دور الغلو في تشتيت الأمة


منذ التزامي بالإسلام وأنِا أحاور الإخوان والسلفيين والعلمانيين والتكفيريين، فقد كان يحزنني تشتت الأمة وأبحث عن تصور لوحدتها واستعادة كيانها، وقد وضعت يدي على غلو شوه ديننا كنت أتعامل معه بحكمة فليس كل ما يعرف يقال، أما وقد أصبح الأمر يهدد بحرق مصر فلا مجال إلا المصارحة، وأملي في حكماء الأمة أن يقفوا وقفة صادقة ويقوموا بالدور المنوط بهم لجمع الأمة على مشروع إسلامي واضح المعالم.

لقد استغل أمن الدولة بعض صور الغلو وتجارب فاشلة كتجربة طالبان وعدم قدرتها على الحفاظ على الدولة ليخيف النخب من مشروع إسلامي قاصر يمزق الدولة أو يورطها في صراع مع المجتمع الدولي غير محسوب العواقب.
لقد أدركت غلوا في النقل لا يميز بين قطعي الثبوت والظني، وحمدت الله أن جمهور العلماء يقولون بظنية ثبوت أحاديث الآحاد خلافا لابن الصلاح الذي اتبعه أحمد شاكر الذي تأثر به كثير من السلفيين، وقد رد الإمام النووي على ابن الصلاح فقال في شرح صحيح مسلم (1/19) (وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون فإنهم قالوا أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه و سلم)، كما ذهب ابن عبد البر أيضا في التمهيد (1/7) إلى أن جمهور العلماء على أن وجوب العمل بأحاديث الآحاد لا يعني العلم بقطعية ثبوتها.
كما أدركت قصورا في تقدير مكانة العقل وفي قياس الظني على القطعي ومراعاة مقاصد الشرع ومناط تطبيق الأحكام لتقدير الآثار والمفاسد المترتبة على الحكم، وكل هذا من لوازم الاجتهاد أو نقل اجتهادات العلماء لتطبيقها في واقع مختلف.
قال ياسر برهامي في مجموعة شرح كتاب منة الرحمن (مفرغة) الجزء الثاني: (قضية تقديم النقل على العقل من أهم مسائل الاتباع ومن قواعد أهل السنة والجماعة) ثم يسأل: هل يمكن أن يأتي الحديث بما يخالف العقل؟ ويجيب (العقل الصحيح هو عقل أهل الإيمان لأنهم هم الذين يعقلون، قال الله تعالى "إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" أي أصحاب العقول، وقد وصف الله عز وجل الكفرة والظلمة بأنهم لا يعقلون فنحن إنما نقصد تقديم النقل الصحيح على العقل الفاسد المخطئ الذي ليس له ضابط ... ونحن أصلاً لا نجوز حصول تعارض بين العقل الصحيح وبين النقل الصحيح ولكن يتوهم شيء من ذلك وعند التوهم يكفينا تقديم النقل الصحيح ونعرف فساد العقل بوجود النقل) انتهى كلامه
وقوله إنه يقصد عقول الكفرة والظلمة لأنها فاسدة فيه مغالطتان: الأولى أن المخاطب هو المؤمن فكيف يطلب منه تقديم النقل على عقل الكافر، لاشك أنه سيقدمه على عقله هو حين يتوهم تعارضا، الثانية أن وصف الله الكافرين بأنهم لا يعقلون يعني أنهم لم يعملوها في الاستدلال على الحق، ولا يعني أنها فاسدة في ذاتها، فلو أنها فاسدة ما طلب الله منهم أن يعقلوا. وقوله (وعند التوهم يكفينا تقديم النقل الصحيح ونعرف فساد العقل بوجود النقل) عليه ملاحظتان، الأولى: أن الانقياد لأمر من الله لا ندرك حكمته لا نستدل به على فساد العقل، فعندما استسلم سيدنا إبراهيم لأمر الله بذبح ولده لم يستدل بذلك على فساد عقله، بل هي حقيقة الإسلام، ولما قبل عمر الحجر الأسود قال كما في صحيح البخاري "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" فلم يتهم عقله بالفساد، بل أكد على أنه حجر لا يضر ولا ينفع. الثانية: أنه إذا ترتب على الانقياد للأمر مفسدة أو منكر في الشرع أو العقل كذبح سيدنا إبراهيم لولده، فإنه يشترط اليقين وقطعية ثبوت الأمر لأن الله لا يأمر بالفحشاء فوجب الحذر، وقد أسلم إبراهيم عليه السلام للأمر لأن رؤيا الأنبياء حق.
إن تأصيل (تقديم النقل على العقل) والقول بفساد العقل له آثار نفسية خطيرة مررتُ بها، فهو يوحي بأن النقل قد يتعارض مع العقل، وأن على المسلم إن توهم تعارضا أن يلغي عقله، فيشعر المسلم أنه أكثر تعبدا كلما ألغى عقله أمام نقل غير معقول، وهذا طريق ضلالة، فعلى من وجد في الأحاديث ما يخالف العقل أو يسبب مفسدة أن يسأل العلماء، وإن كان طالب علم عليه أن يبحث في الأدلة هل هي قطعية الثبوت والدلالة أم لا، ثم ينظر في الأدلة المعارضة وفي القرائن التي قد تخصص عموم الدليل أو تقيد مطلقه، ويبحث في العلل أو المفاسد التي قد تترتب عليه فترده إن كان ظني الثبوت أو تؤوله إن كان ظني الدلالة.
إن الجمع بين القول بقطعية ثبوت أحاديث الآحاد مع القول بإلغاء العقل أمام النقل أدى إلى جمود وغلو أدخل في الحق ما ليس منه كما فعل أهل الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع"، وقدحدث غلو من أهل الكتاب، فقال تعالى "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ" سورة المائدة77، حدث غلو من اليهود في أحبارهم وهم العلماء ومن النصارى في رهبانهم وهم العباد "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ" التوبة31، وضابط الغلو في العلماء تقديم أقوالهم على الأدلة الشرعية والتمسك بها بعد وضوح بطلانها،وضابط الغلو في الصالحين أن نعتقد فيهم صفات استأثر الله بها بنص القرآن، أو نتوجه إليهم بعبادات هي حق لله وحده.
إن أخطاء المنهج تبدو جلية عند تمسك البعض بحرفية المنهج فندرك خللا يتجاوزه الحكماء. عالم جليل أخذ حديث أمر سهلة بإرضاع سالم وهو كبير على ظاهره وهذا هو الأصل، ثم أخذ رأي أم المؤمنين بجواز إرضاع الكبير على أنه ثابت ومعتبر وإن خالف الجمهور، ثم أخذ ثمرة الخلاف وأجاز للمرأة التي تضطر للخلوة برجل أن ترضعه، فيلتقم ثديها ويرضع خمس رضعات ليصير ابنا لها. إنه نموذج صارخ لخطر تقديم النقل على العقل واعتقاد قطعية ثبوت أحاديث الآحاد، كيف يرضع الرجل؟ هل يجلس على حجرها أم ينام بجوارها؟ وما حكم الرضاع قبل أن يكمل الخمسة ويصير ابنا لها؟ هل يرضع ثم يغض بصره وينصرف؟ لقد آن لنا أن نكون صرحاء لعلاج الغلو وإصابة الحق لجمع شمل الأمة، فمثل هذه الأخطاء إن حدثت في أمر من أمور السياسة قد تدمر الدولة.
سأعطي مثالا للغلو في العقيدة صنع فجوة بين السلفيين والأزهر يستغله أمن الدولة لتخويف كل فريق من الآخر فنظل في حرب باردة تعوق وحدتنا، فوحدة العقيدة أصل تآلف الأمة، وليس هناك عقيدة للخلف وأخرى للسلف، فلن يصلح خلف ولا سلف إلا بالاقتداء بمن أثنى الله عليهم وعلى من اتبعهم "وَالسَّابِقُون الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" التوبة100.
صفات الله توقيفية فما ذكره الله مجردا ذكرناه مجردا، وما ذكره الله متعلقا بغيره ذكرناه كما جاء، فهناك صفات إن ذكرت مجردة توحي بأن لله جوارح، سمعها الصحابة فأمروها كما جاءت ولم يسألوا هل هي على الحقيقة أم المجاز، إلا أن بعض العلماء حاول معرفة كيف فهموها، فاختلفوا بين قائل فهموها على ظاهرها، وقائل بأنهم فهموها على المجاز لأنه من لغة العرب، وعقيدة السلف إمرارها كما أمروها فلا نسأل عنها ولا نفسرها، فنقول إن الله خلق آدم بيديه، ونفخ فيه من روحه، لا نزيد ولا ننقص، فالله تعالى لا تحيط به العقول والأفهام "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" الشورى11، وفي قوله تعالى "وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" الزمر67، يقول ابن كثير (وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف) وقال نفس الكلام في آية الأعراف 54 "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ". فوجب إمرارها بلا تفسير كما أمرها خير القرون وأعلمهم بربهم، فلن نسبقهم إلى علم أو خير.
قال الإمام الشوكاني في رسالة "التحف في مذاهب السلف" (وسبب اختلافهم عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله) وقال (كانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه)
إن الخروج في الإثبات عن النص القرآني تحريف، وعقيدة السلف إثبات بلا تحريف، فتبديل حرف يغير المعنى، فإن قلنا (ما بالدار إلا زيد) يختلف عن قولنا (ما زيد إلا بالدار) وقولنا خلق الله آدم بيديه ونفخ فيه من روحه يختلف عن قولنا إن لله يدين وروحا، فهذا الأخير تحريف يوحي بأنها يد وروح حقيقية بالمعاني التي نعرفها، وإن قلنا كل شيء بيد الله أو بيده الملك شعرنا بعظمة الله وكبريائه، أما إن قلنا إن لله يدا شعرنا أنها جارحة، وقد أخذ الله علينا الميثاق ألا نقول على الله إلا الحق. لذا نجد المثبتين الأوائل للصفات لم يخرجوا عن النص، قال الإمام البخاري (باب قول الله تعالى "لما خلقت بيدي"، وباب "كل شيء هالك إلا وجهه" ولم يقل باب إثبات أن لله يدين أو إثبات أن لله وجها. وابن جرير الطبري يفسر قوله تعالى "لما خلقت بيدي" فيقول (لخلق يدي، يخبر –تعالى ذكره- بذلك أنه خلق آدم بيديه). فعبر بالنص القرآني ولم يقل يجب أن نثبت لله يدين حقيقيتين، وفي رسالة "أصول السنة" لأبي بكر الحميدي: 6- إثبات الصفات: (وما نطق به القرآن والحديث مثل "وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم" المائدة64 ومثل "والسموات مطويات بيمينه" الزمر67 وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره، نقف على ما وقف عليه القرآن والسنة ونقول "الرحمن على العرش استوى" طه5 ومن زعم غير هذا فهو معطل جهمي)
بعض من ذكر اليد مجردة من السلف ذكرها بحياء ولم ينتبه ولم يقصدها على الحقيقة، فالخطيب البغدادي في رسالة الصفات خرج عن النص فقال (فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه .. ولا نقول إنها جوارح وأدوات الفعل) وقال (وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف) وكلمة حققها أي أثبتها على الحقيقة فهو يثبت اللفظ القرآني ويحذر من إثباته على الحقيقة أو ظن أنه جارحة وأداة للفعل، ولكن الأولى عدم الخروج على النص بما يوحي بأنه على الحقيقة ثم ننفي كونه على الحقيقة، وحتى ابن تيمية في العقيدة الواسطية وابن باز رغم تأثرهما بأبي يعلى فعند بلورة العقيدة أثبتا الصفات متعلقة بغيرها كما جاءت ولم يثبتاها مجردة.
في كتاب "أصول الدين عند الأئمة الأربعة واحدة" للدكتور ناصر القفاري أستاذ العقيدة بجامعة القصيم، يقول ص12 (من أتباع الأئمة من خاض في الكلام ورأى أن ما جاء به هو من أصول الدين وربما نسب ذلك لإمامه توهما منه وجهلا) وقال ص13 (ومن قرأ الكتاب المطبوع المسمى بالفقه الأكبر والمنسوب للشافعي جزم بأن الإمام لم يصنفه، كيف وطريقة أهل الكلام هي لحمة الكتاب وسداه مع أن الإمام الشافعي حذر من الكلام وأهله) كذلك أورد جملا من اعتقاد الإمام مالك ص91 منها: "والكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا يجب الكلام إلا فيما تحته عمل" جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص415، ومنها "إياكم والبدع وأهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون" عقيدة السلف للصابوني54.
أما تحريف عقيدة الأئمة فما جاء عن الإمام أبي حنيفة من إثبات اليدين والوجه جاء في كتاب الفقه الأكبر: وقال المحققون ومنهم محمد الخميس وسفر الحوالي على موقعه إننا لا نستطيع إسناد كل ما في الكتاب إلى الإمام أبي حنيفة وإن كان للكتاب أصل عنه. وقال سفر الحوالي (وأكثر المحققين على أن الكتاب كتبه أبو مطيع البلخي وقال إنه من إملاءات الإمام) فماذا قال العلماء في أبي مطيع: قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (2 / 335): (قال أبو حاتم الرازي: كان مرجئا كذابا) وقال ابن الجوزي ـ بعد حديث في أنّ الإيمان يزيد وينقص: «هذا حديث موضوع بلا شك، وهو من وضع أبي مطيع، واسمه الحكم بن عبد الله، قال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه شيء» (الموضوعات 1: 130)، فكيف نأخذ عقيدة الإمام أبي حنيفة من وضاع للحديث ونترك ما هو موثق، فقد جاء في كتاب "أصول الدين عند الأئمة الأربعة واحدة" (ص79) أن أوثق نص في اعتقاد الإمام أبي حنيفة نص الإمام الطحاوي في رسالة تسمى "العقيدة الطحاوية" أو "بيان السنة" ثم ذكر نص النسخة الموثقة وليس فيها إثبات صفة اليدين أو غيرها بل فيها تنزيه الله عن الأعضاء (تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء)
وما جاء عن الإمام الشافعي بقوله (وأن له يدين..) جاء من رواية أبي طالب العشاري، وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته في لسان الميزان: (محمد بن علي بن الفتح أبو طالب العشاري شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي...إلى أن قال: والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل)
أما عقيدة الإمام أحمد فقال الدكتور ناصر ص98 إن أهم مصدر جمع اعتقاده هو الإمام الخلال ولاسيما في كتابه "السنة" قال ابن تيمية "أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال هو الذي جمع نصوص أحمد في أصول الدين" (الفتاوى 12/325) وفيها لم يتكلم الإمام أحمد في الصفات بطريقة المتكلمين، بل جاء فيها نفي التركيب والصورة فقال (لَا يجوز أَن يُسمى جسما وَأنكر على من يَقُول بالجسم وَقَالَ إِن الْأَسْمَاء مَأْخُوذَة بالشريعة واللغة وَأهل اللُّغَة وضعُوا هَذَا الاسم على كل ذِي طول وَعرض وسمك وتركيب وَصُورَة وتأليف وَالله تَعَالَى خَارج عَن ذَلِك كُله فَلم يجز أَن يُسمى جسما لِخُرُوجِهِ عَن معنى الجسمية وَلم يجِئ فِي الشَّرِيعَة ذَلِك فَبَطل)
أما الذي شوه عقيدة الإمام أحمد فهو القاضي أبو يعلى فجعل إمرار آيات الصفات على ظاهرها إثبات الصفات على ظاهرها، وزعم أن سكوت الصحابة يدل على فهمها على ظاهرها فقال في إبطال التأويلات (2/71) (ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه، يعني: على زعم من قال إن ظاهرها تشبيه) وقال في "إبطال التأويلات" (1/43): (والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)
إن الصواب الذي يمتص فتنة الخلاف بين الأزهر والسلفيين هو إمرار آيات الصفات على ظاهرها كما أمرها خير القرون وأعلمهم بربهم والسكوت كما سكتوا فلن نسبقهم إلى علم أو خير، وهذه عقيدة السلف.