مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
النتائج 1 إلى 14 من 14

الموضوع: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمـة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
    أما بعد: فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك. سميته (مجالس شهر رمضان)، وقد سبق أن طبع عدة مرات، ثم بدا لي أن أعلق عليه بصفة مختصرة تخريج أحاديثه، وإضافة ما رأيته محتاجا إلى إضافة، وحذف ما رأيته مستغْنًى عنه، وهو يسير لا يخل بمقصود الكتاب. أسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لله، وأن ينفع به، إنه جواد كريم.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الأول
    في فضل شهر رمضان
    الحمد لله الذي أنشأ وبرا، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذرا، لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 6 - 8]، خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى، وبعث نوحا فصنع الفُلْك بأمر الله وجرى، وَنَجَّى الخليل من النار فصار حرها بردا وسلاما عليه، فاعتبِروا بما جرى، وآتى موسى تسع آيات فما ادَّكر فرعون وما ارعوى، وأيَّد عيسى بآيات تبهر الورى، وأنزل الكتاب على محمد فيه البيِّنات والهدى، أحمده على نعمه التي لا تزال تترى، وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى، صلى الله عليه وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرا، وعلى عمر الملهَم في رأيه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنته ما كان حديثا يُفْتَرَى، وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الشرى، وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى، وسلم تسليما.
    إخواني: لقد أظلنا شهر " كريم " وموسم " عظيم "، يعظم الله فيه الأجر ويجزل المواهب، ويفتح أبواب الخير فيه لكل راغب، شهر الخيرات والبركات، شهر المنح والهبات، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، شهر " محفوف " بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، اشتهرت بفضله الأخبار، وتواترت فيه الآثار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين }، وإنما تفتح أبواب الجنة في هذا الشهر لكثرة الأعمال الصالحة وترغيبا للعاملين، وتغلق أبواب النار لقلة المعاصي من أهل الإيمان، وتصفد الشياطين فتُغَلُّ فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { أُعْطِيَتْ أمتي خمس خصال في رمضان لم تُعْطَهُنَّ أمة من الأمم قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه مَرَدَة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة "، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: " لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله }.
    إخواني: هذه الخصال الخمس ادخرها الله لكم وخصكم بها من بين سائر الأمم، ومنَّ بها عليكم ليتمم بها عليكم النعم، وكم لله من نعم وفضائل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران: 110 ].
    * الخصلة الأولى: { أن خُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك }، والخلوف بضم الخاء أو فتحها تغير رائحة الفم عند خلو المعدة من الطعام، وهي رائحة مستكرهة عند الناس لكنها عند الله أطيب من رائحة المسك؛ لأنها ناشئة عن عبادة الله وطاعته، وكل ما نشأ عن عبادته وطاعته فهو محبوب عنده سبحانه يعوِّض عنه صاحبه ما هو خير وأفضل وأطيب، ألا ترون إلى الشهيد الذي قُتِل في سبيل الله يريد أن تكون كلمة الله هي العليا يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك؟ وفي الحج يباهي الله الملائكة بأهل الموقف فيقول سبحانه: { انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شُعثا غُبرا }، وإنما كان الشَّعَث محبوبا إلى الله في هذا الموطن لأنه ناشئ عن طاعة الله باجتناب محظورات الإحرام وترك الترفه.
    * الْخَصلة الثانية: { أن الملائكة تستغفر لهم حتى يفطروا }، والملائكة عباد مكرَمون عند الله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم جديرون بأن يستجيب الله دعاءهم للصائمين حيث أذن لهم به، وإنما أذن الله لهم بالاستغفار للصائمين من هذه الأمة تنويها بشأنهم، ورفعة لذكرهم، وبيانا لفضيلة صومهم، والاستغفار طلب المغفرة، وهي ستر الذنوب في الدنيا والآخرة والتجاوز عنها، وهي من أعلى المطالب وأسمى الغايات، فكل بني آدم خطاءون مسرفون على أنفسهم مضطرون إلى مغفرة الله عز وجل.
    الخصلة الثالثة: { أن الله يزين كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك}، فيزين الله تعالى جنته كل يوم تهيئة لعباده الصالحين وترغيبا في الوصول إليها، ويقول سبحانه: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى، يعني مؤونة الدنيا وتعبها وأذاها، ويُشَمِّروا إلى الأعمال الصالحة التي فيها سعادتهم في الدنيا والآخرة، والوصول إلى دار السلام والكرامة.
    * الخصلة الرابعة:{ أن مردة الشياطين يُصَفَّدون بالسلاسل والأغلال }، فلا يصلون إلى ما يريدون من عباد الله الصالحين من الإضلال عن الحق والتثبيط عن الخير، وهذا من معونة الله لهم أن حبس عنهم عدوهم الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، ولذلك تجد عند الصالحين من الرغبة في الخير والعزوف عن الشر في هذا الشهر أكثر من غيره.
    * الخصلة الخامسة: { أن الله يغفر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر ليلة من هذا الشهر }، إذا قاموا بما ينبغي أن يقوموا به في هذا الشهر المبارك من الصيام والقيام تفضلا منه سبحانه بتوفية أجورهم عند انتهاء أعمالهم، فإن العامل يوفى أجره عند انتهاء عمله).
    وقد تفضل سبحانه على عباده بهذا الأجر من وجوه ثلاثة:
    * الوجه الأول: أنه شرع لهم من الأعمال الصالحة ما يكون سببا لمغفرة ذنوبهم ورفعة درجاتهم، ولولا أنه شرع ذلك ما كان لهم أن يتعبدوا لله بها؛ إذ العبادة لا تؤخذ إلا من وحي الله على رسله، ولذلك أنكر الله على من يُشَرِّعون من دونه، وجعل ذلك نوعا من الشرك فقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21 ].
    * الوجه الثاني: أنه وفَّقَهم للعمل الصالح وقد تركه كثير من الناس، ولولا معونة الله لهم وتوفيقه ما قاموا به، فلله الفضل والمنة بذلك.
    {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} [الحجرات: 17 ].
    * الوجه الثالث: أنه تفضل بالأجر الكثير، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فالفضل من الله بالعمل والثواب عليه، والحمد لله رب العالمين.
    إخواني: بلوغ رمضان نعمة كبيرة على من بلغه وقام بحقه بالرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته، ومن الغفلة عنه إلى ذكره، ومن البعد عنه إلى الإنابة إليه.
    يا ذا الذي ما كفاه الذنبُ في رجبٍ
    لقد أظلَّك شهر الصوم بعدهما
    واتل القُرَان وسبح فيه مجتهدا
    كم كنت تعرف ممن صام في سَلَفٍ
    أفناهمُ الموت واستبقاك بعدهمو







    حتى عصى ربه في شهر شعبانِ
    فلا تُصَيِّرْهُ أيضا شهرَ عصيانِ
    فإنه شهر تسبيح وقرآنِ
    من بين أهل وجيران وإخوانِ
    حَيًّا فما أقرب القاصي من الداني

    اللهم أيقِظْنا من رقدات الغفلة، ووفقنا للتزود من التقوى قبل النُّقْلة، وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الثاني
    في فضل الصيام
    الحمد لله اللطيف الرؤوف المنان، الغني القوي السلطان، الحليم الكريم، الرحيم الرحمن، الأول فلا شيء قبله والآخر فلا شيء بعده، والظاهر فلا شيء فوقه، الباطن فلا شيء دونه، المحيط علما بما يكون وما كان، يُعِز ويُذِل، ويُفْقِر ويُغْنِي، ويفعل ما يشاء بحكمته، كل يوم هو في شأن، أرسى الأرض بالجبال في نواحيها، وأرسل السحاب الثقال بماء يحييها، وقضى بالفناء على جميع ساكنيها، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي المحسنين بالإحسان.
    أحمده على الصفات الكاملة الْحِسان، وأشكره على نِعَمه السابغة وبالشكر يزيد العطاء والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الديَّان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما توالت الأزمان، وسلم تسليما.
    إخواني: اعلموا أن الصوم من أفضل العبادات وأَجَلِّ الطاعات، جاءت بفضله الآثار، ونقلت فيه بين الناس الأخبار.
    * فمن فضائل الصوم: أن الله كتبه على جميع الأمم وفرضه عليهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183 ]، ولولا أنه عبادة عظيمة لا غنى للخلق عن التعبد بها لله وعما يترتب عليها من ثواب ما فرضه الله على جميع الأمم.
    * ومن فضائل الصوم في رمضان: أنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه}، يعني إيمانا بالله ورضا بفرضيَّة الصوم عليه واحتسابا لثوابه وأجره، ولم يكن كارها لفرضه ولا شاكًّا في ثوابه وأجره، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه.
    * وعن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكَفِّرات لما بينهن إذا اجْتُنِبَت الكبائر}.
    ومن فضائل الصوم: أن ثوابه لا يتقيد بعدد معين بل يُعْطَى الصائم أجره بغير حساب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه }، وفي رواية لمسلم: {كل عمل ابن آدم له يضاعَف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوته وطعامه من أجلي}.
    وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة:
    - الأول: أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال؛ وذلك لشرفه عنده ومحبته له وظهور الإخلاص له سبحانه فيه؛ لأنه سر بين العبد وبين ربه، لا يطَّلع عليه إلا الله، فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكِّنا من تناول ما حرم الله عليه بالصيام فلا يتناوله؛ لأنه يعلم أن له ربا يطَّلِع عليه في خلوته، وقد حرم عليه ذلك فيتركه لله خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص، واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله؛ ولهذا قال: {يدع شهوته وطعامه من أجلي}، وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة كما قال سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى إذا لم يبقَ إلا الصوم يتحمل الله عنه ما بقي من المظالم، ويدخله الجنة بالصوم.
    - الثاني: أن الله قال في الصوم: {وأنا أجزي به}، فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة؛ لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أما الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه إلى نفسه من غير اعتبار عدد، وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.
    والعطيَّة بقدر معطيها فيكون أجر الصائم عظيما كثيرا بلا حساب، والصيام صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن والنفس، فقد اجتمعت فيه أنواع الصبر الثلاثة، وتحقَّقَ أن يكون الصائم من الصابرين، وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10 ].
    - الثالث: أن الصوم جُنَّة أي: وقاية وستر يقي الصائم من اللغو والرفث، ولذلك قال: {فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب}، ويقيه أيضا من النار، ولذلك رُوي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الصيام جنة يَسْتَجِنُّ بها العبد من النار}.
    - الرابع: أن خَلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنها من آثار الصيام فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له، وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله حتى إن الشيء المكروه المستخْبَث عند الناس يكون محبوبا عند الله وطيبا لكونه نشأ عن طاعته بالصيام.
    - الخامس: أن للصائم فرحتين: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، أما فرحه عند فطره فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة، وكم من أناس حرموه فلم يصوموا، ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح الذي كان مُحَرَّما عليه حال الصوم. وأما فرحه عند لقاء ربه فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله تعالى مُوَفَّرا كاملا في وقت هو أحوج ما يكون إليه حين يقال: أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الريَّان الذي لا يدخله أحد غيرهم؟
    وفي هذا الحديث إرشاد للصائم إذا سابَّه أحد أو قاتله أن لا يقابله بالمثل لئلا يزداد السباب والقتال، وأن لا يضعف أمامه بالسكوت، بل يخبره بأنه صائم إشارة إلى أنه لن يقابله بالمثل احتراما للصوم لا عجزا عن الأخذ بالثأر، وحينئذ ينقطع السباب والقتال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[فصلت: 34 - 35 ].
    - ومن فضائل الصوم: أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعتُه الطعام والشهوة فَشَفِّعْنِي فيه، ويقول القرآن: منعتُه النوم بالليل فَشَفِّعْنِي فيه، قال: فيشفعان }.
    إخواني: فضائل الصوم لا تُدْرَك حتى يقوم الصائم بآدابه، فاجتهِدوا في إتقان صيامكم وحفظ حدوده، وتوبوا إلى ربكم من تقصيركم في ذلك، اللهم احفظ صيامنا واجعله شافعا لنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الثالث
    في حكم صيام رمضان
    الحمد لله الذي لا مانع لما وهب، ولا معطيَ لما سلب، طاعته للعالمين أفضل مكتسب، وتقواه للمتقين أعلى نسب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهل لهم في جانب طاعته كل نَصَب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب.
    أحمده على ما منحنا من فضله ووهب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هزم الأحزاب وغلب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، صلى الله عليه وعلى صحبه أبي بكر الفائق في الفضائل والرتب، وعلى عمر الذي فر الشيطان منه وهرب، وعلى عثمان ذي النورين التقي النقي الحسب، وعلى علي صهره وابن عمه في النسب، وعلى بقية أصحابه الذين اكتسبوا في الدين أعلى فخر ومكتسَب، وعلى التابعين لهم بإحسان ما أشرق النجم وغرب، وسلم تسليما.
    إخواني: إن صيام رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) } [البقرة: 183 - 185 ].
    وقال النبي صلى الله عيه وسلم {بُنِيَ الإسلامُ على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان}، ولمسلم: {وصوم رمضان وحج البيت}، وأجمع المسلمون على فرضيَّة صوم رمضان إجماعا قطعيا معلوما بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر وجوبه فقد كفر، فَيُسْتَتَاب فإن تاب وأقر بوجوبه وإلا قُتِلَ كافرا مُرْتَدًّا عن الإسلام، لا يُغَسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه ولا يُدْعَى له بالرحمة ويدفَن لئلا يؤذي الناس برائحته ويتأذى أهله بمشاهدته.
    فُرِضَ صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين.
    وكان فرض الصيام على مرحلتين:
    * المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه.
    * المرحلة الثانية: تعيين الصيام بدون تخيير، فعن سَلَمَةَ بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين} [البقرة: 184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي (يعني فَعَلَ) حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، يعني بها قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185 ]، فأوجب الله الصيام عَيْنًا بدون تخيير.
    ولا يجب الصوم حتى يثبت دخول الشهر، فلا يصوم قبل دخول الشهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يتقدمن أحدكم بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم}، ويُحْكَم بدخول شهر رمضان بواحد من أمرين:
    الأول: رؤية هلاله لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا رأيتم الهلال فصوموا}، ولا يشترط أن يراه كل واحد بنفسه، بل إذا رآه من يثبت بشهادته دخول الشهر وجب الصوم على الجميع.
    ويُشترط لقبول الشهادة بالرؤية أن يكون الشاهد بالغا عاقلا مسلما موثوقا بخبره لأمانته وبصره، فأما الصغير فلا يثبت الشهر بشهادته لأنه لا يُوثَق به وأَوْلَى منه المجنون، والكافر لا يثبت الشهر بشهادته أيضا لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: {جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان -. فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم. قال: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال: نعم. قال: " يا بلال أَذِّنْ في الناس فليصوموا غدا }، ومن لا يُوثَق بخبره بكونه معروفا بالكذب أو بالتسرع أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته للشك في صدقه أو رجحان كذبه، ويثبت دخول شهر رمضان خاصة بشهادة رجل واحد؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما:{تراءى الناس الهلال فأخبرتُ النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه}، ومن رآه متيقنا رؤيته وجب عليه إخبار ولاة الأمور بذلك، وكذلك من رأى هلال شوال وذي الحجة؛ لأنه يترتب على ذلك واجب الصوم والفطر والحج - وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب -، وإن رآه وحده في مكان بعيد لا يمكنه إخبار ولاة الأمور فإنه يصوم ويسعى في إيصال الخبر إلى ولاة الأمور بقدر ما يستطيع.
    وإذا أُعْلِن ثبوت الشهر من قِبَل الحكومة بالمذياع أو غيره وجب العمل بذلك في دخول الشهر وخروجه في رمضان أو غيره؛ لأن إعلانه من قِبَلِ الحكومة حجة شرعية يجب العمل بها، ولذلك أمر النبي r بلالا أن يؤذن في الناس معلنا ثبوت الشهر ليصوموا حين ثبت عنده صلى الله عليه وسلم دخوله، وجعل ذلك الإعلام ملزما لهم بالصيام.
    وإذا ثبت دخول الشهر ثبوتا شرعيا فلا عبرة بمنازل القمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّق الحكم برؤية الهلال لا بمنازله فقال صلى الله عليه وسلم: {إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا }، وقال صلى الله عليه وسلم: {إن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا}.
    الأمر الثاني: مما يُحْكَم فيه بدخول الشهر: إكمال الشهر السابق قبله ثلاثين يوما؛ لأن الشهر القمري لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوما، ولا ينقص عن تسعة وعشرين يوما، وربما يتوالى شهران أو ثلاثة إلى أربعة ثلاثين يوما، أو شهران أو ثلاثة إلى أربعة تسعة وعشرين يوما، لكن الغالب شهر أو شهران كاملة والثالث ناقص، فمتى تم الشهر السابق ثلاثين يوما حُكِمَ شرعا بدخول الشهر الذي يليه وإن لم يُرَ الهلال لقول النبي صلى الله عليه وسلم:{صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمِّيَ عليكم الشهر فعدوا ثلاثين} وعند البخاري: {فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين}، وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: {كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمَّ أتم عليه ثلاثين يوما ثم صام}.
    وبهذه الأحاديث تبَيَّن أنه لا يصام رمضان قبل رؤية هلاله، فإن لم يُرَ الهلال أُكْمِلَ شعبانُ ثلاثين يوما، ولا يصام يوم الثلاثين منه سواء كانت الليلة صحوا أم غيما لقول عمار بن ياسر رضي الله عنهما: { من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم}
    اللهم وَفِّقْنَا لاتباع الهدى، وجنِّبْنا أسباب الهلاك والشقاء، واجعل شهرنا هذا لنا شهر خير وبركة، وأعنا فيه على طاعتك، وجنِّبْنا طرق معصيتك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الرابع

    في حكم قيام رمضان
    الحمد لله الذي أعان بفضله الأقدام السالكة، وأنقذ برحمته النفوس الهالكة، ويسَّر من شاء لليسرى فرغب في الآخرة، أحمده على الأمور اللذيذة والشائكة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العزة والقهر فكل النفوس له ذليلة عانية، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم بأمر ربه سرا وعلانية، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي تُحَرِّض عليه الفرقة الآفكة، وعلى عمر الذي كانت نفسه لنفسه مالكة، وعلى عثمان منفق الأموال المتكاثرة، وعلى علي مفرِّق الأبطال في الجموع المتكاثفة، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان ما قرعت الأقدام السالكة، وسلم تسليما.
    إخواني: لقد شرع الله لعباده العبادات ونوَّعها لهم ليأخذوا من كل نوع منها بنصيب، ولئلا يملوا من النوع الواحد فيتركوا العمل فيشقى الواحد منهم ويخيب، وجعل منها فرائض لا يجوز النقص فيها ولا الإخلال، ومنها نوافل يحصل بها زيادة التقرب إلى الله والإكمال.
    * فمن ذلك الصلاة: فرض الله منها على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة خمسا في الفعل وخمسين في الميزان، وندب الله إلى زيادة التطوع من الصلوات تكميلا لهذه الفرائض وزيادة في القُربى إليه، فمن هذه النوافل الرواتب التابعة للصلوات المفروضة: ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ومنها صلاة الليل التي امتدح الله في كتابه القائمين بها فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً}[الفرقان: 64 ]، وقال: {تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17 ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل }، وقال صلى الله عليه وسلم: {أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام}.
    ومن صلاة الليل الوتر، أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، فيُوتِر بركعة مفردة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل}، فإن أحب سردها بسلام واحد لما روى الطحاوي أن عمر بن الخطاب  أوتر بثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن، وإن أحب صلى ركعتين وسلم ثم صلى الثالثة لما روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى كان يأمر ببعض حاجته، ويوتر بخمس فيسردها جميعا لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {من أحب أن يوتر بخمس فليفعل }، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: {كان النبي  يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن }، ويوتر بسبع فيسردها كالخمس لقول أم سلمة رضي الله عنها: {كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام }.
    ويُوتِر بتسع فيسردها لا يجلس إلا في الثامنة، فيقرأ التشهد ويدعو ثم يقوم ولا يسلم فيصلي التاسعة ويتشهد ويدعو ويسلم لحديث عائشة رضي الله عنها في وِتر رسول الله  قالت: {كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا }، ويصلي إحدى عشرة ركعة، فإن أحب سلَّم من كل ركعتين وأوتر بواحدة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: {كان النبي  يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة}، وإن أحب صلى أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: {كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا}.
    وقال الفقهاء من الحنابلة والشافعية: يجوز في الوتر بإحدى عشرة أن يسردها بتشهد واحد أو بتشهدين في الأخيرة والتي قبلها.
    وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: { من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه} . ومعنى قوله: " إيمانا " أي: إيمانا بالله وبما أعَدَّه من الثواب للقائمين، ومعنى قوله: " احتسابا " أي: طلبا لثواب الله لم يحمله على ذلك رياء ولا سمعة ولا طلب مال ولا جاه، وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره، وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان، فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها واحتساب الأجر والثواب من الله عليها، وما هي إلا ليالٍ معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها، وإنما سُمِّيَتْ تراويحَ لأن الناس كانوا يطيلونها جدا فكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلا.
    وكان النبي  أول من سَنَّ الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفا من أن تُفْرَض على أمته، فعن عائشة رضي الله عنها {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة، وكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله  فلما أصبح قال: " قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَض عليكم}، وذلك في رمضان.
    وعن أبي ذررضي الله عنه قال: {صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة ثم قام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل أي: نصفه، فقلنا: يا رسول الله لو نَفَلْتَنَا بقية ليلتنا هذه؟ فقال  " إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة}.
    واختلف السلف الصالح في عدد الركعات في صلاة التراويح والوتر معها فقيل: إحدى وأربعون ركعة، وقيل: تسع وثلاثون، وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ثلاث وعشرون، وقيل: تسع عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: إحدى عشرة، وقيل غير ذلك، وأرجح هذه الأقوال أنها إحدى عشرة أو ثلاث عشرة لِمَا رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها أنها سُئِلَتْ: كيف كانت صلاة النبي  في رمضان؟ فقالت: {ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة}، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {كانت صلاة النبيصلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة يعني من الليل}، وعن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب  أُبَيَّ بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة,
    وكان السلف الصالح يطيلونها جدا، ففي حديث السائب بن يزيد  قال: كان القارئ يقرأ بالمئين يعني بمئات الآيات حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس اليوم حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، فيخلون بهذا الركن ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن، يجنون على أنفسهم ويجنون على غيرهم، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه يُكْرَه للإمام أن يُسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب؟ نسأل الله السلامة.
    ولا ينبغي للرجل أن يتخلف عن صلاة التراويح لينال ثوابها وأجرها، ولا ينصرف حتى ينتهي الإمام منها ومن الوتر ليحصل له أجر قيام الليل كله، ويجوز للنساء حضور التراويح في المسجد إذا أمنت الفتنة منهن وبهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله}. " ولأن هذا من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم، لكن يجب أن تأتي متسترة متحجبة غير متبرجة ولا متطيبة ولا رافعة صوتا ولا مبدية زينة لقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْها} [النور: 31 ]، أي: لكن ما ظهر منها فلا يمكن إخفاؤه وهو الجلباب والعباءة ونحوهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالخروج إلى الصلاة يوم العيد قالت أم عطية: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: {لِتُلْبِسْهَا أختُها من جلبابها}.
    والسنة للنساء أن يتأخرن عن الرجال ويبعدن عنهم، ويبدأن بالصف المؤخَّر فالمؤخر عكس الرجال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها}، وينصرفن من المسجد فور تسليم الإمام، ولا يتأخرن إلا لعذر {لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيرا قبل أن يقوم، قالت: نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال }.
    اللهم وفقنا لما وفقت القوم إليه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الخامس
    في فضل تلاوة القرآن وأنواعها
    الحمد لله الداعي إلى بابه، الموفق من شاء لصوابه، أنعم بإنزال كتابه، يشتمل على مُحْكَم ومتشابه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، أحمده على الهدى وتيسير أسبابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من عقابه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل الناس عملا في ذهابه وإيابه، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل أصحابه، وعلى عمر الذي أعز الله به الدين واستقامت الدنيا به، وعلى عثمان شهيد داره ومحرابه، وعلى علي المشهور بحل المشكِل من العلوم وكشف نقابه، وعلى آله وأصحابه ومن كان أولى به، وسلم تسليما.
    إخواني: قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30 ].
    تلاوة كتاب الله على نوعين:
    تلاوة حُكْميَّة: وهي تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وسيأتي الكلام عليها في مجلس آخر إن شاء الله.
    والنوع الثاني: تلاوة لفظية
    وهي قراءته وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضلها إما في جميع القرآن، وإما في سور أو آيات معينة منه، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه}، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران}.
    والأجران أحدهما على التلاوة، والثاني على مشقتها على القارئ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مَثَل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو}، وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه}.
    وعن عقبة بن عامررضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله  خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده}، وقال صلى الله عليه وسلم: {تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تَفَلُّتًا من الإبل في عُقُلها}، وقال صلى الله عليه وسلم: {لا يقل أحدكم: نسيت آية كيت وكيت بل هو نُسِّيَ }؛ وذلك أن قوله: نَسِيت قد يُشْعِر بعدم المبالاة بما حفظ من القرآن حتى نسيه، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف}، وعنه رضي الله عنه أيضا أنه قال: {إن هذا القرآن مأدُبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين والنور المبين، والشعاع النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يزيغ فيُسْتَعْتَب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخْلَق من كثرة الترداد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أمَا إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف}.
    إخواني: هذه فضائل قراءة القرآن، وهذا أجره لمن احتسب الأجر من الله والرضوان، أجور كبيرة لأعمال يسيرة، فالمغبون من فرَّط فيه، والخاسر من فاته الربح حين لا يمكن تلافيه، وهذه الفضائل شاملة لجميع القرآن، وقد وردت السنة بفضائل سور معينة مخصصة.
    * فمن تلك السور سورة الفاتحة، فعن أبي سعيد بن الْمُعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {لأعلمنك أعظم سورة في القرآن: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه}، ومن أجل فضيلتها كانت قراءتها ركنا في الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:{لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج} يقولها ثلاثا، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك.
    ومن السور المعينة سورة البقرة وآل عمران، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صواف تُحَاجَّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أَخْذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة - يعني السَّحَرَة - }.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: {إن البيت الذي تُقْرَأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان}؛ وذلك لأن فيها آية الكرسي، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا قربه شيطان حتى يُصْبِح وعن ابن عباس رضي الله عنهما: {أن جبريل قال وهو عند النبيصلى الله عليه وسلم " هذا باب قد فُتِحَ من السماء ما فُتِحَ قط، قال: فنزل منه مَلَك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أَبْشِرْ بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته}.
    ومن السور المعينة في الفضيلة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: {والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن}، وليس معنى كونها تعدله في الفضيلة أنها تجزئ عنه، ولذلك لو قرأها في الصلاة ثلاث مرات لم تجزئه عن الفاتحة، ولا يلزم من كون الشيء معادلا لغيره في الفضيلة أن يجزئ، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: {من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الْمُلْك وله الحمد عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل}، ومع ذلك فلو كان عليه أربع رقاب كفارة فقال هذا الذكر لم يُجْزِئه عن هذه الرقاب وإن كان يعادلها في الفضيلة.
    ومن السور المعينة في الفضيلة سورتا المعوذتين {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: {ألم تر آيات أُنْزِلت لم يُرَ مثلهن: ،{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وعنه صلى الله عليه وسلم {أنه أمر عقبة أن يقرأ بهما ثم قال: " ما سأل سائل بمثلها ولا استعاذ مستعيذ بمثلها}.
    فاجتهدوا إخواني في كثرة قراءة القرآن المبارك لا سِيَّمَا في هذا الشهر الذي أنزل فيه، فإن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة، وكان جبريل يعارض النبي  القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدا وتثبيتا، وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يُكْثِرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف، وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في كل سبع ليالٍ دائما وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليالٍ وفي العشر الأواخر في كل ليلتين، وكان الأسود رحمه الله يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر.
    فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار واتَّبِعوا طريقهم تلحقوا بالبَرَرَة الأطهار، واغتنموا ساعات الليل والنهار بما يُقَرِّبكم إلى العزيز الغفار، فإن الأعمار تُطْوَى سريعا والأوقات تمضي جميعا وكأنها ساعة من نهار.
    اللهم ارزقنا تلاوة كتابك على الوجه الذي يرضيك عنا، واهدنا به سبل السلام، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، واجعله حجة لنا لا علينا يا رب العالمين.
    اللهم ارفع لنا به الدرجات، وأنقذنا به من الدركات، وكفر عنا به السيئات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس السادس
    في أقسام الناس في الصيام


    الحمد لله الذي أتقن بحكمته ما فطر وبَنَى، وشرع الشرائع رحمة وحكمة طريقا وسننا، وأمرنا بطاعته لا لحاجته بل لنا، يغفر الذنوب لكل من تاب إلى ربه ودنا، ويجزل العطايا لمن كان محسنا {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]. أحمده على فضائله سرا وعلنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها الفوز بدار النعيم والهنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي رفعه فوق السماوات فدنا، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر القائم بالعبادة راضيا بالعنا، الذي شرفه الله بقوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوبة: 40 ]، وعلى عمر الْمُجِدِّ في ظهور الإسلام فما ضعف ولا ونى، وعلى عثمان الذي رضي بالقدر وقد حل في الفِناء الفنا، وعلى علي القريب في النسب وقد نال المنى، وعلى سائر آله وأصحابه الكرام الأمناء، وسلم تسليما.
    إخواني: سبق في المجلس الثالث أَنَّ فَرْضَ الصيامِ كان في أول الأمر على مرحلتين، ثم استقرت أحكام الصيام فكان الناس فيها أقساما عشرة:
    * القسم الأول: المسلم البالغ العاقل المقيم القادر السالم من الموانع، فيجب عليه صوم رمضان أداء في وقته لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185 ]، وقال النبي صلى اللهعليه وسلم: {إذا رأيتم الهلال فصوموا}، وأجمع المسلمون على وجوب الصيام أداء على مَنْ وصفنا.
    فأما الكافر فلا يجب عليه الصيام ولا يصح منه لأنه ليس أهلا للعبادة، فإذا أسلم في أثناء شهر رمضان لم يلزمه قضاء الأيام الماضية، لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38 ]، وإن أسلم في أثناء يوم منه لزمه إمساك بقية اليوم؛ لأنه صار من أهل الوجوب حين إسلامه، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وقت وجوب الإمساك.
    * القسم الثاني: الصغير فلا يجب عليه الصيام حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق}، لكن يأمره وليه بالصوم إذا أطاقه تمرينا له على الطاعة ليألفها بعد بلوغه اقتداءً بالسلف الصالح رضي الله عنهم، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يُصَوِّمُون أولادهم وهم صغار، ويذهبون إلى المسجد فيجعلون لهم اللعبة من العِهْن (يعني الصوف أو نحوه) فإذا بكوا من فقد الطعام أعطوهم اللعبة يَتَلَهَّوْنَ بها.
    وكثير من الأولياء اليوم يغفلون عن هذا الأمر ولا يأمرون أولادهم بالصيام، بل إن بعضهم يمنع أولاده من الصيام مع رغبتهم فيه، يزعم أن ذلك رحمة بهم، والحقيقة أن رحمتهم هي القيام بواجب تربيتهم على شعائر الإسلام وتعاليمه القَيِّمة، فَمَنْ منعهم مِنْ ذلك أو فرط فيه كان ظالما لهم ولنفسه أيضا، نعم إن صاموا فرأى عليهم ضررا بالصيام فلا حرج عليه في منعهم منه حينئذ.
    ويحصل بلوغ الذكر بواحد من أمور ثلاثة:
    * أحدهما:
    إنزال المني باحتلام أو غيره لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِن ُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[النور: 59 ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: {غسل الجمعة واجب على كل محتلم}.
    * الثاني: نبات شعر العانة وهو الشعر الخشن ينبت حول القبل، لقول عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ رضي الله عنه: {عُرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قُرَيْظَة فمن كان محتلما أو أنبت عانته قُتِلَ ومن لا تُرِكَ}.
    * الثالث:
    بلوغ تمام خمس عشرة سنة لقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: {عُرِضْتُ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْني}، (يعني للقتال)، زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: {ولم يرني بلغت، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني} ، (زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: {ورآني بلغت}، قال نافع: فَقَدِمْتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته الحديث فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير وكتب لِعُمَّالِهِ أن يفرضوا (يعني من العطاء) لمن بلغ خمس عشرة سنة.
    ويحصل بلوغ الأنثى بما يحصل به بلوغ الذكر وزيادة أمر رابع وهو الحيض، فمتى حاضت الأنثى فقد بلغت، فيجري عليها قلم التكليف وإن لم تبلغ عشر سنين، وإذا حصل البلوغ أثناء نهار رمضان فإن كان من بلغ صائما أتم صومه ولا شيء عليه، وإن كان مفطرا لزمه إمساك يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وجوب الإمساك.
    * القسم الثالث:
    المجنون:
    وهو فاقد العقل فلا يجب عليه الصيام، لما سبق من قول النبي صلى الله عليه وسلم: {رفع القلم عن ثلاثة} (الحديث)، ولا يصح منه الصيام لأنه ليس له عقل يعقل به العبادة وينويها، والعبادة لا تصح إلا بنية لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى}... "، فإن كان يُجَنُّ أحيانا ويفيق أحيانا لزمه الصيام في حال إفاقته دون حال جنونه، وإن جُنَّ في أثناء النهار لم يبطل صومه كما لو أُغْمِيَ عليه بمرض أو غيره؛ لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة، ولا دليل على البطلان خصوصا إذا كان معلوما أن الجنون ينتابه في ساعات معينة، وعلى هذا فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون، وإذا أفاق المجنون أثناء نهار رمضان لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم.
    * القسم الرابع: الْهَرِم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه فلا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه فَأَشْبَهَ الصبي قبل التمييز، فإن كان يميز أحيانا ويهذي أحيانا وجب عليه الصوم في حال تمييزه دون حال هذيانه، والصلاة كالصوم لا تلزمه حال هذيانه وتلزمه حال تمييزه.
    * القسم الخامس: العاجز عن الصيام عجزا مستمرا لا يرجى زواله كالكبير والمريض مرضا لا يرجى برؤه كصاحب السرطان ونحوه، فلا يجب عليه الصيام لأنه لا يستطيعه وقد قال الله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16 ]، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286 ]، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكينا؛ لأن الله سبحانه جعل الإطعام معادلا للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فُرِضَ الصيام، فتعين أن يكون بدلا عن الصيام عند العجز عنه لأنه معادل له.
    ويُخَيَّر في الإطعام بين أن يفرقه حبا على المساكين لكل واحد مُدٌّ من البُّر ربع الصاع النبوي، ووزنه - أي: المد - نصف كيلو وعشرة غرامات بالبر الرزين الجيد، وبين أن يُصْلِح طعاما فيدعو إليه مساكين بقدر الأيام التي عليه، قال البخاري - رحمه الله -: وأما الشيخ الكبير إذا لم يُطِق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا.
    إخواني: الشرع حكمة من الله تعالى ورحمة رحم الله بها عباده؛ لأنه شرع مبني على التسهيل والرحمة وعلى الإتقان والحكمة، أوجب الله به على كل واحد من المكلفين ما يناسب حاله ليقوم كل أحد بما عليه منشرحا به صدره ومطمئنة به نفسه، يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا؛ فاحمدوا الله أيها المؤمنون على هذا الدين القيم، وعلى ما أنعم به عليكم من هدايتكم له وقد ضل عنه كثير من الناس، واسألوه أن يثبتكم عليه إلى الممات.
    اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، يا ذا الجلال والإكرام يا منان يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تجعلنا ممن رضي بك ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، ونسألك أن تثبتنا على ذلك إلى الممات، وأن تغفر لنا الخطايا والسيئات، وأن تهب لنا منك رحمة إنك أنت الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس السابع

    في طائفة من أقسام الناس في الصيام
    الحمد لله المتعالي عن الأنداد، المقدَّس عن النقائص والأضداد، المتنَزِّه عن الصاحبة والأولاد، رافع السبع الشداد، عالية بغير عماد، وواضع الأرض للمهاد، مُثَبَّتة بالراسيات الأطواد، المطَّلع على سر القلوب ومكنون الفؤاد، مقَدِّر ما كان وما يكون من الضلال والرشاد، في بحار لطفه تجري مراكب العباد، وفي ميدان حبه تجول خيل الزهَّاد، وعنده مبتغى الطالبين ومنتهى القصَّاد، وبعينه ما يتحمل المتحملون من أجله في الاجتهاد، يرى دبيب النمل الأسود في السواد، ويعلم ما توسوس به النفس في باطن الاعتقاد، جاد على السائلين فزادهم من الزاد، وأعطى الكثير للعاملين المخلصين في المراد، أحمده حمدا يفوق على الأعداد، وأشكره على نعمه وكلما شُكِرَ زاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الرحيم بالعباد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الخلق في كل البلاد، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي بذل من نفسه وماله وجاد، وعلى عمر الذي بالغ في نصر الإسلام وأجاد، وعلى عثمان الذي جَهَّزَ جيش العُسْرة فيا فخره يوم يقوم الأشهاد، وعلى علي المعروف بالشجاعة والجلاد، وعلى جميع الآل والأصحاب والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليما.
    إخواني: قدمنا الكلام عن خمسة أقسام من الناس في أحكام الصيام، ونتكلم في هذا المجلس عن طائفة أخرى من تلك الأقسام:
    * فالقسم السادس:
    المسافر إذا لم يقصد بسفره التَّحَيُّل على الفطر، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام والصيام واجب عليه حينئذ، فإذا لم يقصد التحيل فهو مخير بين الصيام والفطر سواء طالت مدة سفره أم قصرت، وسواء كان سفره طارئا لغرض أم مستمرا كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة لعموم قوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185 ]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:{كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم}.
    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: {كانوا يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن}.
    وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب فأجد بأن الصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون دينا علي، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: {أي ذلك شئت يا حمزة }.

    فإذا كان صاحب سيارة الأجرة يشق عليه الصوم في رمضان في السفر من أجل الحر مثلا فإنه يؤخره إلى وقت يبرد فيه الجو ويتيسر فيه الصيام عليه، والأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لأنه أسرع في إبراء ذمته وأنشط له إذا صام مع الناس، ولأنه فعل النبي صلى اللهىعليه وسلم كما في حديث أبي الدرداءرضي الله عنه قال: {خرجنا مع النبيصلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول اللهصلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة }.
    وأفطر صلى الله عليه وسلم مراعاة لأصحابه حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام، فعن جابر رضي الله عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم، فصام الناس معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه}.
    وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له، فقال: {اشربوا أيها الناس} فأبوا، فقال: " إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني ركْبٌ، فأبوا، فثنى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب.

    وإذا كان المسافر يشق عليه الصوم فإنه يفطر ولا يصوم في السفر، ففي حديث جابر السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أفطر حين شق الصوم على الناس قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {أولئك العصاة، أولئك العصاة}.
    وعن جابر أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظُلِّل عليه، فقال: {ما هذا؟} قالوا: صائم. فقال: {ليس من البر الصيام في السفر}.
    وإذا سافر الصائم في أثناء اليوم وشق عليه إكمال صومه جاز له الفطر إذا خرج من بلده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام وصام الناس معه حتى بلغ كراع الغميم، فلما بلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام أفطر وأفطر الناس معه، وكراع الغميم جبل أسود في طرف الْحَرَّة يمتد إلى الوادي المسمى بالغميم بين عُسْفان ومَرِّ الظَّهْران.

    وإذا قدم المسافر إلى بلده في نهار رمضان مفطرا لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطرا في أول النهار، والصوم الواجب لا يصح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟ اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: يجب عليه أن يمسك بقية اليوم احتراما للزمن، ويجب عليه القضاء أيضا لعدم صحة صوم ذلك اليوم، وهذا المشهور من مذهب أحمد رحمه الله، وقال بعض العلماء: لا يجب عليه أن يمسك بقيه ذلك اليوم؛ لأنه لا يستفيد من هذا الإمساك شيئا لوجوب القضاء عليه، وحرمة الزمن قد زالت بفطره المباح له أول النهار ظاهرا وباطنا، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أكل أول النهار فليأكل آخره، أي: من حل له الأكل أول النهار بعذر حل له الأكل آخره، وهذا مذهب مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد، ولكن لا يُعلِن أكله ولا شربه لخفاء سبب الفطر فيُساء به الظن أو يُقتدَى به.
    * القسم السابع: المريض الذي يرجى برء مرضه وله ثلاث حالات:
    * إحداها: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم لأنه ليس له عذر يبيح الفطر.
    * الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره فيفطر لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185 ]، ويُكْرَه له الصوم مع المشقة لأنه خروج عن رخصة الله تعالى وتعذيب لنفسه، وفي الحديث: {إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته}.
    * الحال الثالثة: أن يضره الصوم فيجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم لقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29 ]، وقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195 ]، ولقول النبيصلى الله عليه وسلم: {إن لنفسك عليك حقا}.
    ومن حقها أن لا تضرها مع وجود رخصة الله سبحانه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: {لا ضرر ولا ضرار}.

    وإذا حدث له المرض في أثناء رمضان وهو صائم وشق عليه إتمامه جاز له الفطر لوجود المبيح للفطر، وإذا برئ في نهار رمضان وهو مفطر لم يصح أن يصوم ذلك اليوم لأنه كان مفطرا في أول النهار، والصوم لا يصح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يلزمه أن يمسك بقية يومه؟ فيه خلاف بين العلماء سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطرا.
    وإذا ثبت بالطب أن الصوم يجلب المرض أو يؤخر برءه جاز له الفطر محافظة على صحته واتقاء للمرض، فإن كان يُرْجى زوال هذا الخطر انتظر حتى يزول ثم يقضي ما أفطر، وإن كان لا يرجى زواله فحكمه حكم القسم الخامس، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا.
    اللهم وفقنا للعمل بما يرضيك، وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الثامن
    في بقية أقسام الناس في الصيام وأحكام القضاء
    الحمد لله الواحد العظيم الجبار، القدير القوي القهار، المتعالي عن أن تدركه الخواطر والأبصار، وسم كل مخلوق بسمة الافتقار، وأظهر آثار قدرته بتصريف الليل والنهار، يسمع أنين المدنف يشكو ما به من الأضرار، ويبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الغار، ويعلم خفي الضمائر ومكنون الأسرار، صفاته كذاته والمشبهة كفار، نُقِرُّ بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآن والأخبار: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109 ]. أحمده سبحانه على المسارِّ والمضارِّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالخلق والتدبير {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68 ]، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الأنبياء الأطهار، صلَّى الله عليه وعلى أبي بكر رفيقه في الغار، وعلى عمر قامع الكفار، وعلى عثمان شهيد الدار، وعلى علي القائم بالأسحار، وعلى آله وأصحابه خصوصا المهاجرين والأنصار، وسلم تسليما.
    إخواني: قدمنا الكلام عن سبعة أقسام من أقسام الناس في الصيام وهذه بقية الأقسام:
    * القسم الثامن: الحائض فيحرم عليها الصيام ولا يصح منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: {ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن ". قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: " فذلك نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: " فذلك من نقصان دينها}.
    والحيض دم طبيعي يعتاد المرأة في أيام معلومة.
    وإذا ظهر الحيض منها وهي صائمة ولو قبل الغروب بلحظة بطل صوم يومها ولزمها قضاؤه إلا أن يكون صومها تطوعا فقضاؤه تطوع لا واجب.
    وإذا طهرت من الحيض في أثناء نهار رمضان لم يصح صومها بقية اليوم لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وهل يلزمها الإمساك بقية اليوم؟ فيه خلاف بين العلماء سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطرا.
    وإذا طهرت في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم؛ لأنها من أهل الصيام وليس فيها ما يمنعه فوجب عليها الصيام، ويصح صومها حينئذ وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإنه يصح صومه لقول عائشة رضي الله عنها: {كان النبيصلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان}.
    والنفساء كالحائض في جميع ما تقدم.
    ويجب عليهما القضاء بعدد الأيام التي فاتتهما لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185 ]، وسئلت عائشة رضي الله عنها: {ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فَنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة }.
    * القسم التاسع: المرأة إذا كانت مُرضعا أو حاملا وخافت على نفسها أو على الولد من الصوم فإنها تفطر لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام }، ويلزمها القضاء بعدد الأيام التي أفطرت حين يتيسر لها ذلك ويزول عنها الخوف كالمريض إذا برأ.
    * القسم العاشر: من احتاج للفطر لدفع ضرورة غيره كإنقاذ معصوم المعصوم: الآدمي المحرم قتله. من غرق أو حريق أو هدم أو نحو ذلك، فإذا كان لا يمكنه إنقاذه إلا بالتَّقَوِّي عليه بالأكل والشرب جاز له الفطر، بل وجب الفطر حينئذ لأن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره.
    ومثل ذلك من احتاج إلى المطر للتَّقَوِّي به على الجهاد في سبيل الله في قتاله العدو فإنه يفطر ويقضي ما أفطر سواء كان ذلك في السفر أم في بلده إذا حضره العدو؛ لأن في ذلك دفاعا عن المسلمين وإعلاء لكلمة الله  وعن أبي سعيد الخدري  قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزل منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم "، فكانت رخصة فَمِنَّا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "{إنكم مُصَبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا}"، وكانت عزمة فأفطرنا.
    ففي هذا الحديث إيماء إلى أن القوة على القتال سبب مستقل غير السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل علة الأمر بالفطر القوة على قتال العدو دون السفر، ولذلك لم يأمرهم بالفطر في المنزل الأول.

    وكل من جاز له الفطر بسبب مما تقدم فإنه لا يُنكَر عليه إعلان فطره إذا كان سببه ظاهرا كالمريض والكبير الذي لا يستطع الصوم، وأما إن كان سبب فطره خفيا كالحائض ومن أنقذ معصوما من هلَكة فإنه يفطر سرا ولا يعلن فطره لئلا يجر التهمة إلى نفسه، ولئلا يغتر به الجاهل فيظن أن الفطر جائز بدون عذر.
    وكل من لزمه القضاء من الأقسام السابقة فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطر لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة: 185 ]، فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، فإن كان الشهر ثلاثين يوما لزمه ثلاثون يوما، وإن كان تسعة وعشرين يوما لزمه تسعة وعشرون يوما فقط.
    والْأَوْلَى المبادرة بالقضاء من حين زوال العذر لأنه أسبق إلى الخير وأسرع في إبراء الذمة.
    ويجوز تأخيره إلى أن يكون بينه وبين رمضان الثاني بعدد الأيام التي عليه لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185 ]. ومن تمام اليسر جواز تأخير قضائها، فإذا كان عليه عشرة أيام من رمضان جاز تأخيرها إلى أن يكون بينه ويبن رمضان الثاني عشرة أيام.
    ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذر لقول عائشة رضي الله عنها: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان ( ). ولأن تأخيره إلى رمضان الثاني يوجب أن يتراكم عليه الصوم، وربما يعجز عنه أو يموت، ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الْأُولَى إلى وقت الثانية كالصلاة، فإن استمر به العذر حتى مات فلا شيء عليه لأن الله سبحانه أوجب عليه عدة من أيام أخر، ولم يتمكن منها فسقطت عنه، كمن مات قبل دخول شهر رمضان لا يلزمه صومه، فإن تمكن من القضاء ففرط فيه حتى مات صام وليه عنه جميع الأيام التي تمكن من قضائها، لقوله صلى الله عليه وسلم {من مات وعليه صيام صام عنه وليه}.
    ووليه وارثه أو قريبه، ويجوز أن يصوم عنه جماعة بعدد الأيام التي عليه في يوم واحد، قال البخاري: قال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز، فإن لم يكن له ولي أو كان له ولي لا يريد الصوم عنه أُطْعِمَ من تركته عن كل يوم مسكينٌ بعدد الأيام التي تمكن من قضائها، لكل مسكين مُدّ بُرّ وزنه بالبر الجيد نصف كيلو وعشرة غرامات.
    إخواني: هذه أقسام الناس في أحكام الصيام شرع الله فيها لكل قسم ما يناسب الحال والمقام فاعرفوا حكمة ربكم في هذه الشريعة، واشكروا نعمته عليكم في تسهيله وتيسيره، واسألوه الثبات على هذا الدين إلى الممات.
    اللهم اغفر لنا ذنوبا حالت بيننا وبين ذكرك، واعف عن تقصيرنا في طاعتك وشكرك، وأدم علينا لزوم الطريق إليك، وهب لنا نورا نهتدي به إليك، اللهم أذقنا حلاوة مناجاتك، واسلك بنا سبيل أهل مرضاتك، اللهم أنقذنا من دركاتنا، وأيقظنا من غفلاتنا، وألهمنا رشدنا، وأحسن بكرمك قصدنا، اللهم احشرنا في زمرة المتقين، وألحقنا بعبادك الصالحين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس التاسع
    في حِكَم الصيام
    الحمد لله مدبر الليالي والأيام، ومصرِّف الشهور والأعوام، الملك القدوس السلام، المتفرِّد بالعظمة والبقاء والدوام، الْمُتَنَزِّه عن النقائص ومشابهة الأنام، يرى ما في داخل العروق وبواطن العظام، ويسمع خفي الصوت ولطيف الكلام، إله رحيم كثير الإنعام، ورب قدير شديد الانتقام، قدَّر الأمور فأجراها على أحسن نظام، وشَرَع الشرائع فأحكمها أيما إحكام، بقدرته تهب الرياح ويسير الغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالي والأيام، أحمده على جليل الصفات وجميل الإنعام، وأشكره شكر من طلب المزيد ورام، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تحيط به العقول والأوهام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الأنام، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر السابق إلى الإسلام، وعلى عمر الذي إذا رآه الشيطان هام، وعلى عثمان الذي جهز بماله جيش العسرة وأقام، وعلى علي البحر الخضم والأسد الضرغام، وعلى سائر آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الدوام، وسلم تسليما.
    عباد الله: اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه له الحكم التام والحكمة البالغة فيما خَلَقَهُ وفيما شَرَعَهُ، فهو الحكيم في خَلْقِهِ وفي شَرْعِهِ، لم يخلق عباده لعبا، ولم يتركهم سُدًى، ولم يُشَرِّع لهم الشرائع عبثا، بل خلقهم لأمر عظيم، وهيَّأهم لخطب جسيم، وبيَّن لهم الصراط المستقيم، وشرع لهم الشرائع يزداد بها إيمانهم، وتكمل بها عبادتهم، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمة بالغة، عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلَها، وليس جهلنا بحكمة شيء من العبادات دليلا على أنه لا حكمة لها، بل هو دليل على عجزنا وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانه {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}[الإسراء: 85 ].
    وقد شرع الله العبادات ونظَّم المعاملات ابتلاء وامتحانا لعباده ليتبين بذلك من كان عابدا لمولاه ممن كان عابدا لهواه، فمن تقبَّل هذه الشرائع وتلك النظم بصدر منشرح ونفس مطمئنة فهو عابد لمولاه، راض بشريعته مقدِّم لطاعة ربه على هوى نفسه، ومن كان لا يقبل من العبادات، ولا يتبع من النظم إلا ما ناسب رغبته، ووافق مراده فهو عابد لهواه، ساخط لشريعة الله، معرض عن طاعة ربه، جعل هواه متبوعا لا تابعا، وأراد أن يكون شرع الله تابعا لرغبته مع قصور علمه وقلة حكمته: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71].
    ومن حكمة الله سبحانه أن جعل العبادات متنوعة ليتحمص القبول والرضا {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141 ]، فإن من الناس من قد يرضى بنوع من العبادات ويلتزم به، ويسخط نوعا آخر ويفرِّط فيه، فجعل الله من العبادات ما يتعلق بعمل البدن كالصلاة، ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب إلى النفس كالزكاة، ومنها ما يتعلق بعمل البدن وبذل المال جميعا كالحج والجهاد، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها ومشتَهَياتها كالصيام، فإذا قام العبد بهذه العبادات المتنوعة وأكملها على الوجه المطلوب منه دون سخط أو تفريط فتعب وعمل وبذل ما كان محبوبا إليه وكف عما تشتهيه نفسه طاعة لربه وامتثالا لأمره ورضا بشرعه كان ذلك دليلا على كمال عبوديته وتمام انقياده ومحبته لربه وتعظيمه له، فتحقَّق فيه وصف العبودية لله رب العالمين.
    إذا تبين ذلك فإن للصيام حكما كثيرة استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام وركنا من أركانه.
    فمن حِكَم الصيام: أنه عبادة لله تعالى يتقرَّب العبد فيها إلى ربه بترك محبوباته ومشتَهَيَاته من طعام وشراب ونكاح، فيظهر بذلك صدق إيمانه وكمال عبوديته لله وقوة محبته له ورجائه ما عنده، فإن الإنسان لا يترك محبوبا له إلا لما هو أعظم عنده منه، ولما علم المؤمن أن رضا الله في الصيام بترك شهواته المجبول على محبتها قَدَّم رضا مولاه على هواه فتركها أشد ما يكون شوقا إليها؛ لأن لذته وراحة نفسه في ترك ذلك لله  ولذلك كان كثير من المؤمنين لو ضُرِب أو حُبِس على أن يفطر يوما من رمضان بدون عذر لم يُفْطِر، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام وأعظمها.
    ومن حِكَم الصيام: أنه سبب للتقوى كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183 ]، فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات واجتناب المعاصي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه}. وإذا كان الصائم متلبِّسا بالصيام فإنه كلما هَمَّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها؛ ولهذا أمر النبيصلى الله عليه وسلم الصائم أن يقول لمن سابَّه أو شاتمه: {إني امرؤ صائم}، تنبيها له على أن الصائم مأمور بالإمساك عن السب والشتم، وتذكيرا لنفسه بأنه متلبس بالصيام فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتم.
    * ومن حكم الصيام: أن القلب يتخلى للفكر والذكر، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة، وربما يُقَسِّي القلب ويُعْمِي عن الحق، ولذلك أرشد النبي صلى الله عليع وسلم إلى التخفيف من الطعام والشراب، فقال صلى الله عليه وسلم: {ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه} وفي الحديث: {أن حنظلة الأسيدي - وكان من كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال للنبي صلى الله عليه وسلم: نافق حنظلةُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما ذاك؟ " قال: يا رسول الله نكون عندك تذَكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا}. وفيه: {ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات}، وقال أبو سليمان الدارني: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت عَمِيَ القلب.
    * ومن حكم الصيام: أن الغني يعرف به قدر نعمة الله عليه بالغنى حيث أنعم الله تعالى عليه بالطعام والشراب والنكاح، وقد حُرِمَها كثير من الخلق فيحمد الله على هذه النعمة ويشكره على هذا التيسير، ويذكر بذلك أخاه الفقير الذي ربما يبيت طاويا جائعا فيجود عليه بالصدقة يكسو بها عورته ويسد بها جوعته، ولذلك {كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيُدارِسه القرآن}.
    ومن حكم الصيام: التَّمَرُّن على ضبط النفس، والسيطرة عليها، والقوة على الإمساك بزمامها حتى يتمكن من التحكم فيها ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فإذا أطلق المرء لنفسه عنانها أوقعته في المهالك، وإذا ملك أمرها وسيطر عليها تمكن من قيادتها إلى أعلى المراتب وأسنى المطالب.
    * ومن حكم الصيام: كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق، فإن الشبع والري ومباشرة النساء يحمل كل منها على الأشَر والبطر والعلو والتكبر على الخلق وعن الحق، وذلك أن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها، فإذا تمكَّنَت منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سببا لهلاكها، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
    * ومن حكم الصيام: أن مجاري الدم تضيق بسبب الجوع والعطش فتضيق مجارى الشيطان من البدن فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله  فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سَوْرَة الشهوة والغضب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء }، فجعل الصوم وجاء لشهوة النكاح وكسرا لحدتها.
    * ومن حكم الصيام: ما يترتب عليه من الفوائد الصحية التي تحصل بتقليل الطعام وإراحة جهاز الهضم لمدة معينة ومنع ترسب بعض الرطوبات والفضلات الضارة بالجسم وغير ذلك.
    فما أعظم حكمة الله وأبلغها وما أنفع شرائعه للخلق وأصلحها.
    اللهم فَقِّهْنَا في دينك، وألهمنا معرفة أسرار شريعتك، وأصلح لنا شؤون ديننا ودنيانا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس العاشر
    في آداب الصيام الواجبة
    الحمد لله الذي أرشد الخلق إلى أكمل الآداب، وفتح لهم من خزائن رحمته وجوده كل باب، أنار بصائر المؤمنين فأدركوا الحقائق وطلبوا الثواب، وأعمى بصائر المعرضين عن طاعته فصار بينهم وبين نوره حجاب.
    هدى أولئك بفضله ورحمته وأضل الآخرين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العزيز الوهاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بأَجَلِّ العبادات وأكمل الآداب، صلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب، وسلم تسليما.
    إخواني: اعلموا أن للصيام آدابا كثيرة لا يتم إلا بها ولا يكمل إلا بالقيام بها، وهي على قسمين: آداب واجبة لا بد للصائم من مراعاتها والمحافظة عليها، وآداب مستحبة ينبغي أن يراعيها ويحافظ عليها.
    فمن الآداب الواجبة أن يقوم الصائم بما أوجب الله عليه من العبادات القولية والفعلية، ومن أهمها الصلاة المفروضة التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، فتجب مراعاتها بالمحافظة عليها والقيام بأركانها وواجباتها وشروطها، فيؤديها في وقتها مع الجماعة في المساجد، فإن ذلك من التقوى التي من أجلها شُرِع الصيام وفُرِض على الأمة، وإضاعة الصلاة مُنَافٍ للتقوى وموجب للعقوبة، قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم: 59 - 60 ].
    ومن الصائمين من يتهاون بصلاة الجماعة مع وجوبها عليه، وقد أمر الله بها في كتابه فقال: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا} يعني أتموا صلاتهم {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُم ْ} [النساء: 102 ].
    فأمر الله بالصلاة مع الجماعة في حال القتال والخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن أَوْلَى، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخص له، فلما وَلَّى دعاه وقال: {هل تسمع النداء بالصلاة؟} قال: نعم. قال: {فأجب}، فلم يُرَخِّص له النبي صلى الله عليه وسلم في ترك الجماعة مع أنه رجل أعمى وليس له قائد، وتارك الجماعة مع إضاعته الواجب قد حرم نفسه خيرا كثيرا من مضاعفة الحسنات، فإن صلاة الجماعة مضاعفة، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة}.
    وفوت المصالح الاجتماعية التي تحصل للمسلمين باجتماعهم على الصلاة من غرس المحبة والألفة وتعليم الجاهل ومساعدة المحتاج وغير ذلك.

    وبترك الجماعة يعرض نفسه للعقوبة ومشابهة المنافقين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوا، وقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حِزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار}.
    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، قال: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
    ومن الصائمين من يتجاوز بالأمر فينام عن الصلاة في وقتها، وهذا من أعظم المنكرات وأشد الإضاعة للصلوات حتى قال كثير من العلماء: إن من أخر الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي لم يقبل وإن صلى مائة مرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد}.
    والصلاة بعد وقتها ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم فتكون مردودة غير مقبولة.

    * ومن الآداب الواجبة: أن يجتنب الصائم جميع ما حرم الله ورسوله من الأقوال والأفعال، فيجتنب الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع، وأعظمه الكذب على الله ورسوله، كأن ينسب إلى الله أو إلى رسوله تحليل حرام أو تحريم حلال، قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117 ].
    وعن أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار}.
    وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب فقال: {إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذابا}.

    * ويجتنب الغيبة، وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، سواء ذكرته بما يكره في خلقته كالأعرج والأعور والأعمى على سبيل العيب والذم، أو بما يكره في خُلُقه كالأحمق والسفيه والفاسق ونحوه، وسواء كان فيه ما تقول أم لم يكن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الغيبة فقال: {هي ذكرك أخاك بما يكره} قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: {إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ}.
    ولقد نهى الله عن الغيبة في القرآن وشبَّهَهَا بأبشع صورة، شبَّهَهَا بالرجل يأكل لحم أخيه ميتا فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }[الحجرات: 12 ]، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر ليلة المعراج بقوم لهم أظافر من نُحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال: {من هؤلاء يا جبريل؟} قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. رواه أبو داود.

    * ويجتنب النميمة، وهي نقل كلام شخص في شخص إليه ليُفسد بينهما، وهي من كبائر الذنوب، قال فيها رسول صلى الله عليه وسلم {لا يدخل الجنة نمام}.
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: {إنهما لَيعذَّبان وما يعذَّبان في كبير} (أي: في أمر شاق عليهما) {أما أحدهما فكان لا يسْتَنْزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة}. والنميمة فساد للفرد والمجتمع وتفريق بين المسلمين، وإلقاء للعداوة بينهم {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ }[القلم: 10 - 11 ]، فمن نَمَّ إليك نَمَّ فيك فاحذره.

    * ويجتنب الغش في جميع المعاملات من بيع وإجارة وصناعة ورهن وغيرها، وفي جميع المناصحات والمشورات؛ فإن الغش من كبائر الذنوب، وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعله فقال صلى الله عليه وسلم {من غشنا فليس منا}، وفي لفظ: {من غش فليس مني}؛ والغش: خديعة وخيانة وضياع للأمانة وفقد للثقة بين الناس، وكل كسب من الغش فإنه كسب خبيث حرام لا يزيد صاحبَه إلا بعدا من الله.
    * ويجتنب المعازف وهي آلات اللهو بجميع أنواعها كالعود والربابة والقانون والكمنجة والبيانو والكمان وغيرها؛ فإن هذه حرام وتزداد تحريما وإثما إذا اقترنت بالغناء بأصوات جميلة وأغاني مثيرة، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6 ]، صح عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء، وصح أيضا عن ابن عباس وابن عمر، وذكره ابن كثير عن جابر وعكرمة وسعيد بن جُبَيْر ومجاهد، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المعازف وقَرَنَهَا بالزنا فقال صلى الله عليه وسلم: {ليكونن من أمتي أقوام يستحِلُّون الْحِر والحرير والخمر والمعازف}.
    فالحر: الفرج والمراد به الزنا، ومعنى يستحلون أي: يفعلونها فعل المستحل لها بدون مبالاة، وقد وقع هذا في زمننا فكان من الناس من يستعمل هذه المعازف أو يستمعها كأنها شيء حلال، وهذا مما نجح فيه أعداء الإسلام بكيدهم للمسلمين حتى صدّوهم عن ذكر الله ومهامِّ دينهم ودنياهم، وأصبح كثير منهم يستمعون إلى ذلك أكثر مما يستمعون إلى قراءة القرآن والأحاديث وكلام أهل العلم المتضمن لبيان أحكام الشريعة وحكمها، فاحذروا أيها المسلمون نواقض الصوم ونواقصه، وصُونوه عن قول الزور والعمل به، قال صلى الله عليه وسلم: {من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه}، وقال جابر رضي الله عنه إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.
    اللهم احفظ علينا ديننا، وكف جوارحنا عما يغضبك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الحادي عشر
    في آداب الصيام المستَحَبَّة
    الحمد لله مبلِّغ الراجي فوق مأموله، ومعطي السائل زيادة على مسؤوله، أحمده على نيل الهدى وحصوله، وأقر بوحدانيته إقرار عارف بالدليل وأصوله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد عبده ورسوله، وعلى صاحبه أبي بكر الملازم له في ترحاله وحلوله، وعلى عمر حامي الإسلام بعزم لا يخاف من فلوله، وعلى عثمان الصابر على البلاء حين نزوله، وعلى علي بن أبي طالب الذي أرهب الأعداء بشجاعته قبل نصوله، وعلى جميع آله وأصحابه الذين حازوا قصب السبق في فروع الدين وأصوله، ما تردد النسيم بين جَنوبه وشماله وغربه وقَبوله.
    إخواني: هذا المجلس في بيان القسم الثاني من آداب الصوم، وهي الآداب المستحَبَّة، فمنها: السحور وهو الأكل في آخر الليل، سُمِّيَ بذلك لأنه يقع في السحر، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به فقال: {تسَحَّروا فإن في السحور بركة}.
    وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلة السحر}.
    وأثنى صلى الله عليه وسلم على سحور التمر فقال: {نِعْمَ سحور المؤمن التمر}.
    وقال صلى الله عليه وسلم: {السحور كله بركة فلا تَدَعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يُصَلُّون على المتسحرين}.
    * وينبغي للمتسحر أن ينوي بسحوره امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بفعله، ليكون سحوره عبادة، وأن ينوي به التَّقَوِّي على الصيام ليكون له به أجر، والسنة تأخير السحور ما لم يَخْشَ طلوعَ الفجر؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تَسَحَّرَا، فلما فرغا من سحورهما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم:{إلى الصلاة} فصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
    وعن عائشة رضي الله عنها أن بلالا كان يؤذن بليل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر}.
    وتأخير السحور أرفق بالصائم وأسلم من النوم عن صلاة الفجر، وللصائم أن يأكل ويشرب ولو بعد السحور ونية الصيام حتى يتيقن طلوع الفجر لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}[البقرة: 187 ]، ويحكم بطلوع الفجر إما بمشاهدته في الأفق أو بخبر موثوق به بأذان أو غيره، فإذا طلع الفجر أمسك وينوي بقلبه ولا يتلفظ بالنية لأن التلفظ بها بدعة.
    * ومن آداب الصيام المستحبة تعجيل الفطور إذا تحقق غروب الشمس بمشاهدتها أو غلب على ظنه الغروب بخبر موثوق به بأذان أو غيره، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يزال الناس بخير ما عَجَّلوا الفطر}.
    وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: {إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا}.
    والسنة أن يفطر على رطب، فإن عُدِم فتمر، فإن عدم فماء، لقول أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء.
    فإن لم يجد رطبا ولا تمرا ولا ماء أفطر على ما تيسَّر من طعام أو شراب حلال، فإن لم يجد شيئا نوى الإفطار بقلبه، ولا يمص إصبعه أو يجمع ريقه ويبلعه كما يفعل بعض العوام.
    * وينبغي أن يدعو عند فطره بما أحب، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن للصائم عند فطره دعوة ما تُرَدُّ}.
    وعن معاذ بن زهرة مرسلا مرفوعا: كان إذا أفطر يقول: {اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت}.
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر يقول: {ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله }.
    * ومن آداب الصيام المستحبة كثرة القراءة والذكر والدعاء والصلاة والصدقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتُفتَح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين}.
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.
    وكان جوده صلى الله عليه وسلم يجمع أنواع الجود كلها من بذل العلم والنفس والمال لله عز وجل في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من تعليم جاهلهم وقضاء حوائجهم وإطعام جائعهم، وكان جوده يتضاعف في رمضان لشرف وقته ومضاعفة أجره وإعانة العابدين فيه على عبادتهم، والجمع بين الصيام وإطعام الطعام وهما من أسباب دخول الجنة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أصبح منكم صائما؟ " فقال أبو بكر: أنا. قال: " فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال النبي r ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة }.
    ومن آداب الصيام المستحبة: أن يستحضر الصائم قدر نعمة الله عليه بالصيام حيث وفقه له ويسره عليه حتى أتم يومه وأكمل شهره، فإن كثيرا من الناس حُرِمُوا الصيام إما بموتهم قبل بلوغه أو بعجزهم عنه أو بضلالهم وإعراضهم عن القيام به، فليحمد الصائم ربه على نعمة الصيام التي هي سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات ورفعة الدرجات في دار النعيم بجوار الرب الكريم.
    إخواني: تَأَدَّبُوا بآداب الصيام، وتخلوا عن أسباب الغضب والانتقام، وتحلوا بأوصاف السلف الكرام، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها من الطاعة واجتناب الآثام.
    قال ابن رجب رحمه الله: الصائمون على طبقتين:
    * إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله، بل يربح أعظم الربح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: {إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا آتاك الله خيرا منه}.
    فهذا الصائم يُعْطَى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء، قال الله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}[الحاقة: 24 ]، قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين، وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه قال: {ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما دنا من حوض مُنِعَ وطُرِدَ فجاءه صيام رمضان فسقاه وأرواه}.
    يا قوم ألا خاطِبٌ في هذا الشهر إلى الرحمن؟ ألا راغب فيما أعدَّ الله للطائعين في الجنان؟
    مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الْجِنَانِ
    وَلْيُقِمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْـ
    وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ
    إِنَّمَا الْعَيْشُ جِوَارُ الْـ






    فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّوَانِي
    ـلِ إِلَى نُورِ الْقُرَانِ
    إِنَّ هَذَا الْعَيْشَ فَانِ
    ـلَّهِ فِي دَارِ الْأَمَانِ

    * الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته.
    من صام بأمر الله عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[العنكبوت: 5 ].
    يا معشر التائبين صوموا اليوم عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء.
    اللهم جَمِّل بواطننا بالإخلاص لك، وحَسِّن أعمالنا باتباع رسولك والتأدب بآدابه، اللهم أيقظنا من الغفلات، ونَجِّنَا من الدركات، وكفر عنا الذنوب والسيئات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,306

    افتراضي رد: مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

    المجلس الثاني عشر

    في النوع الثاني من تلاوة القرآن
    الحمد لله معطي الجزيل لمن أطاعه ورجاه، وشديد العقاب لمن أعرض عن ذكره وعصاه، اجتبى من شاء بفضله فقربه وأدناه، وأبعد من شاء بعدله فولاه ما تولاه، أنزل القرآن رحمة للعالمين ومنارا للسالكين، فمن تمسك به نال مناه، ومن تعدَّى حدوده وأضاع حقوقه خسر دينه ودنياه، أحمده على ما تفضل به من الإحسان وأعطاه، وأشكره على نعمه الدينية والدنيوية وما أجدر الشاكر بالمزيد وأَوْلَاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكامل في صفاته، العالي عن النظراء والأشباه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اختاره على الخلق واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما انشق الصبح وأشرق ضياه، وسلم تسليما. إخواني: سبق في المجلس الخامس أن تلاوة القرآن على نوعين: تلاوة لفظه وهي قراءته، وتقدم الكلام عليها هناك. والنوع الثاني: تلاوة حكمه بتصديق أخباره واتباع أحكامه فعلا للمأمورات وتركا للمنهيات. وهذا النوع هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} [ص: 29 ]، ولهذا درج السلف الصالح رضي الله عنهم على ذلك يتعلَّمون القرآن، ويصدِّقون به، ويطبِّقون أحكامه تطبيقا إيجابيا عن عقيدة راسخة، قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: حدثنا الذين كانوا يُقْرِئُوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي  عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، قال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}[طه: 123 - 127 ]، فبَيَّنَ الله في هذه الآيات الكريمة ثواب المتَّبِعين لهداه الذي أوحاه إلى رسله، وأعظمه هذا القرآن العظيم، وبيَّن عقاب المعرضين عنه. أما ثواب المتبعين له فلا يضلون ولا يشقون، ونَفْيُ الضلال والشقاء عنهم يتضمن كمال الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة. وأما عقاب المعرضين عنه المتكبِّرين عن العمل به، فهو الشقاء والضلال في الدنيا والآخرة، فإن له معيشة ضنكا، فهو في دنياه في هم وقلق نفس، ليس له عقيدة صحيحة، ولا عمل صالح {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[الأعراف: 179 ]، وهو في قبره في ضيق وضنك، قد ضُيِّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وهو في حشره أعمى لا يبصر {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97 ]، فهم لما عموا في الدنيا عن رؤية الحق وصموا عن سماعه وأمسكوا عن النطق به {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5 ]، جازاهم الله في الآخرة بمثل ما كانوا عليه في الدنيا، وأضاعهم كما أضاعوا شريعته {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 125 - 126 ]، {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26 ]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84 ]، وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى صلاة - وفي لفظ: صلاة الغداة - أقبل علينا بوجهه فقال: {من رأى منكم الليلة رؤية؟} قال: فإن رأى أحد قَصَّها. فيقول: {ما شاء الله} فسألنا يوما فقال: {هل رأى أحد منكم رؤية؟} قلنا: لا. قال: {لكني رأيت الليلة رجلين أتياني} (فساق الحديث وفيه: {فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيَتَدَهْدَه الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إلى الرجل حتى يصبح رأسُه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثلما فعل به المرة الأولى، فقلت: سبحان الله ! ما هذا؟ فقالا لي: انطلِق} (فذكر الحديث وفيه: {أما الرجل الذي أتيت عليه يُثْلغ رأسُه بالحجر فهو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة}. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: {إن الشيطان قد يئس أن يُعْبَد في أرضكم ولكن رضي أن يُطَاع فيما سوى ذلك مما تَحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه} وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يُمَثَّل القرآن يوم القيامة رجلا فيُؤْتَى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيُمَثَّل له خصما فيقول: يا رب حَمَّلته إياي فبئس الحامل تعدَّى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار}.وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {القرآن حجة لك أو عليك }.وقال ابن مسعود رضي الله عنه القرآن شافع مُشفَّع، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار. فيا من كان القرآن خصمه كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه يوم تربح البضاعة. عباد الله هذا كتاب الله يُتْلَى بين أيديكم ويُسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدع، ومع هذا فلا أذن تسمع، ولا عين تدمع، ولا قلب يخشع، ولا امتثال للقرآن فيُرْجَى به أن يَشْفَع، قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم تُتْلَى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشباب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينتهي عن القبيح فيلحق بأهل الصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تُلِيَتْ عليهم آياته وجلت قلوبهم وجَلتْها جَلْوَة؟ أولئك قوم أنعم الله عليهم فعرفوا حقه فاختاروا الصفوة. قال ابن مسعود  ينبغي لقارئ القرآن أن يُعْرَف بليله إذ الناس ينامون، وبنهاره إذ الناس يُفْطِرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون. يا نفس فاز الصالحون بالتقى
    يا حسنهم والليل قد أَجَنَّهُمْ
    تَرَنَّمُوا بالذكر في ليلهمو
    قلوبهم للذكر قد تفَرَّغَتْ
    أسحارهم بنورهم قد أشرقت
    قد حفظوا صيامهم من لغوهم
    ويحكِ يا نفس ألا تَيَقَّظِي
    مضى الزمان في تَوَانٍ وهَوًى
    وأبصروا الحق وقلبي قد عَمِي
    ونورهم يفوق نور الأنجمِ
    فعيشهم قد طاب بالتَّرَنُّمِ
    دموعهم كلؤلؤ منتظمِ
    وخِلَعُ الغفران خير القِسَمِ
    وخشعوا في الليل في ذكرهِمِ
    للنفع قبل أن تَزِلَّ قدمي
    فاستدركي ما قد بَقِي واغتنمي
    إخواني: احفظوا القرآن قبل فوات الإمكان، وحافظوا على حدوده من التفريط والعصيان، واعلموا أنه شاهد لكم أو عليكم عند الملك الديان. ليس مِنْ شكر نعمة الله بإنزاله أن نتخذه وراءنا ظهريا، وليس من تعظيم حرمات الله أن تتخذ أحكامه سخريا، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 27 - 31 ]. اللهم ارزقنا تلاوة كتابك حق التلاوة، واجعلنا ممن نال به الفلاح والسعادة، اللهم ارزقنا إقامة لفظه ومعناه، وحفظ حدوده ورعاية حرمته، اللهم اجعلنا من الراسخين في العلم، المؤمنين بمحكمه ومتشابهه، تصديقا بأخباره وتنفيذا لأحكامه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    873

    افتراضي

    بارك الله فيكم
    مدونة لبعض المقالات

    http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •