مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء
النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    قال -رحمه الله -:
    المبحث الثاني
    في تقليد صوت القارئ

    لا ينكر تلاقي الأصوات حتى لو لم يلق أحد المتشابهين الآخر أو لم يسمعه, ولا ينكر أن التلميذ لشدة محبته لشيخه قد يتأثر به في الأداء بلا تكلف وإن كان هذا إنما يكون في ضِعَافِ التلاميذ. فانحصر البحث في القارئ يتكلف تقليد صوت قارئ آخر فأقول: الناظر في طبقات القراء, وغيرهم من العلماء, يرى في حلية بعضهم أنه كان حسن الصوت في قراءة القرآن الكريم. ومنهم: عاصم بن أبي النُّجود, كان إذا قرأ كأنما في حلقه جَلاَجِل. وأعلى من ذلك في حلية الصحابة رضي الله عنهم فهذا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع قراءته: ((لقد أُعطيت مزماراً من مزامير آل داود)) متفق عليه .
    واستمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة سالم مولى أبي حذيفة وكان حسن الصوت. فقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا)) رواه ابن ماجة بسند جَيِّد قاله ابن كثير في ((فضائل القرآن)).([1])
    وأعلى من ذلك وأَجلُّ, قراءة نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت قراءته مفسرة, حرفا حرفاً, وكانت مَدَّاً, وكان صلى الله عليه وسلم يُرَجِّعُ أحياناً, وكان صلى الله عليه وسلم حسن الوجه, حسن الصوت, بل من سمات أنبياء الله ورسله: حُسن الصوت لكمال خَلْقِهم, وتمام خشيتهم لربهم. ومنها: أن أمير المؤمنين أبا بكر رضي الله عنه وصفته ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم لإِمامة الناس في الصلاة قالت: ((إن أبا بكر رجل أسِيْف متى يقم مقامك رَقَّ)) أي: يتمالكه الخشوع فيجهش بالبكاء, رضي الله عنه وأرضاه. ومع هذا فإن الناظر في أخبار التحلي بهذه النعمة, التي أنعم الله بها على من شاء من عباده ((حُسْن الصوت بالقراءة)) لا يرى حرفاً واحداً في تسنن الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم بمحاكاة حَسَن الصوت في صوته بالقرآن, ولو كان ذلك واقعاً لنُقل, ولو كان لصار أَوْلَى من يُحاكى في صوته, هو أفضل من قرأ القرآن, نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم . ولتواطأ على ذلك قراء الأمة, من الصحابة فمن بعدهم, وتوارثوه كافة عن كافة. وهذا العبد القانت الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, مع شدة تتبعه, وقوفه الأثر, وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحاكيه في قراءته, أو في شيء من أموره الجبلِّية صلى الله عليه وسلم وهؤلاء القراء من الصحابة رضي الله عنهم وهم كُثر لا نرى عنهم حرفاً واحداً في ذلك. وعن معاوية بن قرة, عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنهم قال: ((قرأ النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة, سورة الفتح, فَرَجَّع فيها)). قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لفعلت. أخرجه البخاري في ((التفسير)) من ((صحيحه)) برقم / 4835, وفي مواضع أخر منه, في ((المغازي برقم / 4281)) وفي ((فضائل القرآن برقم / 5047)) وفي ((التوحيد برقم / 7540)) الحديث أخرجه جماعة منهم: مسلم, وأبو داود, والحاكم في ((الإِكليل)), وابن الجعد, وأبو عبيدة في ((فضائل القرآن)) والترمذي في ((الشمائل)) والإِسماعيلي في ((مستخرجه)).([2]) وفي رواية الترمذي: ((وقال معاوية بن قرة: لولا أن يجتمع الناس علي لأخذت لكم في ذلك الصوت, أو قال: ((اللَّحن)) انتهى. و((اللحن)) هو: الترجيع. ويدل على أن المراد الترجيع, وروده مصرحاً به في رواية البخاري في ((المغازي)) من صحيحه بلفظ: (لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما يرجَّع) فالمحاكاة في ((خصوص الترجيع)), فهذا يعني ((الأداء)), وفرق بين حكاية الصوت فهذا لم يقع, وبين حكاية ((الأداء والقراءة)) وهذا أمر مطلوب بأن يقرأ العبد القرآن مؤدياً له على وفق قواعد القراءة, وضوابطها الشرعية, ومن غير إخلال بغلو أو تفريط ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من أراد أن يقرأ القرآن رطباً)) الحديث. ويدل أيضا على أن المراد ((خصوص الترجيع)) أن النبي صلى الله عليه وسلم نزلت عليه هذه الآيات, وهو على راحلته في ((غزوة الفتح)) وكان ترجيعه صلى الله عليه وسلم آآآ, ثلاث مرات .
    قال الحافظ ابن حجر: قال القرطبي: ((يحتمل أن يكون حكاية صوته عند هز الراحلة كما يعتري رافع صوته إذا كان ركباً, من انضغاط صوته, وتقطيعه لأجل هز المركوب, وبالله التوفيق)). انتهى. أي: فهذه واقعة عين لا عموم لها .
    على أن معاوية بن قرة رضي الله عنه أراد أن يفعل لكنه لم يفعل, خشية أن يجتمع عليه الناس للاستماع.([3]) وهذا واضح الدلالة على أن محاكاة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في صوته غير معهودة بين الصحابة رضي الله عنهم إذ لو كانت معهودة لما خشي ذلك, وهو رضي الله عنه لم يفعل, فبقي الأمر على عدم التقليد, وأنه لم يكن من هدي الصحابة رضي الله عنهم. وفيمن بعدهم تتبعت كتب السير, والتراجم, ما أمكن فلم أر تقليد الصوت لدى القراء, عملاً موروثاً, يستعذب القارئ صوت قارئ آخر, فيقلده وهو واقف بين يدي ربه في المحراب ليحرك النفوس بصوت غيره, ويتلذذ السامعون بحسن أدائه فيه.
    12- وغاية ما وقفت عليه ما في فتاوى العز بن عبد السلام. م سنة 660هـ رحمه الله تعالى ونصه ص / 120:
    (مسألة: إمام بمسجد يقرأ قراءة حسنة, فسمعه إنسان فقرأ مثله محاكيا له, ولم يقصد بذلك سوى أن فلاناً يقرأ هكذا فهل هذه غيبة أم لا) الجواب: ليس ذلك بغيبة له, والله أعلم. انتهى. إذا كان الحال كذلك: فاعلم أنه في عصرنا بدت ظاهرة عجيبة, لدى بعض القراء إذ اخذوا في التقليد والمحاكاة على سبيل الإعجاب والتلذذ, وتلقنه الطلاب وهو في دَوْر التلقي, ثم سرت هذه العادة فَتَكَوَّن منها هذه الظاهرة ((ظاهرة المحاكاة والتقليد في الصوت)) كل بحسب من أعجبه صوته, فعمروا المحاريب بالتقليد, وهم وقوف بين يدي الله تعالى, يؤمون المصلين, ليحرك الإمام نفوس المأمومين بصوت غيره, ويتلذذ السامعون بِحُسن أدائه فيه, بل وصل الحال إلى أن الإمام في التراويح, قد يقلد صوتين, أو ثلاثة, وهكذا, وقد سمعت في هذا عجباً. وصدق أبو الطيب المتنبي :
    وَأَسْرعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراً ** تكلف شيء في طِبَاعِكَ ضِده
    (1) فضائل القرآن لابن كثير ص / 115 .
    (2) انظر في تخريجه: فتح الباري 8 / 583 , 13 / 512, ومسلم بشرح النووي 6 / 81 , والشمايل بشرح الدومي ص / 344 . ومختصرها للدعاس, وعنه الألباني ص / 167, 168 برقم / 273 .
    (3) انظر إلى دقيق ورع الصحابة رضي الله عنهم في البعد عن مواطن الرياء, والشهرة, ووازن بين هذا وبين ما يفعله ((مجوِّدة)) عصرنا من تكلف التقليد, وازدحام الناس على سماعه .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    وحيث إن هذا أمر إضافي في عبادة, والعبادات سبيلها الوقوف على النص ومورده, بل هنا في أفضل الكلام ((القرآن الكريم)), وفي أفضل العبادات العملية ((الصلاة)) والمسلم مطالب بأن لا يعبد الله إلا بما شرع, فالسؤال الوارد إذاً:
    ما حكم التعبد بتقليد صوت القارئ, هل هو مطلوب شرعاً أو غير مطلوب؟ وإذا كان مطلوباً فما دليله؟ وما منزلته من قسمي الطلب: الوجوب والندب؟ وإن لم يكن مطلوباً فما حكمه؟ وما موقعه من قسمي النهي: التحريم والكراهية؟ ومعلوم أن الإِباحة, وهي القسم الخامس من أقسام التكليف, لا دخل لها في أمور التعبد .
    والجواب على هذا يتحقق بأمور:
    الأول: الصوت: نعمة أنعم الله بها على عبادة, و((حُسن الصوت خِلقة)) نعمة أخرى, يتفضل الله بها على من يشاء من عباده, مثل: نعمة الجمال, ونعمة القوة, ونعم: الجاه, والمال, والسلطان, وهكذا .
    ويقتضي شكر البعد لأي من هذه النعم, استعمالها فيما هو طاعة لله, ولرسوله صلى الله عليه وسلم كاستعمال نعمة الصوت في: قراءة القرآن .
    والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه, وتحزينه, والتخشع به, حَوَالَة على الوازع الباعث الجاري على وفق الفطرة, ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب. قال طاووس: (أحسن الناس صوتاً بالقرآن: أخشاهم لله) رواه أبو عبيد . قال ابن كثير في ((فضائل القرآن ص / 125, 126)): وهو في معنى حديث مرفوع نحوه ([1]). (والغرض أن المطلوب شرعاً إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبُّر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة .
    فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإِمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: حدثنا نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن حصين بن مالك الفزاري, قال: سمعت شيخاً يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها, وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين, وسيجيء قوم من بعدي يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح, لا يجاوز حناجرهم, مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم)). وحدثنا يزيد عن شريك عن أبي اليقظان عثمان بن عمير عن زاذان أبي عمر عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال يزيد لا أعلمه إلا قال عابس الغفاري فرأى الناس يخرجون في الطاعون قال ما هؤلاء؟ قال يفرون من الطاعون فقال: يا طاعون خذني, فقالوا أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يتمنين أحدكم الموت))؟ فقال إني أبادر خصالاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوفهن على أمته بيع الحكم والا([2]) بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير, يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء, وذكر خلتين آخرتين .
    وحدثنا يعقوب بن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عثمان بن عمير عن زادان عن عباس الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أو نحوه, وحدثنا يعقوب عن إبراهيم عن الأعمش عن رجل عن أنس أنه سمع رجلا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس فأنكر ذلك ونهى عنه. وهذه طرق حسنة في باب الترهيب .
    وهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء, وقد نص الأئمة رحمهم الله على النهي عنه, فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفاً أو ينقص حرفاً فقد اتفق العلماء على تحريمه, والله اعلم . وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن معمر, ثنا روح, ثنا عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)). ثم قال: ولنا ما ذكرناه, لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه فرواه عبد الجبار بن الورد عنه, عن ابن أبي مليكة عن أبي لبابة, ورواه عمرو بن دينار, والليث عنه عن ابن أبي نهيك عن سعد, ورواه عسل بن سفيان عنه عن عائشة, ورواه نافع مولى ابن عمر عه عن ابن الزبير). انتهى.
    وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا السماع المبارك, فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن)). متفق عليه.
    والأحاديث بمعناه كثيرة في مشاهير السنن وغيرها. ويقتضي شكرها أيضا: أن لا يستعملها العبد في معصية كاستعمال ((حُسن الصوت)) في ((الغناء)). وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوتان ملعونان: صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار عن نعمة)) رواه البزار. من حديث أنس رضي الله عنه. والتحريم للصوت - فضلا عن الحسن - في ((الغناء)) كالتحريم لاستعمال حسن الصورة, والجمال في ((الفواحش)) والتلذذ بالنظر إليها. وبهذا تعلم: أن النِّعم, مِحَنٌ, والسعيد من استعملها في طاعة الله .
    وعليه: فالصوت نعمة, وحُسْنُه خلقه: فضيلة لا يجوز استعمالها في منهي عنه, ومن شُكرها استعمالها في طاعة الله .
    (1) انظره في: صفة صلاة النبي ص / 93 .

    (2) موضع البياض مقطوع من الأصل .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    الثاني: أن الصوت حسناً كان أو فظيعاً خِلْقة لم يعلق الله عليه مدحاً ولا ذماً, لأنه ليس فعلاً للعبد وإنما يذم العبد ويمدح بأفعاله الاختيارية, فمن كان صوته غير حسن - مثلا - فإنه لا يذم على ذلك, ويذم بما يكون باختياره كرفع الصوت الرفع المنكر, كما يوجد ذلك في أهل الغلظ والجفاء من الفَدَّادِيْنَ والصخَّابين في الأسواق. وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم : ((ليس بفظ, ولا غليظ, ولا صخَّاب في الأسواق)). وقال تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ[لقمان:19]. فأمره أن يغض من صوته, وأن يقصد في مشيه, كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم.([1]) وحسن الصورة أو قبحها, وحسن الصوت أو قبحه, يكون كل منها علامة على الذم كما قال الله في المنافقين: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4] . وقال سبحانه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204] . وعلى هذا: فالصوت المجرد لا يعلق عليه: شيء من الحب والبغض, الذي هو ملاك الأمر والنهي .
    (1) انظر: السماع لابن القيم ص / 354 , والاستقامة لابن تيمية 1 / 334, 335 .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    الثالث: أن يكون الصوت الطبعي خِلْقة: حسناً لذيذاً, مطرباً أمر يدرك بالإِحساس, ويشترك فيه جميع الناس, والإِنسان مجبول على محبة الحسن وبغض السيء. إذاً: فالفضيلة في ((حسن الصوت)) معلقة على استعماله فيما هو طاعة لله تعالى, فإذا استعين بهذه الفضيلة على ما أمر الله به كان طاعة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صاى الله عليه وسلم قال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) رواه البخاري وغيره. فهذا الصوت الحسن الطبعي إذا جعل في طاعة الله, وأجلها قراءة القرآن الكريم, كان طاعة لله تعالى, وعوناً على عبادته واستماع كتابه فيثاب المسلم على هذا الالتذاذ, وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات([1]). أما أن يكون مجرد استحسان الإنسان للصوت, دليل على استحبابه في الدين والتعبد به مجرداً, فهذا ضلال, إذ حقيقته تدين بعشق الصوت كالتدين بعشق الصور الحسنة وقد تنكبهما أهل العلم والإِيمان, وردوا على منحرفة المتصوفة في التعبد بعشق الصور الجميلة([2]) وبعشق الأصوات الجميلة, وما تثيره من الوجد والحركة. فالصوت لا يستلذ به لذاته تعبداً, وإنما لما يحمله من آيات التنزيل, وقوارع القرآن الكريم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((الفتاوى 1 / 76, 77)): (فالسماع الشرعي الديني: سماع كتاب الله, وتزيين الصوت به, وتحبيره, كما قال صلى الله عليه وسلم ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقال أبو موسى: (لو علمت أنك تستمع لحبرته تحبيراً) والصور والأزواج, والسراري التي أباحها الله تعالى. والعبادة: عبادة الله وحده لا شريك له ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ. وهذا المعنى يقرر قاعدة: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. وينهى أن يشبه الأمر الديني الشرعي بالطبيعي البدعي لما بينهما من القدر المشترك كالصوت الحسن, ليس هو وحده مشروعاً, حتى ينضم إليه القدر المميز, كحروف القرآن, فيصير المجموع من المشترك, والمميز هو: الدين النافع ). انتهى. وعليه: فلا يعلق الصوت الحسن: بذل الإكرام والتجلة لصاحب الصوت الحسن على ما يبذله من صوت حسن, كما لا يعلق الإِكرام على حسن الصورة, لمن كان جميلاً, فعشق الصوت المجرد كعشق الصورة في النهي سواء. ولا تغتر بفعلات المتصوفة من التعبد بعشق الصورة بدون فاحشة, وإكرام صاحبها, والتعبد بعشق الصوت الحسن بدون قول زور أو منكر, وجعل ذلك من سبل التعبد والإِكرام, فهذا ضلال وفساد.([3]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:([4]) (فإن محبة النفوس: الصورة والصوت, قد تكون عظيمة جداً, فإذا جعل ذلك ديناً, وسُمِّي لله, صار كالأنداد, والطواغيت المحبوبة تديناً, وعبادة كما قال تعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93] ). وقال أيضاً رحمه الله تعالى:([5]) (وليس في دين الله محبة أحد لحسنه قط([6]), فإن مجرد الحسن لا يثيب الله عليه ولا يعاقب, ولو كان كذلك كان يوسف عليه السلام, لمجرد حسنه, أفضل من غيره من الأنبياء لحسنه. وإذا استوى شخصان في الأعمال الصالحة, وكان أحدهما أحسن صورة وأحسن صوتاً, كانا عند الله سواء, فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم, يعم صاحب الصوت والصورة الحسنة, إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته, كان أفضل من هذا الوجه, كصاحب المال والسلطان إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته, فإنه بذلك الوجه أفضل ممن لم يشركه في تلك الطاعة, ولم يُمتحن بما امُتحن به, حتى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. ثم ذلك الغير إن كان له عمل صالح آخر يساويه به, وإلا كان الأول أفضـل مطلقـا ). انتهى.
    (2) انظر: الاستقامة 1 / 343 .
    (1) قام شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم بالرد على المتصوفة في ذلك في كتبهما انظر: الاستقامة لابن تيمية 1 / 331, 373 , والسماع لابن القيم . وعلى هذين الكتابين بنيت الوجوه في هذه الرسالة, وانظر الفتاوى 2 / 42 .
    (2) ومن هذا عمل ((المغبرة)) للتغبير, وهو المعروض اليوم على شباب المسلمين باسم ((الأناشيد الإسلامية)) وقد بينت هذا في رسالة مستقلة .
    (3) الاستقامة 1 / 348 .
    (1) الاستقامة 1 / 349 .
    (2) في الأصل: لحسنه لله فقط . ولعل الصواب ما أثبته (محقق الاستقامة) . الناشر .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    وقال رحمه الله تعالى:([1]) (وهذا الذي ذكرناه من أن الحَسَن الصورة والصوت, وسائر من أنعم الله عليه بقوة أو بجمال أو نحو ذلك, إذا اتقى الله فيه كان أفضل ممن لم يؤت ما لم يمتحن فيه - فإن النعم محن - فإن أهل الشهوات من النساء والرجال يميلون إلى ذي الصورة الحسنة, ويحبونه ويعشقونه, ويرغِّبونه بأنواع الكرامات, ويرهِّبونه عند الامتناع بأنواع المخوِّفات, كما جرى ليوسف عليه السلام وغيره. وكذلك جماله يدعوه إلى أن يطلب ما يهواه, لأن جماله قد يكون أعظم من المال المبذول في ذلك .
    وكذلك حَسَن الصوت قد يُدعى إلى أعمال في المكروهات, كما أن المال والسلطان يحصل بهما من المكنة ما يُدعى مع ذلك إلى أنواع الفواحش والمظالم, فإن الإنسان لا تأمره نفسه بالفعل إلا مع نوع من القدرة, ولا يفعل بقدرته إلا ما يريده, وشهوات الغيّ مستكنّة في النفوس, فإذا حصلت القدرة قامت المحنة, فإما شقي وإما سعيد, ويتوب الله على من تاب. فأهل الامتحان إما أن يرتفعوا وإما أن ينخفضوا. وأما تحريك النفوس عن مجرد الصوت, فهذا أيضا محسوس, فإنه يحركها تحريكاً عظيماً جداً بالتفريح والتحزين, والإغضاب والتخويف, ونحو ذلك من الحركات النفسانية, كما أن النفوس تتحرك أيضا عن الصور بالمحبة تارة وبالبغض أخرى, وتتحرك عن الأطعمة بالبغض تارة والنفرة أخرى, فتحرك الصبيان والبهائم عن الصوت هو من ذلك, لكن كل ما كان أضعف كانت الحركة به أشد, فحركة النساء به أشد من حركة الرجال, وحركة الصبيان أشد من حركة البالغين, وحركة [البهائم]([2]) أشد من حركة الآدميين, فهذا يدل على أن قوة التحرك عن مجرد الصوت لقوة ضعف العقل, فلا يكون في ذلك حمد إلا وفيه من الذم أكثر من ذلك, وإنما حركة العقلاء عن الصوت المشتمل على الحروف المؤلَّفة المتضمنة للمعاني المحبوبة, وهذا أكمل ما يكون في استماع القرآن. وأما التحرك بمجرد الصوت, فهذا أمر لم يأت الشرع بالندب إليه, ولا عقلاء الناس يأمرون بذلك, بل يعدُّون ذلك من قلة العقل, وضعف الرأي, كالذي يفزع([3]) من مجرد الأصوات المفزعة المرعبة. وعن مجرد الأصوات المغضبة ). انتهى.


    (3) الاستقامة 1 / 372, 374 .

    (1) مكان كلمة ((البهائم)) بياض في الأصل, وأرجوا أن يكون إثباتها هو الصواب. (محقق الاستقامة). الناشر .

    (2) في الأصل : يبرع , ولعل الصواب ما أثبته (محقق الاستقامة) الناشر .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    والحاصل: أن مجرد الصوت حسناً أو غير حسن, لم يعلق الله عليه حكماً, لا مدحاً, ولا ذماً, بل لا يجوز فيه ذمه إذا كان غير حسن, لأنه خلْق الله, لا اختيار للعبد فيه, وأن الصوت الطبعي الحسن, نعمة على العبد, و ((النعم محن)) فإن استعمله في الطاعة في قراءة كتاب الله تعالى كان ذلك أمراً مرغوباً فيه شرعاً, واستماعه مرغوب شرعاً لا لذات الصوت, لكن لأنه يحمل كلام الله, ويحببه إلى النفوس ويوصل معانيه إلى القلوب, وأن من كان كذلك لم يمنحه الشرع حكماً مستقلا لذات الصوت دون غيره. وأن تحريك الصوت للإِنسان أمر طبعي, كما يتحرك كل إلى ما يناسبه من الأصوات وإنما التعبد أن يتحرك العبد إلى كلام الله وما فيه من العظة والعبرة, والتذكير بالمصير, وبالجنة والنار, وعظيم الحكم والأحكام, أما لو تحرك عند قراءة القرآن طرباً لمجرد حسن الصوت, دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم, فهذا عشق مجرد من التعبد, لعدم ورود أمر التعبد عليه في الشرع المطهر. وإذا استقر عندك هذا المحصول الجامع لأحكام الصوت الحسن, بقي الوقوف على حكم هذه الظاهرة الحادثة: ((الافتتان بتقليد أصوات القراء, والقراءة بها في المحاريب بيت يدي الله تعالى)) عندئذ نقول: هذا أمر ((إضافي إلى التعبد في القراءة)) فهذا ((التقليد)) ((عبادة)). ومعلوم أنه قد وجد المقتضى لهذا في عصر النبي , وعصر صحابته رضي الله عنهم, فلم يُعمل العمل به عن أحد منهم رضي الله عنهم وقد عُلم في ((الأصول)): ((أن ترك العمل بالشيء في عصر النبي مع وجود المقتضي له يدل على عدم المشروعية)) .
    فالصوت الحسن في القراءة موجود في عصر النبي , ورأس الأمة في هذا نبينا ورسولنا محمد , فهذا المقتضي موجود, ولم يُعلم أن أحداً تقرب إلى الله تعالى بتقليد صوت النبي أو أحد من صحابته, ولا من بعدهم, وهكذا. فدل هذا على عدم مشروعية هذا التقليد, وعلم به أن التقرب إلى الله تعالى بذلك ((التقليد والمحاكاة لأصوات القراء)) أمر مهجور, فالتعبد به أمر محدث, وقد نهينا عن الإِحداث في الدين. وقاعدة الشرع أن كل أمر تعبدي محدث فهو: بدعة وكل بدعة ضلالة, وأن الشغف والتدين بحسن الصوت فحسب, والتلذذ به, كالتدين بعشق الصور, فهما في الابتداع والتحريم سواء. بل يضاف إلى المحاكاة للصوت الحسن, أن فيها نوع تبعية مُذلة, والشرع يبني في النفوس: العزة, والكرامة, وترقية العقول, واستقلالها, وتمحض متابعتها لهدي النبوة لا غير.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    وتأمل هل من قَلّدت صوته كان مقلداً لآخر, أم بحكم ما وهبه الله له وتأمل أيضاً هل رأيت عظيماً يشار إليه بالعلم, والفضل, والمكانة يقلد صوت آخر في القراءة, أو في الخطابة, أو في الأذان, أو في الكلام المعتاد والأداء فيه؟!. والشرع يدعو إلى تحسين القارئ صوته, وهذا أمر مشروع في حق من يملكه, ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, وتطلُّبه بالتقليد والمحاكاة, تكليف بما لا يسع العبد في طبعه, فهو غير مطلوب وتكلف العبد ما لا يطيقه كمن يريد شَبْرَ البسيطة. وهذا هو ما تقتضيه ((الفطرة)) التي فطر الله عليها عباده, ودين الإسلام هو الفطرة ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم:30], الآية . فدين الإسلام ينفجر من ينبوع معنى الفطرة, وحقيقة الفطرة: ما فُطِرَ وخُلِقَ عليه الإنسان ظاهراً وباطناً, أي جسداً وعقلاً, فسير الإنسان على قدميه كما يسر الله له فطرة, ومحاولة تقليد غيره في المشي ممن يراه أحسن منه مشية معاكسة للفطرة, وهكذا نطقه بما يسر الله له, وركب فيه من حباله الصوتية, واستعداد حنجرته, ومجاري نَفَسه هذا هو الفطرة.
    وقد أحاله الشرع إلى الوازع الباعث حسب الجبلَّة والخلقة, ومحاولة العدول عن هذا إلى صوت غيره هذا خلاف الفطرة حساً, ويعاكسها عقلاً فالفطرة حسّاً وعقلاً, والإسلام دين الفطرة أن تجري حواسه في قانونها التي ركبت عليه من لدن حكيم خبير, وفي قالب الإسلام وهذا هو محض العقل, والعاقل لا يعاكس الفطرة معنى ولا حساً ﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ* الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ* فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6, 8], وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] . فالمقلد يعدل عن خلق الله له في ذلك التقويم, ثم يفعل بنفسه الأفاعيل ليتحول إلى صورة ركيكة؟؟
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    نعم لا ينكر توافق بعض الأصوات حسناً كان الصوت أو غير حسن, لكن السامع يميز بين هذا وذلك, إذا استقر ذلك: فاعلم أن المُحْدث يتولد منه أمور محدثة, وهكذا تبدو المحدثات صغاراً, ثم تنمو, وتزداد, حتى تتقطع السبيل إلى السبل, وتغاب السنن. وقد تولد عن فتنة التقليد: إحياء البدعة المهجورة لدى المتصوفة. ((التعبد بعشق الصوت)) وقد كشف أهل السنة في مبحثي ((عشق الصور, وعشق الصوت)) بدعية التعبد بهذا العشق, وأنه فتنه للتابع والمتبوع. وتولد منها في عصرنا: الازدحام في المساجد التي سبيل إمامها كذلك في المحاكاة, وقد بينت النهي عن تتبع المساجد طلباً لحسن الصوت فيما كتبت عن ((ختم القرآن)), بل بلغنا بخبر الثقات عن مشاهدة منهم أن بعضهم يسافر من بلد إلى بلد آخر في أيام رمضان ليصلي التراويح في مسجدٍ إمَامُه ((حسن الصوت)) . فانظروا - رحمكم الله - كيف خرق سياج السنة في النهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, والمسجد النبوي, والمسجد الأقصى. ومن ولائد ذلك: تَكَرُّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يُستحسن صوته. ومنها: انصراف من شاء الله من عباده عن الخشوع في الصلاة, وحضور القلب . . . إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت. وأنصح كل مسلم قارئ لكتاب الله تعالى وبخاصة أئمة المساجد, أن يكفوا عن المحاكاة والتقليد في قراءة كلام رب العالمين, فكلام الله أجل, وأعظم من أن يجلب له القارئ ما لم يطلب منه شرعاً زائداً على تحسين الصوت حسب وسعه لا حسب قدرته على التقليد والمحاكاة, وقد قال الله عن نبيه محمد : ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِي نَ [ص:86], وليجتهد العبد في حضور القلب, وإصلاح النية فيقرأ القرآن محسناً به صوته من غير تكلف, وليجتنب التكلف من الأنغام, والتقعر في القراءة, والممنوع من حرمة الأداء.وينبغي لمن بسط الله يده أن يجتهد في اختيار الإمام - في الصلاة - الأعلم والأتقى الأورع, السالم في اعتقاده من مرض الشبهة وفي سلوكه من مرض الشهوة, وتقديم حسن الصوت الطبعي على غيره, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:([1]) ((أما تحسين الصوت, وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك)). انتهى .
    (1) فتح الباري 9 / 72 .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    تنبيه: ما تقدم من النهي عن التقليد والمحاكاة في الأصوات هو عام في حق الرجال, والنساء, وإذا قلدت المرأة في صوتها صوت رجل, كان النهي مُعَللاً بالتشبه أيضاً . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:([1]) ((قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء, ولا العكس. قال ابن حجر: وكذا في الكلام والمشي . . . إلى أن قال: وأمَّا ذَمُّ التشبه بالكلام والمشي, فمختص بمن تعمد ذلك, وأما من كان ذلك من أصل خلقته, فإنما يؤمر بتكلف تركه, والإِدمان على ذلك بالتدريج, فإن لم يفعل وتمادى دخله الذمَّ . . . )). انتهى . والله أعلم .
    (1) فتح الباري 10 / 332 .
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    وقد خالف في ذلك العلامة ابن عثيمين رحمه الله.
    حيث سئل رحمه الله:ـ
    بعض أئمة المساجد في صلاة التراويح يقلدون قراءة غيرهم وذلك لتحسين أصواتهم بالقرآن، فهل هذا عمل مشروع وجائز.
    الْجَوَابُ
    الحمد لله
    تحسين الصوت بالقرآن أمر مشروع أمر به النبي صلى الله عليه وسلم واستمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى الأشعري وأعجبته قراءته حتى قال له: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) مسلم في صلاة المسافرين (793) .
    وعلى هذا فإذا قلد إمام المسجد شخصاً حسن الصوت والقراءة من أجل أن يحسن صوته وقراءته لكتاب الله عز وجل فإن هذا أمر مشروع لذاته ومشروع لغيره أيضاً لأن فيه تنشيطاً للمصلين خلفه، وسبباً لحضور قلوبهم واستماعهم وإنصاتهم للقراءة وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
    كتاب الدعوة ابن عثيمين 2/201
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,940

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    نفع الله بك أبا أسماء . ولابن القيم بحث في الهدي عن هذا ، وانظر تصحيح الدعاء ، وبدع القراء للشيخ بكر . وغير ذلك .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    785

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    بارك الله فيك.

    وقلبي يميل لما قرره العلامة بكر رحمه الله .

    للباطل صولة عند غفلة أهل الحق

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مالك المديني مشاهدة المشاركة
    نفع الله بك أبا أسماء . ولابن القيم بحث في الهدي عن هذا ، وانظر تصحيح الدعاء ، وبدع القراء للشيخ بكر . وغير ذلك .
    وفيكم بارك شيخنا الحبيب، وأين أجد هذا البحث؟
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,987

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو العبدين البصري مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك.

    وقلبي يميل لما قرره العلامة بكر رحمه الله .
    وفيكم بارك أخانا الحبيب أبا العبدين، وأنا أميل لما تميل إليه
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,940

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    عن هذا : ...فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب.
    انظر الهدي 1/466 . جزاك الله خيرا .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,541

    افتراضي رد: مبحث متين للعلامة بكر أبي زيد في مسألة تقليد أصوات القراء

    أقول: وَهِمَ الأخ الفاضل / أبو مالك المديني، في نسبة هذا النقل إلى "الهَدي"، والصواب أنَّه مِن حَرف الحافظ ابن كثير، انظره مشكورا، في فضائل القرآن، وصَدر تفسيره، والله أعلم وأحكم.
    {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •