دعوة لمدارسة منظومة ابن أبي العز في السيرة - الصفحة 2
صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 79

الموضوع: دعوة لمدارسة منظومة ابن أبي العز في السيرة

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ثم مضت عشرون يومًا كاملهْ

    فرمت الجنَّ نجومٌ هائلهْ
    أي: بعد عشرين يومًا([1]) من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعَتِ الجن من استراق السمع، حيث ملئت السماء بالحرس والشهب.
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ([2])، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) الجن: 1 - 2 ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) الجن: 1 ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ([3]).

    [1])) ذكر ذلك ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (1/ 36)، و((تلقيح فهوم أهل الأثر))، (1/ 19).

    [2])) قال ابن حجر رحمه الله ((فتح))(8/ 671، 672): ((سُوقُ عُكَاظٍ: بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُهُ ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ، بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ، قَالَ اللِّحْيَانِيُّ : الصَّرْفُ لِأَهْلِ الْحِجَازِ، وَعَدَمُهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَهُوَ مَوْسِمٌ مَعْرُوفٌ لِلْعَرَبِ، بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاسِمِهِمْ، وَهُوَ نَخْلٌ فِي وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَهُوَ إِلَى الطَّائِفِ أَقْرَبُ، بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَمْيَالٍ، وَهُوَ وَرَاءَ قَرْنِ الْمَنَازِلِ بِمَرْحَلَةٍ مِنْ طَرِيقِ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ، وَقَالَ الْبَكْرِيُّ: أَوَّلُ مَا أُحْدِثَتْ قَبْلَ الْفِيلِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ تَزَلْ سُوقًا إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَخَرَجَ الْخَوَارِجُ الْحَرُورِيَّةِ فَنَهَبُوهَا فَتُرِكَتْ إِلَى الْآنَ، وَكَانُوا يُقِيمُونَ بِهِ جَمِيعَ شَوَّالٍ يَتَبَايَعُونَ، وَيَتَفَاخَرُون َ، وَتُنْشِدُ الشُّعَرَاءُ مَا تَجَدَّدَ لَهُمْ، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ كَقَوْلِ حَسَّانَ:
    سَأَنْشُرُ إِنْ حَيِيتُ لَكُمْ كَلَامًا يُنْشَرُ فِي الْمَجَامِعِ مِنْ عُكَاظٍ)).
    [3])) متفق عليه: أخرجه البخاري (773)، ومسلم (449).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ثم دعا في أربع الأعوام

    بالأمر جهرة إلى الإسلام

    ظل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى سرًّا ثلاث سنوات، حرصًا على سلامة الدعوة.
    قال أبو نُعيم رحمه الله:
    ((وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ شِهَابٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَلَاثَ سِنِينَ لَا يُظْهِرُ الدَّعْوَةَ إِلَّا لِلْمُخْتَصِّين َ بِهِ؛ مِنْهُمْ: خَدِيجَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، وَزَيْدٌ، وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَعْلَنَ الدَّعْوَةَ وَصَدَعَ بِهَا([1])))ا ه.
    وكان نزول آية الشعراء: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء: ٢١٤ ، إيذانًا له صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة المباركة، وانتهاء المرحلة السرية.
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء: ٢١٤ ، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)المسد: ١ - ٢([2]).

    [1])) ((دلائل النبوة)) (1/ 265)، وذكره عن محمد بن إسحاق: ابن هشام في ((سيرته)) (1/ 262)، والبيهقي في ((الدلائل)) (2/ 180)، وقال: ((قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى شَرِيكٌ الْقَاضِي عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَسْدِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي إِطْعَامِهِ إِيَّاهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مختصرًا))

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (4770)، ومسلم (208).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ورابع من النسا، واثنى عشر

    من الرجال الصحب كل قد هجر
    إلى بلاد الحُبْش في خامس عام

    وفيه عادوا، ثم عادوا لا ملام
    ثلاثة هم وثمانون رجل

    ومعهم جماعة حتى كمل
    وهن عشر وثمانٍ . . . . .
    . . . . . .

    فلما جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، وصدع بالحق، تعرض هو وأصحابه رضوان الله عليهم للإيذاء الشديد، والتعذيب من قريش، حتى وصل الأمر إلى القتل، والاعتداء على الأرواح، والأموال.
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالْمِقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ، وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ إِنْسَانٌ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا، إِلَّا بِلَالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ، وَأَخَذُوا يَطُوفُونَ بِهِ شِعَابَ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ أَحَدٌ، أَحَدٌ([1]).
    وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ يُخْرِجُ بِلَاَلًا إِذَا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي رَمْضَاءِ([2]) مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَيَقُولُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ: أَحَدٌ أَحَدٌ([3]).
    وعُذِّب عمار، وأبوه ياسر، وأمه سمية، حتى قُتِلَتْ سُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارٍ، طَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ بِحَرْبَةٍ فِي قُبُلِهَا فماتت([4]).
    وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا([5]) فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لاَ أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لاَ، وَاللَّهِ لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثَكَ، قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ، ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا، ثُمَّ أَقْضِيَكَ فَنَزَلَتْ: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) مريم: ٧٧ ، إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) مريم: ٨٠.([6])
    ولم يسلم النبي صلى الله عليه وسلم من الإيذاء – كما تقدم -؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه؛ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ([7])، فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ - وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ([8]) - فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ، عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ» - وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ - فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ - قَلِيبِ بَدْرٍ - قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ([9]).

    [1])) أخرجه أحمد(2332)، وابن ماجه (150)، والحاكم (5238)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في ((صحيح السيرة)) (121).
    ويرد علىٰ هذا الحديث إشكالان:
    الأول: في قول ابن مسعود: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه.
    وظاهر هذا أن ابن مسعود ينفي تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للإيذاء، وهذا ليس مراد ابن مسعود رضي الله عنه بلا شك، وإلا فقد أوذي النبي صلى الله ليه وسلم كما ثبت ذلك في الأحاديث التي رواها ابن مسعود نفسه، إذًا فمراد ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُحبس ولم يُسجن كبقية المستضعفين وذلك لحماية عمه له. والله أعلم.
    والثاني: قول ابن مسعود: فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم علىٰ ما أرادوا إلا بلالاً.
    فظاهر هذا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد رجعوا عن دين الإسلام إلىٰ الكفر مرة أخرىٰ، وهذا أيضًا ليس مراد ابن مسعود بلا شك، لأن هؤلاء الصحابة الذين ذكرهم لم يرتد منهم أحد بل ظلوا رضوان الله عليهم أعمدة للإسلام وحماة له حتىٰ وفاتهم رضوان الله عليهم، إذًا فمراد ابن مسعود رضي الله عنه أنه ما منهم من أحد إلا وقد أخذ برخصة الله تعالىٰ مع ثبوت الإيمان في قلبه.

    [2])) ((رمضاء)): الرمل الْحار من الشَّمْس.


    [3])) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) (1/ 381)، أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 148).

    [4])) ذكره البيهقي في ((الدلائل)) (2/ 282)، عن مجاهد مرسلًا.

    [5])) ((قينًا)): بفتح القاف وسكون الياء، وأصل القين الحداد، ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، وقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة. ((فتح)).

    [6])) صحيح: أخرجه البخاري ()، وأحمد (21076)، والنسائي في ((الكبرى)).(11260).

    [7])) هو: عقبة بن أبي معيط كما ثبت في بعض الروايات.

    [8])) أي: صغيرة.

    [9])) متفق عليه: أخرجه البخاري (3854)، ومسلم (1794)، وهذا سياق مسلم، والسابع الذي لم يُحفَظْ هو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في بعض الروايات.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ - لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ -: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) العلق: ٦ - ١٣، - يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ - (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلَّا لَا تُطِعْهُ) العلق: ١٤ - ١٩ ، زَادَ عُبَيْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ)، يَعْنِي قَوْمَهُ([1]).
    فَلَمَّا كَان الأمر كذلك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْنَا مَكَّةُ، وَأُوذِيَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُتِنُوا، وَرَأَوْا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ فِي دِينِهِمْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ عَمِّهِ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَكْرَهُ مِمَّا يَنَالُ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ»، فَخَرَجْنَا إِلَيْهَا أَرْسَالًا حَتَّى اجْتَمَعْنَا بِهَا فَنَزَلْنَا بِخَيْرِ دَارٍ وَإِلَى خَيْرِ جَارٍ. . .([2]).

    [1])) صحيح: أخرجه مسلم (2797).

    [2])) سيأتي تخريجه.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ رحمه الله:
    ((وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
    1- عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه.
    2- وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    3- وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
    4- وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَوَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ.
    5- وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ.
    6- وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
    7- وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ.
    8- وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
    9- وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
    10- وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ.
    11- وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ.
    12- وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ حُذَافَةَ.
    13- وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْن عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ.
    وَيُقَالُ: بَلْ، أَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ.
    14- وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ: سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ.
    15- وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
    16- وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ([1]))).
    فهؤلاءَ أحد عشر رجلًا وخمس نسوة؛ وهو خلاف ما ذكره الناظم رحمه الله: أنهم اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة. والله أعلم.
    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ رحمه الله: وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ([2]).
    ثم حدث - بعد ذلك – أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا، فَسَجَدَ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى، أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا([3]).
    فبلغ هذا الخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبشة، ولكن بلغهم بصورة أخرى؛ حيث بلغهم أن كفار قريش قد أسلموا، عن بكرة أبيهم، ودخلوا في دين الله تعالى.
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ رحمه الله: ((وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِينَ خَرَجُوا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، إسْلَامُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ، بَلَغَهُمْ أَنَّ مَا كَانُوا تَحَدَّثُوا بِهِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا. ([4]))).

    [1])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 322، 323)، مختصرًا.

    [2])) السابق.

    [3])) صحيح: أخرجه البخاري (1070).

    [4])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 364).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    · الهجرة الثانية إلى الحبشة:
    واستعد المسلمون للهجرة مرة ثانية، وعلى نطاق أوسع، ولكن كانت هذه المرة أشق من سابقتها؛ فقد تيقظت لها قريش، وقرروا إحباطها؛ بَيْدَ أن المسلمين كانوا اسرع، ويسر الله تعالى لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يُدركوا([1]).
    وكانوا في هذه المرة نحوًا من ثمانين رجلًا.
    عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأَبُو مُوسَى، فَأَتَوْا النَّجَاشِيَّ...([2]).
    · قريش ترسل إلى النجاشي ليرد عليهم المهاجرين:
    عزَّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين، وهما: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة - قبل أن يسلما - وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته.
    ولْنترك أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها تحكي لنا تفاصيل ما دار هناك بأرض الحبشة، وما دار بين النجاشي ورسولي قريش؛ حيث كانت شاهدة عيان رضي الله عنها وأرضاها.
    عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ، النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ لَا نُؤْذَى، وَلا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ([3])، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الْأَدَمُ([4])، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ، وعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ([5]) هَدِيَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسْلِمَهُمِ إلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إِلا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قَالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمِ أشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِنَرُدَّهُمِ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ، فَتُشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمِ إلَيْنَا وَلا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمِ إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ، فَقَالا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمِ أشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ، وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ ، لِتَرُدَّهُمِ إلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ.
    قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلامَهُمْ، فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمِ إلَيْهِمَا، فَلْيَرُدَّاهُم ِ إلَى بِلادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، قَالَت: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لَا هَا اللَّهِ، ايْمُ اللَّهِ([6]) إِذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلا أُكَادُ؛ قَوْمًا جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولانِ أَسْلَمْتُهُمِ إلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمِ الَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي.
    قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلَّمَنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا جَاءُوهُ، وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ، سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلامِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا، وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ (كهيعص) مريم: 1 ، قَالَتْ: فَبَكَى – وَاللَّهِ - النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ([7]) حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمِ الَيْكُمِ ابَدًا، وَلا أُكَادُ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لانَبِّئَنَّهُم ْ غَدًا عَيْبَهُمْ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ - وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا -: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمِ ارْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، قَالَ: وَاللَّهِ لاخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ، قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ الْغَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ، قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ فِيهِ مَا قَالَ اللَّهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ([8])، قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ([9]) حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا، فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلا حَاجَةَ لَنَا بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ، فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ.
    قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ - يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ - قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ، قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا، قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ([10]).

    [1])) انظر: ((الرحيق المختوم)) (99).

    [2])) أخرجه أحمد (4400)، والطيالسي (344)، والبيهقي في ((الكبير))، (3919)، وفي ((الدلائل)) (2/ 297)، »، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن، وصححه الألباني في ((صحيح السيرة)) ((164، 166)).

    [3])) ((الجلْد)) القوي الشديد، من الجليد وهو ما يسقط من الندى من السماء إلى الأرض، فيجمد عليها. انظر: ((جمهرة اللغة)) (1/ 449). والمقصود هنا: قوتهما في الحجة والجدال.

    [4])) ((الأدم)): الجلد المدبوغ. ((معجم لغة الفقهاء)) (52).

    [5])) ((البطريق)): هو الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم، وهو ذو منصب وتقدم عندهم. ((النهاية في غريب الحديث)) (1/ 135).


    [6])) ((لَا هَا اللَّهِ)): أَيْ: لَا واللَّهِ؛ أُبْدِلَتِ الْهَاءُ مِنَ الْوَاوِ. ((النهاية)) (5/ 237).
    ((ايْمُ اللَّهِ)): بهمزة وصل مفتوحة؛ ك((التي)) و((الذي))، جاء في ((لسان العرب)) (13/ 463): ((كَانُوا يَحْلِفُونَ بِالْيَمِينِ، يَقُولُونَ: ((يَمِينُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ))، ثُمَّ تُجْمَعُ اليمينُ أَيْمُنًا، ثُمَّ يَحْلِفُونَ بأيْمُنِ اللَّهِ، فَيَقُولُونَ: ((وأَيْمُنُ اللهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا))، ((وأَيْمُنُ اللَّهِ لَا أَفعلُ كَذَا))، ((وأَيْمُنُك يَا رَبِّ))، إِذَا خَاطَبَ ربَّه، قَالَ: هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي أَيْمُنِ اللَّهِ، ثُمَّ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ وَخَفَّ عَلَى أَلسِنَتِهِمْ حَتَّى حَذَفُوا النُّونَ ؛كَمَا حَذَفُوا مِنْ ((لَمْ يَكُنْ)) فَقَالُوا: ((لَمْ يَكُ))، وَكَذَلِكَ قَالُوا: ((ايْمُ اللهِ))؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ، فَقَالَا: أَلِفُ ((أَيْمُنٍ)) أَلفُ قَطْعٍ، وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ، وَإِنَّمَا خُفِّفَتْ هَمْزَتُهَا وَطُرِحَتْ فِي الْوَصْلِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِم ْ لَهَا.
    قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَتِ الْيَمِينُ بِذَلِكَ؛ لأَنهم كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَمينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ)).


    [7])) ((أَسَاقِفَتُهُ)): جمع: ((أُسْقُف))؛ وَهُوَ الْعَالِمُ الرَّئِيسُ مِنْ عُلماء النَّصَارَى، وَهُوَ اسْمٌ سُرْيانيٌّ. ((لسا العرب)) (9/ 156).

    [8])) التَّبَتُّل: الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّسَاءِ وتَرْك النِّكَاحِ وَامْرَأَةٌ بَتُول مُنْقَطِعة عَنِ الرِّجَالِ لَا شهوةَ لَهَا فِيهِمْ. ((نهاية)).

    [9])) ((فَتَنَاخَرَتْ بَطارِقَتُهُ)): أَيْ: تَكَلَّمَتْ، وَكَأَنَّهُ كلامٌ مَعَ غَضَبٍ ونُفُور. ((نهاية)).

    [10])) أخرجه أحمد (1740)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (2260)، وابن هشام في ((السيرة)) (1/ 334- 338)، عن ابن إسحاق مسندًا، والبيهقي في ((الكبير)) (18426)، وفي ((الدلائل)) (2/ 301)، وأبو نعيم في ((الدلائل))، (194)،وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وصححه الشيخ الألباني في ((صحيح السيرة)) (170-178).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . ثم قد

    أسلم في السادس حمزةُ الأسد

    ثم في العام السادس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أسلم أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
    وقد ذكر قصة إسلامه رضي الله عنه ابْنُ إسحاق رحمه الله فقال:
    ((مَرَّ أَبُو جَهْلٍ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْعَيْبِ لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إِلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ، رَاجِعًا مِنْ قَنْصٍ لَهُ - وَكَانَ صَاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ - وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشَدَّ شَكِيمَةً، فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلَاةِ، وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ؛ وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ؛ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟ فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ.
    فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي وَاَللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا.
    وَتَمَّ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَعَلَى مَا تَابَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ.
    فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَزَّ وَامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ([1]))).

    [1])) ((المغازي)) لابن إسحاق (171)، وعنه ابن هشام في ((السيرة)) (1/ 291، 292).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    أرجو جمعها في ملف ورد منسق من أحد الكرام بعد الانتهاء منها
    العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إسلام بن منصور مشاهدة المشاركة
    أرجو جمعها في ملف ورد منسق من أحد الكرام بعد الانتهاء منها
    وأنا معك أطلب ذلك من الإخوة.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    وبعد تسع من سِني رسالتهْ

    مات أبو طالبَ ذو كفالتهْ
    وبعده خديجةٌ تُوفيتْ

    من بعد أيام ثلاثة مضتْ
    ثم تُوفِّي أبو طالب، وخديجة رضي الله عنها؛ وذلك في العام العاشر مِنْ بَعْثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال الناظم: ((وبعد تسع من سني رسالته))؛ أي: بعد تسع سنين سوى السنة التي بُعِثَ فيها صلى الله عليه وسلم.
    قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَصَائِبُ بِهَلاكِ خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، وَكَانَ هَلاكُهُمَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قَبْلَ مُهَاجِرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ([1]).
    وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ([2]).

    [1])) انظر: ((مغازي ابن إسحاق)) (243)، و((عيون الأثر))، (1/ 151).

    [2])) ((عيون الأثر)) (234).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    وبعد خمسين وربع أسلما

    جن نصيبين، وعادوا فاعلما
    أي: بعد مولده صلى الله عليه وسلم بخمسين عامًا، وربع عام – أي: وثلاثة أشهر – جاء جِنُّ نصيبين([1]) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، ثم عادوا إلى قومهم منذرين.
    وكان ذلك بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف.
    قَالَ ابن إسحاق:
    ((ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ، حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ أَهْلِ نَصِيبِينَ، فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سَمِعُوا، فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} الأحقاف: 29 ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الأحقاف: 31 ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} الجن: 1 ، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ([2])))ا ه.
    وفي ((صحيح البخاري)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلاَ بِرَوْثَةٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ، وَنِعْمَ الجِنُّ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَّا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا([3])».

    [1])) نَصِيبِينُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ.
    وَتَقَعُ نَصِيبِينُ فِي أَقْصَى شَمَالِ الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ تُرْكِيَّةَ وَسُورِيَّةَ وَالْحُدُودُ تَحُوزُهَا - الْيَوْمَ - إلَى تُرْكِيَّةَ، تُجَاوِرُ مَدِينَةَ القامشلي السُّورِيَّةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ الْحَدِّ، نَصِيبِينُ شَمَالَهُ والقامشلي جَنُوبُهُ، وَيَمُرُّ فِيهِمَا أَحَدُ فُرُوعِ نَهْرِ الْخَابُورِ. ((معجم المعالم الجغرافية في السيرة)) (319).

    [2])) ((سيرة ابن هشام)) (1/ 421، 422).

    [3])) أخرجه البخاري (3860).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    ثم على سودة أمضى عقده

    في رمضان. . . .

    ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بسودة بنت زمعة رضي الله عنها، في السنة العاشرة مِنَ البَعْثَةِ، بعد وفاة خديجة رضي الله عنها.
    عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ، قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الأَوْقَصِ، امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَزَوَّجُ؟ فَقَالَ: وَمَنْ؟ فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، قَالَ: فَمَنِ الْبِكْرُ؟ قَالَتِ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْكَ؛ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ قَالَتْ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَدْ آمَنَتْ بِكَ وَاتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ قَالَ: فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ فَجَاءَتْ، فَدَخَلَتْ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَدَتْ أُمَّ رُومَانَ، أُمَّ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَيْ أُمَّ رُومَانَ؟ مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ! قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
    وَدِدْتُ! انْتَظِرِي أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهُ آتٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ! أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَةَ، قَالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ، إِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ! فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ، فَقُولِي لَهُ: أَنْتَ أَخِي فِي الإِسْلامِ، وَأَنَا أَخُوكَ، وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي؟ فَأَتَتْ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: انْتَظِرِينِي حَتَّى أَرْجِعَ، فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: إِنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ كَانَ ذَكَرَهَا عَلَى ابْنِهِ، وَلا وَاللَّهِ مَا وَعَدَ شَيْئًا قَطُّ فَأَخْلَفَ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مُطْعِمٍ، وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ ابْنِهِ الَّذِي كَانَ ذَكَرَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ الْعَجُوزُ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، لَعَلَّنَا إِنْ زَوَّجْنَا ابْنَنَا ابْنَتَكَ أَنْ تَصْبِئَهُ وَتُدْخِلَهُ فِي دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ! فَأْقَبَلَ عَلَى زَوْجِهَا الْمُطْعِمِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا تَقُولُ ذَاكَ قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ الْعِدَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي نَفْسِهِ مِنْ عِدَتِهِ الَّتِي وَعَدَهَا إِيَّاهُ، وَقَالَ لِخَوْلَةَ: ادْعِي لِي رَسُولَ اللَّهِ، فَدَعَتْهُ فَجَاءَ فَأَنْكَحَهُ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ.
    قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى سَوْدَةَ فَقُلْتُ: أَيْ سَوْدَةُ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ! قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله يَخْطُبُكِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَقَالَتْ: وَدِدْتُ! ادْخُلِي عَلَى أَبِي فَاذْكُرِي لَهُ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْحَجِّ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَحَيَّيْتُهُ بِتَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَرْسَلَنِي أَخْطُبُ عَلَيْهِ سَوْدَةَ، قَالَ: كُفْءٌ كَرِيمٌ، فَمَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُهُ؟ قَالَتْ: تُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: ادْعِيهَا إِلَيَّ، فَدَعَيْتُ لَهُ، فَقَالَ: أَيْ سَوْدَةُ، زَعَمَتْ هَذِهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَرْسَلَ يَخْطُبُكِ وَهُوَ كُفْءٌ كَرِيمٌ، أَفَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:
    فَادْعِيهِ لِي، فَدَعَتْهُ، فَجَاءَ فَزَوَّجَهُ، فَجَاءَ أَخُوهَا مِنَ الْحَجِّ، عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثِي فِي رَأْسِي التُّرَابَ؛ أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ!([1])

    [1])) أخرجه أحمد (25769)، مرسلًا عن أبي سلمة ويحيىٰ بن عبد الرحمن بن حاطب، ووصله الطبري في «التاريخ» (3/162)، والبيهقي في «الدلائل» (2/411، 412)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثانىٰ» (3060، 3061)، والطبراني في «الكبير» (23/57)، فرووه عن يحيىٰ بن عبد الرحمن عن عائشة، قال الذهبي في «السير» 1/182 إسناده حسن.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    . . . . ثم كان بعده
    عقد ابنة الصديق في شوال

    . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها في
    شوال من السنة العاشرة من البعثة.
    عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ([1]).
    وكان عُمُرُ عائشة رضي الله عنها حين عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم، سِتَّ سِنِينَ.
    عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ([2]).
    وفي رواية: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ([3]).
    قال النووي رحمه الله:
    ((وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي رِوَايَةٍ: تَزَوَّجَنِي وَأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: بِنْتُ سِتٍّ؛ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتٌّ وَكَسْرٌ؛ فَفِي رِوَايَةٍ اقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَدَّتِ السَّنَةَ الَّتِي دَخَّلَتْ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ([4]))).ا ه
    وكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، بوحي من الله تعالى.
    عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهَا: «أُرِيتُكِ فِي المَنَامِ مَرَّتَيْنِ، أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَاكْشِفْ عَنْهَا، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ([5])».
    ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بِكْرًا غَيْرَ عائشة رضي الله عنها.
    عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا، وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَّ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: «فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا» تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا([6]).

    [1])) صحيح: أخرجه مسلم (1423).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (3894)، ومسلم (1422).

    [3])) مسلم (1422).

    [4])) ((شرح مسلم)) (9/ 207).

    [5])) متفق عليه: أخرجه البخاري (3895)، ومسلم (2438).

    [6])) صحيح: أخرجه البخاري (5077).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    وبعد خمسين وعام تالِ
    أُسْرِيْ به، والصلوات فُرِضَتْ

    خمسًا بخمسين كما قد حُفِظَتْ
    وفي السنة الثانية عشر من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل الهجرة بعام واحد([1])، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الحادية والخمسين من عمره، أُسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، وَفُرِضَتْ عليه الصلوات خمسين صلاة، فراجع النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ؛ كما نصحه بذلك موسى عليه السلام، فجعلها الله عز وجل خمس صلوات بأجر خمسين صلاة.
    وإليك تفاصيل هذه الرحلة المباركة الثابتة بالكتاب والسنة.
    قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}الإس اء: 1 ، وقال تعالى:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَه ُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} النجم: 1 – 18.
    وقال : «بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ([2]) في الحجر مضطجعًا([3]) بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ([4]) إذا أتاني آتٍ فشق([5]) من النحر إلىٰ مراقّ البطن([6]) فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي([7]) ثم غسله بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ([8]) ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَىٰ طَرْفِهِ([9]) فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَىٰ الله مِنْهُ قَالَ فَارْفَضَّ عَرَقًا([10]) فَرَكِبْتُهُ حَتَّىٰ أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ([11]) فَصَلَّيْتُ بالنبيين والمرسلين إمامًا([12]) ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ([13]) ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَىٰ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتُ إِلَىٰ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَىٰ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَىٰ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَىٰ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بنيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَىٰ([14]) ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ قَالَ: هَذَا يَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَىٰ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَىٰ إِدْرِيسَ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ففتح فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّىٰ أَتَىٰ السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَىٰ قَالَ: هَذَا مُوسَىٰ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَىٰ قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَىٰ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَىٰ فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَىٰ وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بني إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ مُوسَىٰ فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بني إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قَالَ سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّىٰ اسْتَحْيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَىٰ وَأُسَلِّمُ قَالَ فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَىٰ مُنَادٍ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» ([15]).

    [1])) انظر: ((الطبقات الكبرى)) (1/ 213).

    ([2]) البخاري (3207).

    ([3]) البخاري (3887).

    ([4]) البخاري (3207).

    ([5]) البخاري (3887).

    ([6]) البخاري (3207). أي إلىٰ ما رقّ من الجلد وهو ما يكون أسفل البطن.

    ([7]) مسلم (164).

    ([8]) البخاري (349).

    ([9]) مسلم (164).

    ([10]) أحمد 3/164، الترمذي (3131)، وقال: حسن غريب، وصحح إسناده الألباني في «صحيح الترمذي».

    ([11]) مسلم (162).

    ([12]) انظر: «الإسراء والمعراج» للألباني (14).

    ([13]) مسلم (162).

    ([14]) البخاري (349).

    ([15]) صحيح: أخرجه البخاري (3887)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    فلما رجع النبي  وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، يقول : «فَظِعْتُ بِأَمْرِي([1]) وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ» فَقَعَدَ – بأبي هو وأمي ونفسي - مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ عَدُوُّ الله أبو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّىٰ جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِ ئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ الله : «نَعَمْ»، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ»، قَالَ: إِلَىٰ أَيْنَ؟ قَالَ: «إِلَىٰ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
    قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ ! قَالَ: «نَعَمْ».
    قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟! فَقَالَ رَسُولُ الله : «نَعَمْ».
    فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بني كَعْبِ بن لُؤَيٍّ!
    حتىٰ قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّىٰ جَلَسُوا إِلَيْهِمَا.
    قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي.
    فَقَالَ رَسُولُ الله : «إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ».
    قَالُوا: إِلَىٰ أَيْنَ؟ قال: «إِلَىٰ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
    قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».
    قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَىٰ رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ؛ زَعَمَ!
    قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَىٰ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَىٰ الْمَسْجِدَ.
    فَقَالَ رَسُولُ الله : «فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّىٰ الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ؛ حَتَّىٰ وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ – أَوْ عُقَيْلٍ- فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».
    قَالَ: «وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ».
    قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ؛ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ([2]).

    ([1]) أي اشتد عليَّ وهبْتُه. (نهاية).

    ([2]) صحيح الإسناد: أخرجه أحمد 1/309، الطبراني (12782)، وحسنه الحافظ في «الفتح» 7/199، وقال الألباني في «الإسراء والمعراج» (82): سنده صحيح.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    والبيعة الأولى مع اثني عشر

    مِنْ أهل طيبةٍ، كما قد ذُكِرَا

    فلما كان موسم الحج من العام الثاني عشر من البعثة، أقبل علىٰ رسول الله  وفد من الأنصار قوامه اثنا عشر رجلًا:
    عشرة من الخزرج وهم:
    1- أسعد بن زرارة.
    2- عوف بن الحارث بن رفاعة ابن عفراء.
    3- رافع بن مالك بن العجلان.
    4- قُطْبة بن عامر بن حديدة.
    5- عقبة بن عامر بن نابي.
    6- معاذ بن الحارث بن عفراء.
    7- ذكوان بن عبد قيس.
    8- عبادة بن الصامت.
    9- يزيد بن ثعلبة.
    10- العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان.
    واثنان من الأوس وهم:
    11- أبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك([1]).
    12- عُويم بن ساعدة([2]).
    فبايع هذا الوفد رسول الله  بيعة العقبة الأولى.
    يقول عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ  وكان ممن شهد البيعة: إِنِّي لَمِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ الله ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَىٰ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، فَالْجَنَّةُ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَىٰ الله([3]).
    وفي رواية قال عُبَادَةَ : أَنَّ النبي  قَالَ: «تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَىٰ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَىٰ مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَىٰ الله، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ الله فَأَمْرُهُ إِلَىٰ الله إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ»، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَىٰ ذَلِكَ([4]).
    أول سفير في الإسلام:
    فانطلق القوم – بعد ذلك- عائدين إلىٰ المدينة المنورة، فأرسل معهم النبي  مصعب بن عمير ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان مصعب يسمىٰ في المدينة بالمقرئ.
    وكان منزله علىٰ أسعد بن زرارة، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض([5]).
    أول جمعة بالمدينة المنورة، وإمامها:
    قام سفير الإسلام مصعب بن عمير بمهمته علىٰ أكمل وجه؛ فدعا إلىٰ دين الله  وأقرأ الناس وعلمهم وفقههم في الدين، وانتشر الإسلام بالمدينة، فأقيمت أول جمعة في الإسلام بالمدينة المنورة، وأمَّ المسلمين فيها أسعد بن زرارة ([6]).
    عَنْ عبد الرَّحْمَنِ بن كَعْبِ بن مَالِكٍ – وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بن مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بن زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بن زُرَارَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بنا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ([7]) مِنْ حَرَّةِ بني بَيَاضَةَ([8]) فِي نَقِيعٍ([9]) يُقَالُ لَهُ نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ([10]) قُلْتُ كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ([11]).

    ([1]) التيهان: يخفف ويثقل، كقوله ميّت وميْت. «سيرة ابن هشام» 2/24.

    ([2]) ذكر ابن اسحاق أسماء أصحاب بيعة العقبة الأولىٰ والثانية «سيرة ابن هشام» 2/22، 24 قال: حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن أشياخ من قومه.
    قلت: وعاصم تابعي، قال ابن حجر: ثقة، عالم بالمغازي. (تقريب). وقال الذهبي: صدوق علامة بالمغازي. (كاشف).

    ([3]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3893)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلىٰ النبي  بمكة وبيعة العقبة، ومسلم (1709)، كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها.

    ([4]) متفق عليه: أخرجه البخاري (3892)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلىٰ النبي  بمكة وبيعة العقبة، ومسلم (1709)، كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارة لأهلها.

    ([5]) «سيرة ابن هشام» 2/24 بتصرف.
    قال بعض أهل السير: إنّ النبي أرسل مع مصعبِ ابنِ عمير: ابنَ أُمِّ مكتوم، وممن قال بذلك العلامة ابن سيد الناس حيث قال في «عيون الأثر» 1/265: فلما انصرفوا – أي: أصحاب البيعة- بعث رسول الله  معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يعلمان من أسلم منهم القرآن.اهـ.
    قلت: الصواب أنّ النبي  لم يرسل إلا مصعب بن عمير فقط كما نص علىٰ ذلك أكثر أهل السير.
    وأظن أن الوهم دخل علىٰ من قال بذلك مما رواه البخاري في «صحيحه» (3924، 3925) عن البراء بن عازب  قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانوا يقرئون الناس... الحديث.
    قلت: الصحيح أن هذا الحديث إنما يتحدث فيه البراء  عن الهجرة لا عن البيعة ولا عن من أرسله رسول الله  مع أصحاب البيعة.
    ومما يدل علىٰ ذلك:
    1- أنه لم يرد في الحديث قط ذكر البيعة، إنما ورد ذكر الهجرة صريحًا في إحدىٰ روايات الحديث كما ذكر ذلك ابن حجر في «فتح الباري» 7/306 حيث قال: في رواية عن شعبة عند الحاكم في «الإكليل» عن عبد الله بن رجاء في روايته (من المهاجرين).اهـ.
    2- ما ذُكر في الرواية نفسها حيث قال البراء : ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال وسعد، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ، ثم قدم النبي ... الحديث. فهذا يوضح أنه يتكلم في شأن الهجرة.
    وقد فهم ذلك الإمام البخاري فبوب علىٰ الحديث باب: مقدم النبي  وأصحابه المدينة.
    فيُعلم مما سبق أن النبي  أرسل مصعب وحده. ثم إن مصعب رجع إلىٰ مكة قبل البيعة الثانية – كما ذكر ذلك أهل السير- ثم هاجر إلىٰ المدينة مرة أخرىٰ لما أذن لهم النبي  بالهجرة وكان أول المهاجرين إلىٰ المدينة – كما دل عليه حديث البراء  السابق- ثم استأنف مصعب نشاطه السابق في إقراء الناس وتعليمهم، وتبعه ابن أم مكتوم وكان يساعده في مهمته. والله أعلم.

    ([6]) رُوي أن الذي أم المسلمين في هذه الجمعة مصعب بن عمير وهو ضعيف.
    قال ابن كثير ~: وقد روىٰ الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله  كتب إلىٰ مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة، وفي إسناده غرابة. والله أعلم. «البداية والنهاية» 3/163.

    ([7]) الهزم: المنخفض من الأرض، والنبيت: موضع.

    ([8]) حرة: بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء هي الأرض ذات الحجارة السود.

    ([9]) هو المنخفض من الأرض يستنقع فيه الماء.

    ([10]) نقيع الخَضَمات: موضع بنواحي المدينة.

    ([11]) حسن: أخرجه أبو داود (1069)، كتاب: الصلاة، باب: الجمعة في القرىٰ، وابن ماجه (1082)، كتاب: الصلاة، باب: فرض الجمعة.
    والمعنىٰ أنه جمّع في قرية يقال لها هزم النبيت، هي كانت في حرّة بني بياضة في المكان الذي يجتمع فيه الماء، واسم ذلك المكان نقيع الخضمات، وتلك القرية هي علىٰ ميل من المدينة. «عون المعبود» 2/425.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    وبعد ثنتين وخمسين أتى

    سبعون في الموسم هذا ثبتا
    مِنْ طيبة، فبايعوا . . . . .

    . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    وفي العام التالي للبيعة الأولى وافى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سبعون رجلًا من الأنصار، فبايعوه بيعة العقبة الثانية.
    يقول جابر بن عبد الله { وكان ممن شهد هذه البيعة: مَكَثَ رَسُولُ الله  بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ، وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًىٰ يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّىٰ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ حَتَّىٰ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّىٰ بَعَثَنَا الله إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّىٰ لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّىٰ مَتَىٰ نَتْرُكُ رَسُولَ الله  يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّىٰ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّىٰ تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله: علام نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَىٰ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَىٰ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي الله لَا تَخَافُونَ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَىٰ أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ» فَقُمْنَا إِلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بن زُرَارَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ – وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا- فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنَّ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَىٰ ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَىٰ الله، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خيفة، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ عُذْرٌ لَكُمْ عِنْدَ الله، قَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ، فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ، وَيُعْطِينَا عَلَىٰ ذَلِكَ الْجَنَّةَ([1]).
    وعن كَعْبِ بن مَالِكِ  قَالَ: خَرَجْنَا فِي الحجة التي بايعنا فيها رسول الله  بالعقبة مع مشركي قومنا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، حتىٰ إذا كنا بظاهر البيداء قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ تعلموا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي تُوَافِقُونِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟! فقُلْنَا: وَمَا هو يا أبا بشر؟ قَالَ: إني قَدْ أردت أَنْ أصلي إلىٰ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ ولا أجعلها مِنِّي بِظَهْرٍ، فَقُلْنَا: لا وَاللَّهِ لا تفعل، والله مَا بَلَغَنَا أَنَّ النبي  يُصَلِّي إِلَّا إِلَىٰ الشَّامِ، قَالَ: فإِنِّي والله لمصل إِلَيْهَا، فكان إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ توجه إِلَىٰ الْكَعْبَةِ وتوجهنا إلىٰ الشام، حَتَّىٰ قَدِمْنَا مَكَّةَ، فقَالَ لي البراء: يَا ابْنَ أَخِي انْطَلِقْ إِلَىٰ رَسُولِ الله ، حتىٰ أسْأَلْهُ عَمَّا صَنَعْتُ، فلقد وجدت فِي نَفْسِي بخِلَافِكُمْ إِيَّايَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ الله ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ بالأبطح، فقلنا: هل تدلنا علىٰ محمد؟ قَالَ: وهَلْ تَعْرِفَانِهِ إن رأيتماه؟ قُلْنَا: لَا والله، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ؟ فقُلْنَا: نَعَمْ، وقد كُنَّا نَعْرِفُه، كان يختلف إلينا بالتجارة، فقَالَ: إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فانظروا الْعَبَّاسِ، قَالَ: فهو الرجل الذي معه، قال: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رسول الله  والْعَبَّاسُ ناحية المسجد جالسين، فَسَلَّمْنَا، ثُمَّ جَلَسْنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله : «هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟» قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ وَهَذَا كَعْبُ بن مَالِكٍ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَىٰ قَوْلَ رَسُولِ الله : «الشَّاعِرُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ له الْبَرَاءُ: يَا رسول الله إِنِّي قد رأيت فِي سَفَرِي هَذَا رأيًا، وقد أحببت أن أسألك عنه قال: «وما ذاك؟» قال: رَأَيْتُ أَلَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا، فقال له رسول الله : «قَدْ كُنْتَ عَلَىٰ قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا»، فَرَجَعَ إِلَىٰ قِبْلَةِ رَسُولِ الله  وصَلَّىٰ مَعَنَا إِلَىٰ الشَّامِ. ثم وَاعَدْنَا رَسُولَ الله  الْعَقَبَةَ، أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن سبعون رجلًا للبيعة، وَمَعَنَا عبد الله بن عَمْرِو بن حَرَامٍ والد جَابِرٍ، وإنه لعلىٰ شركه، فأخذناه وَقُلْنَا: يَا أَبَا جَابِرٍ والله إنا لنرغب بك أن تموت علىٰ ما أنت عليه فتَكُونَ لهذه النَّارِ غَدًا حطبًا، وإن الله قد بعث رَسُولًا يأمر بتوحيده وعبادته وقد أَسْلَمَ رجلا من قومك، وقد واعدنا رَسُولِ الله  للبيعة فأسلَم وطهَّر ثيابه، وحضرها معنا فكان نقيبًا، فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله  بمنىٰ أول الليل مع قومنا، فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا تسلل القطا، حتىٰ اجْتَمَعْنَا بالعقبة، فأتىٰ رَسُولَ الله  وعَمُّهُ الْعَبَّاسُ، ليس معه غيره، أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، فكان أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَهُوَ فِي مَنَعَةٍ من قومه وبلاده، قد منعناه ممن هو علىٰ مثل رأينا منه، وقد أبىٰ إلا الانقطاع إليكم، وإلىٰ ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما وعدتموه، فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خُذلانًا فاتركوه في قومه، فإنه في منعة من عشيرته وقومه، فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، تَكَلَّمْ يَا رَسُولَ الله، فَتَكَلَّمَ وَدَعَا إِلَىٰ الله، وتلا القرآن وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، فأجبناه بالإيمان والتصديق له، وقلنا له: خذ لربك ولنفسك فقَالَ: «إني أُبَايِعُكُمْ عَلَىٰ أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا منعتم مِنْهُ أَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَكُمْ» فأجابه الْبَرَاءُ بن مَعْرُورٍ فقَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ الله فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فعرض في الحديث أبو الْهَيْثَمِ بن التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا لقَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ الله أَظْهَرَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَىٰ قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ فقَالَ: «بَلْ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ» فقال له البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك.
    فقَالَ رَسُولُ الله : «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا» فَأَخْرَجُوهم له، فكان نقيب بني النجار؛ أسعد بن زرارة، ونقيب بني سلمة، البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بني ساعدة، سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، ونقيب بني زريق، رافع بن مالك، ونقيب بني الحارث بن الخزرج، عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ونقيب بني عوف بن الخزرج، عبادة بن الصامت – وبعضهم جعل بدل عبادة بن الصامت خارجة بن زيد- ونقيب بني عمرو بن عوف، سعد بن خيثمة، ونقيب بني عبد الأشهل – وهم من الأوس- أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان، قال: فأخذ الْبَرَاءُ بيد رَسُولِ الله  فضرب عليها، وكان أول من بايع، وتتابع الناس فبايعوا، فصرخ الشيطان علىٰ العقبة بأنفذ صوت سمعته قط، فقال: يا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ([2]) هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدْ أَجْتمَعُوا عَلَىٰ حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله : «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ ارْفَعُوا إِلَىٰ رِحَالِكُمْ».
    فَقَالَ الْعَبَّاسُ بن عُبَادَةَ أخو بني سالم: يا رسول الله وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَىٰ أَهْلِ مِنًىٰ غَدًا بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ: «إنا لَمْ نؤمَرْ بِذَلِكَ»، فرحنا إلىٰ رحالنا فاضطجعنا، فلما أَصْبَحْنَا، أقبلت جُلَّةُ من قُرَيْشٍ فيهم الحارث بن هشام، فتىٰ شاب وعليه نعلان له جديدتان، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إِلَىٰ صَاحِبِنَا لتَسْتَخْرِجُوه ُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وإنه وَاللَّهِ مَا مِنْ الْعَرَبِ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْكُمْ، فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ قومنا من المشركين يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا فعلناه، فلما تثور القوم لينطلقوا قُلْتُ كَلِمَةً كَأَنِّي أُشْرِكَهم في الكلام: يَا أَبَا جَابِرٍ – يريد عبد الله بن عمرو- أَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا وكهل من كهولنا، لا تستطيع أَنْ تَتَّخِذَ مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَىٰ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فرَمَىٰ بِهِمَا إِلَيَّ، وقَالَ: وَاللَّهِ لتلبسنهما، فقَالَ أبو جَابِرٍ: مهلًا أَحْفَظْتَ لعمر الله الرجل – يقول: أخجلته- أردُدْ عليه نَعْلَيْهِ، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ لَا أَرُدَّهُمَا، فقَالَـ: صُلْحٌ إني لأرجو أن أسلبه([3]).

    ([1]) صحيح: أخرجه أحمد 3/32، 339- 340، الحاكم 2/624، 625، وصححه وأقره الذهبي.

    ([2]) الجُباجب: جمع جُبجب –بالضم- وهو المستوي من الأرض، وهي ههنا أسماء منازل بمنيً (نهاية).

    ([3]) صحيح: أخرجه ابن هشام، في «السيرة» 2/27، 33، أحمد 3/46، 462، ابن جرير الطبري في «تاريخه» 2/90، 93، وقال الألباني في تحقيق «فقه السيرة» (177): هذا سند صحيح.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    نسأل الله تعالى أن يعيننا على الإتمام
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    قوله:
    . . . . . . . . ثم هجر

    مكة يوم اثنين من شهر صفر
    فجاء طيبة الرضا يقينا

    إذ كمَّل الثلاث والخمسينا
    في يوم الاثنين، ودام فيها

    عشر سنين كُمَّلًا نحكيها

    رأىٰ النبي  دار الهجرة في رؤية منامية أراها الله إياه؛ فكان ذلك وحيًا من الله، وإيذانًا له  بأن يأمر أصحابه بالهجرة لبدء مرحلة جديدة من الجهاد والدعوة في سبيل الله، عسىٰ أن تكون أفضل من سابقتها.
    عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  قال: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ» –وَهُمَا الْحَرَّتَانِ- فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عامة مَنْ كَانَ هَاجَرَ بأَرْضِ الْحَبَشَةِ إلىٰ المدينة وَتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ قِبَل المدينة فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله : «عَلَىٰ رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فقَالَ أبو بَكْرٍ: وهَلْ تَرْجُوا ذَلِكَ بِأبي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَحَبَسَ أبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَىٰ رَسُولِ الله  لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وهو الخبط أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ([1]).
    وعَنْ أبي مُوسَىٰ ، عَنْ النَّبِيِّ : «قَالَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَىٰ أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَىٰ أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ»([2]).

    ([1]) صحيح: أخرجه البخاري (3905) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة، وأحمد 6/198.

    ([2]) صحيح: أخرجه مسلم (2272)، كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي رد: اتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (حصري للمجلس العلمي)

    بداية الرحلة إلى المدينة:
    بدأ الصحابة رضوان الله عليهم في الاستعداد والخروج إلىٰ المدينة المنورة، حيث علموا أن ذكر النبي  هذه الرؤيا لهم، إذن منه  بالخروج([1]) فخرجوا.
    فكان أَوَّلُ مَنْ خرج مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَبِلَالٌ، وسعد، وعَمَّارُ بن يَاسِرٍ ثم خرج عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ([2]).
    وكان من أوائل المهاجرين أيضًا أبو سلمة  وكان لخروجه قصة عجيبة تحكيها السيدة أم سلمة حيث تقول:
    لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ، رَحَّلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتَنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ؟ عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ، قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا.
    قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بُنَيَّ سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَفُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي - أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ - فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ، فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إِنْ شِئْتِ، قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي، قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ، قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَتَبَلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدُمَ عَلَى زَوْجِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لِي: إِلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: أَوَمَا مَعَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ، إلَّا اللَّهُ وَبُنَيَّ هَذَا، قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكَ مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِى بِيَ، فَوَاللهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ؛ كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنِّي إِلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ، قَامَ إلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَّلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، وَقَالَ: ارْكَبِي، فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ، حَتَّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، قَالَ: زَوْجُكَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ - وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا - فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ.
    فَكَانَتْ تَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ([3]).

    ([1]) ولذلك تقول السيدة عائشة في الحديث لما قال لهم النبي : «أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ...» تقول: فهاجر من هاجر قبل المدينة.

    ([2]) صحيح: أخرجه البخاري (3924، 3925)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي  وأصحابه إلىٰ المدينة.

    [3])) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) (1/ 469، 470)، بسند متصل من طريق ابن إسحاق، عن أم سلمة رضي الله عنها، وهو إسناد حسن.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •