فن التعامل مع المصائب
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فن التعامل مع المصائب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2013
    المشاركات
    5

    افتراضي فن التعامل مع المصائب

    ( أ )

    1- اعلم أن المصائب تكون بأقدار المصابين ,والبلايا تنزل بأقدار المبتلين , وقد تلقف هذا المعني ابن الوردي فقال:
    إنَّ المصائبَ بالأقدارِ كائنةٌ .:. لكنْ على حسبِ الأقدارِ تُحتسبُ
    2- وحتى لا يشعر المرء بالوحدة في معاناته للمصيبة فقد جعل بعضهم أهل المصائب هم أهله, ومسكنهم مسكنه ,والمصيبة تجمعه معهم مثل : القاضي الفاضل حين قال :
    أهل المصائب بعدكم أهلي .:. كما إن القبور لأجلكم أوطاني
    وقد تلقف أمير الشعراء شوقي هذا المعني فقال :
    إن يك الجنس يا ابن الطلح فرقنا .:. إن المصائب يجمعن المصابينا
    وقد لفت تنوع المصائب واختلافها بالرغم من أن الهم واحد انتباه عبد الرحيم محمود فقال:
    ومن العجائب في المصائب .:. فرقة والهم واحد
    3- والمصائب والشدائد درجات بحسب المصاب بها وعزيمته, وهمته فمنهم من يري أن أعظم المصائب هي :
    هجر الأحبة : كابن معتوق الموسوي:
    عزيز وصلٍ تركني في عذاب الهون .:. كل المصائب سوى هجره عليَّ تهون
    ومثله عبد الجليل الطباطبائي:
    وما في المصائب والذي فلق النوي .:. رزء يوافق فرقة الأحباب
    أو فقد هؤلاء الأحبة مثل إبراهيم بن العباس الصولي حين قال:
    وَبعدك لا آسى عَلى فَقدِ هالِكٍ .:. مَضيتَ فَهَوّنتَ المَصائِب أَجمَعا
    وقد كان تعبير الأخرس أشمل وأعم حين قال
    رمينا بأدهي المعضلات النوائب .:. وفقد الذي نرجو أجل المصائب
    أي : إن فقد أي شيء ترجوه مصيبة تستحق أن تصبر عليها , وتتجلد لنزولها .

    أو بعض الظون الخاطئة التي تكلم عنهاأحمد فارس الشدياق حين قال :
    وكم عائب شيئا ويحسب أنه .:. مصيب وبعض الظن إحدى المصائب
    4- وبعضهم يرى ان أي مصيبة تهون إلا.......
    الشماتة كما قال الغشري
    ( من شعراء القرن الثاني عشر ):
    كل المصائب قد خفت رزيتها .:. إلا شماتة من عادى ومن حربا
    أو فقد الأخلاق كما قال
    أمير الشعراء شوقي :
    ولا المصائب إذ يرمي الرجال بها .:. بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب
    أو الشيب كما يرى ابن الرومي :
    ولو لم يُصَبْ إِلّا بشرخِ شبابِهِ .:. لكان قد استوفى جميعَ المصائبِ
    وأخيرا لقد عد الغشري خمس مصائب وإنها لأشد المصائب حقا
    إن المصائب في الدنيا ومحنتها .:. في خمسة قال أهل العلم والنظر
    موت الشباب وجهل بعد معرفة .:. والفقر عند مشيب آخر العمر
    وبعدها سقم في غربة وعمي .:. يأتي العيون عقيب النور والبصر
    أما المتنبي الذ ملأ الدنيا وشغل اناس فقد ذكر فكرة رائعة لعل بعض المبتلين شع بها ورأها بعين التجربة وهي ( أن المصائب قد تتجمع كلها في مصيبة واحدة ) فقال:
    مصائب شتي قد جمعت في مصيبة ولم يكفها حتى قفتها مصائب
    (ب)

    أما التعامل مع نزول المصائب وحللو الكوارث والنوائب فيكون عن طريق :
    1- الكتمان
    ابن جبير
    عليك بكتمان المصائب واصطبر .:. عليها فما أَبقى الزَّمان شفيقا
    كفاك من الشكوى إلى الناس .:. أَنها تسرُّ عَدواً أَو تَسوء صديقا

    ويعلم تميم الفاطمي أن كتمان المصائب أمر مؤلم لكن يقول أيضا
    لئن كان كتمان المصائب .:. مؤلما لإعلانها عندي أشد وآلم
    2- ثم الصبر والتجلد :
    أبو العتاهية
    اِصبِر لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ وَاِعلَم .:. بِأَنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
    أَوَما تَرى أَنَّ المَصائِبَ جَمَّةٌ .:. وَتَرى المَنِيَّةَ لِلعِبادِ بِمَرصَدِ
    مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيبَةٍ .:. هَذا سَبيلٌ لَستَ فيهِ بِأَوحَدِ

    3- والتعزية كما قال أبو العتاهية
    وقد يسلو بالمصائب من تعزي .:. وقد يزداد في الحزن الجزوع
    4- وقد يساعد على التعزية والتسلية قول أبو مسلم العماني من أن :
    تلك المصائب مدركات صيدها .:. سيان في فر واستقرار
    أو قول الشريف الرضي وأمره للمصاب أن :
    تعز فما كل المصائب قادم.:. عليك ولا كل النوائب عائد
    (ج)

    أما عن فوائدها فيكفي أن الله قال عن جزاء من صبر عليها ( وبشر الصابرين) , ألا يدعو ذلك لأن يصبر الرجل عليها موقنا أن له أجرراموفورا بغير حساب.
    وقد نظم ابن الرومي القول بأن المصائب تثقل الموازين يوم القيامة فقال:
    فيه مصائبُ منها ما أُصبتُ .:. بها وفي المصائبِ للميزان تثقيلُ
    هذا وقد فقه ابن نباته السعدي أن المصائب إنما ترسل على العبد لحكم يعلمها الله ولعل منها أن يتعلم وتكثر تجاربه ( هذا وإن كان قد ضاق بها ) فاقل :
    فَقولا لأنْواعِ المصائِبِ أقْصِري .:. تعَلّمْتُ ما يكْفي الفَتَى ويَفوقُ
    فإن كنت بري تطلبين فإنه .:. من البر في بعض الأمور عقوق

    وقد انشغل أحمد شوقي بدور المصائب في بناء الأمم !( وهذا من جميل ما التفت إليه) فقال :
    صبرا على الشوق إن جلت مصائبه .:. إن المصائب مما يوقظ الأمم
    أما عبد الله الزائد فقد لحظ أنها - المصائب- نتقي الناس وتصفيهم, حتى تخرج الصادق من الدعي فقال :
    أنفوا فكشرت القلوب فسلموا .:. إن المصائب للوري غربال
    ويكفي من فضلها أنها تكشف لك عن أخيك حقا ممن يدعي مودتك كما قال بشار بن برد:
    وَلَيسَ أَخي مَن وَدَّني رَأيَ عَينِهِ .:. وَلَكِن أَخي مَن وَدَّني في المَصائِبِ
    أيضا من الذين فطنوا دور المصيبة في نضج الإنسان وزيادة تجابه وخبراته : المكزون السنجاري حين قال :
    بالصد عنه لحيني رمت تجربتي .:. إن المصائب أثمان التجاريب
    هذا ولا انسى قبل ختام هذا الجزء القول الشهير للسراج الوراق :
    بذا قضت الهموم عند اهلها .:. مصائب قوم عند قوم فوائد
    (د)

    واخيرا أقدم نموذجل لرجل عاني شدتها, وفقه فضلها , ونجح في مجاوزتها وهو الشريف المرتضي الذي قال يوما عن الدهر
    وصير في ودادي المصائب مسكني .:. وفي جانب الحزن الطويل ربوعي
    لكن بعد فضل الله عليه ولطفه به , هونت عليه بصيرته وحسن رؤيته وفقهه للمصيبة , وحسن تعامله معها - صروف الليالي , وغارات الأيام حتى أنس قلبه بالمصيبة واعتاد عليها فلم يعد يجزع لها , ولا ينخلع قلبه لنزولها فيقول :
    لقد هونت صرف الليالي بصيرتي .:. وآنس شيء بالفؤاد المصائب.
    ( هـ )

    وأخيرا .....
    جعلنا الله من الصابرين , وكتبنا عنده من المخلصين .


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2013
    المشاركات
    375

    افتراضي رد: فن التعامل مع المصائب

    فضلُ الصبر على المصيبة
    ظَافِرُ بْنُ حَسَنْ آل جَبْعَان

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
    فإن الله ـ تعالى ـ جعل الله الموت حتماً على جميع العباد من الإنس والجان، وجميع الحيوان فلا مفر لأحد ولا أمان, كل من عليها فان, ساوى فيه بين الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والأنثى والغني والفقير وكل ذلك بتقدير العزيز العليم:{وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (1).
    فالكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و الحازم من بادر بالعمل قبل حلول الفوت, والمسلم من استسلم للقضاء والقدر, والمؤمن من تيقن بصبره الثواب على المصيبة والضرر(2).
    وأي مصيبة أعظم بعد الدين من مصيبة الموت(3)، ملأ الله ـ تعالى ـ قلوبنا صبراً، ورفقاً وتسليماً.
    أخي المسلم: كرب الزمان وفقد الأحبة خطب مؤلم, وحدث مفجع, وأمر مهول مزعج, بل هو من أثقل الأنكاد التي تمر على الإنسان نار تستعر, وحرقة تضطرم تحترق به الكبد ويُفت به العضد إذ هو الريحانة للفؤاد والزينة بين العباد, لكن مع هذا نقول:

    فلرب أمـر محـزن *** لك في عواقبه الرضا
    ولربمـا اتسع المضيق *** وربما ضاق الفضـا
    كم مسرور بنعمة هي داؤه, ومحروم من دواء حرمانه هو شفاؤه, كم من خير منشور وشر مستور, ورب محبوب في مكروه, ومكروه في محبوب قال تعالى:{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }(4).
    (لو استخبر المنصف العقل والنقل لأخبراه أن الدنيا دار مصائب وشرور, ليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بكدر, فما يُظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب, وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب, والعجب كل العجب في من يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللدغ واللسع؟!)(5)

    وأعجب منه من يطلب ممن طُبع على الضر النفع.

    طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها *** صفواً من الأقذاء والأكدارِ
    هل رأيت؟بل هل سمعت بإنسانٍ على وجه هذه الأرض لم يصب بمصيبة دقت أو جلت؟
    الجواب معلوم: لا وألف لا, ولولا مصائب الدنيا مع الاحتساب لوردنا القيامة مفاليس كما قال أحد السلف.

    ثمانية لا بـد منها على الفتى *** ولا بد أن تجري عليه الثمانية
    سرور وهم, واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر, ثم سقم وعافية
    (أخي إن مما يكشف الكرب عند فقد الأحبة التأمل والتملّي والتدبر والنظر في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, ففيهما ما تقر به الأعين, وتسكن به القلوب وتطمئن له تبعاً لذلك الجوارح مما منحه الله, ويمنحه لمن صبر ورضي واحتسب من الثواب العظيم والأجر الجزيل, فلو قارن المكروب ما أخذ منه بما أعطى لا شك سيجد ما أعطي من الأجر والثواب أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة ولو شاء الله لجعلها أعظم وأكبر وأجل، وكل ذلك عنده بحكمة وكل شيء عنده بمقدار)(6).

    فلنقف مع آيات من كتاب الله عز وجل، وفي ثاني سور القرآن الكريم، وكفى بها واعظاً، وكفى بها مسليةًً، وكفى بها كاشفةًً للكروب، ومذهبة للهموم.
    قال الله {وَلَنَبْلُوَنَ كُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155 } الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}( 7).
    {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} علاج من الله عز وجل لكل من أصيب بمصيبة دقيقة أو جليلة, بل إنه أبلغ علاج وأنفعه للعبد في آجله وعاجله، فإذا ما تحقق العبد أن نفسه وماله وأهله وولده ملك لله عز وجل قد جعلها عنده عارية فإذا أخذها منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير فهل في ذلك ضير؟ لا؛ والذي رفع السماء بلا عمد(8).

    ثم إن ما يؤخذ منك أيها العبد المصاب المبتلى محفوف بعدمين, عدم قبله فلم يكن شيئاً في يوم من الأيام, وعدم بعده فكان ثم لم يكن, فملكك له متعة مستودعة في زمن يسير ثم تعود إلى موجدها ومعيرها الحقيقي سبحانه وبحمده: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ }(9).
    فمصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق, لا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره يوماً ما, ويأتي ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا عشيرة ولا مال، ولكن بالحسنات والسيئات نسأله حسن المآل، هل علمت هذا أخي المصاب المكروب؟

    فمن امتثل أمر الله ـ تعالى ـ بالصبر على البلاء كانت مثوبة الله عز وجل له: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}? [(10).
    فعن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها, إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة؛ قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم عزم الله علي فقلتها؛ فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم)(11).

    وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا همٍ ولا حزن ولا أذىً ولا غم, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه)(12).

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم"(13) يشير إلى قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}(14).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :(أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبيٍ لها فقالت : يا نبي الله! ادعُ الله له، فلقد دفنت ثلاثةً, قال صلى الله عليه وسلم: "دفنت ثلاثة؟" ـ مستعظماً أمرها صلى الله عليه وسلم ـ قالت: نعم؛ قال: " لقد احتضرتِ بحضارٍ شديدٍ من النار")(15).
    أي لقد احتميتِ بحمىً عظيمٍ من النار، فما أعظم الأجر، وما أكمل الثواب، وما أجدر أن يُستعذب العذاب في طلب هذا الثواب.
    وجاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا مات ولد العبد، قال الله عز وجل لملائكته: "أقبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم؛ فيقول وهو أعلم: "أقبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم.فيقول:"ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عز وجل: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد")(16).
    يا لها من بشارة عند موت الولد مع الإيمان، لأن الله إذا أمر ببناء بيت لأحد من عبيده فلابد لذلك العبد من سكنى هذا البيت في يومٍ من الأيام.
    روى الإمام أحمد من حديث معاوية بن قرة عن أبيه:( أنه كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتحبه؟" فقال: يا رسول الله, أحبك الله كما أحبه؛ فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعل ابن فلان؟" فقالوا: يا رسول الله مات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه:"أما تحب أن تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عليه ينتظرك؟" فقال رجل: يا رسول الله, أله خاصة أم لكلنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل لكلكم ")(17).
    أخي المبارك: فهم السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ ذلك فهماً عميقاً، فتمنوا أن يقدموا أولادهم وأحبتهم ثم يرضوا بذلك ويحتسبوا لينالوا الأجر العظيم من الرب الكريم.

    هاهو أبو مسلم الخولاني(ت62هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ يقول:( لأن يولد لي مولود يحسن الله عز وجل نباته, حتى إذا استوى على شبابه، وكان أعجب ما يكون إليّ قبضه مني؛ أحب إليّ من أن يكون لي الدنيا وما فيها)(18).
    وكان للمحدث إبراهيم بن إسحاق الحربيّ(ت285هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ ابن له إحدى عشرة سنة حفظ القرآن ولقّنه من الفقه جانبًا كبيرًا, ثم مات الولد, قال محمد بن خلف: جئت أعزيه فقال:الحمد لله، والله لقد كنت على حبي له أشتهي موته؛ قلت له: يا أبا إسحاق, أنت عالم الدنيا تقول ذلك في صبيٍ قد حفظ القرآن ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم, أو يخفى عليك أجر تقديمه؟
    ثم قال: وفوق ذلك, فلقد رأيت في منامي وكأن القيامة قامت وكأن صبياناً في أيديهم قلال(19)فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم وكان اليوم حاراً شديد حرّه.
    قال فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: لست أبي، قال قلت: من أنتم؟ قال: نحن الصبية الذين متنا واحتسبنا آباؤنا، ننتظرهم لنستقبلهم فنسقيهم الماء, قال: فلهذا تمنيت موته(20).

    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)(21).
    يا له من جزاءٍ فعندك اللهم نحتسب أصفياءنا وأصدقاءنا وأحبابنا وآباءنا وأمهاتنا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
    أخي المسلم: إن مما يسلي المصاب، ويذهب همه، ويصبر نفسه، ويرضي قلبه، ويعينه على مصابه، ويخفف آلامه، هو تذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم، فما أصيبت الأمة بمصيبة أعظم، ولا أجل من مصيبة فقد النبي صلى الله عليه وسلم، وانقطاع نزول الوحي، فإذا علمت هذا هانت عليك كل مصيبة، وسكنت نفسك واطمأنت لكل بلية وخطب.
    قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب"(22).
    قال أبو العتاهية:

    اصـبر لكـل مصيبة وتجلـدِ *** واعلم بأن المـرء غير مخلـــد
    أو مـا ترى أن المصـائب جمة *** وتـرى المنية للعبـاد بمـرصـد
    من لم يصب ممـن ترى بمصيبة *** هـذا سبيل لسـت عنه بأوحـد
    فإذا ذكرتَ محمـداً ومصـابه *** فاجعـل مصابك بالنبي محمــدِ
    واعلم يا أخي الكريم: أن البلاء يصيب المؤمن على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في إيمانه رقة خُفف في بلائه، حتى ما يتجلى عنه البلاء، ويذهب إلا وقد حطت خطاياه كلها، ويمشي على الأرض ليس عليه خطيئة.
    فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاءً؟ قال:"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل, يُبتلى الناس على قدر دينهم, فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه, ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه, وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس وما عليه خطيئة)(23).

    قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ (ت751هـ):( والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهَّلَه لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديتُه، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه)(24).

    وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة)(25).



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •