الحكم بغير ما أنزل الله
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 42

الموضوع: الحكم بغير ما أنزل الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    14

    افتراضي الحكم بغير ما أنزل الله

    بسم الله الرحمن الرحيم ,...
    الحمد لله وحده , و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده ,...

    ما بعد فإني قد وجدت من بعض طلبة العلم و العلماء أقوال بتكفير من لا يحكم بما أنزل الله حتى لو لم يجحدها و قالوا بأنها كالحكم على تارك الصلاة ,...

    و كان إعتقادي و ما زال هو أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر لأثر ابن عباس

    روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة:44] قال: "من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق".
    أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166) بإسناد حسن. «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للإلباني(6/114)

    و هذا الأثر أيضاً
    قال طاووس عن ابن عباس – أيضاً – في قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾؛ قال: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه".
    أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/522/574) بإسناد صحيح. «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للإلباني (6/114)
    وفي لفظ: "كفر لا ينقل عن الملة". وفي لفظ آخر: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق".
    أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/522/575) «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للإلباني (6/114)
    ولفظ ثالث: "هو به كفره، وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه ورسله".
    أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/521/570) وإسناده صحيح.

    و هو قول جمع من العلماء

    المصدر (أتمنى قراءة المصدر):-
    http://www.fatwa1.com/anti-erhab/Hakmeh/Qwaneen.html
    http://www.fatwa1.com/anti-erhab/Hakmeh/hakmeh.html


    و لكن لم أرى كيف يعارض طلبة العلم الذين يرون الكفر المخرج من الملة دون استحلال هذه الأدلة ؟

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    الموضوع كبير، وطويل الذيول
    وأنصحك -بصفتي متعمق في هذا الموضوع- بألا تخوض فيه حتى لا تنشغل بما يفوق طاقتك
    ولكني أبشرك بصدور كتاب (جامع) لأطراف هذه المسالة إن شاء الله

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    450

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أين يصدر هذا الكتاب ومن صاحبه؟؟

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    يصدر قريبًا إن شاء الله، أما عن صاحبه فهو (العبد الفقير) راقم هذه الحروف

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    450

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    بارك الله فيك
    وماهو الإسم الحقيقي للذي رقم حروف الكتاب ؟
    بارك الله فيك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    116

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    من أفضل الكتب المعاصرة في الموضوع :
    60 قول في كفر من حكم أو تحاكم للطاغوت
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    Exclamation رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    أنا لا أكتب اسمي الحقيقي على أبحاثي وكتبي، وهذا ليس تخفيًا من شيء! -فهناك من أهل العلم من يعرفني باسمي ولكني أفضل ذلك- أما بخصوص المشاركة الأخيرة (!)؛ وهي كتاب: "60 قول في كفر من حكم أو تتحاكم إلى الطاغوت" فاسمه وحده كاف في رده!، ولكنه قد حوى ما كرره غير ولكن بمغالطات أكثر!. وبيان ما فيه من المتهافتات من أسهل ما يكون بحمد الله تعالى؛ فلا يغرنكم كثرة نقولاته؛ فغالبها لا صلة لها بمحل البحث والنزاع؛ فإن غالب من كتب في هذا الباب غير محرر لمحل النزاع؛ فتجده ينقل أقوالاً لأهل العلم على "من لم يرض بحكم الله ورسوله" -مثلاً-، ويظن أن ذلك يخدم مذهبه!...إلى غير ذلك، ثم يقال لك بعد إن هذا الكتاب: "من أفضل ما كُتِب"!!، فالله المستعان.
    أما دعوى موافقة المرجئة؛ فشنشنة نعرفها من أخزم!؛ وهي ناشئة من الجهل بمحل النزاع كما ذكرت وللرد عليه (بإيجاز) أقول:
    قد بان لمريدي الهدى والرشاد مذاهب المرجئة الضلال ، وما تلبسوا به من البدع المشينة ، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة ، تلكم الأقوال التي فارقها أهل السنة في كل زمان ، ولم يكل منهم في التحذير منها لسان ولا بنان ، ثم يأتي من لا خُلُقَ له ولا أمانة[1] ويرمي من يقول – من أهل السنة – بعدم كفر من يحكم بالقوانين الوضعية بإطلاق – مع تقريره بأن الأعمال من الإيمان ، وأن الإيمان يزيد وينقص ، وأن الظاهر والباطن متلازمان – بأنه: "مرجئ"! أو: "وافق المرجئة"! ، وقد يشتط فيقول بفيه ملؤها الزور والبهتان: "من غلاة المرجئة"!!.
    فَأُفٍّ عَلَى الْعِلْمِ الذِّي تَدَّعُونَهُ إذَا كَانَ فِي عِلْمِ النُّفُوسِ رَدَاهَا (!!)
    وأما الجواب على اتهام من قال بعدم كفر من يحكم بالقوانين الوضعية بإطلاق من أهل السنة بأنهم مرجئة فمن وجوه:
    الوجه الأول:
    أن الذي ينبغي أن نفهمه أن مطلق الاشتراك مع أهل البدع في بعض ما هم عليه من دون نظر إلى حقيقة هذا المذهب لا يقتضي الإلحاق بهم. فإن أهل السنة اشتركوا مع الخوارج والمعتزلة في أن العمل من الإيمان وأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ، كما أنهم اشتركوا مع المرجئة في عدم تكفير مرتكب الكبيرة ، واشتركوا مع مرجئة الفقهاء في أنه يستحق الذم وأنه متوعد في الآخرة بعقاب الله.
    وخالفوا الخوارج والمعتزلة والمرجئة فقالوا: الإيمان حقيقة مركبة ، وقالت الخوارج والمعتزلة والمرجئة: بل هو شيء واحد ؛ إذا زال بعضه زال كله.
    وخالفوا المرجئة فقالوا: مرتكب الكبيرة ناقص الإيمان ، والمرجئة قالت: هو مؤمن كامل الإيمان.
    ومن هذا الباب – أعني: المشاركة مع المرجئة فيما لا يقتضي إلحاقًا بهم – قول الحافظ ابن عبد البر: "هذا قولٌ[2] قد قال به جماعة من الأئمة ممن يقول الإيمان قول وعمل، وقالت به المرجئة أيضاً!؛ إلا أن المرجئة تقول: (المؤمن المقر مستكمل الإيمان)، وقد ذكرنا اختلاف أئمة (أهل السنة والجماعة) في تارك الصلاة فأما أهل البدع فإن المرجئة قالت: (تارك الصلاة مؤمن مستكمل الإيمان إذا كان مقرا غير جاحد ومصدقا غير مستكبر)، وحكيت هذه المقالة عن أبي حنيفة وسائر المرجئة وهو قول جهم!"اهـ.
    وعليه: فإن مطلق المشاركة مع المرجئة في بعض ما هم عليه –مع الاختلاف معهم في أصول مذهبهم- لا يقتضي إلحاقًا بهم.

    الوجه الثاني:
    أن كبار العلماء المعاصرين[3] الذين اختفوا معنا في هذه المسألة- وهي الحكم بالقوانين الوضعية - لم يختلفوا في (مناط التكفير) في هذه المسألة ألا وهو: الإرجاع إلى الاعتقاد والاستحلال[4] ، وإنما اختلفوا في تحقيق هذا المناط في هذه الصورة على الوجه العام[5]؛ بمعنى أوضح: أن هؤلاء العلماء لم يكفروا من يحكم بالقوانين الوضعية لمجرد أن هذه القوانين كفر أكبر[6] ؛ بل لأن العدول عن حكم الشرع – ولو في مسألة واحدة – مع جعل هذا العدول مطردًا بحيث يجعل قانونًا عامًا يرجع إليه في كل القضايا ، يستلزم - عندهم - انتفاء أصل الإيمان من القلب (وهو مناط التكفير)، فليس مجرد الحكم بالقوانين هو موضع النزاع عندهم ، وإنما موضع النزاع هل هذه الصورة تستلزم انتفاء أصل الإيمان أم لا؟ ، وهذا خلافٌ فرعيٌ جزئيٌ لا يتعلق بالإرجاء ولا بالمرجئة ، لأن الذين لا يكفرون بهذه الصورة[7] لا يترددون في تكفير المواقع لها إذا دل دليل صحيح لا معارض له أن في ذلك انتفاء لأصل الإيمان[8] ، فعاد الخلاف إلى هذه الجزئية ؛ ألا وهي: هل هذه الصورة تستلزم انتفاء أصل الإيمان أم لا؟!.
    [1] وقد تأثر بهؤلاء أو وافقوهم بعض أهل السنة وهم معذورون –إن شاء الله- ، وليس هم المقصودين بالتشنيع ، وإنما دعاة الشر والفساد من أصحاب الكر المنحرف الذين سلكوا كل سبيل للطعن في علماء الأمة والنيل منهم ، والله المستعان.

    [2] يعني: القول بعدم تكفير تارك الصلاة كسلاً من غير جحود ولا استكبار.

    [3] كالشيخ ابن عثيمين (في القديم) ، والشيخ الفوزان

    [4] وعلى رأس هؤلاء العلامة الفقيه المتفنن الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ؛ فإنه قال –(قديمًا)- في التكفير بصورة القوانين كما في "الفتاوى" (2/143): "ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق ، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية ، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه... لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد+اهـ قال أخونا بندر بن نايف – في كتابه "الحكم..مناقشة تأصيلية+ معلقًا: "ففي هذه الفتوى... أن الإمام ابن عثيمين أرجع التكفير في هذه الحالة للاعتقاد... فليتأمل هذا الذين يتمسكون بكلامه رحمه الله في هذه المسألة ، ومع ذلك يرون أن الإرجاع للاعتقاد في هذه الصورة إرجاء!"اهـ. وانظر تراجعه عن ذلك الرأي في الفتوى المنشورة في هذا الكتاب ص ( ). وأزيد على ذلك: أن الشيخ محمد ابن إبراهيم نفسه أرجع الحكم في هذه المسألة للاعتقاد فإنه قال – كما في رسالة تحكيم القوانين -: "ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه وتعالى الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً ؛ بل هو كافر مطلقاً إما (كفر عمل) وإما (كفر اعتقاد)... أما كفر الاعتقاد فهو أنواع...[وذكر منها الحكم بالقوانين]"اهـ قلت: فانظر يا رحمك الله كيف جعل الشيخ الحكم بالقوانين من (كفر الاعتقاد) ولم يجعله من كفر العمل (المضاد للإيمان) والذي يتضمن لزامًا كفر الاعتقاد. وهذه دقيقة قلما يتنبه لها إلا من وفقه الله ، وهي تؤيد - بفضل الله – ما ذهبنا إليه هنا. وهذه (الدقيقة) هي التي جعلت أقوال طلبة العلم تتخبط في فهم مراد العلماء في هذه المسألة، فتراهم يختلفون في توجيهها على أفهام متناقضة ، ولو أنهم تنبهوا لتلك (الدقيقة) لزال عنهم كثير من الإشكالات ، والله الموفق.

    [5] أي على كل من حكم بالقوانين الوضعية من غير تعيين.

    [6] بدليل أن الذي حكم بإحدى هذه القوانين في قضية واحدة لم يكفر عندهم بذلك اتفاقًا ، ومن المعلوم أن ما كان جنسه كفرًا ؛ لم يفرق بين قليله وكثيره!. وإنما يكفرون من عزم على الحكم بهذا القانون في كل القضايا دون استثناء ، ويعبر بعضهم عن هذه الصورة باسم "الحكم في التشريع العام".

    [7] لعدم انطباق مناط التكفير عليها في كل الصور.

    [8] ومن ذلك: إظهار الحاكم ما يدل دلالة (صريحة) على ذلك كقوله: "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" وقوله: "إن الشرع لا يناسب العصر الحالي" ، وقوله: "إن إقامة الحدود فيها وحشية"...إلى آخر ذلك من الأقوال الكفرية في ذاتها ، والتي تدل بدلالة التضمن على عقيدته في حكمه بالقوانين ؛ لأنها بمثابة إفصاحه عن سبب حكمه بها ، فكأنه يقول: أنا أحكم بهذه القوانين لأنه: "لادين في السياسة ولا سياسة في الدين" أو: لأن "إقامة الحدود مما ينافي الآدمية والرحمة الإنسانية+ أو: "لأن الحكم بشرع الله لا يتناسب مع عصرنا الحالي". وهذا طبعًا على الوجه العام، فلتكفير المعين ضوابط أخرى سبقت في باب قواعد التكفير، فانظره فإنه مهم.




    (((المرفقات))) في الرد القادم؛ فانتظر!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    إليكم هذا الرابط بصفة ((مؤقتة))؛ حتى يتسنى لي رفع ((المرفقات)) التي وعدت بها
    http://up1.ups7.com/file/3900/------...------rar.html

    وتجده أيضاً في هذه المشاركة :

    http://majles.alukah.net/showthread.php?t=10751

    تنبيه: أعتذر من أي حدة صدرت مني في مشاركتي السابقة، وجزاكم الله خيرا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    21

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    هذا كتيب جيد يبحث المسألة
    حكم الله وما يُنافيه
    د. عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف



    http://www.alabdulltif.net/index.php...&filecatid=268
    موقع معالم في الطريق
    www.m3alim.com

    مدونة معالم في الطريق
    http://maqdsi.maktoobblog.com/?all=1

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2008
    المشاركات
    182

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    لو قلتُ: "إني أكره عمرو ...
    ما هاتفني مرةً واحدةً إلا وأفصح عنْ نيَّته في اقتراض بعض النقود مني."
    فهل يفهم السامع العاقل من هذا الكلام أنَّ أحوال عمرو معي على الهاتف على قسمين:
    مرة يتصل بنيّة السؤال عن الصحة فيكون محبوباً.!
    ومرة أخرى يتصل بغرض الاقتراض فيكون مذموماً؟!
    لايقول بهذا عاقل.
    ---------------
    لو قال الشيخ العثيمين - رحمه الله -: "ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق".
    فهل يفهم السامع العاقل أن الشيخ العثيمين يقصد من هذا الكلام أن حال من يشرع القوانين الوضعية على قسمين:
    قسم يكفر لاعتقاده بأنها الأصلح!
    وقسم آخر لايكفر لعدم اعتقاده أنها الأصلح؟!!
    لايقول بذلك من شم رائحة العقل.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    القول بكفر الحكم بغير ما أنزل الله..هو القول الراجح الذي تدعمه الأدلة الظاهرة
    دون اشتراط الاستحلال ..فإن الشيء إذا سماه الله كفرا..لا يكون الاستحلال فيه شرطا..هذا هو الأصل
    وإلا فاستحلال أي شيء حرمه الله يقينا فهو كفر قولا واحدا
    وما ذكرته من أدلة عن ابن عباس..فهي ضعيفة..ضعفها كبار المحققين من أهل الحديث في زماننا كالعلوان والسعد وغيرهما..وحججهم في تضعيفها وإعلالها ظاهرة جدا
    بل الرواية الصحيحة المحفوظة عن ابن عباس هي قوله في تفسير الآية"هي به كفر" كما عند ابن أبي شيبة
    والحكم بغير ما أنزل الله..عبادة..قال تعالى"إن الحكم إلا الله"..فتأمل كيف أعقبها بقوله"أمر ألا تعبدوا إلا إياه"
    ومن زعم اشتراط الاستحلال..فعليه أن يشترط ذلك في دعاء غير الله..وسائر العبادات التي تصرف لغير الله
    والأصل الذي لا محيص عنه أن الكفر حين يعرّف فالمراد به الأكبر..
    وقد نص الله تعالى على هذا الحكم بوضوح فقال"ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون"
    وأما من يدعي أنه قد يكون فسقا وظلما بنص الآيتين اللاحقتين..فجواب ه في نفس الآيات وهي أنها تتحدث عن اليهود والنصارى
    وهذا القول الذي سقته لك..هو قول الإمام محمد بن عبد الوهاب..
    ونقل الإجماع عليه ابن كثير كما في البداية والنهاية..وهذا تحصيل كلام ابن تيمية وابن حزم
    والحكم من خصائص الله تعالى فهو فرع من توحيد الإلهية..كل الآيات تدل على ذلك..بوضوح تام لمن تأملها..
    لكن يستثنى منه من تحاكم إلى هواه في قضية ما لعارض شهوة عاجلة..
    أما أن يحاكم شخص الناس إلى قوانين أرضية..ويلزمهم بها..وينبذ-بلسان حاله-شرعة الله تعالى..
    فهذا الكفر الذي قال الله عنه
    والآية لم تشترط استحلالا..ولا انعقاد قلب..
    وعلى من يبحث في الأمر أن يتخلّص من تبعات التأثيرات الخارجية..والعوا طف التي تحرف بحثه عن الجادة
    والله المستعان

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جولدن توربان مشاهدة المشاركة

    فهل يفهم السامع العاقل أن الشيخ العثيمين يقصد من هذا الكلام أن حال من يشرع القوانين الوضعية على قسمين:
    قسم يكفر لاعتقاده بأنها الأصلح!
    وقسم آخر لايكفر لعدم اعتقاده أنها الأصلح؟!!
    لايقول بذلك من شم رائحة العقل.
    أولاً


    أخي (جولدن توربان!) (!): إن العقل -إن صح تشبيهك البليغ!- ليس له رائحة -ولو على المجاز- فضلاً عن أن يُشَمَّ!؛ وإنما العقل (هبة محضة) من الله سبحانه وتعالى، فلربما قصدت رائحة العلم! (على المجاز أيضًا)؛ فإنه برزق الله ثم بكسب ابن آدم.

    ثانياً


    إني لم أذكر أن الشيخ قد قسم ((من يشرع القوانين الوضعية على قسمين: 1- قسم يكفر لاعتقاده بأنها الأصلح! 2- وقسم آخر لايكفر لعدم اعتقاده أنها الأصلح؟!!)) كما ذكرتَ، بل ولا هذا أيضاً لازم كلامي كما توهمت منه!؛ وإنما فحوى كلامي:

    1- أن الشيخ ابن عثيمين أرجع علة التكفير في صورة من يحكمون بالقوانين إلى (الاعتقاد) وليس مجرد الفعل؛ إلا أنه قد رأى أن هذه العلة لا تتخلف أبدًا فيهم كما قال: ((إذ من المعلوم بالضرورة العقلية ، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه)).

    2- وأن الشيخ بهذا لا يكون كمن كَفَّرَ بمجرد الحكم بالقوانين (بغض النظر عن أي علة)=(بمجرد الفعل).

    وبمعنى تأصيلي أقول: إن الشيخ قد جعل الحكم بالقوانين من كُفْرِ الاعتقاد (=الباطن)، وليس من كفر العمل المضاد للإيمان (=الظاهر)، وبالمثال يتضح المقال:

    * رجل سب النبي --> فهذا كفر عملي مضاد للإيمان من كل وجه؛ وهو لا يصدر إلا عن اعتقاد؛ فهذا السب بمثابة (التصريح) باعتقاده القلبي؛ فسواء صرح صاحبه باعتقاده أم لم يصرح؛ كفر بإجماع المسلمين، فلا ينفعه أن يصرح بخلاف ما صدر منه إلا أن يكون خطأ لفظياً محضاً كالذي قال (اللهم أنت عبدي وانا ربك!).

    * رجل (اعتقد) (بقلبه) كذب النبي ولم نعلم منه ذلك، ولم يظهر ما يدل (دلالة قاطعة) على ذلك --> فهذا كفر اعتقادي في الباطن غير ظاهر لنا؛ فهو كافر (في الباطن) من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية (الظاهر)؛ فهو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين لاسيما، إذا صرح بحب النبي وتوقيره؛ وهو عكس ما يعتقد (=منافق).

    لذا فليعلم أخي المنتقض، وغيره أن الغرض من مشاركتي هذه وسابقتها ليس هدفها إلا:
    تقرير أن إرجاع التكفير للاعتقاد في (هذه المسألة)--> ليس من الإرجاء في شيء؛


    وهو ما قررته (بالدليل القاطع) من كلام الأئمة الأعلام؛ وعلى رأسهم الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-؛ فقد أرجع الشيخ الحكم بالقوانين لكفر الاعتقاد (الباطن) ثم إنه استدل على هذا الباطن ((بقرينة)) أن: ((الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه)). وهذه القرينة قد تلزم أصحاب المعاصي لاسيما الذين يتفننون فيها كأصحاب البنوك وبيوت الدعارة؛ فهي قرينة لا تدل دلالة قطعية على ما في القلب كما هو معلوم (عند الجميع)؛ فرحم الله الشيخ.

    ثالثاً


    أن هذا الذي تستنكره، وتستغربه؛ قد صرح به الشيخ في فتواه المتأخره، ولكن يبدو أنك أخي "جولدن توربان" (!) ما أنزلت الروابط التي سقتها بالمشاركة السابقة؛ والتي فيها الفتوى المتأخرة للعلامة ابن عثيمين (صوتياً)؛ وهي سؤال موجه إليه عبر الهاتف من أحد تلامذته: الشيخ/ أبي الحسن المأربي -حفظه الله وسدده-؛ فبدلاً من أن تعتمد كلامه اللاحق في المسألة؛ أجدك تدندن على قوله (القديم) الذي تراجع عنه كما هو في فتوى "التحرير في مسألة التكفير" الموجود في المرفقات؛ وهو من آخر ما تلفظ به –رحمه الله- في هذه المسألة. وفعلك هذا -وهو نسبة قوله القديم له بعد ثبوت تراجعه عنه- يعد غاية في الظلم للشيخ رحمه الله. ولو كلفت نفسك قليلاً بسماع المرفقات؛ لوجدت الآتي:
    "السؤال حول مسألة كثر فيها النزاع بين طلبة العلم، (وكثر بها أيضاً الاستدلال من بعض كلمات لفضيلة الوالد العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى) ... – لو أن الحاكم في هذا الزمان فعل مثل هذه الشريعة هل يكون كافراً بهذه الشريعة إذا ألزم الناس بها مع اعترافه أن هذا مخالف للكتاب والسنة وأن الحق في الكتاب والسنة ، فهل يكون بمجرد فعله هذا كافراً ؟ أم لابد أن ينظر إلى اعتقاده بهذه المسألة؟ كم مثلاً يلزم الناس مثلاً بالربا كمن يفتح البنوك الربوية في بلاده ويأخذ من البنك الدولي قروضاً ربوية ويحاول أن يأقلم اقتصادها على مثل هذا الشيء ولو سألته قال: الربا حرام ولا يجوز لكن لأزمة اقتصادية أو لغير ذلك يعتذر مثل هذه الاعتذارات (وقد تكون الاعتذارات مقبولة وقد لا تكون)! ، فهل يكفر بمثل ذلك أم لا ؟ (((ومع العلم أن كثيراً من الشباب – يعني – ينقلون عن فضيلتكم أنكم تقولون أن من فعل ذلك يكون كافراً))) ... نريد من فضيلتكم الجواب!...... [فكان من جوابه رحمه الله].... :

    1- فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعاً لهواه مع علمه بأن الحق فيما قضى الله به فهذا لا يكفر ، لكنه بين فاسق وظالم.

    2- وأما إذا كان ((يشرع حكماً عاماً)) تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه فلا يكفر أيضاً. لأن كثيراً من الحكام عندهم جهل في علم الشريعة ويتصل بهم من لا يعرف الحكم الشرعي وهم يرونه عالماً كبيراً فيحصل بذلك المخالفة.

    3- وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا أو (((شرع هذا وجعله دستوراً))) يمشي الناس عليه ((يعتقد)) أنه ظالم في ذلك وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة ((فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا)).

    4- وإنما نكفر من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه أو مثل حكم الله عز وجل ، فإن هذا كافر لأنه مكذب لقول الله تبارك وتعالى: "أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" وقوله: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ". " اهـ عن الشريط المرفق بالرابط أعلاه.

    قال أبو رقية –عفا الله عنه-:
    ذكر الشيخ في فتواه ثلاثة حالات ممن يحكمون بالقوانين:

    1- من ((يشرع حكماً عاماً تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه))؛ وهذا النوع من الحكام ليس بكافر -كما قال الشيخ: ((فلا يكفر))-؛ لأنه متاول.

    2- من ((حكم وشرع دستوراً يمشي الناس عليه يعتقد أنه ظالم في ذلك وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة))؛ وهذا النوع من الحكام ليس بكافر كما قال الشيخ: " فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا"؛ لأنه –كما قال الشيخ: ((يعتقد أنه ظالم في ذلك وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة)). وهذه الصورة هي محل النزاع؛ فانتبه لذلك!.

    3- من ((يرى [أي: يعتقد] أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه))، وهذا النوع قد كفره الشيخ. فإنهم –كما قال الشيخ في فتواه المتقدمة - ((لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق).

    فمن رزق نعمة الفهم!، أو شم رائحة العلم! يرى أن الشيخ-رحمه الله- ذكر في كلامه في الحالات السابقة نوعين ممن يحكمون بالقوانين:

    النوع الأول: (المتأول)؛ وهو خارج محل النزاع، فهو ليس بكافر بإجماع من يقول بالتكفير ومن لا يقول بذلك.

    النوع الثاني: (القاصد=غير المتأول=العالم)؛ وهو محل النزاع، وقد قسمه الشيخ لقسمين:
    1- من يحكم بالقوانين (يعتقد أنه ظالم في ذلك وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة)
    2- من يحكم بالقوانين (يرى [أي: يعتقد] أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه)

    وكلا القسمين يحكم بالقوانين كما ترى؛ فلو كان الحكم بالقانون -بمجرده- كفرا، لكفرنا القسمين؛ فإن اعتقاد صاحب القسم الأول –على قولك- لا ينفعه مع مواقعة الكفر. وهذا ما لم يقله العلامة ابن عثيمين –رحمه الله-؛ لاعتباره صاحب القسم الأول عاصياً ظالماً، وفعله المجرد معصية وليس كفرا، فتجده فرق بين النوعين، ولم يكفر إلا من رأى (=اعتقد) ((أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه)) وأنه ((أصلح وأنفع للخلق))، ومعلوم أن هذا التفريق لا يتاتى في فعل مجرده كفر؛ فهذا هو الإرجاء، وغنما يتأتى هذا التفريق في الافعال التي هي بمجردها معصية، ثم إن اقترنت باعتقاد (ظاهر) ألحقنا الكفر بفاعلها.


    تنبيه مهم


    لماذا لم ((يصرح)) العلامة ابن عثيمين بنقض وخطأ رأيه الأول ؟

    سئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- (كتاب العلم) ص (178-81) طـ المكتبة التوفيقية/مصر:
    "إذا تبين لكم رجحان قول كنتم تفتون أو تحكمون بخلافه فهل يجوز لكم الرجوع فيما أفتيتم به أو حكمتم؟ وإذا تبين لكم رجحان قول كنتم تفتون أو تحكمون بخلافه فهل يجوز لكم مستقبلا أن تفتوا أو تحكموا بما تبين لكم رجحانه؟.
    فأجاب:
    متى تبين للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي وأن الصواب في غيره وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صوابًا بمقتضى الدليل الصحيح، وقد دل على وجوب الرجوع كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وقول الخلفاء الراشدين وإجماع المسلمين وعمل الأئمة.... فها هو الإمام أحمد يقول القول ويقول بخلافه:
    * فتارة يصرح بالرجوع: كما صرح بالرجوع عن القول بوقوع طلاق السكران،
    * وتارة يصرح أصحابه برجوعه عنه: كما صرح الخلال برجوع الإمام عن قوله فيمن ابتدأ مسح خفيه مقيماً ثم سافر أنه يتم مسح مقيم إلى القول بأن يتم مسح مسافر،
    * وتارة لا يصرح ولا يصرح عنه برجوع فيكون له في المسألة قولان.
    والمهم أنه متى تبين للإنسان ضعف رأيه الأول وجب عليه الرجوع عنه ولكن يسوغ له نقض حكمه الأول ولا يلزمه إخبار المستفتي بالرجوع ؛ لأن كلا من الرأيين الأول والثاني صادر عن اجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بمثله وظهور خطأ اجتهاده الأول لا يمنع احتمال خطئه في الثاني، فقد يكون الاجتهاد الأول هو الصواب في الواقع، وإن ظهر له خلافه؛ لأن الإنسان غير معصوم في اجتهاده لا الثاني ولا الأول) اهـ.

    قال أبو رقية –عفا الله عنه-:
    وهذا لا يلزم منه أنه لم يتراجع عن قوله الأول؛ بل تراجع عنه بدليل إقراره السائل في فتواه المتأخره، ثم بتصريحه بخلاف ما قد أفتى به (قديما). ولكن لا يلزم من رجوعه عن مذهبه القديم إلى غيره أنه ((يقطع)) بخطأ ما قد رآه قديماً؛ فتنبه لهذا جيداً.

    اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    Lightbulb رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    قُلْتَ:
    القول بكفر الحكم بغير ما أنزل الله..هو القول الراجح الذي تدعمه الأدلة الظاهرة دون اشتراط الاستحلال
    والجواب:
    نعم القول بكفر الحكم بغير ما أنزل الله..هو القول الراجح --> عندك!
    أما أن هذا القول: الذي تدعمه الأدلة الظاهرة دون اشتراط الاستحلال؛ فمحتمل، ولكنه غير وارد لتفسير ابن عباس رضي الله عنه




    قُلْتَ:
    ..فإن الشيء إذا سماه الله كفرا..لا يكون الاستحلال فيه شرطا..
    والجواب:
    وهذا من أبطل الباطل؛ فإن الله تعالى قد سمى جحود النعمة كفراً كما في قوله تعالى: عن القرية {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ} (112) سورة النحل، ومع هذا فيشترط الاستحلال في ذلك، وسمى النبي بعض الذنوب كفرا؛ كقتال المسلم، والطعن في النسب... إلخ، ويشترط الاستحلال للتكفير بذلك (بالإجماع).



    قُلْتَ:
    هذا هو الأصل وإلا فاستحلال أي شيء حرمه الله يقينا فهو كفر قولا واحدا
    والجواب:
    كلام صحيح، ولكن لا يمنعنا ذلك من إطلاق هذا الشرط في الأفعال التي هي من جملة المعاصي كمسألتنا هذه –على الراجح-. ولهذا ترى (جميع) أهل العلم يشترطون الاستحلال في بعض الأفعال التي سبق وذكرت منها شيئاً. ومن ذلك قول النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (2/108): (مذهب أهل السنة والفقهاء وهى أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص ولا يكفر بذلك فان استحله كفر)اهـ
    فالاستحلال لا يشترطه أهل السنة إلا في الأعمال (الغير كفرية)كالمعاصي، وأما الأعمال الكفرية فإنهم لا يشترطون ذلك-خلافاً للمرجئة!-، فإن المُواقع للكفر يكفر ، سواء استحل الفعل المكفر أم لا ، وهذا مع مراعاة ضوابط الحكم على الشخص المعين، قال شيخ الإسلام: (من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أو لم يستحله). ولكن!.. ما جوابك على النقولات الآتية:
    قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب-"منهاج التأسيس" ص (71)م-: (وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية، فمن استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها فهو كافر..) وقال لابن منيع -"الدرر السنية" (1/497) -: (وما ذكرته عن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما نزل الله ومن لم يستحل، فهو الذي عليه العمل وإليه المرجع عند أهل العلم)اهـ.

    وقال العلامة سليمان بن سحمان شارحاً القول السابق -"مجموعة الرسائل" (3/309) -: (يعني أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله ، وأن الحضر لا يعرفون إلا حكم المواريث ، وأن ما هم عليه من السوالف والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا فهو كافر. وأما من لم يستحل هذا، ويرى أن حكم الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحق، فهذا لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام)اهـ.

    وسُئِل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -"الفتاوى" (7/124) مختصراً -عن حكم سن القوانين الوضعية؟ وهل يكفر الحاكم بسنه هذه القوانين؟ ، فأجاب: (إذا كان القانون يوافق الشرع فلا بأس به..، أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنها فإذا سن قانونا يتضمن أنه لا حد على الزاني أو السارق أو شارب الخمر فهذا قانون باطل وإذا استحله الوالي كفر..). وسُئِل- "حوار حول مسائل التكفير" ص(24)مختصراً-عن تبديل القوانين ؟ فأجاب: (إذا استباح [أي:استحل] الحكم بقانون غير الشريعة يكون كافراً كفراً أكبر، أما إذا فعل ذلك لأسباب خاصة عاصياً لله ويعلم أن محرم يكون كفراً دون كفركما قال ابن عباس.. أي إذا استحل الحكم بقانون أو استحل الحكم بكذا أوكذا غير الشريعة يكون كافراً، أما إذا فعله لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأجل إرضاء بعض الشعب أو ما أشبه ذلك فهذا يكون كفراً دون كفر)اهـ
    قال أبو رقية:
    فلو كان الحكم بالقوانين المخالفة للشريعة كفراً ، لم يكن لهؤلاء الأكابر تقييده بالاستحلال وقد اشتد نكيرهم على المرجئة لاشتراطهم ذلك في الأعمال الكفرية ، فدل اشتراطهم الاستحلال فيمن حكم بالقوانين على أن الحكم بها معصية وليس كفراً.




    قُلْتَ:
    وما ذكرته من أدلة عن ابن عباس..فهي ضعيفة..ضعفها كبار المحققين من أهل الحديث في زماننا كالعلوان والسعد وغيرهما..وحججهم في تضعيفها وإعلالها ظاهرة جدا
    والجواب:
    أثر ابن عباس صحيح، ويكفينا قول العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين –كما في "فتنة التكفير"- قال رحمه الله : "احتج الشيخ الألباني بهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك غيره من العلماء الذين تلقوه بالقبول، وإن كان في سنده ما فيه، لكنهم تلقوه بالقبول، لصدق حقيقته على كثير من النصوص ...لكن لما كان هذا لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير، صاروا يقولون: (هذا الأثر غير مقبول)، ولا يصح عن ابن عباس، فيقال لهم: كيف لا يصح وقد تلقاه من هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث، وتقولون لا نقبل ؟!!، فيكفينا أن علماء جهابذة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما تلقوه بالقبول، ويتكلمون به وينقلونه، فالأثر صحيح"اهـ. قلت: بعض أسانيده كالشمس في رابعة النهار وليس هذا محل التفصيل.



    قُلْتَ:
    بل الرواية الصحيحة المحفوظة عن ابن عباس هي قوله في تفسير الآية"هي به كفر" كما عند ابن أبي شيبة
    والجواب:
    سلمنا بقولك، أليس ذلك نظير قوله : "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ ((هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ)) الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ" مسلم عن أبي هريرةررر، ألا يعنى ذلك (أن الانسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذى ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة وعامة السلف) كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (7/350 باختصار).
    ويؤيد ما ذكرتُه؛ ما جاء في رواية ابن أبي حاتم كما في تفسيره (4/1143) برقم (6435) أن ابن عباس ررر قال: (هي كبيره).



    قُلْتَ:
    والحكم بغير ما أنزل الله..عبادة..قال تعالى"إن الحكم إلا الله"..فتأمل كيف أعقبها بقوله"أمر ألا تعبدوا إلا إياه" ومن زعم اشتراط الاستحلال..فعليه أن يشترط ذلك في دعاء غير الله..وسائر العبادات التي تصرف لغير الله
    والجواب:
    وما أدراك أن حكام القوانين تعبدوا بها لغير الله أو صرفوها لغير الله؟!
    وما قولك فيمن يطوف بالقبور، أليس يصرف هذا الطواف لغير الله، كما هو (ظاهر عمله)؟!
    ألم تقرأ في ذلك فتوى اللجنة الدائمة (1/206) أنه:((لا يجوز الطواف بالقبور، بل هو مختص بالكعبة المشرفة ، ومن طاف بها يقصد بذلك التقرب إلى أهلها كان ذلك شركا أكبر، وإن قصد بذلك التقرب إلى الله فهو بدعة منكرة، فإن القبور لا يطاف حولها ولا يصلى عندها ولو قصد وجه الله... عبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز)) اهـ.
    أليس ((القصد)) المذكور في الفتوى نظير الاستحلال؛ بل هو نفسه؟!



    قُلْتَ:
    والأصل الذي لا محيص عنه أن الكفر حين يعرّف فالمراد به الأكبر
    والجواب:
    وهذا صحيح ((في الغالب))، وقد يصرف بقرائن كما سبق بيانه.



    قُلْتَ:
    والحكم من خصائص الله تعالى فهو فرع من توحيد الإلهية..كل الآيات تدل على ذلك..بوضوح تام لمن تأملها
    والجواب:
    نعم (الحكم) من خصائص الله ، وكذلك (الخلق)؛ فهما قرينان كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (54) سورة الأعراف. قال ابن كثير في تفسيرها: (أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون)اهـ.
    وليس كل من نازع الله في شيء يخصه كفر:
    - فالمستكبر منازع لله {الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ((الْمُتَكَبِّرُ )) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } (23) سورة الحشر. ومع ذلك لم يكفر إلا بالاستحلال
    - وكذلك المصور الذي يخلق كخلق الله ؛ منازع لله {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (24) سورة الحشر ومع ذلك لم يكفر إلا بالاستحلال



    قُلْتَ:
    لكن يستثنى منه من تحاكم إلى هواه في قضية ما لعارض شهوة عاجلة
    والجواب:
    ما الدليل على هذا الاستثناء؟! وأين هو من ظاهر الآية الذي تقول به؟
    فإن قلت: إن هذه الصورة –الحكم بالقوانين والأعراف- لم تكن معروفة عندهم، وإنما الوقائع الجزئية مع التحكيم للشريعة؛ قلنا: محض كذب وافتراء!.
    فواقع القوانين والأعراف الجاهلية كان معلوماً عند السلف، فكأنك لم تسمع قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) ويدلك على ذلك قول الحافظ ابن كثير في "تفسيره": (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله -المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر- وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية) فدل قوله رحمه الله: (كما كان أهل الجاهلية يحكمون به) أن صورة الحكم بـ(الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله) كانت معروفة لديهم، فكلها سياسات وقوانين وأعراف باطلة سواءً كانت مكتوبة أو محفوظة، وهؤلاء الكفار الذين تتناولهم الآية تركوا ما أنزل الله واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الأعراف والقوانين الجاهلية، فهل يُتَصَوَّرُ أن يُفَسِّرَ حَبْرُ الأمة وترجمان القرآن هذه الآية غافلاً عن تلك الآيات البينات؟! وما كانت تمثله واقعاً؟! حاشاه وكلا. ثم من أكبر الأدلة على وجود هذه الصورة في زمن النبي : استدلال من يكفر بهذه الصورة بحديث اليهوديين الذين زنيا؛ حتى إن بعضهم يسميها بالتشريع العام، فيا لتناقض هؤلاء!؛ يزعمون أن هذه الصورة لم تكن معروفة عند السلف، ثم يستدلون بقصة اليهود على حالة الكفر في التشريع العام –كما يزعمون-!. أقول: وحتى لو سلمنا -تنزلنا- أن واقعنا مغاير كل المغايرة لواقعها الذي قيلت فيه؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلو كان ابن عباس ررر قائلاً تفسيره للخوارج بالفعل، فلا يمنع من هذا أن يكون هذا التفسير رداً على الخوارج من ناحية، وإعلام الناس بتفسير الآية من ناحية أخرى، فيكون شاملاً لحكام زمانه وزماننا؟!، ومعلوم أن العبرة (بما قال) لا (لمن قال)، وإننا إن أردنا إلزام المخالف بمذهبه هذا، لقلنا: أن (التصوير الفوتغرافي) –مثلاً- غير داخل في النصوص العامة الواردة في النهي عن التصوير لكونه لم يكن على عهد النبي ، وَلقلنا: إن الآيات التي تحرم الزنا والربا لا تنطبق على بيوت الفاحشة والبنوك الربوية والتي تفنن أصحابها في رعايتها بكل أشكال الرعاية من تأمينها بوضع الحراس لحمايتها، وترتيب مرافقها، ومواعيدها، فضلاً عن إمدادها بوسائل الترفيه والراحة كالتبريد والتدفئة وغير ذلك من الترتيبات، لأن آيات تحريم الزنا نزلت فيمن يزني المرة والمرتين ونحوها ثم يتوب من ذلك وإن تكرر منه مراراً وتكراراً، ولم تنزل فيمن أنشأ بيوتًا للفاحشة وتفنن في رعايتها وتقنينها، ... ويظل الباب مفتوحاً لرد الحق بالباطل.
    والصحيح: أنه لا فرق بين المخالفات الجزئية المؤقتة وبين التمادي في هذه المخالفات لتصبح عادات وتقاليد وأعراف (محفوظة أو مكتوبة سيان)، فإن الله سبحانه وتعالى علق الكفر في آية المائدة بترك الحكم، ولم يقيد ذلك بمادة الحكم المخالف أو منشئه أو عدد مرات تكراره أو بكونه يصدر المرة ونحوها أم اتخذ عادة وعرفاً، وإنما علق الكفر بمجرد ترك الحكم، وابن عباس ررر لما فسر الآية فسرها تفسيراً مطلقاً دون التقيد بما سبق، فلماذا نحمل كلامه ما لا يحتمل ونقوله ما لم يقل ؟!، ثم إن ابن عباس ررر لم يقل تفسيره رداً على الخوارج!، كما يُزعَم!، فهذا تحكم ظاهر ليس عليه أدنى دليل، فهذه روايات الأثر بين يديك في دواوين السنة ليس في واحدة منها أن خارجياً سأله وإنما السائل إما (رجل!) أو (طاووس) أو (تفسير مباشر للآية)، والسائل في كل الروايات سأل ابن عباس ض عن تفسير الآية أو كُنْهِ الكفر المذكور بها ولم يسأله عن حكام زمانهم كما يُزعَم!.
    تنبيه:
    ينبغي أن نعلم أن صورة حكام القوانين هي هي صورة حكام اليهود في أنهم اخترعوا أحكامًا وحكموا بها؛ إلا أن اليهود نسبوا ما كانوا يحكمون به إلى الله عز وجل كذبًا عليه وعلى كتابه بخلاف حكام القوانين؛ قال تعالى عن اليهود أنهم: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وقال النبي -"البخاري" (ح2539)- أنهم: (بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا هو من عند الله)، وقال ابن عبد البر –"التمهيد" (14/9)-: "وفي الحديث أيضًا: دليل أنهم كانوا يكذبون على توراتهم، ويضيفون كذبهم ذلك إلى ربهم وكتابهم"اهـ. وبهذا نعلم أن (اختراع الحكم ونسبته إلى الله كذبًا) هو مناط التكفير في قصة اليهود وهذا هو الثابت بنص القرآن والسنة وفهم سلف الأمة؛ فإن اختراع الأحكام ونسبتها لله كذباً مع العلم بحكم الله يستوجب الوقوع في إنكار حكم الله والتحذير منه كما حصل لليهود كما في قوله تعالى: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)(الم ائدة 41)؛ وهذا كفر ، وهو يستلزم التقديم والاستحلال بداهة. قال تعالى:(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النحل:105)، وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ) (العنكبوت:68) و(الزمر:32)، وقال: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِ ينَ) (الزمر:60). قال إسماعيل القاضي- كما في "الفتح" (13/120)-: "من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف به حكم الله وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور"اهـ، وقال الجصاص-"أحكامه" (4/94)م-: "من حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك"اهـ ، وقال شيخ الإسلام -"الفتاوى" (3/267-268)-: "الشرع المبدل: وهو الكذب على الله ورسوله...فمن قال: (إن هذا من شرع الله) فقد كفر بلا نزاع"اهـ.



    قُلْتَ:
    أما أن يحاكم شخص الناس إلى قوانين أرضية..ويلزمهم بها..وينبذ-بلسان حاله-شرعة الله تعالى..فهذا الكفر الذي قال الله عنه
    والجواب:
    لسان الحال، أو القرائن الحالية ليسا معتبرين في التكفير؛ فإنهما من الأمور المحتملة، والكفر لا يعرف إلا بالدليل.
    - قال شيخ الإسلام-"الفتاوى" (17/78)-:
    (الكفر حكم شرعي و إنما يثبت بالأدلة الشرعية)
    - وقال-"المنهاج"(5/92)مختصرا-:
    (الكفر ليس من الأحكام التي يستقل بها العقل)
    -وقال -"الصارم" (3/963)-:
    (التكفير لا يكون بأمر مُحْتَمَل)
    - ونقل ابن الوزير الإجماع على ذلك كله فقال -"العواصم والقواصم " (4/178)مختصرا-:
    (التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه ، والدليل على الكفر لا يكون إلا سمعياً قطعياً ولا نزاع في ذلك)اهـ

    وهذه الشبهة حقيقة هي من أقوى الشُّبَهِ في المسألة؛ ألا وهي التفصيل في مسألة الاستحلال؛ فإن بعض من يكفر بصورة القوانين اعتبر القرائن الحالية في الحكم على الشخص بالاستحلال؛ وهذا خطأ محض!، وأرد عليه بإيجاز؛ فأقول:

    لا يؤخذ الاستحلال (القلبي) من القرائنِ الحَالِيَّةِ مهما استفاضت أو قويت ، لأن الاستحلال من أعمال القلب ، وما في القلوب لا يعلمه إلا رب القلوب إلا أن يصرح بها صاحبها؛ وهكذا في كل أعمال القلب.
    ولا اعتبار للقرائن في الحكم على ما في القلب إلا أن تكون هذه القرائن ((كفراً في ذاتها)) فتشمل ما هو أشد من الاستحلال أو تدل عليه ((بدلالة بالتضمن)).
    فكفر الظاهر –مثلاً- ؛ دليل على كفر الباطن؛ كأن يكون هذا الرجل المستحل –مثلاً- قد أعلن خروجه عن الإسلام إلى النصرانية ، فهذه قرينة تدل على أن أفعاله إنما تبنى على أصول الكفر من عدم تحريم المحرمات أو اعتقاد حلها.
    وقد تكون القرائن:
    1- اعتقادات (كإعلان الحاكم الكفر أو كونه كافر بالأصل)
    2- أو أفعال (كإهانة كتاب الله) أو (منعه إقامة الصلاة)
    3- أو أقوال (كتصريحه بوحشية الحدود أو عدم ملائمة الشريعة للعصر مثلاً)
    فهذه القرائن تشمل الاستحلال بلا شك وتدل عليه وفي الوقت نفسه هي ((كفر في ذاتها)).

    ويلزم القائل بأن الاستحلال القلبي! يعرف بعظم الفعل أوالتمادي فيه؛ يلزمه تكفير أصحاب البنوك الربوية وبيوت الفاحشة لكون القرائن دلت على تفضيلهم الزنى والربى على العفاف، وهذا معلوم البطلان!.

    وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله في هذه المسألة بعينها؛ فقد سئل عَمَّنْ لا يُحَكِّم شَرْعَ الله ؛ قال: " لا يكفر إلا إذا استحله ، ولو ادعى أنه لا يستحله فنأخذ بظاهر كلامه ولا نحكم بكفره “ اهـ. نقلاً عن "الحكم..مناقشة تأصيلية” للأخ/ بندر العتيبي ، وقد علقه الأخ الفاضل من مجلس سماحته في كلامه على الباب الثالث من كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" بتـاريخ 27/7/1417هـ ، وكان القارئ آنذاك فضيلة الشيخ/ عبد العزيز السدحان –وفقه الله-.

    وقال الشيخ أحمد بن يحيى النجمي في "الفتاوى الجلية في المناهج الدعوية"/دار الفرقان ص (49):
    "الاستحلال هو من فعل القلب ، وهو أن يعتقد العبد بقلبه حل المحرم المجمع عليه ولو لم ينطق بذلك ، فمن اعتقد حل الزنا كفر ولو لم يفعله ومن فعله وهو يعتقد أنه حرام فهو مسلم فاسق ومن اعتقد حل الربا كفر ولو لم يفعله ومن فعله وهو يعتقد أنه حرام فهو مسلم فاسق ، ومن اعتقد حل الخمر كفر ولو لم يشربه ، ومن شربه وهو يعتقد أنه حرام فهو مسلم فاسق ، وعلى هذا فبأي شيء نعرف الاستحلال؟ الجواب: نعرفه ((بالنطق)) بأن يقول مثلا بأن الخمر حلال أو الربا حلال أو الزنا حلال أو أن يكتب ذلك في كتاب نقطع بصحة نسبته إليه أما بدون ذلك فلا لأن الاستحلال من عمل القلوب والقلوب لا يطلع على ما فيها إلا الله وحده وقد بطلت بهذا التحقيق حجة من يكفر بفعل الكبيرة ولو تكرر)اهـ.
    قال أبو رقية:
    قد أشبعت هذه المسألة –مسألة الاستحلال- بحثاً؛ فلعل الله ييسر لي بسطها في وقت لاحق إن شاء الله.




    قُلْتَ:
    والآية لم تشترط استحلالا..ولا انعقاد قلب
    والجواب:
    وكذلك لم تستثنى من خرج عن حكم الله في قضية أو قضايا!؛ فلو قلنا بظاهرها كما تزعم لقلنا بقول الخوارج! بالإجماع.



    وختامًا:


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو القاسم مشاهدة المشاركة
    فعلى من يبحث في الأمر أن يتخلّص من تبعات التأثيرات الخارجية..والعوا طف التي تحرف بحثه عن الجادة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو القاسم مشاهدة المشاركة

    والله المستعان

    وللحديث بقية فترقبوا !!

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    ((آسف)) على الخط الصغير؛ فإني لم أفطن له !

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    52

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    سؤال للشيخ أبي رقية حفظه الله :
    من أول من قال بأن الحاكم إذا التزم الحكم بغير شرع الله في جميع قضاياه لا في قضايا معدودة فهو كافر وإن لم يستحل ؟؟

    أرجو الجواب في أسرع وقت إن سمحتم ؛ فأنا محتاج له .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    دليلك "فكفرت بأنعم الله" هذا ليس كفرا مطلقا..بل مقيد بقوله:بأنعم الله
    وقال شيخ الإسلام إذا عرّف الكفر فالمراد به الأكبر ..والله تعالى قال"فألئك هم الكافرون"
    وأما احتجاج العثيمين بالحديث فليس حجة كما لا يخفى..
    بل المعول على صحة الحديث..وهو ضعيف كما أسلفت
    فمن علله الظاهرة فيه :وائل بن حجر..وهو ضعيف
    هذا يكفيني في الرد على ما طوّلت به مقالتك وفيه الغنية لمن وعى

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    256

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (البقرة: 235)

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    حُكمُ اللهِ
    وَمَا يُنَافِيه
    إعداد :
    د. عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف
    شبكة نور الإسلام
    www.islamlight.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
    وبعد : لا شك أن تنحية شرع الله – تعالى – وعدم التحاكم إليه في شون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين ، ولقد كانت عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلّ بهم من أنواع الفساد ، وصنوف الظلم ، والذل ، والمحق .
    ونظراً لأهمية ، وخطورة هذه المسألة من جانب ، وكثرة اللبس فيها من جانب آخر ، فإننا سنفصّل هذه المسألة على النحو التالي :
    (1) منزلة الحكم بما أنزل الله من الدين :
    فرض الله – تعالى – الحكم بشريعته ، وأوجب ذلك على عباده ، وجعله الغاية من تنزيل الكتاب ، فقال – سبحانه - : (( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)) (البقرة: من الآية213)
    وقال - تعالى - : (( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)) (النساء: من الآية105) وبيّن – سبحانه – اختصاصه وتفرّده بالحكم ، فقال – تعالى – (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)) (الأنعام: من الآية57) وقال – سبحانه – (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ )) (يوسف: من الآية40) وقال – عز وجل - وقال – عز وجل - : (( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) (القصص: من الآية70) وقال – سبحانه – (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )) (الشورى: من الآية10) .
    وجاءت الآيات القرآنية مؤكدّة على أن الحكم بما أنزل الله من صفات المؤمنين ، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله ( وهو حكم الطاغوت والجاهلية ) من صفات المنافقين .
    قال – سبحانه - : (( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ،إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (النور:47---- 51)
    وقال – تعالى - : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)) (النساء:59 – 62 )
    ويقول ابن تيمية عن هذه الآيات : ( ذمّ الله – عز وجل – المدعين الإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ، ويتحاكمون على بعض الطواغيت المعظمة من دون الله أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم ، كما يُصيب ذلك كثيراً ممن يدّعي الإسلام ، وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة ، أو غيرهم ، أو إلي سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم وإذا قيل لهم تعالوا إلى كتاب الله ، وسنة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضاً ، وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ، ودينهم ، ودنياهم بالشبهات والشهوات ، أو في نفوسهم ، وأموالهم عقوبة على نفاقهم ، قالوا إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق ، ونوفّق بين الدلائل الشرعية ، والقواطع العقلية التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات "
    • ويقول – أيضاً - : " ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما شجر بين الناس في أمر دينهم ، ودنياهم ، في أصول دينهم ، وفروعه ، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء أن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم ، ويسلموا تسليماً "
    • ويقول محمد رشيد رضا ، عند تفسيره لقوله – تعالى - : (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ )) (البقرة: من الآية170) " والآية ناطقة بأن من صدّ ، وأعرض عن حكم الله ورسوله عمداً ،ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به ، فإنه يكون منافقاً لا يعتدّ بما يزعمه من الإيمان ، وما يدّعيه من الإسلام "
    ويمكن أن نحدّد أهمية إفراد الله – تعالى – بالحكم ، وبيان منزلة الحكم بما أنزل الله من خلال العناصر التالية :
    1- منزلته من توحيد العبادة : إن الحكم بما أنزل الله – تعالى – وحده هو إفراد الله – تعالى – بالطاعة ، والطاعة نوع من أنواع العبادة فلا تصرف إلا لله وحده لا شريك له ، قال – تعالى - (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )) (يوسف: من الآية40) وقال – سبحانه - (( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) (القصص:70)
    فعبادة الله – تعالى تقتضي إفراده – عز وجل – بالتحليل والتحريم ، حيث قال – سبحانه - (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة:31) * وتحقيق هذه الطاعة ، وإفراد الله – تعالى – بالحكم والانقياد لشرعيه ، هو حقيقة الإسلام .
    • وكما قال ابن تيمية : " فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده ، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته ، والمشرك به ، والمستكبر عن عبادته كافر ، والاستسلام له وحده يتضمّن عبادته وحده ، وطاعته وحده "
    • ويقول ابن القيم : " وأما الرضا بدينه ، فإذا قال ، أو حكم ، أو أمر ، أو نهى ، رضي كل الرضا ، ولم يَبقَ في قلبه حُرج من حكمه ، وسلّم له تسليماً ، ولو كان مخالفاً لمراد نفسه ، أو هواها ، أو قول مقلده ، وشيخه ، وطائفته "
    • وفي المقابل ، فإن من أشرك مع الله في حكمه ، فهو كالمشرك في عبادته لا فرق بينهما .
    • كما قال الشنقيطي : " الإشراك بالله في حكمه ، والإشراك به في عبادته ، كلها بمعنى واحد ، لا فرق بينهما ألبتة ، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله ، وتشريعاً غير تشريع الله ، كالذي يعبد الصنم ،ويسجد للوثن ، لا فرق بينهما ألبتة بوجه من الوجوه ، فهما واحد ، وكلاهما مشرك بالله "
    • ويقول أيضاً : " ويفهم من هذه الآية : (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)) (الكهف: من الآية26) أن متّبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله ، وهذا المفهوم جاء مبنياً في آيات أخر ، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله : (( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُم ْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) (الأنعام:121) فصرّح بأنهم مشركون بطاعتهم ، وهذا الإشراك في الطاعة ، واتّباع التشريع المخالف لما شرعه الله – تعالى – هو المراد بعبادة الشيطان في قوله – تعالى - :(( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ))
    (يّـس:61- 62 ) وقوله – تعالى – عن نبيه إبراهيم : (( يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً)) (مريم:44)
    • وتحقيقاً لتوحيد العبادة القائم على نفي الإلهية عما سوى الله – تعالى – وإثباتها لله -تعالى – وحده ، فإنه يجب الكفر بالطاغوت ، كما قال – تعالى – (( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا )) (البقرة: من الآية256) .
    وقد سمّى الله – تعالى – الحكم بغير شرعه طاغوتاً ، حيث قال – تعالى - : (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)) (النساء:60) والطاغوت عام ، فكل ما عبد من دون الله ، ورضي بالعبادة من معبود ، أو متبوع ، أو مطاع ، في غير طاعة الله ورسوله ، فهو طاغوت
    2- منزلته من التوحيد العلمي الخبري : الحكم بما أنزل الله – تعالى – من توحيد الربوبية ؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته ، وكمال ملكه ، وتصرفه ،ولهذا سمّى الله – تعالى – المتبوعين في غير ما أنزل الله – تعالى – أرباباً لمتبعيهم ، فقال – سبحانه - (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة:31) * وكما يقول محمد رشيد رضا – في بيان معنى الشرك في الربوبية :
    " وهو إسناد الخلق ، والتدبير إلى غير الله – تعالى – معه أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله – تعالى – والتحليل والتحريم عن غيره ، أي غير كتابه ووحيه الذي بلغه عنه رسله "
    • ويقول ابن حزم – عند قوله – تعالى (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ) الآية :
    " لما كان اليهود والنصارى يُحرّمون ما حرّم أحبارهم ورهبانهم ، ويحلّون ما أحلّو ، كانت هذه ربوبية صحيحة ، وعبادة صحيحة ، قد دانوا بها ، وسمّى الله – تعالى – هذا العمل اتّخاذ أرباب من دون الله وعبادة ،وهذا هو الشرك بلا خلاف "
    • ويقول ابن تيمية – في هذا الشأن - :
    " قد قال الله – تعالى - :
    (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) وفي حديث عدي بن حاتم – وهو حديث حسن طويل رواه أحمد ، والترمذي ، وغيرهما ،وكان – قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية ،قال : فقلت له : إنّا لسنا نعبدهم ، قال : أليس يُحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ، ويُحلّون ما حرّم الله فتحلونه ؟ " قال : فقلت : بلى ، قال : " فتلك عبادتهم " !!
    *وكذلك قال أبو البختري : أما أنهم لم يصلوا لهم ، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه ، وحرامه حلاله ، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية !! .
    فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن عبادتهم إيّاهم كانت في تحليل الحرام ، وتحريم الحلال ، لا أنّهم صلّوا لهم ، وصاموا لهم ، ودعوهم من دون الله ، فهذه عبادة الرجال ، وقد ذكر الله أن ذلك شرك ، بقوله ، ((لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ))
    كما أن حقيقة الرضا بالله ربّاً ، توجب إفراد الله – تعالى – بالحكم ، واختصاصه – تعالى – بالخلق والأمر – حيث قال –سبحانه - : (( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)) (الأعراف: من الآية54) وقال – سبحانه - : (( قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)) .. (آل عمران: من الآية154) فالأمر كله – لله – تعالى – وحده ، سواءً كان هذا الأمر أمراً كونياً قدريّاً ، أو شرعياً دينياً
    • يقول العز بن عبد السلام : " وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء ، والإبقاء ، والتغذية ، والإصلاح ، الديني ، والدنيوي ، فما من خير إلا وهو جالبه ، وما من ضرٍّ إلا هو سالبه .. وكذلك لا حكم إلا له "
    • ويقول عبد الرحمن السعدي : " فإن الربّ ، والإله ،هو الذي له الحكم القدري ، والحكم الشرعي ، والحكم الجزائي ، وهو الذي يُؤلَّه ويُعبد وحده لا شريك له ، ويُطاع طاعة مطلقة ، فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعاً لطاعته " إضافة إلى ذلك ، فإن " الحَكَم " من أسماء الله – تعالى – الحسنى ، فقد قال –صلى الله عليه وسلم - : " إنّ الله هو الحَكَم ، وإليه الحكم " وقال – تعالى – (( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً))(الأنعا : من الآية114) وقال – سبحانه - : (( فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)) (لأعراف: من الآية87) وقال – عز وجل - : (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)) (التين:8)
    • وإنّ الإيمان بهذا الاسم يوجب التحاكم إلى شرع الله وحده لا شرك له ، كما قال – تعالى - : (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)) (الكهف: من الآية26) وقال – سبحانه - (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)) (الشورى: من الآية10)
    • وقد بيّن الله – تعالى – ( في آيات كثيرة ) صفات من يستحقّ أن يكون الحكم له ، وكما قال الشنقيطي مبيناً ذلك
    " فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها – تعالى – صفات من له الحكم والتشريع ،قوله – تعالى - : (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)) ثم قال مبيناً صفات من له الحكم : ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (الشورى:11-12 ) فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية ، من يَستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوّض إليه الأمور ، ويتوكّل عليه ، وأنه فاطر السموات والأرض ، أي خالقهما ومخترعهما ، على غير مثال سابق ، وأنّه هو الذي خلقَ للبشر أزواجاً ... ؟ فعليكم أيها المسلمون ! أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ، ويحلل ، ويحرّم ،ولا تقبلوا تشريعاً من كافر خسيس حقير جاهل .
    • ومن الآيات الدالة على ذلك قوله – تعالى - : (( لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)) (الكهف: من الآية26)
    فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السموات والارض ؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات ، وبصره بكل المبصرات ؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي ؟-سبحانه وتعالى – عن ذلك علواً كبيراً.
    • ومن الأيات الدالة على ذلك قوله – تعالى - : ((وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )) (القصص, الآية: 88)
    فهل في الكفرة الفجرة المشرّعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد؟ وأن كل شيء هالك إلا وجهه ؟ وأن الخلائق يرجعون إليه ؟ تبارك ربنا ، وتعاظم ، وتقدّس أن يوصف أخس خلقه بصفاته .
    ومنها قوله – تعالى - : (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)) (الأنعام: من الآية57) فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقصّ الحق ، وأنه خير الفاصلين ؟ ومنها قوله – تعالى - : (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)) (يونس:59) فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزّل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه ؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم ؟ سبحانه ــ جلّ وعلا – أن يكون له شريك في التحليل والتحريم
    3- منزلته من توحيد الاتباع : والمقصود بتوحيد الاتباع ، تحقيق المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوحيد الاتباع هو توحيد الرسول بالتحكيم ، والتسليم ، والانقياد ، والإذعان وإذا كان الأمر كذلك ، فلا شك أن الحكم بما أنزل الله هو توحيد الاتباع .
    • قال الله – تعالى - : ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:65)
    • يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : " يقسم – تعالى – بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهراً وباطناً " ويقول ابن القيم عن هذه الآية : " أقسم – سبحانه – بنفسه المقدّسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع ، وأحكام الشرع وأحكام المعاد ، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر ، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح ، وتقبله كل القبول ، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضا والتسليم ، وعدم المنازعة ، وانتفاء المعارضة والاعتراض "
    كما أن الحكم بما أنزل الله – تعالى - هو تحقيق للرضا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- رسولاً ونبياً ، ولذا يقول ابن القيم : " وأما الرضا بنبيه رسولاً : فيتضمن كمال الانقياد له ، والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه ، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته ، ولا يحاكم إلا إليه ، ولا يحكم عليه غيره ، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة ، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ، ولا في شيء من أحكام ظاهره ، وباطنه ، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره ، ولا يرضى إلا بحكمه ، بل إن الحكم بما أنزل الله – تعالى – هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله ، وكما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : " ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله ، طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع " ولذا يقرر الشيخ محمد بن إبراهيم أن تحكيم شرع الله – تعالى – وحده هو معنى شهادة أن محمداً عبده ورسوله بقوله : " وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده لا شريك له ، وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو المتّبع المُحكّم ما جاء به فقط ، ولا جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك ، والقيام به فعلاً ، وتركاً ، وتحكيماً عند النزاع "
    4 – منزلته من الإيمان : يقول الله - تعالى - : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ - إلى قوله - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:59- 65 ) .
    • من خلال هذه الآيات ندرك منزلة تحكيم شرع الله – تعالى – من الإيمان ، فلقد عدّ الشارع هذا التحكيم إيماناً ، كما قال – تعالى - : (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:65)
    • يقول ابن حزم : " فسمّى الله – تعالى – تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم إيماناً ، وأخبر الله – تعالى – أنه لا إيمان إلا ذاك ، مع أن لا يوجد في الصدر حرج مما قضى ، فصحّ يقيناً إن الإيمان عمل وعقد وقول ، لأن التحكيم عمل ، ولا يكون إلا مع القول ، ومع عدم الحرج في الصدر وهو عقد "
    • ويقول ابن تيمية : " فكل من خرج عن سنة رسول الله ، -صلى الله عليه وسلم- وشريعته ، فقد أقسم الله بنفسه المقدسة ، أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع ما شجربينهم من أمور الدين أو الدنيا ، وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه "
    • ويقول الشوكاني عند تفسيره لقوله – تعالى – (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ)) (النساء: من الآية65) " وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود ، وترجف له الأفئدة ، فإنه أولاً أقسم – سبحانه – بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون ، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم لم يكتف - سبحانه – بذلك حتى قال : (( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ)) (النساء: من الآية65) فضم إلى التحكيم أمراً آخر ، وهو عدم وجود حرج ، أي حرج في صدورهم ، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب ، وطيب نفس ، ثم لم يكتف بهذا كله ، بل ضمّ إليه قوله : ((وَيُسَلِّمُوا )) أي يذعنوا ، وينقادوا ظاهراً وباطناً ، ثم لم يكتف بذلك ، بل ضمّ إليه المصدر المؤكد فقال : (( تَسْلِيماً )). فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه ، ويسلّم لحكم الله وشرعه تسلمياً لا يخالطه ردّ ، ولا تشوبه مخالفة "
    وتحكيم شرع الله – تعالى – ورد النزاع إلى نصوص الوحيين شرط في الإيمان ، كما قال الله - تعالى - : (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: من الآية59)
    • ولذا يقول ابن القيم : " إنه قوله ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) نكرة في سياق الشرط تعمّ كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقّه وجلّه ، جليله وخفيه ، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله ،بيان حكم ما تنازعوا فيه ، ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه ، إذ من الممتنع أن يأمر – تعالى – بالرد عند التنازع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع .
    • ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه ، فإذا انتفى هذا الرد من انتفى الإيمان ، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين ، فإنه من الطرفين ، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر ، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم ، وأن عاقبته أحسن عاقبة "
    • ويقول ابن كثير : ( فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله ، وشهد له بالصحة ، فهو الحق ، وما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ولهذا قال – تعالى - : ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله ، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ، فدلّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ، ولا يرجع إليهما في ذلك ، فليس مؤمناً بالله ، ولا باليوم الآخر "
    وإذا كان التحاكم إلى شرع الله – تعالى – شرطاً في الإيمان ، فإن التحاكم إلى غير شرع الله – وهو حكم الطاغوت والجاهلية ينافي الإيمان وهو من علامات النفاق ، وقد سبق أن أوردنا كلام محمد رشيد رضا حيث يقول عند قوله – تعالى - : (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ... )) (النساء: من الآية60) " " والآية ناطقة بأن من صدّ وأعرض عن حكم الله ، ورسوله عمداً ، ولا سيما بعد دعوته إليه ، وتذكيره به ، فإنه يكون منافقاً لا يعتد بما يزعمه من الإيمان ، وما يدعيه من الإسلام "
    ويقول الشيخ السعدي – في هذا الصدد - " الردّ إلى الكتاب ، والسنة ، شرط في الإيمان ، فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع ، فليس بمؤمن حقيقة ، بل مؤمن بالطاغوت كما جاء في الآية : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ... ) الآية ، فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه ، في كل أمر من الأمور ، فمن زعم أنه مؤمن ، واختار حكم الطاغوت على حكم الله ، فهو كاذب في ذلك "
    • ويؤكد سيّد قطب على أن عدم تحكيم الشريعة لا يجتمع مع الإيمان ، فيقول – رحمه الله – عند وقوفه على قوله – تعالى - : (( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ)) (المائدة:43) " فهي كبيرة مستنكرة أن يحكموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فيحكم بشريعة الله ، وعندهم – إلى جانب هذا – التوراة فيها شريعة الله ، فيتطابق حكم رسول الله ، -صلى الله عليه وسلم- وما عندهم في التوراة ، مما جاء القرآن مصدقاً ومهيمناً عليه ، ثم يتولون من بعد ذلك ويعرضون ، سواءً كان التولي بعدم التزام الحكم ، أو بعدم الرضا به .
    • ولا يكتفي السياق بالاستنكار ، ولكن يقرر الحكم الإسلامي في مثل هذا الموقف ( وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ) ، فما يمكن أن يجتمع الإيمان ، وعدم تحكيم شريعة الله ، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة ، والذين يزعمون لأنفسهم ، أو لغيرهم أنهم ( مؤمنون ) ثم هم لا يحكمون بشريعة الله في حياتهم ، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم ، إنّما يدّعون دعوى كاذبة ، وإنّما يصطدمون بهذا النص القاطع ( وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ)
    • ومما كتبه الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا المقام قوله : " إن قوله – تعالى –( يَزْعُمُونَ ) تكذيب لهم فيما ادّعوه من الإيمان ، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الإيمان في قلب عبد أصلاً ، بل أحدهما ينافي الآخر ، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد ، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه "
    • ويقرر الشنقيطي أن متبعي المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله ، ويسوق الأدلة على ذلك ، ومنها قوله : " ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله – جل وعلا – في سورة النساء ، بيّن أن من يريدون أن يتحاكمون إلى غير ما شرعه الله ، يتعجّب من زعمهم أنهم مؤمنون ، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه ،وذلك في قوله – تعالى - ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ... )) (النساء: من الآية60)
    إضافة إلى ذلك ، فإن الإيمان قول ، وعمل ، فهو يتضمن تصديقاً وانقياداً ، فكما يجب على الخلق أن يصدقوا الرسل عليهم السلام ، فيما أخبروا فعليهم أن يطيعوهم فيما أمروا ، كما قال – تعالى – (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ )) (النساء: من الآية64)
    • ولذا يقول محمد بن نصر المروزي في تعريف الإيمان : " الإيمان بالله ، أن تُوحّده ، وتصدق به بالقلب واللسان ، وتخضع له ، ولأمره ، بإعطاء العزم للأداء لما أمره ، مجانباً للاستنكاف ، والاستكبار ، والمعاندة ، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه ، واجتنبت مساخطه – إلى أن قال – وإيمانك بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ، إقراراك به ، وتصديقك إيّاه ،وإتباعك ما جاء به ، فإذا اتّبعت ما جاء به ، أديت الفرائض ، وأحللتَ الحلال ، وحرّمت الحرام ، ووقفت عند الشبهات ، وسارعت في الخيرات "
    • ولا شك أن تحيكم الشريعة ، انقياد وخضوع لدين الله – تعالى – وإذا كان كذلك ، فإن عدم تحكيم هذه الشريعة كفر إباء ، وردّ وامتناع ، وإن كان مصدقاً بها ، فالكفر لا يختص بالتكذيب فحسب كما زعمت المرجئة .
    • يقول ابن تيمية : " فمن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه ، بأن الله فرض عليه الصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، ويعيش دهره ، لا يسجد لله سجدة ، ولا يصوم من رمضان ، ولا يؤدي لله زكاة ، ولا يحج إلى بيته ، فهذا ممتنع ، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب ، وزندقته لا مع إيمان صحيح ، ولهذا إنما يصف – سبحانه – بالامتناع من السجود الكفّار كقوله – تعالى – (( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (القلم : 42 – 43 )
    • ويقول اسحاق بن راهويه : " وقد أجمع العلماء أن من دفع شيئاً أنزله الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله ، أنه كافر "
    • وفي ختام هذا المطلب نشير إلى أن تحكيم الشريعة استجابة لله – تعالى – ولرسوله ، صلى الله عليه وسلم ، ففيه الحياة والصلاح والخير ، كما قال الله – تعالى - : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )) (لأنفال: من الآية24)
    • يقول الشيخ السعدي : في قوله – تعالى - : (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) وصف ملازم ، لكل ما دعا الله ورسوله إليه ، وبيان لفائدته وحكمته ن فإن حياة القلب والروح ، بعبودية الله – تعالى - ولزوم طاعته ، وطاعة رسوله ، على الدوام "
    وإن رفض هذه الشريعة ، وعدم الاستجابة لها اتباع للهوى ، فهو ضلال شنيع في الدنيا ، وعذاب شديد في الآخرة ،يقول – تعالى - (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ)) (القصص: من الآية50) ويقول - سبحانه - (( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)) (صّ:26) ويقول – عز وجل - : (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)) (النساء:14)
    • يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : " أي لكونه غّيَّر ما حكم به ، وضادّ الله في حكمه ، وهو إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به ، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم " .
    ولقد جاءت نصوص الوحيين محذّرة من التحاكم إلى غير ما أنزل الله – تعالى – فقال – سبحانه - : (( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)) (المائدة:49) .
    يقول إسماعيل الأزهري : " فأمر الله – عز وجل – نبيه ، -صلى الله عليه وسلم- بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله فيه ، ونهاه عن اتباع أهوائهم لما فيه من مخالفة المنزل إليه ، وحذره أن يفتنوه فيحولوا بينه وبين بعض ما أنزل عليه ، وأعلمه أنهم إن تولوا عن الحكم الذي أنزل الله إليه ، فإنما يريد أن يصيبهم ، ويبتليهم بسبب بعض ذنوبهم .
    فعلم منه أن التولي عن حكم الله ، وحكم رسوله إلى حكم الأهواء سبب لإصابة الله لهم بالمصائب "
    • ويحكي ابن القيم شيئاً من عواقب تنحية حكم الله – تعالى – فقال : " لمّا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة ، والمحاكمة إليهما ،واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما ، وعدلوا إلى الأراء ، والقياس ، والاستحسان ، وأقوال الشيوخ ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم ، وكدر في أفهامهم ، ومحق في عقولهم ، وعمتهم هذه الأمور ، وغلبت عليهم حتى رُبي فيها الصغير ، وهرم عليها الكبير.."
    في الحديث عنه ، -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : " يا معشر المهاجرين : خصال خمس إن ابتليتم بهنّ ونزلن بكم – وذكر منها : وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بنيهم " وفي رواية : " وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر "
    • وفي هذا يقول ابن تيمية : " وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا [ حكم الكتاب والسنة ] فقد حكموا بغير ما أنزل الله ، ووقع بأسهم بينهم ، قال -صلى الله عليه وسلم- : " ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم " . وهذا من أعظم أسباب تغير الدول ، كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا ، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره ، فيسلك مسلك من أيّده الله ونصره ، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه "
    • وصدق الله – تعالى – ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فإن الناظر إلى واقع بلاد المسلمين – الآن – يرى ما وقع في تلك البلاد من المصائب ، والشرور ، ومن الفرقة ، والعداوة فيما بينهم ، وكذا التقاتل ، والتناحر ، كما ظهر الفقر ، والتدهور الاقتصادي ، مع أن في بلاد المسلمين – كما هو معلوم – أعظم الثروات ، وبمختلف الأنواع وأعظم سبب في ذلك هو تنحية شرع الله ، والتحاكم إلى الطاغوت ، والله المستعان .
    ( ب ) متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – ناقضاً من نواقض الإيمان ؟
    إذا تقرر أن التشريع من خصائص ربوبية الله – تعالى – فالحلال ما حللّه الله ورسوله ، -صلى الله عليه وسلم- والحرام ما حرّمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله فليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرع في دين الله – تعالى – بل الواجب اتباع هذه الشريعة قال – تعالى –(( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)) (لأعراف:3) وكما يتعين الكفر بالطاغوت ، وذلك بعدم التحاكم إليه واعتقاد بطلانه ، والبراءة منه قال – تعالى - : ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا)) (البقرة: من الآية256)
    • إن الإيمان اليقيني يوجب الانقياد لحكم الله – تعالى – الذي هو أحسن الأحكام على الإطلاق ، كما هو حال المؤمنين الصادقين الموقنين ، قال – تعالى – (( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) (المائدة: من الآية50) وقال – عز وجل (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) (الأحزاب: من الآية36)
    • وأما من تحاكم إلى الطاغوت أو حكم الجاهلية ، وهو يدّعي الإيمان ن فهذه دعوى كاذبة كما هو شان المنافقين المذكورين في قوله – تعالى - : (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)) (النساء:60) .
    وقد سمّى الله – تعالى – الذين يحكمون بغير شرعه كفاراً ، وظالمين ، وفاسقين .
    فقال – سبحانه - : (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة: من الآية44 ) وقال – تعالى - (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (المائدة: من الآية45) وقال – عز وجل - (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (المائدة: من الآية47).
    ويكون الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – كفراً ناقلاً عن الملة ، وناقضاً من نواقض الإيمان في عدة صور وحالات ، نتحدث عن بعضها على النحو التالي :
    1- من شرّع غير ما أنزل الله تعالى :
    قد تقرر – بداهة – وجوب إفراد الله – تعالى – بالحكم والتشريع )) أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) (لأعراف: من الآية54) فإذا كان الله – تعالى – هو المتفرد بالخلق ، والرزق ، والإحياء ، والإماتة ، لا شريك له في هذه الصفات ، فهو – سبحانه – أيضاً وحده المتفرد بالتشريع ، والتحليل ، والتحريم ، فالدين لا يكون إلا ما شرعه الله – تعالى – وليس لأحد أن يشرّع شيئاً ما جاء عن الله – تعالى – ولا عن رسوله ، -صلى الله عليه وسلم- .
    • فالتشريع حق خالص لله وحده لا شريك له ، من نازعه في شيء منه ، فهو مشرك لقوله – تعالى - : (( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )) (الشورى: من الآية21)
    • يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : " أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم ، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرّموا عليهم من البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وتحليل أكل الميتة ، والدم ، والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة "
    •.

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    وسمّى الله – تعالى – الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء فقال – سبحانه - : (( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ )) (الأنعام: من الآية137)
    وقال - عز وجل - : (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة:31) .
    • فهؤلاء الأحبار والرهبان الذين شرعوا غير تشريع الله – تعالى – كفّار ، لا شك في كفرهم ؛ لأنهم نازعوا الله – تعالى – في ربوبيته ، وبدّلوا دين الله وشرعه
    • وإذا كانت متابعة أحكام المشرعين غير ما شرّعه الله ، تعتبر شركاً ، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك ، كما قال – سبحانه – (( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) (الأنعام: من الآية121) : فكيف يكون حال هؤلاء المشرّعين ؟
    * ويقول - عز وجل - : (( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَه ُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)) (التوبة: من الآية37) .
    • يقول ابن حزم عن هذه الآية : " وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن إن الزيادة في الشيء لا تكون ألبتة إلا منه لا من غيره فصحّ أن النسيء كفر ، وهو عمل من الأعمال ، وهو تحليل ما حرّم الله "
    • وهؤلاء المشرّعون ما لم يأذن به الله – تعالى – إنما وضعوا تلك الأحكام الطاغوتية لاعتقادهم أنها أصلح ، وأنفع للخلق وهذه ردّّة عن الإسلام ، بل إن اعتبار شيء من تلك الأحكام ولو في أقل القليل عدم رضا بحكم الله ورسوله ، فهو كفر ناقل عن الملة إضافة إلى أن هذا التشريع يعدّ تجويزاً وتسويغاً للخروج على الشرع المنزّل ، ومن سوغّ الخروج على هذه الشريعة فهو كافر بالإجماع
    • إن طواغيت البشر – قديماً وحديثاً – قد نازعوا الله في حق الأمر ، والنهي ، والتشريع بغير سلطان من الله – تعالى – فادّعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم ، فأحلوا به الحرام ، وحرّموا به الحلال ، واستطالوا به على عباد الله ، وصاروا بذلك أرباباً من دون الله ، ثم نازعهم الملوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان ، ثم جاء العَلمانِيون ، فنزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء ، ونقلوه إلى هيئة تمثّل الأمة ، أو الشعب ، أطلق عليه اسم البرلمان ، أو مجلس النواب ، "
    • إن غالبية الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين – من خلال استقراء دساتيرها – هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله – تعالى – وحده بالتشريع ، حيث جعلت التشريع والسيادة للأمة ، أو الشعب ، وربما جعلتْ الحاكم مشاركاً في سلطة التشريع ، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال ، وكلّ ذلك تمردٌ على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله – تعالى - والله المستعان
    • يقول د / صلاح الصاوي – عن تلك الأوضاع : " إن الحالة التي تواجهها مجتمعاتنا المعاصرة هي حال الإنكار على الإسلام أن تكون له صلة بشؤون الدولة ، والحجر عليه ابتداءً أن تتدخل شرائعه لتنظيم هذه الجوانب ، وتقرير الحق في التشريع المطلق في هذه الأمور للبرلمانات والمجالس التشريعية .
    • إننا أمام قوم يدينون بالحق في السيادة العليا والتشريع المطلق للمجالس التشريعية ، فالحلال ما أحلته ، والحرام ما حرّمته ، والواجب ما أوجبته ، والنظام ما شرعته ، فلا يجرم فعل إلا بقانون منها ، ولا يعاقب عليه إلا بقانون منها ، ولا اعتبار إلا للنصوص الصادرة منها .
    • هذه المحنة التي نواجهها اليوم ، والتي لا يصلح لدفعها ترقيع جزئي بإلغاء بعض المواد ، والنص على أخرى ، وإنما يصلحه أن نبدأ بتقرير السيادة المطلقة والحاكمية العليا للشريعة الإسلامية ، والنص على أن كل ما يتعارض معها من القوانين أو اللوائح فهو باطل "
    • لقد وصل امتهان الشريعة الإلهية ونبذها – في بعض تلك الدساتير – إلى حد أنهم جعلوا هذه الشريعة الربّانية مصدراً ثانوياً من مصادر القانون ، فـتأتي الشريعة متأخرة بعد التشريع الوضعي ، والعرف ، كما أنهم يجاهرون صراحةً بحق التشريع لغير الله – تعالى – بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون عندهم لو أرادوا العمل بتلك النصوص إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع ،وهي السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك ! أما كون هذه الشريعة منزلة من عند الله – تعالى – فلا يعطيها صفة القانون عندهم ، فضلاً أن تكون حاكمة ومهيمنة ، بل إن العرف يلغي أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية " !
    عدا أن هذه القوانين والدساتير الطاغوتية عند أصحابها قد صار لها من الحرمة والتعظيم كما لو كانت شريعة إلهية ، بيّن ذلك الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله – فيقول :
    " هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداءُ الإسلام .. هي في حقيقتها دين آخر جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي ؛ لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيراً من كلمات ( تقديس القانون " قدسية القضاء " ، " حرم المحكمة " ، وأمثال ذلك من الكلمات ، ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراستها كلمة ( الفقه ) ، ( والفقيه ) ، " والتشريع " ، " والمشرع " وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماءُ الإسلام على الشريعة وعلمائها "
    إن شريعة الله – تعالى - يجب أن تكون وحدها حاكمة ومهيمنة على غيرها ، وأن تكون المصدر الوحيد للتشريع ، فلا ننخدع بما يقوله بعضهم بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع ، لما تتضمنه هذه العبارة الشركية من الإقرار والرضا بمصادر أخرى للتشريع ، ولو كانت مصادر فرعية يقول الله – تعالى - :
    (( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)) (المائدة: من الآية49)
    2- أن يجحد أو ينكر الحاكم بغير ما أنزل الله – تعالى – أحقية حكم الله – تعالى – ورسوله -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في رواية لابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله – تعالى – (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة: من الآية44) حيث قال : " من جحد ما أنزل الله فقد كفر " وهو اختيار ابن جرير في تفسيره
    إن جحود حكم الله – تعالى - هو اعتراض على شرع الله – تعالى – وتكذيب لنصوص الوحيين ، وقد أجمع العلماء على تكفير من أنكر حكماً معلوماً من الدين بالضرورة ، وحكى هذا الإحماع جمع كثير من أهل العلم كما جاء مفصلاً في موضعه .
    • فمن ذلك ما قاله أبو يعلى :
    " ومن اعتقد تحليل ما حرّم الله بالنص الصريح ، أو من رسوله ، أو أجمع المسلمون على تحريمه ، فهو كافر : كمن أباح شرب الخمر ، ومنع الصلاة والصيام ، والزكاة ، وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلّله الله ، وأباحه بالنص الصريح ،أو أباحه رسوله ، أو المسلمون مع العلم بذلك ،فهو كافر كمن حرّم النكاح ، والبيع ، والشراء على الوجه الذي أباحه الله – عز وجل – والوجه فيه أن في ذلك تكذيباً لله – تعالى – ولرسوله في خبره ، وتكذيباً للمسلمين في خبرهم ، ومن فعل ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين "
    *ويقول ابن تيمية : " والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه ، أو حرّم الحلال المجمع عليه ، أو بدّل الشرع المجمع عليه ، كان كافراً مرتدّاً بالاتفاق "
    * ويقول الشنقيطي : " ومن لم يحكم بما أنزل الله معارضة للرسل، أو إبطالاً لأحكام الله ، فظلمه ، وفسقه ، وكفره ، كلها مخرجة عن الملة "
    ولا يغيب عنّا أن هذا الجحود في حد ذاته يعدّ كفراً ، ولو لم يكن معه تحكيم لغير الشريعة فالجاحد كافر شرّع من دون الله – تعالى – أو لم يشرّع .
    وعند ما ساق ابن القيم أقوال العلماء في تأويل قوله – تعالى – : (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) كان مما قال في هذا الشأن .
    " ومنهم من تأوّل الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له ، وهو قول عكرمة ، وهو تاويل مرجوع ، فإن نفس جحوده كفر ، سوء حكم به أو لم يحكم "
    3- أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الله – تعالى -
    سواء كان هذا التفضيل مطلقاً ، أو مقيداً في بعض المسائل . وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الحالة ضمن نواقض الإسلام ، فقال : " من اعتقد أن غير هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل من هديه ، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه ، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه ، فهو كافر " ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم : " من اعتقد أن حكم غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحسن من حكمه ، وأتم ، وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع ، إما مطلقاً ، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان ، وتغير الأحوال ، فلا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان ، وصرف نحاتة الأفكار على حكم الحكيم الحميد "
    لقد قام التتار – بعد إسقاطهم لدولة الخلافة العباسية – بإظهار هذا الكفر ، وذلك بتقديم حكم ( الياسق ) وفرضه على المسلمين ، ونبذ حكم الله – تعالى – وقد أشار ابن كثير إلى هذا الواقع عند تفسيره لقوله – تعالى – (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) * ويقول ابن كثير :
    " ينكر – تعالى – على من خرج عن حكم الله المحكم ، المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء ، والاصطلاحات ، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات ، والجهالات ، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان ، الذي وضع لهم الياسق ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى ، من اليهودية والنصرانية ، والملة الإسلامية ، وغيرها ، وفيه كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً ن يقدمونه على الحكم بكتاب الله ، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فمن فعل ذلك ، فهو كافر يجب قتاله ، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير "
    * ويتحدث إسماعيل الأزهري عما يزعمه من لا خلاق له ، من الإيمان ، ممن يتهمون هذه الشريعة الكاملة بالنقص ، فكان مما قاله :
    " ومن ظنّ أن هذه الشريعة الكاملة التي ما طَرَق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها ، فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر غير رسولهم الذي يحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث .
    وكذلك من ظن أن شيئاً من أحكام الكتاب والسنة النبوية الثابتة الصحيحة بخلاف السياسة والمصلحة التي يقتضيها نظام الدنيا فهو كافر قطعاً "
    • ويحكي محمود شاكر هذه الحالة فيقول :
    " والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء ، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه ،وتعطيل كل ما في شريعة الله ، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضع على أحكام الله المنزلة ، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا ، ولعلل وأسباب انقضت ، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها "
    لقد سلك خصوم هذا الدين مسالك متنوعة في سبيل استنقاص الشريعة الإٍسلامية وتفضيل حكم الطاغوت على حكم الله – تعالى - فتراهم يصفون الإسلام بأنه ديانة روحية ، فلا علاقة له بشؤون الحياة الأخرى كالمعاملات ، والقضاء ، والسياسة ، والحدود ، ونحوها .
    • يقول أحمد شاكر عن هؤلاء القوم وحكم الله – تعالى – فيهم :
    " والقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة ، في المسائل المدنية والتجارية ، وأحكام الحرب والسلم ، وأحكام القتال والغنائم والأسرى ، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص ، فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا ، وأعظم على الفرية ، وظن أن لشخص كائناً من كان ، أو لهيئة كائنة من كانت ، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه ، وما قال هذا مسلم ، ولا يقوله ، ومن قاله ، فقد خرج عن الإسلام جملةً ، ورفضه كلّه ، وإن صام وصلى ، وزعم أنه مسلم " كما يزعم هؤلاء الخصوم أن في تحكيم الشريعة إقراراً للاستبداد السياسي ، والإرهاب الفكري ، ويستدلون على ذلك بما حصل لأوربا أثناء تسلط رجال الكنيسة ، وتارة ينعقون بدعوى جمود الشريعة ، وعدم مواكبتها للحياة المتطورة المتجددة ، وربما وصفوا أحكام الحدود والقصاص بالقسوة التي لا تلائم إنسانية هذا العصر .
    • يقول الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا الشأن : " وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته ، باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله – تعالى – وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك ، علمه من علمه ، وجهله من جهله "
    • ويقول الشنقيطي في هذا الصدد :
    " وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض ، فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض ، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف ، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث والدعوى أن تعدد الزوجات ظلم ، وأن الطلاق ظلم للمرأة ، وأن الرجم والقطع ، ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ، ونحو ذلك .
    فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع ، وأموالهم وأعراضهم ، وأنسابهم ، وعقولهم ، وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض ، وتمرّد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها –سبحانه وتعالى – أن يكون معه مشرّع آخر علواً كبيراً " ..
    ومما يلحق بمسألة تفضيل حكم الجاهلية على حكم الله – تعالى - : من لم يحكم بما أنزل الله – تعالى استخفافاً واستهانة بحكم الله تعالى ، واحتقاراً له فمن وقع في ذلك فقد خرج عن الملة ، لأن ذلك استهزاء بدين الله – تعالى – ومن ثم ، فهو ردة عن الإسلام ، كما هو ظاهر في النصوص التالية :
    يقول – تعالى - : (( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )) (التوبة: 65 - 66)
    * يقول الفخر الرازي : " إن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله ، وذلك لأن الاستهزاء يدل على استخفاف ، والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله بأقصى الإمكان والجمع بينما محال "
    ويقول – تعالى - : (( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)) (التوبة:12)
    • يقول القرطبي في تفسير هذه الآية : " استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين إذ هو كافر ، والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به ، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين ، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه "
    • ويقول ابن أبي العز الحنفي : " إن اعتقاد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر "
    • ومما قاله أبو السعود عند تفسيره لقوله – تعالى - : (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة: من الآية44)
    " ومن لم يحكم بما أنزل الله كائناً من كان دون المخاطبين خاصة ، فإنهم مندرجون فيه اندراجاً أولياً أي من لم يحكم بذلك مستهيناً به منكراً... فأولئك هو الكافرون لاستهانتهم به "
    4- من ساوى بين حكم الله – تعالى – وبين حكم الله الطاغوت ، واعتقد التماثل بينهما ، فهذا كفر ناقل عن الملة ، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق ، والمناقضة والمعاندة لقوله – تعالى - : (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )) (الشورى: من الآية11) ولقوله – عز وجل – (( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) (البقرة: من الآية22)
    إن دعوى المساواة بين الحكم الإلهي والحكم والوضعي تنقّص للرب – جل جلاله – وغلو وطغيان في أحكام البشر ، وشرك بالله – تعالى – لما في هذه المساواة من اتخاذ الأنداد مع الله – تعالى – يقول – تعالى - : (( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) (النحل:74)
    * يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : " أي لا تجعلوا له أنداداً ، وأشباهاً ، وأمثالاً ، ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي أنه يعلم ، ويشهد أنه لا إله إلا هو ، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره "
    ويقول – تبارك وتعالى - : (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ )) (البقرة: من الآية165) فمن أحبّ من دون الله شيئاً ، كما يحبّ الله – تعالى – فهو ممن اتخذ من دون الله أنداداً ، فهذا ندٌ في المحبة ، لا في الخلق والربوبية ، فإن أحداً من أهل الأرض لم يثبت هذا الندُّ وإذا كان الأمر كذلك ، فلا أضل ، ولا أسوأ حالاً ومآلاً من هؤلاء الذين ساووا بين حكم الله – تعالى – الذي لا معقّب لحكمه ، وبين وحكم البشر العاجزين القاصرين .
    • ويقول ابن تيمية : " من طلب أن يطاع مع الله ، فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ، والله – سبحانه – أمر أن لا يعبد إلا إيّاه ، وأن لا يكون الدين إلا له " وأخبر – تعالى – عن أهل النار أنهم يقولون – وهم في النار – لآلهتهم : (( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ،إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الشعراء:97- 98)
    يقول ابن القيم عن هذه الآية :
    " ومعلوم أنهم ما سووهم به – سبحانه – في الخلق ، والرزق ، والإماتة ، والإحياء ، والملك ، والقدرة ، وإنما سووهم به في الحب ، والتأله ، والخضوع لهم ، والتذلل ، وهذا غاية الجهل والظلم ، فكيف يسوى من خُلق من تراب برب الأرباب ؟ ! وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب ؟ وكيف يسوي الفقير بالذات ، الضعيف بالذات ، العاجز بالذات ، المحتاج بالذات ، الذي ليس له من ذاته إلا العدم ، بالغني بالذات ، القادر بالذات الذي غناه ، وقدرته ، وملكه ، وجوده ،وإحسانه ، وعلمه ، ورحمته ، وكماله المطلق التام ، من لوازم ذاته ؟ فأي ظلم أقبح من هذا ؟ وأي حكم أشدّ جوراً منه ؟! .
    • فإذا كانت التسوية بين الله – تعالى – وبين خلقه في عبادة من العبادات تعتبر شركاً وتنديداً يناقض توحيد العبادة ، فكيف بمن سوّى حكم الله – تعالى – بحكم البشر ؟.
    • وعلى كلٍ فإن الرضا بالله – تعالى – ربّاً يوجب إفراد الله – تعالى – بالحكم ، واختصاصه ، تعالى – بالأمر – قدراً أو شرعاً – كما قال – سبحانه - : (( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)) (لأعراف: من الآية54)) فالحكم بالطاغوت ولو في أقل القليل ينافي هذا التوحيد ، فما بالك بمن سوّى حكم البشر بالحكم الإلهي المنزّل ؟.
    5- أن يجوّز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ، أو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – غير واجب ، وأنه مخيّر فيه ، فهذا كفر مناقض للإيمان ، لتجويزه ما علم بالنصوص الصريحة القطعية تحريمه ،حيث لم يعتقد وجوب إفراد الله – تعالى – بالحكم ، وهو وإن لم يكن جاحداً لحكم الله ، لكن ما دام أنه لا يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله – تعالى – وحده ،وذلك بتجويزه الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – فهذا كفر ناقل عن الملة "
    * يقول القرطبي : (إن حكم بما عنده على أنه من عند ــ تعالى ــ فهو تبديل له يوجب الكفر )
    * ويوضح ابن تيمية هذه المسألة قائلاً : " ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله ، فهو كافر ، فمن استحلّ أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير أتباع لما أنزل الله – فهو كافر – فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل ، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرها ، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية وكأوامر المطاعين فيهم ، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة ، وهذا هو الكفر .
    فإن كثيراً من الناس أسلموا ، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون ، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم بما أنزل الله ، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما انزل الله فهم كفار ، وإلا كانوا جهالاً "
    وبتأمل هذا النص المهم ، يظهر لنا أن من جوّزوا الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – وقد عرفوا ذلك فلم يلتزموا فإن هذا يعتبر استحلالاً وردة عن الإسلام ، ولو لم يتضمن تكذيباُ وجحوداً
    • ويقول – أيضاً - : " ومن حكم بما يخالف شرع الله ورسوله ، وهو يعلم ذلك ، فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله "
    وإذا كان هذا الصنف من جنس التتار .. فكذلك هم من جنس اليهود عند ما حكموا بما يخالف حكم الله – تعالى – وهم يعلمون ذلك ، كما جاء مبيناً في حديث البراء بن عازب –رضي الله عنه – حيث قال : مُرّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- بيهودي محمّماً مجلوداً ، فدعاه -صلى الله عليه وسلم- فقال : هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم . فدعا رجلاً من علمائهم ، فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى . أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : لا ! ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجده الرجم ، ولكن كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ،وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم ،فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " اللهم إني أولّ من أحيا أمرك إذا أماتوه " فأمر به فرجم ، فأنزل الله – عز وجل - : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)) إلى قوله: (( إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ)) (المائدة: من الآية41)
    يقول ائتوا محمداً ، فإن أمركم بالتحميم والجلد ، فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم ، فاحذروه ، فأنزل الله – تعالى – (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة: من الآية44) (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (المائدة: من الآية45) (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (المائدة: من الآية47) في الكفار كلها "
    فمناط الكفر – هاهنا – ما تلبّس به هؤلاء اليهود من تجويز الحكم بغير ما انزل الله ، وتبديل حكم الله – تعالى – فاليهود كفروا لتغييرهم حكم الله – تعالى – فجعلوا التحميم والجلد بدلاً من الرجم ، وهم يعلمون خطأهم
    • ويقول ابن القيم - عن هذه الحالة - : " إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخيّر فيه مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر "
    • ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : " من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ، عليه السلام، فهو كافر "
    • وإضافة إلى ذلك فإن تجويز الحكم بما يخالف حكم الله – تعالى – هو قبول للأحكام والتكاليف من غير الله – تعالى – ولو كان في بعضها ، أو اليسير منها ..، وهذا مناقض لحقيقة الإسلام لله وحده ، فمن استسلم لله – تعالى – ولغيره كان مشركاً ، والاستسلام لله وحده يتضمن عبادته وحده ، وطاعته وحده . وتوضيحاً لذلك فنورد ما سطّره الأستاذ محمد قطب من أمثلة في تجويز الحكم بما يخالف حكم الله – تعالى – حيث يقول :
    " كيف نزعم لأنفسنا أننا آمنا بأنه لا إله إلا الله – أي لا معبود إلا الله ، ولا حاكم إلا الله – إذا كنّا نقول – بلسان الحال ، أو بلسان المقال – إنك يا رب ! قد قلت : إن الربا حرام ، أما نحن فنقول : إنه مدار الحياة الاقتصادية المعاصرة ، لا يقوم الاقتصاد إلا به ، ولذلك ، فنحن نُقّره ونتداوله ، ونجعله هو الأصل في تداول المال ! وإنك يا رب ! قد قلت إن الزنا حرام ، وحددت له عقوبة معينة في كتابك المنزل ، وفي سنة رسولك ، -صلى الله عليه وسلم- ، أما نحن فنرى أنه ليس هناك جريمة تستحق العقاب أصلاً إذا تمّ الأمر برضى الطرفين ، ولم تكن المرأة قاصراً ، وإذا وقعت -من جهة نظرنا- جريمة فعقوبتها عندنا أمر آخر غير ما قررت ! وإنك قد قلت يا رب ! إن عقوبة السرقة قطع اليد ، أما نحن ، فنرى أن هذه عقوبة وحشية بربرية ، إنما عقوبة السرقة عندنا هي السجن ، وهي عقوبة مذهبة تليق بإنسان القرن العشرين ! "
    6- من لم يحكم بما أنزل الله – تعالى – إباءً وامتناعاً فهو كافر خارج عن الملة ، وإن لم يجحد أو يكذَب حكم الله –تعالى- وإذا كانت الحالة السابقة تجويز وقبول للحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – فهذه الحالة لا تعدو أن تكون في المقابل من تلك الحالة .
    فمن المعلوم – عند السلف الصالح – أن الإيمان قول وعمل ، وتصديق وانقياد ، فكما يجب على الخلق أن يصدّقوا الرسل – عليهم السلام – فيما أخبروا فعليهم أن يطيعوهم فيما أمروا ، فلا يتحقق الإيمان مع ترك الانقياد والطاعة ، قال – تعالى - : (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ )) (النساء: من الآية64) فالإيمان ليس مجرد التصديق – كما زعمت المرجئة - ، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة الانقياد
    كما أن الكفر عدم الإيمان – باتفاق المسلمين ومن ثم ، فهو ليس تكذيباً فحسب ، بل قد يكون امتناعاً عن اتباع الرسول مع العلم بصدقه ..
    وقد يكون هذا الكفر إعراضاً أو شكاً ، وعلى هذا يكون من ترك الحكم بما أنزل الله إباءً وردّاً ،فهو كافر مرتد ،وإن كان مقراً بهذا الحكم ؛ لأن الإيمان يقتضي وجوب الانقياد ، والطاعة ، والإذعان لحكم الله – تعالى – ونوضح ذلك من خلال ما يلي :
    • مما أورده ابن جرير رحمه الله عند شرحه لحديث البراء بن عازب ،- رضي الله عنه - : مرّ بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فسألته ، قال : بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه "
    • حيث يقول ابن جرير : " فكان فعله [ أي نكاحه زوج أبيه ] من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أتاه به عن الله – تعالى – ذكره وجحوده آية محكمة في تنزيله ... فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق ، فلذلك أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتله وضرب عنقه ؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام "
    فتأمل – رحمك الله – نصّ هذا الحديث ،وما قرره ابن جرير عند ما بيّن أن التكذيب ، أو الاستحلال قد يظهر في عمل من الأعمال وهذا كفر ردّ ، وإباء ، فليس التكذيب أو الاستحلال ( القلبي ) واقعاً بنطق اللسان فقط - كما زعمت المرجئة-
    إضافة إلى ذلك فإنّ من ردّ ، وامتنع عن قبول حكم الله - تعالى – فهو كافر بالإجماع ، وإن كان مقرّاً بهذا الحكم ، "يقول إسحاق بن راهويه : وقد أجمع العلماء أن على من دفع شيئاً أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر "
    * يقول الجصاص في تفسير قوله – تعالى - : (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:65) وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله – تعالى – أو أوامر الرسول-صلى الله عليه وسلم- فهو خارج من الإسلام ، سواءً ردة من جهة الشك فيه ، أو من جهة ترك القبول ، والامتناع عن التسليم "
    * كما يقرر ابن تيمية : اتفاق العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من الشرائع الظاهرة المتواترة ، وإن كانت مقرة بتلك الشريعة ، فيقول :
    " كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ، وملتزمين بعض شرائعه ، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة – رضي الله عنهم – مانعي الزكاة ، فاتفاق الصحابة – رضي الله عنهم – على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة " إلى أن قال – " فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات ، أو الصيام ، أو الحج ، أو عن التزام تحريم الدماء ، والأموال ، والخمر ، والزنا ، والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم ، أو التزام جهاد الكفار ، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب ، وغير ذلك من واجبات الدين ، ومحرماته. التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها ، التي يكفر الجاحد لوجوبها ، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها ، وإن كانت مقرّة بها ، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً بين العلماء "
    • ويفصّل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً شافياً عند ما بيّن أن من أبى وامتنع عن حكم الله – تعالى – وإن كان معترفاً بهذا الحكم – فهو أشدّ كفراً ممن جحد هذا الحكم ، فيقول : " إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه ، واعتقاد انقياده لله فيما حرّمه وأوجبه ، فهذا ليس بكافر ، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه ، أو أنه حرّمه ، لكن امتنع من قبول هذا التحريم ، وأبى أن يذعن لله وينقاد ،فهو إما جاحد أو معاند ، ولهذا قالوا : من عصى الله مستكبراً ، كإبليس كفر بالاتفاق ، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة والجماعة ، وإنما يكفره الخوارج ، فإن العاصي المستكبر ، وإن كان مصدقاً بأن الله ربه ، فإن معاندته له ، ومحاداته تنافي هذا التصديق ، وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً ، فهو كافر بالاتفاق ، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ،وكذلك لو استحلها من غير فعل ، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها ، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها ، وهذا يكون لخلل في الإيمان في الربوبية ، ولخلل في الإيمان بالرسالة ، ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة ، وتارة يعلم أن الله حرّمها ، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ، ويعاند المحرم ، فهذا أشد كفراً ممن قبله ، وقد يكون هذا مع علمه ، أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه ، ثم إن هذا الامتناع والإباء ، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته ، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته ، وقد يكون بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس ، وحقيقته كفر ، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون ، لكنه يكره ذلك ، ويبغضه ، ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ، ويقول : أنا لا أقر بذلك ،ولا ألتزمه ،وأبغض هذا الحق ، وأنفر منه ، فهذا نوع غير النوع الأول ، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع "
    • وتأكيد لما قرره ابن تيمية : نورد ما قاله النسفي في تفسيره ، لقوله – تعالى - : (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)) (الأحزاب:36)
    " فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول ، فهو ضلال كفر ، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب ،فهو ضلال خطأ وفسق "
    ومما يمكن إلحاقه بالإباء والامتناع : الإعراض ، والصدود عن حكم الله – تعالى – ونوضح ذلك بما يلي :
    يقول – تعالى – (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً)) (النساء:60 - 61)
    • يقول ابن تيمية : " بين الله سبحانه أن من دعا إلى التحاكم إلى كتاب الله ،وإلى رسوله فصدّ عن رسوله كان منافقاً ، وليس بمؤمن فالنفاق يثبت ، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول ، وإرادة التحاكم إلى غيره " .
    • ويقول ابن القيم : " فجعل الإعراض عما جاء به الرسول ، والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق ، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه ، والتسليم لما حكم به رضى ، واختياراً ،ومحبة فهذا حقيقة الإيمان ، وذلك الإعراض حقيقة النفاق "
    • ويقول البيضاوي في تفسيره لقوله – تعالى - : (( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)) (آل عمران:32) " وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم ، والدلالة على أن التولي كفر ، وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله ، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين "
    • ويقول ابن تيمية عند قوله – تعالى - (( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ)) (الأنعام: من الآية157) . " فذكر سبحانه أنه يجزي الصادف عن آياته مطلقاً سواء كان مكذباً أو لم يكن – سوءَ العذاب بما كانوا يصدفون ، يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول ، فهو كافر ، سواء اعتقد كذبه ، أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه اتباعاً لما يهواه ، أو ارتاب فيما جاء به ، فكل مكذب بما جاء به فهو كافر "
    7- من ضمن الحالات التي يكون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى كفراً أكبر ، ما قال الشيخ محمد بن إبراهيم :
    " وهو أعظمها ، وأشملها ،وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ،ومشاقة لله ورسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً ، وإمداداً ، وإرصاداً ، وتأصيلاً ، وتفريعاً ، وتشكيلاً ، وتنويعاً ، وحكماً ، وإلزاماً ، ومراجع مستمدات .
    فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى ، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي ، والقانون الأمريكي ،والقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين ، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة ، وغير ذلك .
    فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها أسراب إثر أسرار ،يحكم حكمها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب ، من أحكام ذلك القانون ،وتلزمهم به ، وتقرّهم عليه ، وتحتمه عليهم ، فأي كفر فوق هذا كفر ، وأي مناقضة لشهادة أن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة
    • ومما يلحق بهذه الحالة ما قاله الشيخ محمد بن إبراهيم – أيضاً - " ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر ، والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم ، وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم ) يتوارثون ذلك منهم ، ويحكمون به ، ويحملون على التحاكم إليه عند النزاع بقاءً على أحكام الجاهلية ، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله "
    • ومن خلال عرض الحالات السابقة الموجبة للردة ، يظهر حكم المشرّع – كما في الحالة الأولى – والحاكم بغير ما أنزل الله – كما في بقية الحالات – ويبقى موضوع المحكوم بتلك القوانين الطاغوتية ، فإن كفره متعلّق بقبوله لغير شريعة الله ، ورضاه بها إضافةً إلى ذلك ، فإن متابعة هذا المحكوم ، وقبوله لغير الشريعة من خلال تحاكمه إلى غير ما أنزل الله – تعالى – لا يخلو من امتناع عن قبول حكم الله وحده ، أو تجويز للحكم بالطاغوت ، وقد أمروا أن يكفروا به ، أو تفضيل لحكم الطاغوت على حكم الله – تعالى – أو التسوية بينهما !! يقول الله – تعالى - : (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً)) (النساء:60 -61 ) * ومما قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية: " التعجيب والاستفتاح على ذكر إرادة التحاكم [ إلى الطاغوت ] دون نفسه [ أي التحاكم ] للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب ، ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع فما ظنك بنفسه ؟ "
    كما دلت الآية على أن إرادة التحاكم إلى الطاغوت إيمان بهذا الطاغوت ، ومن ثم فهو كفر بالله – تعالى – حيث أن الله – تعالى – قد فرض على عباده الكفر بالطاغوت ، والإيمان به – تعالى – حيث قال – سبحانه- : (( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ )) (البقرة: من الآية256) . ويقول – عز وجل - (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة:31)
    * يقول ابن تيمية – في معنى هذه الآية : ( هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين :
    أحدهما : أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله ، فيتبعونهم على التبديل ، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله ، وتحريم ما أحلّ الله اتباعاً لرؤسائهم ، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل ،فهذا كفر ، وقد جعله الله ورسوله شركاً ، وإن لم يكونوا يُصَلُّون لهم ، ويسجدون لهم – فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين ، واعتقد ما قاله ذلك ، دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء .
    والثاني : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال ، وتحليل الحرام ثابتاً ، لكنهم أطاعوهم في معصية الله ، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ، كما ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إنما الطاعة في المعروف "
    * وأمر آخر وهو أن المحكوم بتلك القوانين راضياً بها فهو كافر ، لأن الراضي بالكفر كفاعله يدلّ على ذلك قوله – تعالى - :
    (( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً)) (النساء:140) * يقول القرطبي : " قوله – تعالى - : (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) أي غير الكفر : ( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) فدل بهذا على وجوب اجتناب المعاصيى وجوب اجتناب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضى بالكفر كفر"
    * ويقول محمد رشيد رضا في قوله : ( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) هذا تعليل للنهي ، أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم ، وشركاء لهم في كفرهم ؛ لأنكم أقررتموهم عليه ورضيتموه لهم ، ولا يجتمع الإيمان بالشيء ، وإقرار الكفر والاستهزاء به ، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر ، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر وهذا منصوص عليه أيضاً ، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتماً ، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان ،ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان ، أو بين الطاعة والعصيان ، فإن كثيراً من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات الله ، ويستهزئون بالدين ، ويقرهم على ذلك ، ويسكت لهم من لم يصل إلى درجة كفرهم ، لضعف الإيمان و العياذ بالله تعالى – "
    ويقول – تعالى - : (( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ)) (النور:47) * يقول النسفي – في تفسيرها - (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ ) أي المخلصين ، وهو إشارة إلى القائلين آمنّا وأطعنا ، لا إلى الفريق المتولي وحده ، وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتف عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء ، والإعراض وإن كان من بعضهم ،فالرضا بالإعراض من كلهم "
    (ج) متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أصغر ؟ يكون الحكم بغير ما أنزل تعالى في واقعة ما مع اعتقاده وجوب الحكم بما أنزل الله – تعالى – في هذه القضية المعينة ، فعدَل عنه عصياناً وهوىً وشهوة ، مع اعترافه بأنه آثم في ذلك ،ومستحق للعقوبة ، ونسوق جملة من كلام أهل العلم في هذه المسألة :
    * يقول القرطبي : " إن حكم به [ أي بغير ما أنزل الله ] هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين "
    * ويقول ابن تيمية : " أما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً ، لكن عصى واتبع هواه ، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة "
    * ويقول ابن القيم: " عن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصياناً ، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا كفر أصغر "
    * ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم : " وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله ، وهو الذي لا يخرج عن الملة ، وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق ، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى .
    وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملّة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا، وشرب الخمر ، والسرقة ، واليمين، الغموس، وغيرها ، فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من المعصية لم يسمها كفراً "
    • ويقول الشنقيطي : " من لم يحكم بما أنزل الله معتقداً أنه مرتكب حراماً ، فاعل ُ قبيحاً ، فكفره ، وظلمه ، وفسقه ، غير مخرج عن الملة
    وعلى مثل هذه الحالة – التي ذكرت آنفاً – يُحمل ما ورد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – وعطاء وطاووس ، وأبي محلز - رحمهم الله تعالى - .
    فقد جاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله – تعالى - : (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (المائدة:44) أنه قال : " ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، وفي رواية أنه ، قال : " كفر لا ينقل عن الملة "
    وقال عطاء : " كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق "
    * وقال طاووس : " ليس بكفر ينقل عن الملة " " وعند ما جاء نفر من الإباضية لأبي مجلز ، فقالوا له : يقول الله : (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) ( فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . ) فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية47) . قال أبو مجلز أنه يعملون بما يعملون – يعني الآمراء – ويعلمون أنه ذنب "
    ومما يجدر التذكير به – في هذا المقام – أن هناك من حمّل كلام ابن عباس – رضي الله عنهما – وغيرها من الآثار السابقة – ما لا يحتمله ، فآساءوا فهمها ، والمراد منها ، ولذا فلا بد من التنبيه على ما يلي :
    1- أن ظاهر سياق تلك الآيات في قوله – تعالى - : ((( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) . وما بعدها .. يدلّ على أن المعنى المقصود أصلاً بالكفر والظلم والفسق فيها ، هو الكفر الأكبر ، والظلم الأكبر ، والفسق الأكبر
    كما يوضح ذلك سبب نزولها ، حيث إنها نزلت في اليهود – كما سبق بيانه ثم إن هؤلاء الأئمة – كابن عباس وغيره عمُّوا بها غير الكفار وقالوا : كفر دون كفر ، مع أن سياق الآيات على أنها في الكفار ، كما جاء في آخر رواية البراء بن عازب – رضي الله – عنه – في سبب نزول تلك الآيات : ( في الكفار كلها).
    2- أن ما قاله أبو مجلز– رحمه الله – للإباضية، كان جواباً عمّا أراه من إلزامه بتكفير الأمراء، لأنهم في معسكر السلطان ... ولأنهم ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عنه ,
    *ومما قاله محمود شاكر – في المقصود من كلام أبي مجلز: " اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله ، وفي القضاء في الدماء ،والأعراض ، والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه ، وفي اتخاذهم قانون الكفار شريعة في بلاد الإسلام ، فلما وقف على هذين الخبرين اتخذهما رأياً يرى به صواب القضاء في الأموال ، والأعراض ، والدماء بغير ما أنزل الله ، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها ، والعامل بها – إلى أن قال - : لم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا ، من القضاء في الأموال والأعراض ،والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه ، وعلى لسان نبيه-صلى الله عليه وسلم- فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ، ورغبة عن دينه ، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله – سبحانه وتعالى – وهذا كفر لا يشكّ أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه. .
    ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز ، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة ، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكماً وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها ، هذه واحدة ، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها ، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل ،فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة ، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية ، فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة "
    ولعل مما يؤكد ذلك : " ما أخرجه عبد بن حميد ، وأبو الشيخ عن أبي مجلز : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال : نعم ، قالوا : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) . قال : نعم ، قالوا : فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله ؟ قال : نعم ، هو دينهم الذي به يحكمون ،والذي به يتكلمون ، وإليه يدعون ، فإذا تركوا منه شيئاً ، علموا أنه جور منهم ، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله "
    فينبغي أن يفهم كلام أبي مجلز – وكذا كلام ابن عباس – رضي الله عنهما – على ظاهره ، وحسب مناسبة بلا غلو ، ولا جفاء ،فلا نكون كالخوارج الذين جعلوا مطلق المخالفة الشرعية كفراً أكبر ، وفي الوقت نفسه لا نكون مع الطرف المقابل لهم ممن جعلوا رفض الشريعة ، وتنحيتها والإعراض عنها كفراً أصغر ، فلم يقصد ابن عباس – وكذا أبو مجلز – من أبى وامتنع عن الألتزام بشرع الله – تعالى – وتحاكم إلى قوانين الجاهلية ، فلم يكن في تلك القرون السابقة من يفعل مثل ذلك ، فكلام السلف الصالح – في معصية كفر دون كفر ، يدور حول قضية مفردة ، أو واقعة معينة في الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – عن هوى وشهوة ، مع اعتقاد حرمة هذا الفعل وإثمه ، وليس منهاجاً عاماً ، وهذا أمر ظاهر تدلّ عليه عبارة ابن تيمية – التي سبق ذكرها : " أما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً ، ولكن عصى واتبع هواه ، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة "
    • وكذا ما قاله ابن القيم : " إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصياناً ، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا كفر أصغر "
    هذا ما تيسر جمعه وإعداده ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: الحكم بغير ما أنزل الله

    وما ختم به الشيخ آل عبد اللطيف ..لطيف جدا..
    وأختم بتقرير أن من تأمل آيات الله الواردة في هذا الشأن لم يرتب لحظة في ذلك
    فتارة يعبر عن تنكب الحكم بما أنزل الله شركا"ولا يشرك في حكمه أحدا"
    وتارة يعبر عن الواقعين في هذا كفارا"ومن لم يحكم بما أنزل فألئك هم الكافرون"
    وتارة يوميء أن الحكم بغير ما أنزل الله صرف شيء من العبادة لغير الله"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه"
    وهو نظير "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"
    وتارة يرد على من يزعم أنه مؤمن ..لكنه يتحاكم لغيره"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت"
    وتارة يعقد شرط الإيمان على التحكيم مؤيدا ذلك بالقسم بنفس الله المقدسة"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك.."الآية
    إلى غير ذلك من الآيات
    وتأمل كلام الحافظ ابن كثير:فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله ، وشهد له بالصحة ، فهو الحق ، وما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ولهذا قال – تعالى - : ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله ، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ، فدلّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ، ولا يرجع إليهما في ذلك ، فليس مؤمناً بالله ، ولا باليوم الآخر .انتهى

    وعليه فمن يستشهد بكلام ابن عباس أو ابن تيمية أو ابن القيم..هو في الحقيقة لم يصب كبد الفهم لكلامهم
    وقد سبق الإشارة إلى ضعف أثر ابن عباس"كفر دون كفر"..وإن صحت جدلا..فهي كما بينها الشيخ..
    وقد سررت بكلام الشيخ الذي ختم به رسالته لأني كنت قد انتهيت إليه في نظري في المسألة
    بدليل أنه ينقل عن ابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة ما يظن أنه متعارض..وتحقيق الأمر في فهم كلامهم على وجهه
    والحق أبلج لكل ذي عينين
    والله الموفق

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •