السنة في دعاء القنوت في الوتر للشيخ ابن باز

قال فقيه السنة، سماحة الشيخ العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى:-
القنوت له معانٍ:
منها: دوام الطاعة، ومنها: الخشوع، ومنها: السكوت، ولكن المراد بالقنوت في الوتر أن يأتي بدعوات بعد الركوع في الركعة الأخيرة من صلاة الوتر.
وهو سنة ومشروع عند جميع أهل العلم، فينبغي للمؤمن أن يفعله كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وكما فعله الصحابة.
ويقنت بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في الحديث الصحيح حديث الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه كلمات يقولها في قنوت الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تبارك ربنا وتعاليت»، زاد في رواية البيهقي: «ولا يعز من عاديت»، وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لشخص من الصحابة تعليم للأمة كلها.
وجاء في رواية أخرى عن علي رضي الله عنه: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليه أنت كما أثنيت على نفسك».
ومن ذلك الدعاء بقنوت عمر رضي الله عنه: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكافرين ملحق، اللهم عذب الكفار أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك».
والخلاصة أنه ليس في ذلك دعاء مخصوص سوى ما ورد في حديث الحسن وأبيه، ودعاء عمر رضي الله عنهم.
وإن زاد دعوات طيبة أخرى غير طويلة فلا بأس، ولكن يشرع له أن يتحرى التخفيف وعدم الإطالة حتى لا يشق على الناس ويتحرى الدعوات الجامعة، مثل ما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب جوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك»، كسؤال الجنة وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، والتعوذ بالله من النار وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، وسؤاله العفو بقوله: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا».
ويرفع اليدين في ذلك وهو ينظر إلى محل سجوده؛ لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في دعاء قنوت النوازل كما عند البيهقي رحمه الله بإسنادٍ صحيح، وقنوت الوتر مثله، ولأن رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة.
وأما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء فقد ورد فيه أحاديث فيها ضعف، وحسنها جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ بن حجر في البلوغ في باب الذكر والدعاء، وهو آخر باب في البلوغ، وقال إن طرقها يشد بعضها بعضاً، وأن مجموعها يقضي بأنها أحاديث حسنة، فمن مسح فلا بأس.
وأما الأحاديث الصحيحة فليس فيها مسح، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة واستسقى ولم يمسح، وكذلك استسقى في صلاة الاستسقاء ولم يمسح، ولم ينقل عنه أنه مسح عليه الصلاة والسلام، فمن ترك فهو أفضل، ومن مسح فلا حرج إن شاء الله.
ويكون قنوته بعد الركوع، هذا هو الأفضل، وإن قنت قبل الركوع فلا بأس، لكن الأفضل والغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون بعد الركوع.
ومحافظته على القنوت دائماً أولى وأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم ابن بنته الحسن بن علي القنوت لم يقل له دعه في بعض الأحيان، ما يدل على أنه يلازمه، ويفعله في جميع الأوقات، وإذا تركه بعض الأحيان عمداً فلا بأس كما فعله الصحابة رضي الله عنهم، فقد ثبت أن أبي بن كعب رضي الله عنه لما أمَّ الناس في عهد عمر كان يتركه تارة ويفعله تارة.

مجموع من شتات كلام الشيخ رحمه الله حول هذا الموضوع من موقعه وكتبه