الإمـام المجاهد "ساموري توري ... الذي قتل ابنه في سبيل الله"
كتبه الدكتور
محمد موسي الشريف حفظه الله


طمع الغربيون بإفريقيا، وأقبلوا عليها من كل حدب وصوب لاقتسامها في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، فاحتلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، واحتلت إيطاليا ليبيا وانجلترا مصر، ولم يكتفوا بهذا بل زحفوا على قلب القارة السوداء فاقتسموها بينهم، فكانت منطقة نهر النيجر الكبرى من نصيب الفرنسيين لكنهم لم يستولوا عليها إلا بعد مقاومة عنيفة شديدة من هذا الإمام الكبير والمجاهد العظيم ساموري توري.

وتوري هي عشيرة تسكن مدينة جنى في قلب إمبراطورية مالي الإسلامية، فلما قامت مملكة صنغي مكان إمبراطورية مالي ترك التوري جنى إلى أعالي النيجر.

ولد في بلدة ساننكورو sanankoro بالقرب من بيساندوجو بغينيا الفرنسية وتقع في أعالي حوض نهر ميلو أحد روافد نهر النيجر، ولا يعرف بالضبط تاريخ ولادته إلا أنه بين عامي 1246-1251، 1830-1835م، وتلقى تعليمه الأولي على يد والده، ثم تعهده أحد المشايخ بالرعاية والتعليم، وقيل: بل ولد من أبوين كافرين ثم اعتنق هو الإسلام بعد ذلك، والله أعلم، وهناك حادثة طريفة في تعلمه القتال وهي أن أمه وقعت في أسر أحد الزعماء الأفارقة وهو الملك سوري بيراما ملك بيساندوجو فكان عليه -إذا أراد أن يفتديها- أن يخدم في جيش هذا الزعيم مدة من الزمن، وهذا الذي صنعه، وبعد انقضاء خدمته لمدة سبع سنوات اكتسب خبرة في فنون الحرب والقتال والتفاوض مع الأعداء.

وابتداء من سنة 1862 استطاع أن يجمع الشباب حوله ليكون قائدهم، وكوّن نواة دولة وسّعها من بلاد الوثنيين حتى وصل إلى حافة فوتاجولون غرباً، وبوري شمالاً، وتعاطف التجار معه فساعدوه في إنشاء دولته الناشئة، وتنازل له أعمامه فرضوا أن يكونوا تحت إمرته، ونجح في ضم مدينة كان كان وطوّع جماعات اليسيسي تحت سيطرته، وحطم الوثنيين في الشمال في كونيا العليا، وفي سنة 1884 في 25 يوليو/ رمضان جمع أهله في احتفال وأعلن لهم أنه سيلقب نفسه بلقب الإمام، وطلب من أهله ورعاياه أن يعتنقوا الإسلام، وفي نوفمبر من العام نفسه منع الخمر شرباً وبيعاً في مملكته، ومنع العادات الوثنية، وبدأ في تطبيق الشريعة.
كان عامة جيشه من المشاة وقليل منهم من الفرسان، وسلّحهم بأسلحة أوروبية حديثة كان يشتريها من البريطانيين في فريتون مقابل بيع الذهب والعاج وأسرى الحروب، وكان حرسه الشخصي مكوناً من 500 رجل، وكان لأخيه مالنكي تورو قوة خاصة تقدر بمائتي فارس وألف راجل.

كان الفرنسيون قد عزموا على الاستيلاء على كل المنطقة التي يجري فيها نهر النيجر، فأتاهم الله بهذا البطل الذي كبدهم من الخسائر في الأموال والرجال ما لم يتوقعوه، حتى أن بيروز peroz وهو من كبار عساكر الفرنسيين لقبه بنابليون السودان، وهذا البطل العظيم هو في الحقيقة فوق هذا اللقب بكثير، فقد دوّخ الفرنسيين بجهاد جليل دام ثلاثة عشر عاماً!!

هذا وأسلحته تعد بدائية أمام آلة الحرب الفرنسية الجبارة لكنه الإيمان إذا وقر في القلوب فلا يقوم أمامه شيء، لكن ابتلي بعدو مسلم كدر عليه جهاده، واتفق مع عدوه ضده، وهذه بلية تكررت في بلاد المسلمين كثيراً، خاصة في الأندلس وفي بعض بلاد المغرب العربي الكبير، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وعدوه هذا اسمه تيبا Tieba حاكم كندوجو kenedougou وكان هذا عدوه الأول لكنه ليس الوحيد فقد ابتلي بغيره لكن كان ذلك هو العدو اللدود الذي ساعد الفرنسيين كثيراً في ضرب ساموري بحيث كان الفرنسيون يهجمون عليه من جهة فيهجم عليه تيبا من جهة أخرى ليصير ساموري بين المطرقة والسندان.

وما درى هؤلاء الحكام المساكين أن استعانتهم بالكفار على هذا الوجه والتنسيق معهم لضرب المسلمين هو تمزيق لعقيدة الولاء والبراء، وإذهاب لقوة المسلمين أدراج الرياح، وسرور الأعداء وشماتتهم لكن قاتل الله الحرص على الكراسي فكم جلب من المآسي، واستعصى انتزاعه على الآسي.

وتفصيل إنشائه الدولة ومقاومته الجليلة -رحمه الله تعالى- للفرنسيين أنه اتخذ من بلدة بيساندوجو Bissandougou عاصمة لملكه، وأقامها على الجهاد في سبيل الله تعالى وأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا ما أكسبه حيوية وطاقة متجددة لا تنضب, واضطر أن يهادن جيرانه من الإنجليز حتى لا يفتح عليه باباً ثالثاً هو في غنى عنه فيكفيه عدوه الفرنسي وعدوه تيبا، وأنشأ جيشاً قوياً نسبياً قسمه ثلاثة أقسام: أفضلها وأعظمها قوة جعلها قائمة في وجه الفرنسيين ليمنعهم من التدخل في البلاد، والقسم الثاني جعله لحفظ الأمن في بلاده، والقسم الثالث جعله للتوسعات والفتوحات الجديدة للقضاء على الوثنية ونشر الإسلام، وبلغ من حرصه على جيشه أنه استطاع أن يصنع بعض الأسلحة وقطع الغيار محلياً، وتلك مرحلة متقدمة في زمنه رحمه الله تعالى، وباقي الأسلحة يشتريها من مدينة فريتون بسيراليون.

وقد فرض على زعيم كل قرية أن يأتيه بشبان صالحين للجندية، وفي أوقات السلم كانت القوات الاحتياطية تُسرّح ستة أشهر لتعمل في فلاحة الأرض وإجراء المنافع، لتعود بعد ذلك، فإن كان في حاجة لها أبقاها وإلا سرّحها مدة أخرى وهكذا، وهذا ضبط جيد فيه صيانة للدين والدنيا معاً، وكان سكان مملكته مليوناً وربع المليون.

وقسم بلاده تقسيماً إدارياً منضبطاً إلى اثنين وستين ومائة إقليم، في كل منه عشرون قرية على كل منها زعيم، وفوق الزعيم حاكم الإقليم، وفوق حكام الأقاليم الإمام الذي من مهامه نشر الإسلام والقضاء على الوثنية، وتقوية الدولة والمحافظة عليها.

وقد أكثر رحمه الله تعالى من بناء المدارس والمساجد، ونشر الوعاظ، واهتم بتحفيظ القرآن الكريم.


حروبه مع فرنسا:
توسعت فرنسا في غرب إفريقيا لتسترد هيبتها التي فقدت عقب هزيمتها في 1870 أمام روسيا، وأيضاً استفادت من مقررات مؤتمر برلين سنة 1302/1884 الذي سمح بتنظيم الاحتلال الأوروبي للقارة السوداء، فوضعت فرنسا نصب عينها مملكة الإمام ساموري توري، ووجدت الفرصة سانحة عندما ارتمى في أحضانها عدوه تيبا المسلم حاكم كندوجو!! فكانت فرنسا تنسق مع تيبا ليحرك قواته إذا حركت هي قواتها حتى تُضعِف من مقاومة ساموري، وما زالت فرنسا تحاربه حتى اضطر لهدنة تنجلي بموجبها قواته من الضفة اليسرى لنهر النيجر تماماً ويعترف باستيلاء فرنسا عليها وعلى مناجم الذهب في بوريه وإرغامه على التعامل مع المراكز التجارية الفرنسية، ومقابلها تعترف له فرنسا بملكيته للضفة اليمنى من النهر.

بعد المعاهدة توجه الإمام إلى عدوه تيبا ليقضي عليه وحاصره ستة أشهر في عاصمته سيكاسو لكنه أخفق في فتحها، ولجأ الفرنسيون إلى الحيلة ليخففوا عن حليفهم تيبا الحصار ففك الإمام حصاره عن العاصمة وعاد إلى بلاده لكن بعد أن تحمل خسائر كبيرة فقد قُتل سبعة آلاف من جنده واثنين من أشهر قواده، وثار بعض شعبه عليه في أعقاب هذه الحملة، وعارضوا مطالبه بزيادة الجند.

تولى قيادة الجيش الفرنسي في المنطقة قائد شديد العداوة للإسلام والمسلمين اسمه أرشينار، وفرض على ساموري معاهدة أخرى سنة 1307/1889 تنازل فيها الإمام عن بعض الأراضي وتعهد بعدم الإغارة على البلاد التي احتلتها فرنسا، وقبلها الإمام لأنه كان في حالة ضعف ولم يشأ أن يصطدم مع الفرنسيين آنذاك.

وأراد القائد الفرنسي أن يستغل تيبا في صراعه مع الإمام مرة أخرى، خاصة أن تيبا أرسل له رسالة يقول له فيها: "إني على ثقة من حسن استقبال أهل البلاد لكم فهم لن يخافوكم، ولن يخشوا إغاراتكم، وسوف يتغير رأيهم فيكم، وتتلاشى كراهيتهم عندما يتفهمونكم ويدركون أغراضكم"!! وهذه خيانة من تيبا لشعبه المسلم، وخيانة لحاكم مسلم آخر، ولشعب مسلم عريض؛ لكن حب الرئاسة يعمي ويصم.

وحاول القائد أرشينار أن يستميل الإمام وأن يغريه بمعسول القول في رسائل عديدة أرسلها له واقتراحات اقترحها عليه لكن كان الإمام يقظاً فواجهها بالاحتقار الذي تستحقه.

وقد استطاع القائد أرشينار أن يحتل مدينتين من مدن الإمام: كانكان، وبيساندوجو، لكن عندما دخلها وجدهما أكواماً من الرماد فقد أحرقهما الإمام حتى لا يستفيد منهما بشيء.


وكانت مملكة ساموري تدعوها فرنسا بالإمبراطورية المتنقلة لأن ساموري كان كلما فقد جزءاً من مملكته عوضه بأجزاء أخرى من الممالك الوثنية المجاورة فكأنه لم يفقد شيئاً وإنما غير حدود مملكته بهذا.


غيرت الحكومة الفرنسية القائد أرشينار وأتت بقائد آخر اسمه بونييه Bonnerr بغية تحقيق نصر سريع بعد أن طالت مدة مقاومة ساموري، وجرد القائد الجديد حملة بقيادة مونتي Monteil لكنها منيت بهزيمة ساحقة من قوات الإمام ساموري وأسر من الجند الفرنسيين عدد كبير، ثم أرسلت فرنسا حملة أخرى فهزمت ولله الحمد كما هزمت سابقتها، فجنحت فرنسا للسلم، وأرسلت حاكم السنغال الفرنسي ليعقد معاهدة مع الإمام الذي قبلها لحاجته إلى الراحة والإعداد وللتفرغ لنشر الإسلام بين الوثنيين، لكن الفرنسيين لجأوا إلى الحيلة والخداع في هذه المعاهدة وتمكنوا على إثرها من تعقب الإمام في معركة كبيرة في يوليو سنة 1898 كسبها ساموري ضد القائد الفرنسي لارتيج Lartigue لكنه أخطأ فتحرك غرباً فدخل الغابات الاستوائية وجبال الدان في فصل الأمطار فأصابت جنده المجاعة وتشتتوا فلم يجتمعوا بعد هذا، وأراد ساموري أن يعود إلى ساننكورو لكن الفرنسيين رفضوا إلا أن يأتيهم بأبنائه رهينة ويسلم أسلحته فعظم عليه ذلك فواصل القتال حتى قبض عليه غدراً ونفي إلى جزيرة أوجويه Ougoue في سنة 1317/1898 وقيل نفي إلى الجابون، وتوفي في سنة 1319/1900 رحمه الله تعالى، واستقرت فرنسا في غرب إفريقيا عقب هذا الانتصار المفاجئ.


وقد ترك حفيدة أحمدوا سيكوتوري ليتولى المقاومة من بعده وليصبح أول رئيس لغينيا التي حصلت على استقلالها سنة 1958.
أما عدوه تيبا فقد استولى الفرنسيون على بلاده، وهذه عاقبة كل خائن عميل.

وقد انتصرت فرنسا لثلاثة أسباب رئيسة:
• العداء بين القادة المسلمين والخيانة والعمالة من بعضهم.
• مساعدة الوثنيين لهم.
• القوة الحربية كانت لصالحهم في السلاح والعتاد.
لكن يكفي ساموري شرفاً وفخراً أن أقام دولة نشرت الإسلام وحاربت الوثنية كل تلك المدة، ويكفيه أنه وقف أمام دولة عظمى آنذاك ثلاثة عشر عاماً أذاقها الهزيمة مرات عديدة، ووحد شعب المانديجو بعد أن كان قبائل متناثرة وعشائر متناحرة فرحمه الله ورضي عنه، وأعلى درجته في عليين.

موقف جليل في حياة ساموري توري:
هناك موقف عظيم في حياة الإمام ساموري توري رأيت أن آتي به مذيلاً سيرته حتى يبرز ولا يُنسى، وهو أن الفرنسيين اختطفوا ولده وساوموه على رده بمساومات لم يرضها فلم يقبل فأخذوه إلى فرنسا ست سنوات، واستطاعوا التأثير عليه وتغيير أفكاره ليصبح منهجه مخالفاً لمنهج أبيه تماماً وأرسلوه إلى أبيه ليقنعه بترك الجهاد، وهنا تجرد ساموري توري لله تعالى، وعظمت عنده عقيدة الولاء والبراء، وقتل ولده في مشهد عام بين الناس حتى لا يؤثر على حركة الجهاد، وهذا الصنيع العظيم يصدق فيه قول الله تعالى: { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } فلله در هذا الإمام العظيم.