخطر من ذلك أن الزنج يعلمون يقينا أن الدولة العباسية بنظامها الحاكم حينئذ تعلم بتلك المظالم ولا ترفعها بل ربما تكرس وجودها , فلذلك كانوا أرضا خصبة لتلبية أي داع يدعوهم للثورة من أجل الطعام والحرية , فما بالنا لو مناهم صاحب الثورة بأن يكونوا قادة لا أتباعا , وأن يكونوا سادة لا عبيدا , وأن يكونوا ملاكا لا مملوكين , بل وعدهم بما هو أخطر بأن يكون هؤلاء السادة الذين يرونهم متعجرفين متغطرسين سيكونون عبيدا لدى الزنج .

    وغلف علي بن محمد كل هذه الأماني والطموحات للزنج بغلاف ديني , فاخبرهم انه مبعوث من الله لتخليصهم مما يعانون , وأن كل ما عليهم هو السمع والطاعة له , وطمأنهم بأنه لن يغدر بهم وأنه مستعد بان تحيط به دوما مجموعة منهم وطالبهم بان يقتلوه إذا اشتموا منه رائحة غدر بهم .

    - الزنج عددهم كبير

    تميز الزنج بكثرة العدد جدا , فرأى فيهم علي بن محمد أنهم يحققون له كل ما يأمله ويتمناه بعددهم الضخم مع عدم وجود أهل أو عشيرة لكل منهم , مما يجعل الزنجي منهم يقاتل بشراسة ولا يخشى على ضيعة أو مال أو أهل , فعالج بعددهم المشكلة الكبيرة التي كانت تواجه كل ثورة علوية قامت على الدولة العباسية .

    - الزنج قوتهم ظاهرة

    معروف أن الإفريقي مهما كانت ظروف تغذيته إلا أنه دوما صاحب بنيان قوي وصاحب عزيمة قوية ويستطيع تحمل كافة المشاق تبعا لما اعتاده من قساوة الظروف المحيطة , فكان لا يخشى عليهم من التذمر في حال نقص المؤن لكونهم أسرع الناس على التكيف مع كل الأوضاع الشديدة , وهم يختلفون تماما عن أي جند غيرهم ويختلفون أيضا عن عناصر الفرس المرتزقة التي يمكن جلبها من المناطق الفارسية الاقل احتمالا والأشرس عند نقص حوائجهم أو رواتبهم , فكان الزنج نموذجا مثاليا للأتباع المنشودين في الثورات .

    - الزنج ذوو مظالم حقيقية

    كانت للزنج مظالم حقيقية , فلم يكونوا في حاجة إلى من يحرك نفوسهم أو يثيرهم على أسيادهم , فهم مستثارون بالطبيعة بما يجدونه يوميا من التجويع المتعمد لإضعاف همتهم ومن الإهانات المباشرة يوميا التي تجرح كرامتهم , فوجد علي بن محمد أنه لن يبذل جهدا كبيرا معهم لإعدادهم نفسيا للثورة , لان كل ما يحتاجونه فقط هو مجرد إشارة البدء , وهذا ما سيحدده هو في الوقت الذي يراه مناسبا .

    - الزنج يسيرو الانقياد

    لكون الزنج في هذه الفترة عبيدا فلم يكن فيهم ذوو كفاءات فكرية أو عقلية , فلا يوجد بينهم حينها من يحسن فعل أي شئ سوى الطاعة والعمل , فشعر علي بن محمد أنه لن يجد منهم المعاناة المعتادة من الجنود تجاه قائدهم , فلا يحتاج فقط إلا لواسطة للتعامل بينه وبينهم , فحاجته لرجل واحد منهم لمناقشته أو لإصدار أوامره له , ومن ثم يطلق المساعد الأوامر لبقية الجيش ليتحركوا بطاعة شديدة , وتسنى له الوصول اليسير لذلك المساعد " ريحان بن صالح " الذي أصبح قائدا بالمصادفة , حيث كان أول زنجي ينضم إلى علي بن محمد فأصبح واحدا من أهم قادة الحرب والثورة حيث كان الوسيط بين علي بن محمد وبين الجيش الزنجي .

    - الزنج غير عرب

    في الثورة على الخلافة العباسية تكون العربية عيبا لا ميزة في حق صاحبها , فكل عربي مسلم يعلم أن العباسيين هم الخلفاء وأن لهم عليه السمع والطاعة , وأنهم يجاهدون أعداء الله , وأن أي إضعاف أو اقتتال مع جيش الدولة فيه تقوية لأعدائها , وربما قد يقع العربي بمفرده في شرك مثل هذا لكن سرعان ما يعود لعقله , فلديه أهل وأقارب قد يؤثرون عليه ويعيدونه لصوابه , فههنا رأى علي بن محمد أن دعوته هذه وثورته لا يجب أن يكون قوامها الأساسي من العرب , بل من الممكن أن يكون موتورو العرب جزء فرعيا مشاركا فيها لا عنصرها الأساسي , فوجد أن هؤلاء الزنج لكونهم غير عرب ولكونهم لم يُهتم بتثقيفهم دينيا بل كانت تصرفات المسلمين حينئذ تعطي الانطباع الأسوأ عن الإسلام , فوجد أن الزنج يصلحون أكثر من غيرهم ليكون اعتماده الأساسي عليهم في خروجه على الخلافة ومحاولة إسقاطها .

    لهذه الأسباب مجتمعة كانت بداية انطلاق تلك الثورة , وبوجاهة وأحقية بعض أسبابها وبتقصير وظلم من العباسيين أنفسهم أو نوابهم الترك وبمزيد من الترف والرفاهية بدأت أخطر ثورة على الدولة العباسية .



    كتبه: يحيى البوليني.


    [1] الفتاوى 28/63 وذكره شيخ الإسلام أيضا في رسالة (الحسبة)

    [2] رواه مسلم في صحيحه(2699) والراوي أَبو هُرَيرَة رضي الله عنه
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,786

    افتراضي رد: ثورة الزنج على الخلافة العباسية .. دروس الماضي والحاضر والمستقبل.

    [2]
    ثورة الزنج على الخلافة العباسية .. دروس الماضي والحاضر والمستقبل 2
    أربعة عشر عاما ظلت فيها تلك الثورة التي اعتبرت الأخطر في تاريخ الدولة العباسية والتي تزعمها علي بن محمد فارسي الأصل المنتسب زورا وبهتانا للإمام علي بن أبي طالب مستغلا الفكرة الشيعية متعمقة الجذور في الشيعة وهي فكرة المهدي المنتظر.
    وفي هذا الجزء نتناول الخطوات والمراحل التي مرت على هذه الثورة منذ نشأتها كفكرة حتى إخمادها وإعلان نهايتها على يد "الموفق أحمد"
    ففي المائة العامة المسماة في التاريخ بعصر نفوذ الأتراك وقيادتهم لكل مفاصل الدولة وارتفاع شانهم فوق شأن الخلفاء أنفسهم حتى صار منصب الخليفة لا يعدو كونه منصبا شرفيا لا يخضع احد لسلطانه, في هذا العصر الذي تقلد فيه 13 خليفة عباسي مقاليد الخلافة حاول بعضهم التخلص من الأتراك فلم يستطع بل قتل بعضهم سما واغتيالا حتى لا يفكر احد منهم ثانية التخلص من هذا النفوذ الباطش القوي, في تلك الأثناء ظهر علي بن محمد كشخصية طموحة معادية للإسلام وللخلافة العباسية من منطلقي مخاصمة الدين والعروبة معا.
    وافتقر علي بن محمد للجموع التي يحتاجها للقيام بثورة شاملة تهدد بالفعل الدولة العباسية ووقع اختيار على الزنج كقوة ظاهرة ومتحركة وصاحبة مظالم حقيقية وسهلة الانقياد في أسباب كثيرة ذكرت في الجزء الأول.
    تشكيل البنية الأساسية للانقلاب
    رغم أن علي بن محمد يتميز بصفات القيادة والقدرة على الحشد إلا انه كان يحتاج إلى قائد ميداني كوسيط بينه وبين الزنج حيث كانت عقبات اللغة وفهم النفسيات والقدرة على السيطرة والتحريك ثلاثة معوقات أمامه, فوقع اختياره على رجل منهم يتميز بقدرته على قيادتهم مع ولائه التام وانقياده المطلق لعلي بن محمد, فكان هذا الوسيط الهام الذي يعتبر الركن الثاني الأساسي في ثورة الزنج وهو الزنجي ريحان بن صالح الذي اختبار بدوره عددا من القادة معه من الزنج ليكونوا جميعا كمجلس حرب لهذه الثورة أو الانقلاب وجعلوا رئاستهم العامة وقيادتهم الفكرية للفارسي علي بن محمد.
    بداية التحرك الفعلي للثورة الانقلابية
    بدأ ريحان والقادة الميدانيون معه في التغلغل بين أوساط الزنج ولم يثيروا أي نوع من الشكوك حيث أنهم من الزنج الذين لم يكن العباسيون ولا الأتراك يلقون لهم بالا لا في قضاياهم ولا مشكلاتهم ولم يكن هناك تحديد أبدا لقوة عددهم أو احتساب لخطورة شأنهم إذا اجتمعوا.
    وبدأت الحرب الإعلامية التحريضية في غفلة تامة من القادة والساسة وأصحاب المزارع التي يعمل بها الزنج, فاخذ القادة الميدانيون بإيغار الصور وتذكير الزنج بمظالمهم وتحديثهم عن الكثرة مظالم العرب العباسيين والأتراك وحضهم على الهرب من المزارع التي يعملون فيها مع إنشاء عدة معسكرات سميت بمعسكرات الثائرين للانضمام إليها وفشلت محاولات أصحاب المزارع للحيلولة دون هروب الزنج حتى بعد حبسهم في بيوت من الطين بلا منفذ للخروج منه, دون أن يفكر هؤلاء السادة في مناقشة مطالب الزنج وتوفير ابسط الحقوق الآدمية لهم, فكانت معالجة البدايات تماثل طبيعة التفكير العقيم في ذلك الوقت لوأد هذه الفتنة, فازدادت الرغبة في الهروب بعد ردود الأفعال الأولى.
    وكان من الدوافع الهامة للزنج للاستجابة لنداء المحرضين أنهم وعدوهم على لسان علي بن محمد بتحريرهم من العبودية وتحويلهم إلى سادة مثل العرب بل وإعطاؤهم أيضا حقا في امتلاك الأموال والمزارع, ووعدهم بما هو أكثر من ذلك بان يعمل معهم ليكون سادة الأمس من العرب والترك عبيدا لدى هؤلاء الزنج وأن يكون نساء العرب إماء لديهم لينتقموا من رجال العرب ونسائهم الذين أذلوهم وأهدروا كرامتهم.
    ولمح علي بن محمد تخوفا من الزنج من الهروب من أسيادهم واللحاق به وتخوفهم من أن يغدر بهم بعد تمكنه فاخبرهم بأنه ليس من طلاب الدنيا وإنما ثار من اجل قيمة العدل والمساواة, وزاد من طمأنتهم حينما أعلن لهم وطالبهم بأن يجعلوا هناك مجموعة من الزنج تحيط به إحاطة السوار بالمعصم لتقتله عند أول لحظة يشعرون فيها منه بالغدر, فاطمأن الزنج إليها جدا ووافقوه وساروا معه منقادين إليه انقيادا تاما.
    وبعد تجمع عدد من الزنج حوله وتشكل لديه ما يشبه الجيش المتحفز ادعى أنه من آل البيت من نسل الإمام علي بن أبي طالب فوافقوه دون مناقشه فاشتط بعدها واستغل جهلهم بأي أمر ديني فادعى النبوة قائلا لهم انه مرسل من عند الله لإنقاذهم فازداد لدى الزنج الأمل في نيل حقوقهم عن طريقه فكان عامل الزمن في صالحه جدا رغم حداثة تكوينه لجيشه وعدم اهتمام الخلافة بأمرهم في بادئ الأمر فتركوه حتى استفحل أمره وعظم خطره واشتد ضرره.
    البصرة البداية ...
    وبدا في السيطرة على مدينة البصرة وخاصة بعد أن استهانت به وبحركته الدولة فكان للزنج لقاء مع جيش ضعيف مهترئ فاستطاع علي بن محمد بمن معه من الزنج هزيمته فارتفعت معنوياتهم وانضم إليهم من كان مترددا, وعندها دخلوا البصرة افرغوا فيها كل مكنونات غضبهم بلا مراعاة لحرمة دم مسلم فقتلوا فيها ما يزيد على 300ألف مسلم بالبصرة وحدها وأسروا منها عددا هائلا من حرائر النساء المسلمات ومن الأطفال, وكان فيهم الغدر الكبير إذ نادى قائدهم إبراهيم المهلبي –أحد القادة الميدانيين- أهل البصرة عند دخوله بالأمان لأهلها فصدقوا كلمته ولم يقاوموه, فاجتمعوا في ساحة كبيرة فأمر المهلبي بقتلهم فأبادهم جميعا ولم يترك فيهم صغيرا ولا كبيرا فلم يكن يسمع في هذه الساحة إلا قول "أشهد أن لا إله إلا الله" من المقتولين بينما يتصارخ ويتضاحك الزنج بكل هستيرية, وامتد القتل لعدة أيام في البصرة مع حرق كل شيئ من الزرع والإنسان والحيوان والبيوت والممتلكات لتكون البصرة هي بداية هذه السنين المظلمة في تاريخ الفرقة والتخلف والضعف والهوان في الخلافة العباسية التي أنارت الدنيا عندما كانت قوية وعادلة.
    ولم تكن البصرة بأفظع جرائمهم فلم تكن سوى البداية فدخلوا الكوفة في عام 260هـ وفعلوا بها ما يزيد عما فعلوه بالبصرة ثم دخلوا الأهواز فلم يختلفوا عما فعلوه بل زادوا ولم يرتووا من كثرة الدماء ولم يكفوا عن هتك أعراض الحرائر المسلمات ولا عن قتل الأطفال وأسرهم.
    وكان لابد من ظهور نتائج سياسية سريعة لهذا المستوى من الحركة الانقلابية من إضعاف شديد للدولة العباسية فطمع الروم في شمالها فازدادت إغاراتهم عليها وسلبهم للأراضي المسلمة وانفصل الطولونيون بمصر وصاروا يحاربون الدولة العباسية من الجنوب فتشتت الدولة العباسية بين أمرين كلاهما مرهق عليها في ظل ضعف شديد واضح وافتراق داخلي بغيض, فلم تكن لهم القوة على محاربة الحركة الانقلابية المتمردة من الزنج ولا من هجمات الروم في الشمال ولا الطولونيين في الجنوب.
    تمكن الزنج في دولتهم داخل الخلافة
    وبعد عدد من المعارك المستمرة التي كانت الغلبة في اغلبيها للزنج قامت دولة مستقلة للزنج داخل الدولة الإسلامية بعد أن اجتمع لهم من الجند ما لا ينتهي العد والحصر إليه, وامتد سلطانهم ليشمل مناطق كثيرة مثل "البحرين والكوفة والبصرة والأهواز والقادسية وواسط والمنصورة والمنيعة وعبدان وأغلب سواد العراق وأقاموا عاصمة لهم سموها "المختارة" وصارت لهم دولة منيعة متماسكة قوية ربما تزيد عن قوة الدولة العباسية كاملة, وفشلت الخلافة العباسية وقادة جندها الأتراك أن يقاوموا هذه الدولة التي زرعت وسطهم والتي تزداد قوة بمرور الزمن والتي تنتصر عليهم في اغلب المعارك حتى خشي العباسيون والأتراك الاقتراب منها أو التحرش بجنودها الذين استباحوا من المسلمين كل شيئ والتي زادت مدة مكثها قرابة 14عاما وقتل فيها من المسلمين ما يزيد عن نصف مليون مسلم ومسلمة وهتكت فيها أعراض الآلاف من حرائر المسلمات في مشهد بشعة لم تحدث للمسلمين على مر عصورهم إلا في فترات قليلة كان العدو فيها غير مسلم ولم تحدث أبدا ممن ينتسبون ولو بالزور والبهتان لدين الإسلام.
    خطوات الحل والعلاج وبداية الانفراجة ..
    حاول العباسيون حل هذه المعضلة كثيرا باتخاذ نفس الحلول في كل مرة والتي يثبت فشلها في كل مرة, فليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى أبدا, ففي كل مرة يجرد العباسيون جيشا مهزوما بفرقته ومهزوما بضعفه الداخلي ومهزوما بقيادة التي تحب الحياة على الاستشهاد في سبيل الله والتي لا تمتلك الولاء الكافي ولا الرغبة الحقيقية في قمع هؤلاء وإنهاء تلك الأزمة.
    وكان أهم عناصر ضعف المسلمين الأبدي والأزلي هو الفرقة والاختلاف, وما من هزيمة تأتي إلا بسبب هذه الفرقة وما من نصر يلوح بعد إذن الله سبحانه إلا بعد تجميع للقلوب بداية والاستعانة بعد الله سبحانه بالمخلصين من أبناء الأمة الذين لا يريدون سوى إعلاء الراية ونشر كلمة الحق.
    ولقد بلغ الزنج من المهابة والخوف الشديد الذي يقترب من الرعب في قلوب المسلمين في تلك الفترة, وظن معظمهم أن القضاء على الزنج بات من المستحيلات, ولكن سرعان ما لاحت بشائر النصر حينما أرسل الخليفة "المعتمد على الله" في طلب أخيه "الموفق أحمد" الذي كان معزولا مبعدا بأمر من الأتراك.
    وكانت بداية الحل بتولية الموفق احمد قيادة الجيش والطلب المباشر منه بان يسخر كل إمكانيات الدولة العباسية للقضاء على هذا الانقلاب الداخلي وعلى اقتطاع جزء من الدولة العباسية بدولة معادية محاربة.
    وكان للموفق احمد حُسن قيادة عسكرية وشخصية قوية فاقت وطغت على شخصية أخيه المعتمد –وربما كان هذا احد أهم أسباب إبعاد الموفق احمد ونفيه– فنظم الجيش واستبدل قياداته بقيادات أخرى ذات ولاء وهمة وغيرة على الإسلام.
    وحانت ساعة الجد
    لم يقبل الموفق احمد أن يرسل للزنج جيشا بقيادة احد أمرائه بل سار بنفسه على راس جيش ليواجه الزنج مما ضاعف من قوة وعزيمة جيشه, فهجم على مدينة تتبع الزنج وتخضع لسلطانهم تسمى"بالمنيعة", فباغتهم بعد أن ركنوا إلى الراحة والدعة بعد سنين من مهاجمة المسلمين والاطمئنان إلى قوتهم وضعف العباسيين, فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم أكثر وغنِم من أموالا طائلة كانوا قد كدسوها من جرائمهم تجاه المسلمين, لكنه وجد داخل المنيعة خمسة آلاف امرأة مسلمة من حرائر المسلمين كانت تحت تصرف الزنج كخدم وإماء, فكانت فرحة المسلمين بتحرير هؤلاء المسلمات أعظم من القتل والأسر والمال, وانضم الكثيرون لجيش الموفق احمد بعد أن ارتفعت حالتهم المعنوية بتحقيق أول انتصار على الزنج في خلال مسيرتهم الطويلة من الآلام.
    ثم حدث نفس الشئ في مدينة تسمى بالمنصورة التي دخلها الموفق احمد بعد قتال أشد من سابقتها بعد أن سمع الزنج بما حدث في المنيعة فقاتل الموفق بها سليمان بن جامع احد أهم قادة الزنج وتمكن منها بعد معاناة وشدة لوجود خمسة أسوار لها, وحدثت نفس المفاجأة السارة بأن تم إنقاذ عشرة آلاف امرأة مسلمة في هذه المدينة, فارتفعت المعنويات أكثر وازدادت الشعور بإمكانية التخلص من تلك الفتنة الشديدة.
    واجتمع مع الموفق قرابة الخمسين ألف مسلم وساروا معا إلى آخر واهم معاقل الزنج وهي العاصمة المختارة, فحاصرها ونزل على مقربة منها وبنى مدينة جديدة سماها بالموفقية نسبة إليه وأرسل إلى علي بن محمد بالتسليم والرجوع إلى الحق والتوبة ويعطيهم الأمان رغم كل جرائمهم لكن علي بن محمد رفض الرد عليه مطلقا مستهينا به, وحاصرها الموفق مدة حتى أرغمها على التسليم فدخلها الموفق ولكنه فوجئ بهروب مسعر هذه الفتنة علي بن محمد فأرسل خلفه سرايا للبحث عنه, فما هي إلا أيام قلائل حتى استطاعوا القبض عليه وقتله والعودة برأسه إلى المختارة ليضعوا راس الفتنة رأي علي بن محمد بين يدي الموفق احمد وليصدر بعدها بيانا بانتهاء الاضطرابات والفوضى التي عرفت بثورة الزنج إلى غير رجعة بعد سنين عصيبة عجاف استمرت أكثر من 14 سنة, ثم دعا أصحاب المزارع والبيوت وسكان هذه المناطق للعودة إلى بيوتهم وضياعهم وممتلكاتهم ليعود ويستتب الأمر مرة أخرى وتعود الخلافة العباسية بعد محاولة الانقلاب هذه أقوى مما كانت عن ذي قبل.
    تلك على عجالة أهم أحداث ثورة الزنج التي لابد وألا تمر علينا في هذه الأيام دون توقف مع دروسها وعبرها في المرحلتين معا, مرحلة اشتعال الفتنة وتلتها الانكسارات, ومرحلة بداية التصحيح وتلتها الانتصارات, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •