الطريق إلى الأُلفة واجتماع الكلمة

يتفطّر قلبُ المسلم حسرةً على ما أصاب المسلمين من ضياع حقوقهم، وتخلُّفهم، وهوانهم أمام طوائف ضالة مُضِلّة، وأمم كافرة في الشرق والغرب، يأكل الفرد فيها كل نجس، ويعمل كل قبيح، يخالف أخاه في كل شيء، إلا فيما يوجب القوة والاتحاد على المصلحة والمضرة المشتركة.. أمم أقل عقلًا من المسلمين، تقوم على دين كله خرافات وهرطقات، عاقلة في الدنيا بهيمة في الدين، استطاعت -رغم فساد عقلها في أهم المطالب الإلهية- أن تجتمع وتتجاوز خلافتها، وتكون أمة واحدة في جلب مصالحها المشتركة، واحدة على عدوها.
فهل ما أنزل الله على نبيِّه -صلّى الله عليه وسلّم- وهو الكتاب الحكيم، والمهيمن على ما سواه- يدعونا عندما نقرؤه إلى التفرُّق والتناحر والتصارع، ويُنَمِّي العداوات بيننا، أم العكس تمامًا؟!
هو يدعونا إلى اتجاه، ونحن نذهب في اتجاه آخر!
فهل مَن كان إلهُهم واحدًا، ونبيُّهم واحدًا، وكتابُهم واحدًا، ولغتُهم واحدة، وبلدُهم واحدًا، وتاريخُهم واحدًا، ومصيرُهم واحدًا، ومذهبُهم واحدًا، ومصدرُ التلقي واحدًا، بل أئمَّتُهم جماعة واحدة - يكونُ مصيرُهم الاختلاف، والتناحر، والبغضاء، والعداوة، والتفرّق، والتشتّت؛ أم إن الإشكال في إيمانهم وفهمهم؟!
ألمْ يَنْهَنا اللهُ -عزّ وجلّ- و نبيُّه -صلّى الله عليه وسلّم- عن الفرقة والتباغض فتذهب ريحُنا؟
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: الآية 159].
إنه لا جواب صريح صحيح على التناقض بين ما يدعو إليه القرآن والسنة وبين حالنا إلا أنّ ما يجمعُنا ويُوَحِّدُنا -وهو الإيمان بالله الواحد، والكتاب الواحد، والنبي الواحد، ووحدة المصير في الدنيا والآخرة- لم يعد له القيمة العلمية والإيمانية والرمزية التي كانت له عند الصحابة -رضوان الله عليهم-، وأصبح أقلّ قيمة من كل ما نختلف فيه ويُشَتِّتُنا؛ إما من أمور الدين التي يسع فيها الاختلاف، ووقع فيها الاختلاف حتى عند الصحابة، فضلًا عن التابعين، فضلًا عن الأئمة.. وإما من أمور الدنيا.
أفليس هذا الوضع المزري سببًا كافيًا يدعونا إلى الشكّ في صحة إيماننا، أو على الأقل: الشك في أفهامنا، وصحة عقولنا وسلامتها؟!
إن في أفهامنا وعقولنا -بدون شكّ- سقمًا سببُه أشياءُ من الهوى، وحُبُّ الخلود إلى الأرض، كامنة في قلوبنا، سممت عقولنا وأفهامنا؛ فكيف يدعو القرآن والسنة إلى الشيء، ونذهب إلى ما يناقِضُه وينافره؟! أيُّ عقل هذا؟!!
نقلًا عن حساب الشيخ مختار الطيباوي على "الفيس بوك".