دعوة لمدارسة منظومة ابن أبي العز في السيرة - الصفحة 3
صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 79

الموضوع: دعوة لمدارسة منظومة ابن أبي العز في السيرة

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    وتأخر النبي  وحبس معه أبا بكر – كما تقدم- وعليًا أيضًا ليؤدي الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله  ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشىٰ عليه إلا وضعه عنده، لِمَا يَعلم من صدقه وأمانته ([1]).
    ثم استعد النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة ومعه الصديق أبو بكر رضي الله عنه.
    وتعود بداية هذه الرحلة المباركة عندما كان أبو بكر جالسًا في بيته وقت الظَّهِيرَةِ، فقَالَ له قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ الله  مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أبي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ عائشة: فَجَاءَ رَسُولُ الله  فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ  لِأبي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ»، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ رسول الله : «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ رَسُولُ الله : «نَعَمْ»، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله إِحْدَىٰ رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ الله : «بِالثَّمَنِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُم َا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بنتُ أبي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَىٰ فَمِ الْجِرَابِ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ الله  وَأبو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عبد الله بن أبي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّىٰ يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَىٰ عَلَيْهِمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ مَوْلَىٰ أبي بَكْرٍ مِنْحَةً([2]) مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا[3] حَتَّىٰ يَنْعِقَ([4]) بِهَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ([5]).
    وفي تلك الأثناء تفطَّن المشركون أن رسول الله  وأبا بكر قد خرجا فأخذوا يبحثون عنهما في كل مكان حتىٰ وصلوا إلىٰ الْغَارِ وهما فيه، ثم قربوا منه بشدة حتىٰ إن أبا بكر  سمع صرير أقدامهم حول الغار فرفع رأسه فَإِذَا هو بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ فقال: يَا رسول الله لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا، قَالَ: «اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ اثْنَانِ الله ثَالِثُهُمَا»([6]).
    ثم اسْتَأْجَرَ رَسُولُ الله  وَأبو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ وَهُوَ مِنْ بني عبد بن عَدِيٍّ([7]) هَادِيَا خِرِّيتًا – وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بن وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَهُوَ عَلَىٰ دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَ ا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِ مَا صُبْحَ ثَلَاثٍ([8]).
    ثم انتظروا حَتَّىٰ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ([9]).
    فانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ([10]).
    يقول أبو بكر : فأَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّىٰ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّىٰ رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ  فِي ظِلِّهَا ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ الله! وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَىٰ الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَىٰ فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ  لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ فَصَبَبْتُ عَلَىٰ اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ حَتَّىٰ بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَشَرِبَ حَتَّىٰ رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، قُلْتُ: بَلَىٰ، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بن مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ([11])، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أُتِينَا فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا»، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ الله  فَارْتَطَمَتْ – ساخت- فَرَسُهُ إِلَىٰ بَطْنِهَا فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ، أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا الله فَنَجَا([12]).
    فلما نجا سراقة قصَّ علىٰ رسول الله  أخبار قريش وأنهم جعلوا فيه الدِّيَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ منهِمْ ثم عَرَضْ علىٰ النبي  الزَّادَ وَالْمَتَاعَ يقول سراقة: فَلَمْ يَرْزَآنِي، وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَل سراقة النبي  أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ عَامِرَ بن فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ([13]).
    ثم وفىٰ سراقة بما وعد به رسول الله  - حيث وعده أن يرد عنهما الطلب- فكان لَا يَلْقَىٰ أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا ههُنَا فَلَا يَلْقَىٰ أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ([14]).
    وكان من شأن سراقة  أنه كان جالسا فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمه بني مُدْلِجٍ يقول سراقة: فأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّىٰ قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ([15]) الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ([16]) حَتَّىٰ أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّىٰ دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَىٰ كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي حَتَّىٰ إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ الله  وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأبو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّىٰ بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ([17]) سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّىٰ جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ الله ([18]).
    ثم ذكر سراقة  الحوار الذي دار بينه وبين النبي .
    ثم مضىٰ رسول الله  فلقي في الطريق الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام فكسا الزبيرُ رسولَ الله  وأبا بكر ثياب بياض.
    ومرَّ النبيُ  وأبو بكر  ومولىٰ أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط علىٰ خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة([19]) جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله  إلىٰ شاة في كسر الخيمة فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: «هل بها من لبن» قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين لي أن أحلبها» قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فدعا بها رسول الله  فمسح بيده ضرعها وسمىٰ الله تعالىٰ ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت فاجترت فدعا بإناء يَرْبِضُ الرهطَ([20]) فحلب فيه ثجًا([21]) حتىٰ علاه البهاء، ثم سقاها حتىٰ رويت وسقىٰ أصحابه حتىٰ رووا وشرب آخرهم حتىٰ أراضوا ثم حلب فيه الثانية علىٰ هدة حتىٰ ملأ الإناء، ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها، فقل ما لبثت حتىٰ جاءها زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالاً مخهن قليل، فلما رأىٰ أبو معبد اللبن أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب([22]) حائل([23]) ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال: صفيه لي يا أم معبد ، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه([24]) حسن الخلق لم تَعِبْهُ ثَجْلَةُ([25]) ولم تزريه صعلة([26]) وسيم قسيم([27])، في عينيه دعج([28]) وفي أشفاره وطف([29]) وفي صوته صهل([30]) وفي عنقه سَطَع([31])، وفي لحيته كثاثة([32])، أزج([33]) أقرن([34]) إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصلاً لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ([35])، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة([36]) لا تشنأه من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلىٰ أمره، محفود محشود([37])، لا عابس ولا مفند([38])، قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلىٰ ذلك سبيلاً، وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:
    جزىٰ اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ

    رَفيقينِ حَلَّا خيمتي أمِّ مَعبد
    هما نزلاها بالهدىٰ واهتدت به

    فقد فاز من أمسىٰ رفيق محمد
    فيا لـقصي ما زوىٰ الله عنكم

    به من فعال لا تجازىٰ وسؤدد
    لِيَهْنِ أبا بكر سعادةُ جدِّهِ

    بصحبته من يُسْعِدُ اللهُ يسعد
    ولْيهَنِ بني كعب مقام فتاتهم

    ومقعدها للمؤمنين بمرصد
    سلوا أختكم عن شاتها وإنائها

    فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
    ودعاها بشاة حائل فتحلبت

    عليه صريًا ضرة الشاة مزبد
    فغادره رهنًا لديها لحالب

    يرددها في مصدر بعد مورد([39])

    ثم مضىٰ النبي  هو وأبو بكر  فَالْتَفَتَ أبو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بنا فَالْتَفَتَ نَبِيُّ الله  فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ» فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ([40])، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ: «فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بنا» قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَىٰ نَبِيِّ الله  وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ([41]).
    وكان النبي  قد أشرف علىٰ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأبو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ وَنَبِيُّ الله  شَابٌّ لَا يُعْرَفُ([42]) قَالَ: فَيَلْقَىٰ الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ، فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ([43]).
    وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ الله  مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَىٰ الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَ هُ حَتَّىٰ يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إِلَىٰ بُيُوتِهِمْ أَوْفَىٰ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَىٰ أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ([44]) لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ الله  وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ([45]) يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ([46]) فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَىٰ صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ([47]) فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَىٰ السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ الله  بِظَهْرِ الْحَرَّةِ([48]).

    ([1]) السابق.

    ([2]) تطلق على الشاة، أو الناقة، وأصلها الهبة.

    ([3]) رضيف: على وزن: رغيف، أي: اللبن المرضوف، وهو الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار؛ لينعقد وتزول رخاوته.

    ([4]) ينعق: أي: يصيح بغنمه كي تنزجر وتسير.

    ([5]) صحيح: أخرجه البخاري (3905)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، وأحمد 6/198.
    لقنٌ ثقِف: أي حسن الاستماع لما يقال، سريع الفهم، الدلجة: السير أول الليل، المنيحة: الناقة، رسْل: اللبن الطري، خريتًا: دليلاً.

    ([6]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3922)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2381)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر.

    ([7]) هو عبد الله بن أُريقط.

    ([8]) صحيح: أخرجه البخاري (3905)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، أحمد 6/198.

    ([9]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3917)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2009)، كتاب: الزهد، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل.

    ([10]) صحيح: أخرجه البخاري (3905)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، أحمد 6/198.

    ([11]) أرض جلْدة: أي أرض صُلبة. (النهاية).

    ([12]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3917)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، مسلم (2009)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل.

    ([13]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة.

    ([14]) متفق عليه: انظر: التخريج قبل السابق.

    ([15]) الزُّج: الحديدة التي في أسفل الرمح.

    ([16]) أي: خفض أعلى الرمح، وإنما فعل ذلك لئلا يظهر بريقُ الرمح، فيتبعه أحد فيشاركه في الجعالة؛ وقد صَرح بذلك كما في رواية الحسن عند ابن أبي شيبة: وجعلت أجر الرمح مخافة أن يشركني أهلُ الماء فيه.

    ([17]) دخان.

    ([18]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة.

    ([19]) يقال: امرأة بَرْزَةَ؛ إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب؛ من البروز وهو الظهور والخروج.

    [20]) فدَعا بإناءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ: أَيْ يُرْوِيهِمْ وَيُثْقِلُهُمْ حَتَّى يَنَامُوا وَيَمْتَدُّوا عَلَى الْأَرْضِ. مِن رَبَضَ فِي الْمَكَانِ يَرْبِضُ إِذَا لَصِقَ بِهِ وَأَقَامَ مُلازِماً لَهُ. (نهاية).

    ([21]) ثَجّاً: أَيْ: لَبناً سَائِلًا كَثِيرًا. (نهاية).

    ([22]) عازب: بعيدة المرعى.

    ([23]) حائل: لم تلد.

    ([24]) مستنير الوجه.

    ([25]) لم تَعِبْهُ ثَجْلَةُ: ليس بكبير البطن.

    ([26]) ولم تزريه صعلة: ليس بصغير الرأس.

    [27]) قَسِيمٌ وسِيمٌ: أي: جميل حسن الوجه، والقَسامة: الحُسْن. ورَجلٌ مُقَسَّم الوَجْه:
    أَيْ جميلٌ كلُّه، كَأَنَّ كلَّ مَوْضِعٍ مِنْهُ أخَذَ قِسْماً مِنَ الجَمال. (نهاية).

    ([28]) الدعج: شدَّة سَواد الحدقة، وَسمي اللَّيْل أدعج لسواده. (جمهرة اللغة).

    ([29]) وَفِي أشْفارِه وَطَفٌ: أى فى شفر أَجْفَانه طُولٌ. (نهاية).

    ([30]) وَفِي صَوْته صَهَل أو: صَحَلٌ: هُوَ بِالتَّحْرِيكِ كالبُحَّة، وَأَلَّا يَكُونَ حَادَّ الصَّوْت. (نهاية).

    ([31]) وَفِي عُنُقه سَطَعَ: أَي طول. (غريب الحديث) لابن قتيبة.

    ([32]) كَثُّ اللِّحْيَة: الكثاثَة فِي اللِّحْيَة: أن تكون غير رقيقة وَلَا طَوِيلَةٍ، وَ لكن فِيهَا كَثَافة. (نهاية).

    ([33]) أَزَجُّ: يقال: أزج الحَواجب؛ والزَّجَجُ: تَقَوُّس فِي الْحَاجِبِ مَعَ طُول فِي طَرَفه وامْتدَاد. (نهاية).

    ([34]) أَقْرَن: أَيْ: مَقْرُون الحاجبَيْن، القَرَن- بِالتَّحْرِيكِ- الْتِقاء الحاجِبَين. (نهاية).
    وقد ورد عند الطبراني في ((الكبير)) 22/155، والبيهقي في ((الشعب)) (1362)، عن هند بن أبي هالة: (سَوابغَ فِي غَيْرِ قَرَن)، قال ابن قتيبة (غريب الحديث): ((سوابغ فِي غير قرن: والقرن أَن يطول الحاجبان حَتَّى يلتقي طرفاهما وَهَذَا خلاف مَا وَصفته بِهِ أم معبد لِأَنَّهَا قَالَت فِي وَصفه: أَزجّ أقرن، وَلَا أرَاهُ إِلَّا كَمَا ذكر ابْن أبي هَالة
    وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت الْعَرَب تكره الْقرن وتستحب البلج والبلج أَن يَنْقَطِع الحاجبان فَيكون مَا بَينهمَا نقيا))، وقال ابن الأثير (نهاية): ((وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَت أُمُّ مَعْبَد، فَإِنَّهَا قَالَتْ فِي صِفَته: «أزَجّ أَقْرَن» أَيْ: مَقْرُون الحاجبَيْن، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ فِي صِفته)).

    ([35]) فَصْلٌ لَا نزْرٌ وَلَا هَذَرٌ: النَّزْرُ: الْقَلِيلُ. أَيْ لَيْسَ بقليلٍ فيدُلَّ عَلَى عِيّ، وَلَا كثيرٍ فَاسِدٍ. (نهاية).

    ([36]) رِبْعَةٌ: أي: بين القصير والطويل.

    ([37]) المَحْفُود: الَّذِي: يَخْدِمُه أَصْحَابُهُ ويُعَظِّمُونه ويُسْرِعون فِي طاعَتِه.
    مَحْشُودٌ: أَيْ: أنَّ أَصْحَابَهُ يَخْدِمونه ويَجْتَمِعُون إِلَيْهِ. (نهاية).

    ([38]) العَابِس: الكَرِيهُ المَلْقَى، والمفند: الذي لا فائدة في كلامه. (نهاية).

    ([39]) حسن: الحاكم 3/9، 10، وحسنه الألباني، تخريج «فقه السيرة» (179).

    ([40]) الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل (نهاية).

    ([41]) صحيح: أخرجه البخاري (3911)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، وقيل: هذا الفارس هو سراقة بن مالك فالقصة واحدة. والله أعلم.

    ([42]) أي من حيث الشيب، فالشيب كان قد دخل علىٰ أبي بكر  دون رسول الله ، فكان رسول الله  - وهو الأكبر سنًا- يظهر كأنه شاب.

    ([43]) الحديث السابق.

    ([44]) الأطم: الحصن.

    ([45]) أي عليهم الثياب البيض.

    ([46]) قيل معناه ظهرت حركتهم للعين «فتح الباري».

    ([47]) جدكم: بفتح الجيم أي حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه (فتح).

    ([48]) صحيح: أخرجه البخاري (3906)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    أكمل في الأولى صلاة الحضر

    من بعد ما جَمَّعَ، فاسمع خبري

    عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الحَضَرِ([1]).
    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رحمه الله:
    ((وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - يَعْنِي السَّنَةَ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ - زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ - فِيمَا قِيلَ - رَكْعَتَانِ، وَكَانَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ لِمُضِيِّ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةً مِنْهُ.
    زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْحِجَازِ فِيهِ([2]))).
    وفي هذه السنة – الأولى من الهجرة – صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول جمعة له بالمدينة؛ حيث أدركته الصلاة في بني سالم بن عوف([3]).

    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (350)، ومسلم (685).

    [2])) ((تاريخ الطبري)) (2/ 400).

    [3])) ((سرة ابن هشام)) (1/ 494).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ثم بنى المسجد في قُباءٍ

    ومسجد المدينة الغراء

    تقدم أن المسلمين لقوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة.
    قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ:
    فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِ الحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ - مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ». ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغُلاَمَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
    هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ

    هَذَا أَبَرُّ رَبِّنَا وَأَطْهَرْ

    وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ

    فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَه ْ([1])

    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ:
    اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ

    فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه ْ([2])

    [1])) صحيح البخاري (5/ 60)، عن عروة بن الزبير مرسلًا.

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (428)، ومسلم (524).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ثم بنى مِنْ حوله مساكنهْ

    . . . . . . . . . . . . .

    أَيْ: بَنَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَوْلَ مَسْجِدِهِ مَسَاكَنَ وَحُجُرَاتِ أَزْوَاجِهِ رضي الله عنهن.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ثم أتى مِنْ بَعْدُ في هذي السنهْ
    أقَلُّ مِنْ نصف الذين سافروا

    إلى بلاد الحُبْشِ حين هاجروا

    وَفِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ عَادَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
    قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ رحمه الله:
    ((فَأَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ ، بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فِي أَحْسَنِ جِوَارٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمُهَاجِرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلاثُونَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثَمَانِي نِسْوَةٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا[1]))ا ه.

    [1])) ((عيون الأثر)) (1/ 139).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    وفيه آخى أشرف الأخيار

    بين المهاجرين والأنصار

    وفي السنة الأولى - أيضًا – آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.
    قال ابن القيم رحمه الله:
    ((ثُمَّ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانُوا تِسْعِينَ رَجُلًا نِصْفُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَنِصْفُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، آخَى بَيْنَهُمْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، يَتَوَارَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِلَى حِينِ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)
    الأحزاب: 6 ، رَدَّ التَّوَارُثَ إِلَى الرَّحِمِ دُونَ عَقْدِ الْإِخُوَّةِ([1])))ا ه.
    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: حَالَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَقُرَيْشٍ فِي دَارِي الَّتِي بِالْمَدِينَةِ([2]).
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: «لَا»، فَقَالَوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا([3]).
    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ([4]).
    وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ([5]).
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ رحمه الله:
    وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخَوَيْنِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، أَخَوَيْنِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَخَوَيْنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَخَوَيْنِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخَوَيْنِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخَوَيْنِ، وَسَعْيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَخَوَيْنِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخَوَيْنِ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، أَخَوَيْنِ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَخَوَيْنِ، وَيُقَالُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، أَخَوَيْنِ،
    وَأَبُو ذَرٍّ جُنْدَبُ بْنُ جُنَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، أَخَوَيْنِ، وَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، أَخَوَيْنِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، عُوَيْمِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخَوَيْنِ، وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو رُوَيْحَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَثْعَمِيُّ، أَخَوَيْنِ.
    فَهَؤُلَاءِ مَنْ سُمِّيَ لَنَا، مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ([6])))ا ه.
    عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي، أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْيَمْ([7])»، قَالَ: تَزَوَّجْتُ، قَالَ: «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟». قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، - أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ([8]).
    فَهَذَا مَوْقِفٌ عَظِيمٌ مِنَ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، يُبَيِّنُ حَجْمَ الْعِلَاقَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَنصَارِ، وَإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَيْهِمْ، وَإِلَى أَيِّ مَدَى بَلَغَتْ دَرَجَةُ الْمَحَبَّةِ وَالتَّآخِي بَيْنَهُمْ.
    وَقَدْ وَصَفَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تِلْكَ الْمَحَبَّةِ، وَذَلِكَ الْإِيثَارَ، فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر: 9.

    [1])) ((زاد المعاد)) (3/ 56، 57).

    [2])) صحيح: أخرجه البخاري (7340).

    [3])) صحيح: أخرجه البخاري (2325).

    [4])) صحيح: أخرجه مسلم (2528).

    [5])) صحيح: أخرجه الحاكم (5372)، وقال: ((صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاه))، ووافقه الذهبي، والطبراني في ((الكبير)) (12816)، و((الأوسط)) (5223).

    [6])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 505- 507)، مختصرًا

    [7])) أي: ما حالك وشأنك.

    [8])) صحيح: أخرجه البخاري (3780).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ثم بنى بابنة خير صحبه

    . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    قال ابن جرير الطبري رحمه الله:
    ((وَفِيهَا – أي في السنة الأولى - بَنَى رَسُولُ الله صلى اله عليه وسلم بِعَائِشَةَ بَعْدَ مَقْدِمِهِ الْمَدِينَةَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ([1]))). ا ه
    عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَنَزِلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ، وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ؛ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ، فَقُلْنَ عَلَى الخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ([2]).

    [1])) ((تاريخ الطبري)) (2/ 398).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (3894)، ومسلم (1422).
    وقولها: (فوعكت)؛ أي: أصابني الوعك وهو الحمى. (فتمرق) تقطع، وفي رواية: فتمزق: أي؛ انتتف، (فوفى)؛ كثر، (جميمة)؛ مصغر الجمة؛ وهي: ما سقط على المنكبين من شعر الرأس.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    وشرع الأذان، فاقتدي به

    وَفِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ شُرِعَ الْأَذَانُ([1]).
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ؛ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ، قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ»([2]).

    [1])) ((السيرة النبوية)) لابن كثير (2/ 334).

    [2])) أخرجه أبو داود (499)، والترمذي (189)، وفال: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ))، وابن ماجه (706)، وأحمد (16477، 16478)، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود) (2/ 407): ((قلت: إسناده حسن صحيح، وقال النووي: "إسناده صحيح" وقال البخاري وابن خزيمة: "حديث صحيح"، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال محمد بن يحيى الذهليُ: "ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان أصح من هذا")) ا ه.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    وغزوة الأبواء بعد في سفر

    . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    وفي شهر صفر من العام الثاني من هجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الأبواء؛ وهي أول غزوة يغزوها بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم.
    قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رحمه الله:
    ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ.
    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ وَدَّانَ([1])، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ([2])، يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَبَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَوَادَعَتْهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي وَادَعَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ؛ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ.
    ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ صَفَرٍ، وَصَدْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ([3]).

    [1])) وَدَّانُ: بالفتح؛ كأنه فَعْلَان مِنَ الْوُدِّ، وهو المحبة: ثلاثة مواضع: أحدها بين مكة والمدينة، قرية جامعة مِنْ نواحي الْفُرُعِ، بينها وبين الأبواء نحو مِنْ ثمانية أميال قريبة مِنَ الْجُحْفَةِ، وهي لضمرة وغفار وكنانة. ((معجم البلدان)) لياقوت (5/ 365).
    وقال في ((معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية)) (333):
    ((وَدَّانُ: كَأَنَّهُ مُثَنَّى وَدٍّ، قُلْت: انْدَثَرَتْ وَدَّانُ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ أَنَّهَا (مَسْتُورَةٌ) الْيَوْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَوْضِعُ وَدَّانَ شَرْقَ مَسْتُورَةَ إلَى الْجَنُوبِ، فِي نَعْفِ حَرَّةِ الْأَبْوَاءِ إذَا أَكْنَعْت فِي مَكَانٍ يَلْتَقِي فِيهِ سَيْلُ تَلْعَةِ حَمَامَةَ بِوَادِي الْأَبْوَاءِ، وَذَلِكَ النَّعْفُ يُسَمَّى (الْعُصْعُصَ) وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْتُورَةِ قَرِيبًا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ كَيْلًا، وَأَهْلُهَا - الْيَوْمَ - بَنُو مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو مِنْ حَرْبٍ)).

    [2])) الأبْوَاءُ: بالفتح ثم السكون، وواو وألف ممدودة، والأبواء قرية مِنْ أعمال الْفُرُعِ مِنَ المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، وقيل: الأبواء؛ جبل على يمين آرة، ويمين الطريق للمصعد إلى مكة مِنَ المدينة. ((معجم البلدان)) (1/ 79).

    [3])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 590، 591).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    هذا؛ وفي الثانية الغزو اشتهر

    أي: في السنة الثانية من الهجرة كثرت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بعدما وادع اليهود في المدينة، واستقرت له الأمور.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    إلى بُوَاطٍ ثم بدر . . . . .

    . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    وفي ربيع الأول من السنة الثانية كانت غزوة بُوَاطَ([1]).
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
    ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يُرِيدُ قُرَيْشًا.
    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى بَلَغَ بُوَاطَ، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى([2])، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا([3]).
    وفي ربيع الأول - أيضًا – من هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر الأولى.
    قَالَ ابْنُ سَعْدٍ:
    ((ثُمَّ غزوة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطلب كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْريِّ فِي شهر ربيع الأول عَلَى رأس ثلاثة عشر شهرًا من مهاجره، وَحَمَلَ لواءه عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب, وكان لواءً أبيض, واستخلف عَلَى المدينة زيد بْنَ حارثة, وكان كرز بْن جَابِر قد أغار عَلَى سرح المدينة فاستاقه, وكان يرعى بِالْجَمَّاءِ – والسرح: ما رعوا مِن نَعَمِهِمْ, والْجَمَّاءُ: جبل ناحية العقيق إلى الجُرُفِ, بينه وبين المدينة ثلاثة أميال, فطلبه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, حَتَّى بلغ واديًا يقال لَهُ: سَفَوانُ([4]) مِن ناحية بدر, وفاته كُرْزُ بْنُ جَابِر, فلم يلحقه, فرجع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة([5])))ا ه.

    [1])) بُوَاطُ: بضمِّ أوله، وقيل: بفتحه، والأول أشهر؛ وهِيَ مِنْ الْجُحْفَةِ قَرِيبٌ. انظر: ((معجم البلدان)) (1/ 503)، و((مغازي الواقدي)) (1/ 2).

    [2])) رَضْوَى: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ؛ جَبَلٌ مَشْهُورٌ عَظِيم بينبع. ((فتح الباري)) (7/ 280).

    [3])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 598).

    [4])) سفوان: واد بناحية بدر. وجاء في ((معجم البلدان)) (3/ 225): سَفَوَان: بفتح أوَّله وثانيه، وآخره نون، كأنَّه فعلان من سفت الريح التراب, وأصله الياء إلَّا أنَّهم هكذا تكلَّموا به. وجاء في ((معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية)) (158): سَفْوَانُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، عَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.

    [5])) ((الطبقات الكبرى)) (2/ 6).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . ووجب

    تحول القبلة في نصف رجب

    وفي شهر رجب من العام الثاني – أيضًا – جاء الأمر الإلهي بتحويل القبلة مِنْ بيت المقدس إلى البيت الحرام.
    عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى، أَوْ صَلَّاهَا، صَلاَةَ العَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ, فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) البقرة: ١٤٣.([1])
    عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْآنًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ, فَاسْتَقْبِلُوه َا، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الكَعْبَةِ([2]).


    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (4486)، ومسلم (525).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (4488)، ومسلم (526).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    من بعد ذي العشير يا إخواني

    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    أَيْ: كانت غزوة بدر الأولى بعد غزوة ذي الْعُشَيْرَةِ؛ حيث كانت غزوة الْعُشَيْرَةِ قبل بدر الأولى بأيام قَلَائِلَ لَا تَبْلُغُ الْعَشْرَ([1]).
    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
    ثُمَّ غَزَا قُرَيْشًا، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ.
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
    فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الْعُشَيْرَةَ([2]) مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ([3]), فَأَقَامَ بِهَا جُمَادَى الْأُولَى وَلَيَالِيَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة، وادع فِيهَا بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا([4]).

    [1])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 601).

    [2])) الْعُشَيْرَةُ: بلفظ تصغير عشرة، يضاف إليه «ذو» ، فيقال: «ذو العشيرة» وذو العشيرة: كانت قرية عامرة بأسفل ينبع النخل، ثم صارت محطة للحاج المصري هناك، وهي أول قرى ينبع النخل مما يلي الساحل، وبها مسجد يقولون إنه مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
    وقد اندرس هذا الموضع، ويقع بقرب «عين البركة» التي لا تزال معروفة، وكانت إحدى عيون هذا الموضع. ((المعالم الأثيرة في السنة والسيرة)) (192).

    [3])) جاء في (( معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية)) (340، 341): ((يَنْبُعُ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وَنُونٌ وَمُوَحَّدَةٌ، وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ:
    قُلْت: إذَا ذُكِرَ هَذَا الِاسْمُ فِي السِّيرَةِ أَوْ أَيِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِي نَ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا عَلَى وَادِي يَنْبُعَ النَّخْلِ، وَهُوَ وَادٍ فَحْلٌ كَثِيرُ الْعُيُونِ وَالْقُرَى وَالنَّخِيلِ، الَّتِي أُخِذَ اسْمُهُ مِنْهَا، يَتَعَلَّقُ رَأْسُهُ عِنْدَ بُوَاطَ عَلَى قُرَابَةِ (70) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ غَرْبًا، ثُمَّ يَنْحَدِرُ بَيْنَ سِلْسِلَتَيْنِ مِنْ الْجِبَالِ عَظِيمَتَيْنِ، فَتَكْثُرُ رَوَافِدُهُ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ سِرُّ وَفْرَةِ مِيَاهِهِ وَتَفَجُّرِ عُيُونِهِ، وَالسِّلْسِلَتَ انِ هُمَا: جَبَلُ الْأَشْعَرِ فِي الْجَنُوبِ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ «الْفِقْرَةَ» تَسِيلُ مِنْهُ أَوْدِيَةٌ عِظَامٌ فِي يَنْبُعَ، مِنْ أَهَمِّهَا «نَخَلَى» وَعَبَاثِرُ، وَجِبَالُ رَضْوَى مِنْ الشَّمَالِ، وَمِنْهَا أَوْدِيَةٌ أَيْضًا مِنْ أَهَمِّهَا: ضَأْسٌ وَغَيْرُهُ))ا ه.

    [4])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 599)، مختصرًا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    وفرض شهر الصوم في شعبان


    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رحمه الله
    وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ – الثَّانِيَةِ - فُرِضَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ, وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ فُرِضَ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا([1]).


    [1])) ((تاريخ الطبري)) (2/ 417).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    والغزوة الكبرى التي ببدر

    في الصوم في سابع عشر الشهر

    وفي السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت غزوة بدر الكبرى.
    وإليك تفاصيل هذه الغزوة:
    سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش، وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص([1]). فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إليهم، وقال هذه عيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفِّلكموها، فانتدب الناس، فخفَّ بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقىٰ حربًا. وكان أبو سفيان – حين دنا من الحجاز- يتحسس الأخبار، ويسأل من لقىٰ من الركبان، تخوفًا علىٰ أمر الناس، حتىٰ أصاب خبرًا من بعض الناس أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاري فبعثه إلىٰ مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلىٰ أموالهم، ويُخبرهم أن محمدًا قد عرض لنا في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلىٰ مكة([2]). وقد رأت عاتكة بنت عبد الملطب، قبل قدوم ضمضم بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلىٰ أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني وتخوفتُ أن يدخل عل قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قال: رأيت راكبًا أقبل علىٰ بعير له، حتىٰ وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلىٰ صوته: ألا انفروا يا آل غُدَر([3]) لمصارعكم في ثلاث، فأرىٰ الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مَثَلَ به([4]) بعيرُه علىٰ ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مَثَلَ به بعيرُه علىٰ رأس أبي قُبيس([5])، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتىٰ إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت([6]) فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دارٌ إلا دخلتها منها فِلقة قال العباس: والله إن هذه لرؤيا! وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة – وكان له صديقًا- فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتىٰ حدثت به قريش في أنديتها. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغْتَ من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغتُ أقبلت حتىٰ جلستُ معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متىٰ حَدَثَتْ فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتىٰ يتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًا ما تقول فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس فوالله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدتُ ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا. قال: ثم تفرقنا، فلما أمسيتُ لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غَيرة لشيء مما سمعت! قال: قلت: قد والله فعلتُ، ما كان مني إليه كبير، وأيم الله لأتعرضنَّ له فإن عاد لأكفينَّكُنَّه. قال: فغدوتُ في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرىٰ أني قد فاتني منه أمر أُحبُّ أن أدركه منه قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فاقعُ به، وكان رجلاً خفيفًا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتدُّ، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله أَكُلُّ هذا فَرَقٌ مني أن أُشاتمه؟! قال: وإذا هو قد سمع مالم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا علىٰ بعيره، قد جدَّع بعيره([7]) وحوَّل رَحْله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة([8]) أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرىٰ أن تُدركوها الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعًا، قالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟! كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث رجلاً، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان قد لأط([9]) له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها، علىٰ أن يُجزئ عنه([10]). وكان أمية بن خلف أيضًا أراد أنْ يتخلف عن الخروج، وله في ذلك قصة يحكيها سَعْدُ بن مُعَاذٍ رضي الله عنه حيث كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بن خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَىٰ سَعْدٍ بن معاذ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَىٰ أُمَيَّةَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلَىٰ أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ فَقَالَ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أبو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: سَعْدٌ، فَقَالَ لَهُ أبو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمْ الصُّبَاةَ وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُم ْ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أبي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَىٰ أَهْلِكَ سَالِمًا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ طَرِيقَكَ عَلَىٰ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَىٰ أبي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ»، قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَىٰ أَهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أبو جَهْلٍ النَّاسَ، قَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ فَأَتَاهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ إِنَّكَ مَتَىٰ مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أبو جَهْلٍ حَتَّىٰ قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: لَا، مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّىٰ قَتَلَهُ الله تعالى بِبَدْرٍ([11]). فتأهبت قريش للخروج بجيش قوامه نحو ألف مقاتل بما معهم من جمال وخيول وعتاد وعُدة، للدفاع عن عيرها وأموالها، كما أخذوا معهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم، وكانت العربُ تفعل ذلك لتحفيز جنودها علىٰ القتال، فإن الرجل إذا ما خارت قوته ووهنت عزيمته وأراد أن يفر من ساحة المعركة تذكر ما خلفه من نساء وأبناء وأموال فكان ذلك حافزًا له علىٰ القتال بقوة وبأس وعدم الفرار من أرض المعركة. وفي المقابل تأهب جيش المسلمين للخروج سريعًا للحاق بقافلة أبي سفيان فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل بُسَيْسَةَ عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أبي سُفْيَانَ([12])،فلما جاء بُسيسة إلىٰ النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأن القافلة قد قربت حرص النبي صلى الله عليه وسلم علىٰ الخروج بسرعة حتىٰ لا تفوته القافلة، حتىٰ إنه من شدة حرصه صلى الله عليه وسلم علىٰ ذلك لم ينتظر من كانت ظُهْرَانِهِمْ([13])في عوالي المدينة فجعلوا يستأذنونه أن يُحضِروا ظُهرانهم فَقَالَ: «لَا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»([14]). فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في جيش تعداده بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ مقاتل([15]) منهم من الْأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، ومن المهاجرين نَيِّفًا وسِتِّينَ([16]) ليس معهم إلا فرسٌ واحدٌ للمقداد بن عمرو([17]) وسبعون بعيرًا([18]) يعتقب كُلُّ ثَلَاثَةٍ بعيرًا([19]) فكَانَ النبي صلى الله عليه وسلم وَعَلِيُّ وأبو لُبَابَةَ يعتقبون بعيرًا فلما كَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم([20]) قَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ يا رسول الله، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَىٰ مِنِّي وَلَا أَنَا بِأَغْنَىٰ عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا»([21]).

    ([1]) «سيرة ابن هشام» 2/134.
    ([2]) صحيح: «سيرة ابن هشام» عن ابن إسحاق 2/134، 135، بسنده إلىٰ ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي (226).
    ([3]) غُدَرُ: من غادر، ويستعمل هذا في النداء بالشتم.
    ([4]) مثل به: أي قام به ماثلاً.
    ([5]) جبل بمكة.
    ([6]) ارفضَّت: أي تفتت.
    ([7]) جدَّع بعيره: قطع أنفه.
    ([8]) اللطيمة: الإبل تحمل الطيب.
    ([9]) لأط: أي اقتضاه.
    ([10]) «سيرة ابن هشام» 2/135، 136، رواه ابن إسحاق بإسنادين أحدهما عن ابن عباس، ولكن فيه مبهم حيث قال ابن إسحاق: فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس به.والثاني بإسناد صحيح إلىٰ عروة بن الزبير ولكنه مرسل، ويمكن أن يعتضدا ببعضهما.
    ([11]) صحيح: أخرجه البخاري (3950) كتاب: المغازي، باب: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر.
    ([12]) صحيح: أخرجه مسلم (1901)، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
    ([13]) الظهر: الدوابُّ التي تُركب.
    ([14]) صحيح: أخرجه مسلم (1901)، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
    ([15]) هناك حديثان صحيحان في عدد جيش المسلمين والمشركين: أما الأول: ففي صحيح البخاري (3956، 3959).وأما الثاني: ففي مسند أحمد (948) بإسناد صححه الشيخ الألباني في تحقيق فقه السيرة، وكذلك صححه الشيخ أحمد شاكر.
    ([16]) صحيح: أخرجه البخاري (3956) كتاب: المغازي، باب: عدة أصحاب بدر، عن البراء بن عازب.
    ([17]) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (1023)، وابن خزيمة (899)، وابن حبان (2257)، والطيالسي (116). وجاءت روايات أخرىٰ ضعيفة بأنهما كانا فرسين أحدهما للزبير والثاني للمقداد، وهو ضعيف.
    ([18]) «سيرة ابن هشام» 2/138.
    ([19]) يعتقبون البعير: أي يتبادلون الركوب عليه.
    ([20]) أي: نوبته في المشي.
    ([21]) صحيح: أخرجه أحمد (3901)، الحاكم 3/20 وقال: صحيح علىٰ شرط مسلم، وقال الألباني في تخريج فقه السيرة: سنده حسن، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    وفي أثناء السير ولما بلغ الجيش الروحاء – وهي علىٰ أربعين ميلاً من المدينة- ردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا لبابة أميرًا علىٰ المدينة وكان قد ترك ابن أم مكتوم ليصلي بالناس([1]). أما أبو سفيان فقد تمكن في خِضَمِّ ذلك أن يفر بقافلته فأخذ بها طريق الساحل – وهو غير طريقهم المعتاد- وأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بفرار القافلة، وبأن قريشًا خرجت بجيش كبير لمحاربة المسلمين. فحينها استشار النبي صلى الله عليه وسلمأصحابه في الأمر فبعضهم كره القتال، وفي ذلك، يقول الله تعالىٰ: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}[الأنفال: 5، 6] والحق الذي تبين هو أن الله تعالىٰ قد وعدهم إحدىٰ الطائفتين إما أخذ القافلة وغنيمتها، وإما القتال، فلما فرت القافلة كان الحق الذي تبين هو القتال فكره بعض المسلمين ذلك يقول تعالىٰ:{وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم([2])ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}[الأنفال: 7، 8]. وكان هؤلاء يرون أن القتال لا فائدة منه لأن القافلة نجت فلا غنيمة تُفيد المسلمين، ولأن المسلمين غير مستعدين للحرب كما استعدت قريش، ولكن الله تعالىٰ قد بين الحكمة من القتال في الآيتين السابقتين من سورة الأنفال. فلما عرض النبيصلى الله عليه وسلم الأمر قام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسىٰ:{اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}[المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلىٰ بَرْك الغِماد([3]) لجالدنا معك من دونه حتىٰ تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له به. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليّ أيها الناس» وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس([4]) وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذلك حتىٰ تصل إلىٰ ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترىٰ عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلىٰ عدو من بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: «أجل» قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك علىٰ ذلك عهودنا ومواثيقنا، علىٰ السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقىٰ بنا عدونا غدا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعلَّ الله يريك منا ما تقرُّ به عينك، فَسِرْ بنا علىٰ بركة الله، فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإن الله تعالىٰ قد وعدني إحدىٰ الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلىٰ مصارع القوم»([5]). وكان لواء المسلمين في هذه المعركة مع مصعب بن عمير وكان أبيض وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها: العُقاب، والأخرىٰ مع بعض الأنصار([6]). فسار النبي صلى الله عليه وسلم مستعينًا بالله تعالى علىٰ هؤلاء المجرمين الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورءاء الناس ليصدوا عن سبيل الله. وفي الطريق وتحديدًا وهم بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ([7]) أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، ثُمَّ مَضَىٰ حَتَّىٰ إِذَا كان بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم: كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، ثُمَّ رَجَعَ الرجل مرة أخرىٰ وهم بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قَالَ الرجل: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «فَانْطَلِقْ»([8]).

    ([1]) «سيرة ابن هشام» 2/138، والحاكم في «المستدرك» 3/632 وسكت عنه الذهبي.
    ([2]) الشوكة: القتال، وغير ذات الشوكة: هي الغنيمة التي لا قتال فيها.
    ([3]) موضع بناحية اليمن.
    ([4]) أي: أكثر الناس، فهم أكثر من المهاجرين.
    ([5]) رواه ابن هشام في «السيرة» بهذا السياق عن ابن إسحاق بدون إسناد، وله شواهد أخرىٰ كثيرة تقويه، انظر: «صحيح البخاري» (3952)، مسلم (1779)، أحمد (3698، 4070، 4376، 11961)، والنسائي في «الكبرىٰ» (11140).
    ([6]) «سيرة ابن هشام» 2/138.
    ([7]) حَرَّةُ الوَبَرَة: موضع علىٰ نحوٍ من أربعة أميال من المدينة.
    ([8]) صحيح: أخرجه مسلم (1817) كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة الاستعانة في الغزو بكافر.

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    وفي الطريق أيضًا ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب وابن عمر رضي الله عنهما لصغرهما([1]). وعلىٰ الجانب الآخر فإن كفار قريش كادوا أن يرجعوا بلا قتال حيث تذكروا الذي كان بينهم وبين بني بكر من خصومة وخافوا أن يأتوهم من خلفهم فيُعينون عليهم جيش المسلمين، وبينما هم علىٰ ذلك إذ جاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك – وكان من أشراف بني كنانة- فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا([2]). وفي ذلك يقول الله تعالىٰ:{وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب}[الأنفال: 48]. حيث فر الشيطان من ساحة المعركة عندما رأىٰ الملائكة تتنزل لنصرة المؤمنين كما سيأتي. إن شاء الله.وأيضًا أشار عتبة بن ربيعة عليهم بالرجوع لئلا تَكْثر التِراتُ بين الطرفين وبينهم أرحام وقرابات، ولكن أصر أبو جهل علىٰ القتال وغلب رأيه أخيرًا([3]). ثم وصل الفريقان إلىٰ بدر التي تبعد عن المدينة بنحو (160) كيلو مترًا، وكان جيش المسلمين أسبق إلىٰ هناك فلما أمسىٰ القوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه إلىٰ ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية([4]) لقريش فيها أسلم، غلام بني الحجاج، وعَريض أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أذلقوهما([5]) قالا نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم، وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش؟» قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترىٰ بالعُدوة القصوىٰ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم القوم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم فيما بين التسعمائة والألف»، ثم قال لهما: «فمَن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عديِّ بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونُبيه، ومنبِّه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودٍّ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها»([6])، ثم قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ» – وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَىٰ الْأَرْضِ هَاهُنَا هَاهُنَا- فَمَا مَاطَ([7]) أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم([8])، فبات المسلمون تلك الليلة بالعدوة الدنيا – أي القريبة من المدينة، وبات المشركون بالعدوة القصوىٰ- أي البعيدة عن المدينة من ناحية مكة، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الموقف في قوله تعالىٰ:{إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب}؛ أي العير الذي فيه أبو سفيان{أسفل منكم}أي مما يلي ساحل البحر{ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم}[الأنفال: 42] ليصير الأمر ظاهرًا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقىٰ لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك أي: يستمر في الكفر من استمر فيه علىٰ بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه ويحيىٰ من حيَّ أي: يؤمن من آمن عن بينة أي: عن حجة وبصيرة،{وإن الله لسميع عليم}[الأنفال: 42] أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به عليم بكم وأنكم تستحقون النصر علىٰ أعدائكم الكفرة المعاندين([9]).

    ([1]) صحيح: أخرجه البخاري (3956) كتاب: المغازي، باب: عدة أصحاب بدر.
    ([2]) «سيرة ابن هشام» 2/138 بإسناد مرسل عن عروة بن الزبير، وتشهد له الآية.
    ([3]) «تاريخ الطبري» 2/425، بسند حسن. نقلاً من «السيرة النبوية الصحيحة» 2/359.
    ([4]) أي سُقاة للقوم يجلبون لهم الماء ليرتووا.
    ([5]) أي بالغوا في ضربهما.
    ([6]) «سيرة ابن هشام» 2/141، بسند صحيح صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث عن يزيد بن رومان عن عروة ابن الزبير، ولكنه مرسل، وروىٰ نحوه أحمد (948) من حديث علي بن أبي طالب بسند صححه الشيخان: أحمد شاكر، والألباني في تخريج «فقه السيرة» (229)، ورواه مسلم مختصرًا (1779)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة بدر.
    ([7]) ماط: أي بَعُد.
    ([8]) صحيح: أخرجه مسلم (1779)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة بدر.
    ([9]) «مختصر تفسير ابن كثير» للشيخ أحمد شاكر 2/114.

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    وكان الوادي الذي نزل به المسلمون لينًا سهلاً لا تثبت فيه أقدام الخيول، والوادي الذي نزل به المشركون صلبًا تتحرك فيه الخيل بسهولة، فأنعم الله تعالىٰ علىٰ المسلمين بأن أرسل عليهم من السماء ماءً ليثبت به أقدامهم، وفي ذلك يقول الله تعالىٰ:{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} تطهير الظاهر من الحدث الأصغر أو الأكبر،{ويذهب عنكم رجز الشيطان} من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن{وليربط على قلوبكم} بالصبر والإقدام علىٰ مجالدة الأعداء،{ويثبت به الأقدام}[الأنفال: 11]، حيث تصلبت الأرض وتوطأت، فثبتت به أقدام المسلمين في مواجهة عدوهم([1]). ثم أنزل الله تعالىٰ علىٰ المؤمنين النعاس أمانًا لهم، وراحة من عناء السفر، حتىٰ إذا ما بدأت المعركة كانوا في ذروة النشاط والاستعداد. أمَّا النبيصلى الله عليه وسلم فلم ينم، بل ظلَّ في عريشه الذي بناه له الصحابة بمشورة سعد بن معاذ، حيث قال: يا نبي الله، ألا نبنىٰ لك عريشاً تكون فيه ونعُدُّ عندك ركائبك؟ ثم نلقىٰ عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا علىٰ عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرىٰ، جلست علىٰ ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلَّف عنك أقوام، يا نبي الله، ما نحن بأشدِّ لك حبَّاً منهم، ولو ظنُّوا أنك تلقىٰ حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ينصحونك ويجاهدون معك، فأثنىٰ عليه الرسولصلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش، فكان فيه([2]). فظلَّ النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العريش يدعو ربه، ويستغيث به، ويستنصره. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي قُبَّةٍ له: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعبد بَعْدَ الْيَوْمِ» فَأَخَذَ أبو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَىٰ رَبِّكَ، وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:{سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}[القمر: 45، 46]([3]). وعن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ الله إِلَىٰ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ رسول اللهصلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعبد فِي الْأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّىٰ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أبو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَىٰ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى:{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}[الأنفال: 9]([4]). وظلَّ النبي صلى الله عليه وسلم علىٰ تلك الحالة ليلة السابع عشر من شهر رمضان حتىٰ أصبح. عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ، إِلَّا رَسُولَ الله تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّىٰ أَصْبَحَ([5])، وعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أيضًا قَالَ: أَصَابَنَا مِنْ اللَّيْلِ حشٌّ([6]) مِنْ مَطَرٍ، فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ وَالْحَجَفِ([7]) نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنْ الْمَطَرِ، وَبَاتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُو رَبَّهُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْفِئَةَ لَا تُعْبَدْ»، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَىٰ: الصَّلَاةَ عِبَادَ الله فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرِ وَالْحَجَفِ، فَصَلَّىٰ بنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَحَرَّضَ عَلَىٰ الْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ تَحْتَ هَذِهِ الضِّلَعِ الْحَمْرَاءِ مِنْ الْجَبَلِ»، فَلَمَّا دَنَا الْقَوْمُ مِنَّا وَصَافَفْنَاهُم ْ إِذَا رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَىٰ جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ يَسِيرُ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ الله اللهصلى الله عليه وسلم: «يَا عَلِيُّ نَادِ لِي حَمْزَةَ» – وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ- وَمَاذَا يَقُولُ لَهُمْ؟ فَجَاءَ حَمْزَةُ فَقَالَ: هُوَ عُتْبَةُ بن رَبِيعَةَ، وَهُوَ يَنْهَىٰ عَنْ الْقِتَالِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: يَا قَوْمُ إِنِّي أَرَىٰ قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ، لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَفِيكُمْ خَيْرٌ، يَا قَوْمُ اعْصِبُوهَا الْيَوْمَ بِرَأْسِي وَقُولُوا: جَبُنَ عُتْبَةُ بن رَبِيعَةَ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَسْتُ بِأَجْبَنِكُمْ، فَسَمِعَ ذَلِكَ أبو جَهْلٍ فَقَالَ: أَنْتَ تَقُولُ هَذَا، وَاللَّهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا لَأَعْضَضْتُهُ قَدْ مَلَأَتْ رِئَتُكَ جَوْفَكَ رُعْبًا، فَقَالَ عُتْبَةُ: إِيَّايَ تُعَيِّرُ يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ([8])؟ سَتَعْلَمُ الْيَوْمَ أَيُّنَا الْجَبَانُ، قَالَ: فَبَرَزَ عُتْبَةُ وَأَخُوهُ شَيْبَةُ وَابْنُهُ الْوَلِيدُ حَمِيَّةً، فَقَالُوا: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَخَرَجَ فِتْيَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ سِتَّةٌ، فَقَالَ عُتْبَةُ: لَا نُرِيدُ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ يُبَارِزُنَا مِنْ بني عَمِّنَا مِنْ بني عبد الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ الله الله صلى الله عليه وسلم: «قُمْ يَا عَلِيُّ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ، وَقُمْ يَا عُبَيْدَةُ بن الْحَارِثِ بن عبد الْمُطَّلِبِ» فَقَتَلَ الله تَعَالَىٰ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بن عُتْبَةَ، وَجُرِحَ عُبَيْدَةُ ([9]). حيث أَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَىٰ عُتْبَةَ، وَأَقْبَل عليٌّ إِلَىٰ شَيْبَة، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ([10]) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِال عَلَىٰ وحمزة علىٰ الْوَلِيدِ فَقَتَلَاه، وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ([11]). وفيهم نزلت:{هذان خصمان اختصموا في ربهم}[الحج: 19]([12]) فمات عبيدة رضي الله عنه بالصفراء([13]) منصرفه من بدر فدُفن هنالك([14]). وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع الجيش من التقدم أو الالتحام مع المشركين إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو المتقدم أولًا، فَقَالَ لهم: «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»([15]). ونصح النبي صلى الله عليه وسلم جنده وأمرهم، فقَالَ لهم: «إِذَا أَكْثَبُوكُمْ([16]) فَارْمُوهُمْ، وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ»([17])، أي: ابقوا علىٰ نبلكم ولا تستعملوه حتىٰ يقتربوا منكم، حفاظًا علىٰ السهام وحتىٰ لا تنفذ من غير فائدة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يضربوا إلا مِنْ قريب، حتىٰ تصيب القوم، فلما أقبل المشركون ودنوا من جيش المسلمين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ترابًا من الأرض ثم رماه في وجوه المشركين فما وقع منها شيء إلا في عين رجل منهم([18]). وفي ذلك يقول الله تعالىٰ:{فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[الأنفال: 17]. ثم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجوم، فَقَالَ لهم:«قُومُوا إِلَىٰ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ»، فقَالَ عُمَيْرُ بن الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ الله جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟! قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: بَخٍ، بَخٍ([19]). فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَىٰ قَوْلِكَ بَخٍ، بَخٍ؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ الله إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ – عمير بن الحمام- تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ([20]) فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّىٰ آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَىٰ بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّىٰ قُتِلَ([21]). والْتحم الجيشان التحامًا شديدًا، وحمىٰ الوطيس، وظهرت بطولات الصحابة رضي الله عنهم، يتقدمهم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أشجع الشجعان، حتىٰ إنَّ عليًا رضي الله عنهيقول: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَىٰ الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا([22]).

    ([1]) «مختصر تفسير ابن كثير» 2/94، 95 بتصرف.
    ([2]) «سيرة ابن هشام» 2/144 عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبىٰ بكر أنه حدث: أن سعد بن معاذ قال، ثم ذكره، وله شاهد في «صحيح البخاري» عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبَّة، وهو الحديث الآتي.
    ([3]) صحيح: أخرجه البخاري (2915)، كتاب: الجهاد والسير، باب: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب.
    ([4]) صحيح: أخرجه مسلم (1763)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
    ([5]) صحيح: أخرجه أحمد (1023).
    ([6]) حشٌ: أي قليل.
    ([7]) الحجف: أي التروس.
    ([8]) هي كلمة تقال للمتنعم المترف الذي لم تحُكُّه التجارب والشدائد.
    ([9]) صحيح: أخرجه أحمد (948)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، والألباني في «فقه السيرة» (229).
    ([10]) أثخن: أي ضربه، ولكن لم يقتله.
    ([11]) صحيح: أخرجه أبو داود (2665)، كتاب: الجهاد، باب: في المبارزة.
    ([12]) صحيح: أخرجه البخاري (3965).
    ([13]) اسم مكان.
    ([14]) أخرجه الحاكم (4862)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الألباني «فقه السيرة» (233).
    ([15]) صحيح: أخرجه مسلم (1901)، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
    ([16]) أي: اقتربوا منكم.
    ([17]) صحيح: أخرجه البخاري (3984)، كتاب: المغازي، باب: (10).
    ([18]) «تفسير الطبري» 9/217، بأسانيد مرسلة عن قتادة، وعروة، وعكرمة، وتشهد له الآية.
    ([19]) بخ، بخ: فيه لغتان أحدهما: إسكان الخاء، أو كسرها منونًا، وهي: كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير. «شرح مسلم» للنووي 7/44.
    ([20]) قرنه: بقاف وراء مفتوحتين، وهي الجُعبة.
    ([21]) صحيح: أخرجه مسلم (1901)، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
    ([22]) صحيح: أخرجه أحمد 2/228، وصححه الشيخ أحمد شاكر.

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    ونزلت الملائكة في ميدان المعركة بقيادة الأمين جبريل عليه السلام. قال ابن إسحاق: خفق النبي صلى الله عليه وسلم خفقة في العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله فهذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده علىٰ ثناياه النقع»([1]). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ»([2]). وعن ابْن عَبَّاس أيضًا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَىٰ الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»([3]). وأسر رجل من المسلمين الْعَبَّاسَ بن عبد الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أَسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ([4]) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا عَلَىٰ فَرَسٍ أَبْلَقَ مَا أُرَاهُ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : أَنَا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: «اسْكُتْ، فَقَدْ أَيَّدَكَ الله تَعَالَىٰ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»([5]). وفي ذلك يقول الله تعالىٰ:{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}؛أي: متتابعين{وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به}[الأنفال: 9، 10]([6]). مقتلُ عدو الله أبي جهل: عَنْ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَما أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا([7])، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلموَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ([8]) حَتَّىٰ يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ: مِثْلَهَا، قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَىٰ أبي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ([9])، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا ، حَتَّىٰ قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟» فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُ، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، وَقَضَىٰ بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بن عَمْرِو بن الْجَمُوحِ. وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بن عَمْرِو بن الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بن عَفْرَاءَ([10]). وفي لفظ: وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ([11]). الزبير يقتل عُبيدة بن سعيد بن العاص: عن الزُّبَيْر قال: لَقِيتُ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةَ بن سَعِيدِ بن الْعَاصِ وَهُوَ مُدَجَّجٌ([12]) لَا يُرَىٰ مِنْهُ إِلَّا عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُكْنَىٰ أبو ذَاتِ الْكَرِشِ، فَقَالَ: أَنَا أبو ذَاتِ الْكَرِشِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالْعَنَزَةِ([13]) فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنِهِ فَمَاتَ([14]). مقتل عدو الله أمية بن خلف:بعدما قَتَلَ أبطال المسلمين في بداية المعركة ثلاثة من أَلدِّ أعداء الإسلام الذين طالما آذوا المسلمين، وصدوا عن سبيل الله، وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وتمكنوا أيضًا في وسط المعركة من قتل صنديد آخر من صناديد قريش وهو أبو جهل، أعانهم الله في آخر المعركة علىٰ قتل واحدٍ من أَلدِّ أعداء الإسلام في مكة، وأشدها ظلمًا لضعفاء المسلمين، وهو أمية بن خلف. عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فَتَسَمَّيتُ – حين أسلمتُ- عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سمَّاكه أبوك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به، أمَّا أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك مما لا أعرف! قال: فكان إذا دعاني: يا عبد عمرو، لم أجبه، قال: فقلتُ له: يا أبا علي اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: فقلت نعم، قال: فكنت إذا مررتُ به قال: يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه، حتىٰ إذا كان يوم بدر مررتُ به وهو واقف مع ابنه عليِّ بن أمية، آخذ بيده، ومعي أدراع قد استلبتها، فأنا أحملها، فلما رآني قال لي: يا عبد عمرو، فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله فقلتُ: نعم، قال: هل لك فيَّ، فأنا خير لك من هذه الأدرع التي معك؟ قال: قلتُ: نعم، ها الله([15]) إذًا، قال: فطرحتُ الأدراع من يدي، وأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن – أي من أَسَرَني افتديتُ منه بإبل كثيرة اللبن- ثم خرجت أمشي بهما، فقال أمية بن خلف: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعَلَّم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلتُ: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي – وكان هو الذي يعذب بلالاً بمكة علىٰ ترك الإسلام-، فيخرجه إلىٰ رمضاء([16]) مكة إذا حَمِيَتْ، فيضجعه علىٰ ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتُوضع علىٰ صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تُفارق دين محمد، فيقول بلال: أحدٌ أحد قال: فلما رآه قال: رأسُ الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا، قال: قلتُ: أي بلال، أَبِأَسيري؟! قال: لا نجوتُ إن نجا، قال: قلتُ: أتسمع يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوتُ إن نجا، قال: فأحاطوا بنا حتىٰ جعلونا في مثل المَسَكَة([17]) وأنا أذبُّ عنه، قال: فأخلف رجلٌ السيفَ([18])، فضرب رِجْلَ ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعتُ مثلها قط، قال: فقلتُ: انج بنفسك، ولا نجاء بك، فوالله ما أُغْني عنك شيئًا، قال: فهبروهما([19]) بأسيافهم، حتىٰ فرغوا منهما، قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً، ذَهَبتْ أدراعي، وفجعني بأسيري([20]). فانتهت المعركة بهزيمة المشركين هزيمة نكراء، ونصر كبير للمسلمين.

    ([1]) النقع: الغبار.قال الألباني في «فقه السيرة» (234): وفي «المغازي»، وعند ابن هشام 2/68، 69، بدون سند، لكن وصله الأموي من طريق ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، وهذا سند حسن، وسكت عنه ابن كثير 3/284.اهـ.
    ([2]) صحيح: أخرجه البخاري (3995) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا.
    ([3]) صحيح: أخرجه مسلم (1763)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
    ([4]) الأجلح: الذي انحسر شعره عن جانبي رأسه.
    ([5]) صحيح: أخرجه أحمد 2/194، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
    ([6]) وأما عن حكمة اشتراك الملائكة بهذه الطريقة مع أن جبريل وحده قادر علىٰ إهلاكهم بأمر الله، فيوضح السبكي ذلك بقوله: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا علىٰ عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالىٰ في عباده، والله تعالىٰ هو فاعل الجميع. والله أعلم. «فتح الباري» 7/364، في التعليق علىٰ الحديث رقم (3995)
    ([7]) أضلع منهما: أقوىٰ منهما، أي: تمنيت لو كنت بين أقوىٰ منهما.
    ([8]) أي لا يفارق شخصي شخصه.
    ([9]) يزول بين الناس: أي يتحرك بسرعة شديدة بين الناس في ميدان المعركة.
    ([10]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3988)، كتاب: المغازي، باب: (10)، مسلم (1752)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل.
    ([11]) السابق.قلت: ومعاذ بن عمرو بن الجموح أخو معاذ بن عفراء من أمه، ففي الرواية الأولىٰ: نُسب إلىٰ أبيه عمرو بن الجموح، وفي الرواية الثانية: نُسب إلىٰ أمه.وقد ضبط الحافظ ابن حجر في «الإصابة» 3/1877 اسم معاذ بن عمرو بن الجموح فقال: (معوِّذ).
    ([12]) مدججٌ: أي مغطىٰ بالسلاح ولا يظهر منه شيء.
    ([13]) العنزة: الحربة الصغيرة.
    ([14]) صحيح: أخرجه البخاري (3998)، كتاب: المغازي، باب: (12).
    ([15]) مما يستعملونه في القسم أن يحذفوا حرف القسم ويذكروا في مكانه (ها) فكأنه قال: نعم والله إذًا.
    ([16]) الرمضاء: الرمل الشديد الحرارة من الشمس.
    ([17]) المَسَكَةُ: السوار، أو الأسورة.
    ([18]) أي أخرجه من غمده.
    ([19]) هبروهما: أي قطعوا لحمهما.
    ([20]) حسن: أخرجه ابن هشام في «السيرة» 2/150، 151، بأسانيد حسنة إلىٰ عبد الرحمن بن عوف، وأخرجه البخاري (2301)، كتاب: الوكالة، باب: إذا وكَّل المسلم حربيًا في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز. مختصرًا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    عدد القتلىٰ والأسرىٰ من المشركين في المعركة: عن الْبَرَاء بن عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا([1]). بعد انتهاء المعركة: عن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟»، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّىٰ بَرَكَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: آنْتَ أبو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ([2]) أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ، ثم قَالَ أبو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي([3]). ومما حدث أيضًا بعد انتهاء المعركة أَنَّ النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ – وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَىٰ قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ([4]) ثَلَاثَ لَيَالٍ-، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَىٰ وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: مَا نُرَىٰ يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّىٰ قَامَ عَلَىٰ شَفَةِ الرَّكِيِّ([5])فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: «يَا فُلَانُ بن فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بن فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ الله وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا رْوَحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمْ الله حَتَّىٰ أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا([6]). ثم تحرك النبي صلى الله عليه وسلم من بدرٍ راجعًا إلىٰ المدينة، حتىٰ إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله عليُّ بن أبي طالب، ثم خرج حتىٰ إذا كان بعرْق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط([7]). وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أبي الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَىٰ أبي الْعَاصِ قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ:«إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا»، قَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَهُ، أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ([8]). وكان النبي صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من بدر- قد أرسل بشيرين إلىٰ أهل المدينة، بعث زيد بن حارثة إلىٰ أهل السافلة، وبعث عبد الله بن رواحة إلىٰ أهل العالية يبشرونهم بفتح الله علىٰ نبيه صلى الله عليه وسلم، فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة حين سوىٰ التراب علىٰ رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ذاك أبوك حين قدم قال أسامة: فجئتُ وهو واقف للناس يقول: قُتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل ابن هشام ونُبيه ومنبِّه وأمية بن خلف فقلتُ: يا أبت أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بنيَّ([9]). وقسَّم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم علىٰ الصحابة رضوان الله عليهم. عَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فَالْتَقَىٰ النَّاسُ فَهَزَمَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي آثَارِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، فَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَىٰ الْعَسْكَرِ يَحْوُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً، حَتَّىٰ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ وَفَاءَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ، قَالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ: نَحْنُ حَوَيْنَاهَا وَجَمَعْنَاهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا نَصِيبٌ، وَقَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا نَحْنُ أَحْدَقْنَا بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَخِفْنَا أَنْ يُصِيبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً، وَاشْتَغَلْنَا بِهِ، فَنَزَلَتْ:{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول}[الأنفال: 1] فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ فَوَاقٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ([10]). وحدث أيضًا كما يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: جِئْتُ إِلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله قَدْ شَفَىٰ صَدْرِي الْيَوْمَ مِنْ الْعَدُوِّ، فَهَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ، قَالَ: «إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ»، فَذَهَبْتُ وَأَنَا أَقُولُ: يُعْطَاهُ الْيَوْمَ مَنْ لَمْ يُبْلِ بَلَائِي! فَبَيْنَا أَنَا إِذْ جَاءَنِي الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«أَجِبْ»، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ بِكَلَامِي، فَجِئْتُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ سَأَلْتَنِي هَذَا السَّيْفَ، وَلَيْسَ هُوَ لِي وَلَا لَكَ، وَإِنَّ الله قَدْ جَعَلَهُ لِي، فَهُوَ لَكَ» ثُمَّ قَرَأَ{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول}([11]).


    ([1]) صحيح: أخرجه البخاري (3986)، كتاب: المغازي، باب: (10).
    ([2]) أي: لا عار عليَّ في قتلكم إياي «شرح مسلم» للنووي.
    ([3]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3962)، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم (1800)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قتل أبي جهل.قَوْله: (فلَوْ غَيْر أَكَّار قَتَلَنِي؟!!) الْأَكَّار: الزَّرَّاع وَالْفَلَّاح, وَهُوَ عِنْد الْعَرَب نَاقِص, وَأَشَارَ أبو جَهْل إِلَىٰ اِبْنَيْ عَفْرَاء اللَّذَيْنِ قَتَلَاهُ، وَهُمَا مِنْ الْأَنْصَار, وَهُمْ أَصْحَاب زَرْع وَنَخِيل, وَمَعْنَاهُ: لَوْ كَانَ الَّذِي قَتَلَنِي غَيْر أَكَّار لَكَانَ أَحَبّ إِلَيَّ وَأَعْظَم لِشَأْنِي, وَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ نَقْص فِي ذَلِكَ. «شرح مسلم» للنووي 6/339، 340.
    ([4]) العرصة: أي الساحة، أي أقام بساحة المعركة.
    ([5]) أي: البئر.
    ([6]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3976)، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم (2874)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه.
    ([7]) انظر: «سيرة ابن هشام» 2/158، 159.
    ([8]) حسن: أخرجه أبو داود (2692)، كتاب: الجهاد، باب: فداء الأسير بالمال، وحسنه الألباني.
    ([9]) حسن: أخرجه الحاكم (4959)، كتاب: معرفة الصحابة من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله ابن أبي بكر بن حزم، وصالح بن أبي أمامة بن سهيل عن أبيه به.اهـ. وعبد الله (ثقة)، وقال الحاكم: علىٰ شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي 9/183.
    ([10]) صحيح: أخرجه أحمد (22661) بإسناد صحيح.
    ([11]) صحيح: أخرجه مسلم (1748)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال، وأبو داود (2740)، كتاب: الجهاد، باب: في النفل.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •