مقالات متنوعة عن شهر شعبان...
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان
    د. جمال المراكبي


    الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وبعد:
    شهر شعبان من الأشهُر القليلة التي يهتمُّ بها المسلمون، فكان سلفنا الصَّالح يهتمُّون بصوْمِه اقتداءً برسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ثمَّ درَج الخلف على الاهتِمام ببدع ما أنزل الله بها من سلطان، خاصَّة في ليلة النِّصْف من شعبان، ونحن نعرض لهذه السنن نرغِّب فيها، ولهذه البدع نحذِّر منها.فائدة: سمِّي شعبان بهذا الاسم لأنَّهم كانوا يتشعَّبون في الغارات بعد أن يَخرج شهر رجب الحرام، أو لتشعُّبهم في طلب الماء، والأوَّل أوْلى وأرْجح.

    1- صوم شعبان:
    كان النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يَحتفي بشعبان ويصوم فيه أكثرَ من غيره من الشُّهور، حتَّى يُقال: لا يفطر؛ كما في حديث عائشة عند البخاري ومسلم: "كان رسول اللَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يصومُ حتَّى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيتُ رسولَ اللَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - استكمل صيام شهر إلاَّ رمضان، وما رأيتُه أكثر صيامًا منْه في شعبان".وعن عائشة أيضًا - رضي الله عنها - قالت: لَم يكُن النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يصومُ شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصومُ شعبان كلَّه، وكان يقول: ((خذوا من العمل ما تطيقون فإنَّ الله لا يمَلُّ حتَّى تملُّوا))، وأحب الصَّلاة إلى النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما دُووِم عليه وإن قلَّت، وكان إذا صلَّى صلاة داوم عليها؛ متَّفق عليه.وفي رواية لمسلم: "كان لا يصوم من السَّنة شهرًا تامًّا إلاَّ شعبان يصِلُه برمضان".قال بعض أهل العلم: إمَّا أن يُحمَل قولُ عائشة في صيام شعبان كلّه على المبالغة، والمراد أنَّه كان يصوم الأكثر، وإمَّا أن يجمع بين النُّصوص على أنَّ قولَها الثَّاني متأخِّر عن قولِها الأوَّل، فأخبرت عن أوَّل أمْرِه أنَّه كان يصوم أكثَر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخِر أمره أنَّه كان يصومه كلَّه، وقيل: المراد أنَّه كان يصوم من أوَّله تارة، ومن آخِره أخرى، ومن أثنائِه طورًا فلا يُخلي شيئًا منه من صيام، ولا يخصُّ بعضَه بصيام دون بعض.ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنَّه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشَّهر أن يقول: صام الشهر كلَّه، ويقال: فلان قام ليلته أجْمع، ولعلَّه قد تعشَّى واشتغل ببعض أمره.

    2- صوم سرر شعبان:
    السرر: هي الأيَّام الأواخِر من الشَّهر، سمِّيت بذلك لاستِسْرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسْع وعشرين، وثلاثين.وقيل: سرَر الشَّهر أوله، وقيل: وسط الشَّهر لأنَّ السرر جمع سرة، وسرَّة الشيء أوسطه، ويؤيِّده الندب إلى صيام البيض وهي وسط الشَّهر، ولأنه لم يرِد في صيام آخر الشَّهر ندب، بل ورد فيه نَهي خاص، وهو صيام آخر شعْبان لمن صامه لأجل رمضان.وفي الصَّحيحين: عن عمران بن حصين عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أنَّه سأله فقال: ((هل صُمْتَ من سرر هذا الشَّهر شيئًا؟))؛ يعني شعبان، فقال: لا، قال: ((فإذا أفطرت فصُم يومين))؛ اللَّفظ لمسلم.

    ويتبيَّن من جَمع روايات هذا الحديث أنَّ السُّؤال وقع في رمضان
    ، والمسؤول عنه سرر شعبان؛ ولهذا قال في آخِره: ((فإذا أفطرت))، يعني من رمضان، ((فصم يومين)) عوضًا عن سرر شعبان.

    3- النهي عن تقدُّم رمضان بصوم يومٍ أو يومَين:
    عن أبي هُرَيْرة - رضِي الله عنه - عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومَين، إلاَّ أن يكونَ رجُلٌ كان يصوم صوْمَه فليصم ذلك اليوم))؛ رواه البخاري.قال العلماء: معنى الحديث: لا تستقْبلوا رمضان بصيام على نيَّة الاحتِياط لرمضان.وقال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجَّل الرَّجُل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، ومثل هذا حديث عمَّار بن ياسر في صيام يوم الشَّكِّ ولفظه: "مَن صام اليوم الذي يشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم - صلَّى الله عليه وسلَّم"، وكذلك الحديث الَّذي أخرجه أصحاب السُّنن وصحَّحه ابن حبَّان وغيرُه عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)).

    وقد قال بعض الشَّافعية
    : يحرم تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين، ويُكْرَه التقدم من نِصْف شعبان للحديث الآخر، وجُمهور العلماء يجوِّزون الصوم تطوُّعًا بعد نصف شعبان ويضعِّفون الحديث.

    4- الحكمة من صيام شعبان:
    ولكن ما الحكمة في إكْثار النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من صوْم شعبان؟
    قيل: كان ينشغل عن صوْم الأيام الثَّلاثة من كلِّ شهرٍ لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان، وقد رُوِي في ذلك حديث ضعيف.وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، ورُوي في ذلك حديث ضعيف أيضًا، وقيل: كان يُكْثِر من الصَّوم في شعبان لما يفوتُه من التطوُّع في رمضان، فصيام رمضان فريضة، والنَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ما كان يُخلي شهرًا من الشُّهور من صيام تطوُّع، إلاَّ رمضان فلا تطوُّع فيه، فكان يكثِر من صوم شعبان لما يفوته من التطوُّع في رمضان.وأصحُّ ما قيل في ذلك أنَّه شهر يغفل عنْه النَّاس بين رجب ورمضان؛ كما في حديث النَّسائي وأبي داود وابن خُزيمة عن أسامة بن زيد، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، لَم أرَكَ تصومُ من شهْرٍ من الشُّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ((ذلك شهرٌ يغفل النَّاس عنْه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم)).

    5- قضاء صوم رمضان في شعبان:
    يَجوز تأخير القضاء لِمن أفطر في رمضان لعُذر إلى شعبان، ويحرُم تأخير القَضاء بعد ذلك لغير عذْر شرعي.وقد كان نساء النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يؤخِّرْن صيام الأيَّام التي يُفْطِرْنَها من رمضان حتَّى يَجيء شعبان، فيقْضينها فيه؛ وذلك لحاجة رسول اللَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ففي الصَّحيحيْن من حديث عائشةَ - رضِي الله عنْها - قالت: "كان يكون عليَّ الصَّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضِيَه إلاَّ في شعبان".وقد كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يكثر الصَّوم في شعبان؛ فلذلِك كان لا يتهيَّأ لها القضاء إلاَّ في شعبان لتصوم معَه - صلَّى الله عليه وسلَّم.ليلة النصف من شعبان:ورد في فضْل هذه اللَّيلة - وهي اللَّيلة الخامسةَ عشرة من شعبان - أحاديثُ رواها أصحاب السنن، كالترمذي وابن ماجه وأحمد، وهي أحاديث ضعاف باتِّفاق أهل العلم، وقد قوَّى بعضُهم بعض هذه الأحاديث بشواهدها.

    روى الترمذي عن عائشة قالت: فقدتُ رسول اللَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليلة فخرجت، فإذا هو بالبقيع، فقال: ((أكنت تَخافين أن يَحيف الله عليك ورسوله؟)) قلت: يا رسول الله، إني ظننتُ أنَّك أتيت بعض نسائك، فقال: ((إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - ينزل ليلة النِّصف من شعبان إلى السَّماء الدنيا، فيغفر لأكثرَ من عدد شعر غنم كلب)).

    قال أبو عيسى
    : حديث عائشة لا نعرِفُه إلاَّ من هذا الوجْه من حديث الحجَّاج بن أرطاة.
    وسمعت محمَّدًا - يعْني البخاريَّ - يضعِّف هذا الحديث، وقال: يَحيى بن أبي كثير لَم يسمع من عروة، والحجَّاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى.

    قال المباركفوري
    : ورد في ليلة النِّصْف من شعبان عدَّة أحاديث، مجموعها يدلُّ على أنَّ لها أصلاً، وساق معظم هذه الأحاديث، وحكم عليْها ما بين منقطع ومرسل، وضعيف ولين.

    وممَّن حسَّن هذه الأحاديث بشواهدها الألباني - رحِمه الله - حيث علَّق على حديث ابن ماجه: ((إنَّ الله تعالى ينزل ليلة النِّصْف من شعبان إلى السَّماء الدنيا فيغفِر لجميع خلْقِه إلاَّ لمشرِك أو مشاحن))، فقال: حسن.
    وعلى فرض صحَّة هذه الأحاديث، فليس فيها سوى أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - ينزل إلى السَّماء الدنيا، فيغفر لعددٍ كبير من خلْقِه عدا المشْرِك والمشاحِن.

    والعجيب أنَّ أهل البدع يتعلَّقون بمثل هذه الأحاديث فيؤصِّلون بِدَعهم،
    كإحْداث تخصيص صيام يوم النِّصف من شعبان وقيام ليلته، وينسَون أنَّ التنزُّل الإلهي إلى السَّماء الدنيا يكون في كلِّ ليلة؛ كما في الحديث الصحيح: ((ينزل ربنا إلى السَّماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: هل من مستغفِرٍ فأغفر له؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ إلى أن يطلع الفجر)).

    فهلاَّ تمسَّكوا بهدْي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في قيام الليل، والحرْص على وقت السَّحَر ليتعرَّضوا لهذه البركات.

    بدع الشيعة في ليلة النصف:
    في موقع للشِّيعة على شبكة الإنترنت ذكروا:
    1- في هذه الليلة تكون زيارة سيدنا أبي عبدالله الحسين - عليه السلام - فقد روي عن الصَّادقين - عليهم السلام - أنَّهم قالوا: إذا كانت ليلة النصف من شعبان نادى منادٍ من الأفق الأعلى: زائري قبر الحسين بن علي مغفور لكم، ثوابُكم على ربكم ومحمد نبيكم.ومن لم يستطع زيارة الحسين بن علي - عليهما السلام - في هذه الليلة، فليَزُر غيرَه من الأئمَّة - عليهم السلام - فإن لم يتمكَّن من ذلك أومأ إليْهم بالسلام، وأحياها بالصَّلاة والدعاء.

    وقد روي أنَّ أمير المؤمنين - عليه السلام - كان لا ينام في السَّنة ثلاث ليال:
    ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ويقول: إنَّها الليلة التي تُرْجَى أن تكون ليلة القدْر، وليلة الفطر ويقول: في هذه الليلة يُعْطَى الأجير أجرَه، وليلة النصف من شعبان، ويقول: في هذه اللَّيلة يفرق كلُّ أمر حكيم.
    وقد رُوِي عن الصَّادق جعفر بن محمد - عليهما السلام - أنَّه قال: إذا كان ليلة النِّصف من شعبان أذِن الله تعالى للملائكة بالنزول من السَّماء إلى الأرض، وفتح فيها أبواب الجنان وأجيب فيها الدعاء، فليصلِّ العبد فيها أرْبَع ركَعات يقرأ في ركعة فاتحةَ الكتاب مرَّة، وسورة الإخلاص مائةَ مرَّة، فإذا فرغ منها بسطَ يديْه للدُّعاء، وقال في دعائه: اللَّهُمَّ إني إليك فقير، وبك عائذ، ومنك خائف، وبك مستجير، ربِّ لا تبدل اسمي، ولا تغيِّر جسمي، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ برحمتك من عذابك، إنَّك كما أثنيت على نفسك، وفوق ما يقول القائلون، صلِّ على محمَّد وآل محمَّد، وافعل بي كذا وكذا، ويسأل حوائجَه، فإنَّ الله تعالى جواد كريم.وروي أنَّه مَن صلَّى هذه الصَّلاة ليلةَ النِّصْف من شعبان غَفر الله له ذنوبَه، وقضى حوائجَه، وأعطاه سؤْلَه.

    وهذه البِدَع الَّتي يروِّج لها الشيعة ولا أصل لها يُروِّج لها المتصوفة
    ، فقد زعموا أنَّ الليلة التي يُفْرَق فيها كلُّ أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان، والحقُّ الذي لا مراء فيه أنَّها ليلة القدر التي أنزلَ الله فيها القرآن بالنَّصِّ القاطع؛ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4].

    حديث صلاة مائة ركْعة بالإخلاص عشْر مرَّات في كل ركعة، في ليلة النصف من شعبان - موضوع، كما ذكر القاري ونقَله صاحب التحفة المباركفوري.

    وممَّا أُحْدِث في ليلة النصف من شعبان: الصَّلاة الألفيَّة، مائة ركعة بالإخلاص، عشرًا عشرًا بالجماعة، واهتمّوا بها أكثر من الجمع والأعياد، ولم يأْتِ بها خبرٌ ولا أثر إلاَّ ضعيف أو موضوع، ولا تغترّ بذِكْر صاحب القوت والإحياء وغيرهما.

    وأوَّل حدوث لهذه الصَّلاة ببيت المقدس سنة 448هـ
    ، وقد جعلها جهلة أئمَّة المساجد مع صلاة الرَّغائب شبكة لجمع العوام، ثمَّ إنَّه أقام الله أئمَّة الهدى في سعي إبْطالها فتلاشى أمرها وتكامل إبطالها في البلاد المصريَّة والشاميَّة في أوائل سني المائة الثَّامنة، وكذلك قام مشايِخُنا في جماعة أنصار السنَّة المحمدية بإنكار هذه البدع والتَّحذير منها.
    وقيل: أوَّل حدوث الوقيد - إيقاد السرج والنيران - من البرامكة وكانوا عبدة النَّار، فلمَّا أسْلموا أدخلوا في الإسلام ما يُمَوِّهون أنَّه من سنن الدين ومقصودهم عبادة النيران.ومن يُطالع مجلَّة التوحيد منذ نشأتها، وقبلها مجلَّة الهدي النبوي لسان حال جماعة أنصار السنَّة المحمديَّة - يجد المقالات العديدة التي تحذِّر النَّاس من البدع عامَّة، وهذه البدع بوجه خاصّ، ولا أريد أن أخصَّ شيخًا بعيْنِه، فكلُّهم قاموا ناصرين للسنَّة قامعين للبدعة، رحِمهم الله رحْمة واسعة.

    والحمد لله ربّ العالمين.
    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb رد: مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

    شهر شعبان والحذر من الغفلة
    أ. رضا جمال

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
    وبعد:
    فقد ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 1 - 3].

    وتزداد الغفلةُ ويزداد الإعراض عن الله وآياته - ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله! ونحن مقبِلون على شهر يغفُل عنه الناس، وكان الأَوْلى بهم اليَقَظة والتذكُّر والرجوع إلى الرحيم الرحمن - إنَّه شهر شعبان الذي يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، الذي خصَّه الله - عزَّ وجلَّ - بفضيلة رفْع أعمال العِباد فيه؛ ولأجْل هذه الفضيلة كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يخصُّه بالصِّيام أكثرَ مِن غيره ما خلاَ رمضان؛ فعن أُسامة بن زيد - رضي الله عنهما - قال: قلت: يا رسولَ الله، لم أرَك تصوم شهرًا مِن الشُّهور ما تصومُ مِن شعبان؟! قال: ((ذلك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عمِلي وأنا صائِم))؛ مسند أحمد وسُنن النَّسائي، وحسَّنه الألباني.

    وفي الصحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - استكملَ صِيامَ شهر قطُّ إلاَّ رَمَضان، وَما رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ مِنه صِيَامًا في شَعْبَان"؛ متفق عليه.

    فمع الصِّيام يتأكَّد استحبابُ العبادات في هذا الشَّهْر الكريم، والإكثارُ مِن الصدقة وتِلاوة القرآن؛ فقدْ كان عمرو بن قيس الملائي - رحمه الله تعالى - إذا دخَل شهر شعبان أغْلَق حانوته (دكَّانه/ متجرَه)، وتفرَّغ لقِراءة القرآن في شعبان ورمضان، وكان الحسنُ بن شُهَيل - رحمه الله تعالى - يُكثر فيهما مِن قراءة القرآن، ويقول: "ربِّ جعلتني بين شهرين عظيمين".

    وإذا كان ترْك المحرماتِ واجبًا في كلِّ وقت، فترْكُ المحرَّمات واجبٌ مؤكَّد أكثرَ في هذا الشَّهْر أشد مِن غيرِه؛ فكما أنَّ الحسناتِ تُضاعَف في الأوقات والأماكن، فإنَّ السيِّئات تُضاعَف فيها أيضًا، فعَلَى العبدِ المسلِم أن يبادرَ إلى ترْك المحرَّمات في هذا الشَّهر؛ فإنَّ الأعمالَ تُرفَع فيه، ولعلَّه يُوافيه أجلُه، ويكون عمله فيه آخِرَ أعماله المرفوعة، فيُختَم له بالحُسْنى إن أحْسَن، وبالسُّوء إنْ أساء - عافانا الله وجميع المسلمين مِن خاتمة السوء.

    والعبادة في الهَرْج وكثرة غفلةِ الناس عن طاعةِ ربِّ الناس كهجرةٍ مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي دليلٌ على قوَّة إيمان العبد، بل على العبد أن يزداد تمسُّكًا كلما رأى تفريطَ الناس لا العكس - كما هو مشاهَد؛ يقول الحافظ ابنُ رجب الحنبلي - رحمه الله - شارحًا قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنه)): "فيه دليلٌ على استحباب عِمارة أوقاتِ غفْلة الناس بالطاعة، وأنَّ ذلك محبوبٌ عندَ الله - عزَّ وجلَّ.

    وفي إحياء الوقتِ المغفول عنه بالطاعة فوائد:
    منها: أنَّه يكون أخْفى، وإخفاء النوافِل وإسرارها أفضل.

    ومنها:
    أنَّه أشقُّ على النفوس، وأفضلُ الأعمال أشقُّها على النفوس؛ وسببُ ذلك أنَّ النفوس تتأسَّى بما تشاهده مِن أحوال أبناء الجِنس، فإذا كثُرتْ يقظةُ الناس وطاعاتهم كثُر أهلُ الطاعة، لكثرةِ المقتدين بهم، فسهُلت الطاعَة، وإذا كثرتِ الغفلات وأهلها تأسَّى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم، لقلَّة مَن يقتدون بهم فيها.

    ومنها:
    أنَّ المنفرد بالطاعة بيْن أهل المعاصي والغفْلة قد يُدْفَعُ به البلاءُ عن الناس كلِّهم، فكأنه يَحميهم ويدافع عنهم".

    فقد:
    مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحْسَنْتَ فِيهِ ***وَهَذَا شَهْرُ شَعْبَانَ المُبَارَكْ
    فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الأَوْقَاتَ جَهْلاً ***بِحُرْمَتِهَا أَفِقْ وَاحْذَرْ بَوارَكْ
    فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَسْرًا ****وَيُخْلِي المَوْتُ كُرْهًا مِنْكَ دَارَكْ
    تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطَايَا ****بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ مَدَارَكْ
    عَلَى طَلَبِ السَّلاَمَةِ مِنْ جَحِيمٍ ****فَخَيْرُ ذَوِي الجَرَائِمِ مَنْ تَدَارَكْ
    وعليه فاحذر - يا عبد الله - الغفلةَ عمومًا، وفي هذا الشهر خصوصًا:
    باستحضار جلال الله تعالى، وعظمته وكبرائه، وعظم حقه علينا؛ ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [نوح: 13]!

    ومعرفة فضل التذكر والحياة، وضرر الغفلة والموت؛ فالطاعة حياة وذكر، والمعصية غفلة وموت؛ ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام: 122]؟! فـ:

    لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ***إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
    واستحضار حديثِ المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((العِبَادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))[1]، وما ذكَره الإمام ابنُ رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى - في فضل العبادة والتذكُّر في وقت غفْلة الناس، وقُلْ لنفسك: كلما ازداد الناس غفلةً وبُعدًا، ازددتُ أنا بتوفيق الله تذكُّرًا وقربًا!

    أيضًا استشعار قِصر الأمَل، وأنَّك قد لا تدرك (شعبان) آخَرَ، فكم من أناس عايشنَاهم في شعبان الماضي هم الآن تحتَ التراب والثَّرَى! والله أعلم بحالِهم؛ أيُنعَّمون بتذكُّرهم وعباداتهم وطاعاتهم لله تعالى، أم يُعذَّبون بغفلتهم وعِصيانهم له - جلَّ جلاله وتقدَّستْ أسماؤه.

    قد يحول الله - سبحانه عزَّ وجلَّ - بيْنك وبيْن قلبك؛ فلا تستطيع أن تطيعَه أو تتذكر، فتتوه في الغَفْلة والعَمَهِ ناسيًا ربَّك، بَلْهَ نفسَك!﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 24 - 25].﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [التوبة: 67]! فتدارك واستجب، وتذكَّر واحذرِ الغفلةَ، قبل أن يُحالَ بيْنك وبين قلبِك، وقبل أن تُنْسَى ممَّن لا يغفل ولا ينام!

    اصحبِ الصَّالحين اليقظين المتذكِّرين، وكُن في كنَفِهم؛ فإنَّ الصاحب ساحِب، والمرءُ على دِين خليلِه، والمرءُ بقَرينه، وكلُّ قرين بالمقارَن يَقتدي؛ وخير صاحِب: هو الذي إذا غفلتَ ونسيتَ ذكَّرَك، وإذا ذكَرْتَ أعانك وسدَّدك!وكلُّ صاحِب لك بعدَ هؤلاء هو لك عدوٌّ؛ ﴿ الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67].

    فتيقَّظْ، وأيقِظْ قلبك، وكل مَن تستطيع إيقاظه، وقُمْ مِن رقدةِ الغفلة، وتِيه السَّكْرَة؛ فإنَّ اليقظة أوَّل منازل العابدين؛ يقول عنها طبيبُ القلوب شيخنا الإمام ابن القيِّم - رحمه الله تعالى -: "فأوَّل منازل العبودية اليَقظة، وهي انزعاجُ القلْب لروعة الانتباه مِن رقْدَة الغافلين، ولله ما أنفعَ هذه الرَّوْعة، وما أعظمَ قدْرَها وخطرَها، وما أشدَّ إعانتَها على السُّلوك! فمَن أحسَّ بها فقد أحسَّ واللهِ بالفَلاَح، وإلا فهو في سَكَراتِ الغفْلة، فإذا انتبه شمَّر لله بهمَّته إلى السَّفَر إلى منازله الأولى، وأوطانِه التي سُبِي منها.
    فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا****مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
    وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تَرَى****نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ
    فأخَذ في أُهبة السَّفَر، فانتقل إلى منزلةِ العزْم، وهو العقْد الجازِم على المسير، ومفارَقة كلِّ قاطِع ومعوِّق، ومرافقة كلِّ مُعين وموصِّل، وبحسبِ كمالِ انتباهِه ويَقظتِه يكون عزمُه، وبحسبِ قوَّة عزْمه يكون استعدادُه.فإذا استيقظ أوجبتْ له اليقظةُ الفِكرةَ، وهي تحديقُ القلْب نحو المطلوب الذي قد استعدَّ له مجملاً، ولما يَهتدِ إلى تفصيله وطريقِ الوصول إليه.فإذا صحَّتْ فِكرته أوجبتْ له البصيرة، فهي نورٌ في القلب يُبصِر به الوعدَ والوعيد، والجَنَّة والنار، وما أعدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبْصر الناس وقد خرَجوا مِن قُبورهم مهطِعين لدعوةِ الحقّ، وقد نزلتْ ملائكةُ السماوات فأحاطتْ بهم، وقدْ جاءَ الله، وقد نصَب كرسيَّه لفصْل القضاء، وقد نصَب الميزان، وتطايرت الصُّحُف، واجتمعتِ الخصوم، وتعلَّق كلُّ غريم بغريمه، ولاحَ الحوض وأكوابه عن كثب، وكثُر العطاش وقلَّ الوارد، ونُصِب الجسر للعبور، ولزّ الناس إليه، وقسمت الأنوار دون ظُلمته للعبور عليه، والنار يحطِم بعضُها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعافُ أضعاف الناجين.فينفتِح في قلْبه عينٌ يرى بها ذلك، ويقوم بقلْبه شاهدٌ مِن شواهد الآخِرة، يريه الآخرة ودوامها، والدنيا وسرعة انقضائها"[2].

    وصلَّى الله على محمَّد وآله وصحْبه وسلَّم، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.


    [1] رواه مسلم، وعلَّق الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي - رحمه الله تعالى - عليه قائلاً: "المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضْل العبادة فيه أنَّ الناس يغفُلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرَّغ لها إلا الأفراد". فكن أنت مِن الأفراد!
    [2] "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" (1/142 - 143).
    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb رد: مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

    شعبان ينادينا!
    أ. مروة يوسف عاشور

    ما أسرعَ انقضاءَ الأيام!!

    بالأمس القريب ودّعنا شهر رمضان بما كان فيه من تقصير وما صار فيه من تفريط, لكنه مضى ولم يأبه بأنين المذنبين، ولم ينصت لآهات المقصرين..

    وها هي ذي الأيام تدور وينقضي الحول بأكمله ليعود إلينا شهر شعبان مذكرًا ومحذرا، وكأنه ينادي..

    ورائي شهر فضيل..

    ألا فلتتخذوا مني العدة..

    وليتأهب المتأهبون قبل أن تنقضي أيامي على عجالة ويدرككم شهركم..

    ألا قد بلغت .. اللهم فاشهد..

    ما معنى شعبان؟؟
    سُمِّي شَعبان لتشعّب العرب فيه، أي تفرّقهم في طلب المياه[1].

    وقال ثعلب: قال بعضهم: إِنما سُمِّيَ شَعبانُ شَعبانَ لأَنه شَعَبَ أَي ظَهَرَ بين شَهْرَيْ رمضانَ ورَجَب، والجمع شَعْباناتٌ وشَعابِينُ، كرمضانَ ورَمَاضِينَ، وشَعبانُ بَطْنٌ من هَمْدانَ تَشَعَّب منَ اليَمَنِ، إِليهم يُنْسَبُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ رحمه اللّه[2].

    لماذا شعبان؟؟
    عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان"[3].

    وعنها رضي الله عنها قالت: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهْرِ مِن السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِن الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ"[4].

    وعن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ:قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِن الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ"[5].

    فيكفيه فخرًا أنه شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله تعالى!

    فانظروا يا إخوتي ماذا تحبون أن يرفع لكم من أعمالكم في هذا الشهر المبارك!

    وسارعوا إلى التوبة فيه؛ فلعل دمعة حارة تسيل على وجنات تائب يمحو الله بها كل ما كان من ذنوب.

    ويكفيه فخرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن فضله بنفسه لما رأى من تعظيم الناس لشهري رجب ورمضان, وغفلتهم عنه.

    وقد وردت الأدلة على استحباب الطاعة في أوقات تغفل فيها الناس عنها, وتنشغل بالحياة الدنيا، ويكون أيضًا العمل والانشغال بالطاعة في أوقات غفلة الناس أشق على النفس, كالدعاء عند الفطر لمن كان صائمًا، وقد ورد استحباب الدعاء في هذا الوقت وأنه مجاب؛ فالنفس عندما تكون في إقبال على ما حرمت منه ثم تنصرف إلى الله تعالى على شوق منها إليه، تكون أكثر إقبالا على الله، ويحصل لها من التضرع ما لا يحصل في وقت آخر.

    ليلة النصف من شعبان:
    كثرت البدع وأحاطت بنا من كل حدب وصوب, وها هي بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان تطل علينا في كل عام، وقد زاد عليها أهلُ البدع ما زين لهم الشيطان، فصاروا يعظمونها ويمجدونها ويحدثون فيها ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام والله المستعان!

    قال الله جل وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة: 3].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"[6].

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: جماع الدين أمران: أن لا يُعبد إلا الله، وأن يُعبد الله بما شرع.

    وقال الإمام الشيخ ابن باز رحمه الله: الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم.

    وقال الشيخ ابن جبرين رحمه الله: لم يثبت في فضل ليلة النصف من شعبان خبر صحيح مرفوع يعمل بمثله حتى في الفضائل، بل وردت فيها آثار عن بعض التابعين مقطوعة وأحاديث أصحها موضوع أو ضعيف جدًّا، وقد اشتهرت تلك الروايات في كثير من البلاد التي يغمرها الجهل من أنها تكتب فيه الآجال وتنسخ الأعمار… إلخ، وعلى هذا فلا يشرع إحياء تلك الليلة ولا صيام نهارها ولا تخصيصها بعبادة معينة ولا عبرة بكثرة من يفعل ذلك من الجهلة، والله أعلم.

    والأدلة على بدعية الاحتفال بهذه الليلة كثيرة في كتب أهل العلم لا داعي لبسطها هنا, وقد فضلت الاكتفاء بإشارة سريعة إلى ذلك، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الإمام ابن تيمية، وفتاوى أهل العلم, فقد أفاض العلماء في إثبات بدعية الاحتفال بها.

    برنامج خاص بشهر شعبان:
    إذا علم المسلم وذكر نفسه بأن شهر شعبان هو البُشرى له باقتراب حلول شهر رمضان الفضيل، علت همته ونهضت عزيمته ووجد في نفسه من القوة والخفة ما لم يجده في وقت آخر, وكأن شعبان يحفزنا على الاستعداد لشهر رمضان، ويذكرنا بالعبادة واستنهاض الهمم لها..

    فجدير بكل مسلم أن يضع لنفسه برنامجًا لهذا الشهر الذي ترفع فيه الأعمال وينظر فيما قدم في عامه المنصرم.

    وعلى سبيل المثال من الممكن أن يضع المسلم لنفسه برنامجًا فيبادر إلى تطبيقه والعمل به مثل:
    · المسارعة بالتوبة وكثرة ذكر الله أول ما يبدأ به المسلم ويستقبل هذا الشهر، وليعود قلبه ولسانه على ذكر الله تعالى حتى يصير سهلا عليه لا يكاد ينساه إلا قليلا.

    ·
    الإكثار من تلاوة القرآن واتخاذ ورد يومي لا يتأخر عنه، وليكن جزءًا واحدًا من القرآن أو أكثر إن سهل عليه الأمر, ومن الأجدر أن يستعين على تلاوة القرآن ببعض كتب التفسير الموثوقة التي تسهل عليه التلاوة وتُعينه على فهم ما يستشكل من آيات؛ فيستقبل شهر رمضان بحسن تدبر لما سوف يقرأ من آيات.

    ·
    المسارعة إلى الصلح والتسامح مع من كان في خصومة معهم، وليذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا"[7].

    ·
    تعويد النفس الصيام واحتساب الأجر عند الله, وتذكير النفس بما أهملت من عبادات؛ من صدقة، وصلة رحم، وبر، ومساعدة للمحتاجين وتهذيبها بكل ما يتيسر من العبادات والطاعات وفعل الخيرات.

    ·
    قيام الليل والتقرب إلى الله والدعاء بأن يبلغه رمضان, فكم من أُناس حيل بينهم وبين رمضان قبل حلوله بسويعات!

    ·
    محاسبة النفس وتذكيرها بذنوبها وسرعة التوبة منها وعدم التسويف أو التأجيل إلى رمضان.

    نسأل الله تعالى أن يبلغنا وجميع المسلمين شهر رمضان، وأن يعيننا على صيامه وحسن قيامه، وأن يتقبل منا ومن إخواننا في كل مكان, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


    [1] جمهرة اللغة.
    [2] لسان العرب.
    [3] رواه البخاري ومسلم.
    [4] رواه مسلم.
    [5] رواه النسائي.
    [6] رواه البخاري ومسلم.
    [7]رواه مسلم.

    رابط الموضوع
    http://www.alukah.net/Sharia/0/6926
    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb رد: مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

    أحكام تتعلق بشهر شعبان
    أبو بكر بن محمد بن الحنبلي


    الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.

    ثم أما بعد:
    سُمِّي شعبان بهذا الاسم؛ لتشعُّبهم في طلب الماء أو في الغارات، بعد أن يَخرج شهر رجب الحرام، وقيل غير ذلك.العمل الصالح مُرَّغب فيه في كل وقت، وفي شعبان خاصَّةً؛ وذلك لما رواه النسائي بسند حسن عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قال: قلتُ: "يا رسول الله، لم أرَكَ تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟"؛ قال: ((ذلك شهر يَغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين؛ فأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم)).

    تنبيه:
    فإذا قال قائل: كيف أن الأعمال تُرفع إلى الله في شعبان؟
    وقد ثبت في الصحيحين أن الله تعالى يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل؟
    والجواب عن ذلك:
    أن مِن أهل العلم - كالإمام السندي في حاشيته على سنن النسائي - من قال:
    1- أعمال الليل تُرفع إلى الله قبل النهار والعكس، هذا بالنسبة لعمل اليوم.
    2- وأعمال الأسبوع تُرفع إلى الله في يومي الاثنين والخميس، كما ورد في الحديث.
    3- وأعمال السنة ككُلٍّ تُرفع إلى الله تعالى في شعبان، وهذا بتصرُّف.

    فيُفهم مما سبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُكثِر من الصيام في شعبان، وقد وضحتْ ذلك أمُّ المؤمنين عائشةُ - رضي الله عنها - كما ثبَت ذلك في البخاري: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيتُه أكثر صيامًا منه في شعبان"؛ [البخاري رقم (1969)].

    الحِكمة من الإكثار من الصيام في شعبان يعلمها الله - عز وجل - ولعلَّها تكون لحبِّه - صلى الله عليه وسلم - أن يُرفع عمله وهو صائم - كما ورد في الحديث السالف - ولعلَّ ذلك يكون من باب التمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقَّة، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص: 141).

    النهي عن تقدُّم رمضان بصيام على سبيل الاحتياط،
    أما من كان دَيدنه صيام الاثنين والخميس، أو أن يصوم يومًا ويُفطر آخَر، فلا حرج فيه بحمد الله تعالى، كما ذكر ذلك غيرُ واحد من أهل العلم؛ كالحافظ ابن حجر مثلاً، وقد روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم))؛ [البخاري: رقم (1914)].

    أما الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا بقي نصف مِن شعبان، فلا تصوموا))، فقد اختلف أهل العلم في صحة هذا الحديث؛ فمنهم من صحَّحه، ومنهم من ضعَّفه، والذين قالوا بصحة الحديث حملوا النَّهي على من خصَّ النصف الأخير بالصيام، أو على عدم وصْل شعبان برمضان.

    حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان:
    بدعة؛ وذلك لعدم ثبوت هذا الأمر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث عائشة: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)).وقد ذكر الإمام أبو بكر بن العربي المالكي - وليس ابن عربي، فتنبَّه - في شرحه لـ "سنن الترمذي - عارضة الأحوذي" (3: 275): "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُساوي سماعه". اهـ.

    وقد ذكر فضيلة الأخ الحبيب/ حسن بن عبدالدايم في رسالته "فضائل شهر شعبان وأحكامه وما أُحدث فيه من البدع" - وهي الرسالة التي استفدْتُ منها مقالتي هذه - تنبيهًا، قال فيه - حفظه الله تعالى -: تُحتِّم عليَّ الأمانة العلمية أن أنبه أن الشيخ/ ناصر الدين الألباني - حفظه الله - أورد الحديث الآتي وصحَّحه، وهو: ((إن الله يطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمُشرِك أو مُشاحن))؛ [رواه ابن أبي عاصم في كتابه "السنَّة" رقم: (512)].

    لكن قال:
    لا يلزم من ثبوت هذا الحديث اتخاذ هذه الليلة موسمًا يجتمع الناس فيها. اهـ.

    ومن الظاهر الجلي للقارئ أن هذا الحديث ليس فيه قيام ليلها ولا صيام نهارها. (ص:21، 22).

    وختامًا؛
    أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُليا أن يوفِّقنا لصيام معظم شعبان وسائر الأعمال الصالحات التي تُقرِّبنا لرب الأرض والسموات.
    وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    المصدر
    مجلة التوحيد، عدد شعبان 1418 هـ، صفحة 28

    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb رد: مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

    وأطل علينا شعبان بنفحة من نفحات الخير
    عبدالله عبدالرؤوف


    وأطل علينا شعبان بنفحة من نفحات الخير والطاعات فتعرضوا لها... ورد في الأثر قول: ((إِنَّ لِرَبِّكُم في أيَّامِ دهركم لَنَفَحَاتٍ، أَلاَ فَتَعَرَّضُوا لَهَا)).

    وها هي الأيام والشهور تمر بنا ونتعرض لنفحة طيبة من هذه النفحات وليست نفحة واحدة بل نفحات، ففي هذه الأيام نحتفل بقدوم شهر جليل، إنه شهر "شعبان" الذي يهل علينا بالخير والطاعات، شهر يستعد فيه الصالحون ويتسابقون فيه، ويراجع فيه العاصون أنفسهم، ليتوب الله عليهم.

    شهر قال عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يُرفعَ عملي وأنا صائم)).

    سمى الشهر الكريم بهذا الاسم، لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه، وقيل: تشعبهم في الغارات، وقيل: لأنه شَعَب أي ظهر بين شهري رجب ورمضان، ويجمع على شعبانات وشعابين.

    ويرجع السبب لتفضيل هذا الشهر الكريم كما فسره بعض العلماء إلى سببين:
    الأول: وقوع هذا الشهر الكريم بين شهرين عظيمين: شهر الله الحرام "رجب"، وشهر الصيام "رمضان"، ومن ثم يكون كثير من الناس في غفلة عنه، وتكون طاعة الله وقت غفلة الناس أشق على العبد الصالح، فإذا كان الناس في طاعة الله -عز وجل- تيسرت الأعمال الصالحة على العباد، وأما إذا كان الناس في غفلة ومعصية تعسرت الطاعة على المستيقظين، وهذا معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون)).

    ثانياً:
    يرجع تفضيل هذا الشهر العظيم لفضل الصيام فيه وهو ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)).

    ولذا فيجب علينا أن نستثمر هذا الشهر الكريم ونجتهد فيه حتى إذا أظلنا رمضان أصبحنا أكثر اجتهاداً وأكثر قدرة على طاعة الله، فعلينا أن نقتدي بسنة الحبيب المصطفى فيما كان يفعله مع حلول هذا الشهر العظيم. وفى السطور القادمة نستعرض سوياً أكثر ما كان يحرص عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر:
    الصـوم:فقد كان من أكثر الأعمال التي يحرص عليها الرسول الكريم في شهر شعبان، ففي روايةٍ لأبي داود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ أحَبّ الشّهُورِ إلَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- شَعْبَانُ، فكان يكثر الصيام فيه ثُمّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ". [صحَّحَه الألبانيّ، انظر صحيح سنن أبي داود]، ‏وإنَّ من الاقتداء برسولنا -صلى الله عليه وسلم- أن نحب ما أحبه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رسولُ اللهِ يَصُومُ حتى نقول: لا يُفْطِر، ويُفْطِر حتى نقول: لا يَصُوم، وما رأيتُ رسولَ اللهِ استَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ إلاَّ رمضانَ، وما رَأيتُه أكثر صيامًا منه في شعبان" [رواه البخاري ومسلم]، وفي رواية لمسلم: "كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاّ قَلِيلاً"، كان صيامه في شعبان تَطَوَّعًا أكثر من صيامه فيما سواه، وكان يصوم معظم شعبان.

    وترجع فوائد الصيام في شهر شعبان إلى أنَّ صيامه كالتمرين على صيامِ رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرَّن على الصيام واعتاده فيدخل رمضان بقوة ونشاط.

    المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة:
    وقد تعددت الأحاديث التي ذكرت لنا فضل المحافظة على صلاة الجماعة والترهيب من تركها مع القدرة عليها، فعن ابن عمر -رَضيَ اللَّهُ عَنهُ- أن رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِن صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة)) [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ]، والفَذّ: أي المنفرد، يقال: فَذَّ الرجل من أصحابه إذا بَقِيَ منفردًا وحده.

    قراءة القرآن وختمه وحفظه ومراجعته:
    وبما أن عبان يأتي كمقدمة لرمضان فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من الصيام وقراءة القرآن والصدقة، قال سلمة بن سهيل: "كان يقال: شهر شعبان شهر القُرَّاء"، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: "هذا شهر القُرَّاء"، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرَّغ لقراءة القرآن. وهذا من أعظم أبواب الخير، وله من الفضل والأجر الكبير عند الله -عز وجل-، فعن عَبْدِ الله بنَ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قال: قالَ رَسُولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ قَرَأَ حَرْفَاً مِنْ كِتَابِ الله فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ آلم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْف ولامٌ حَرْفٌ وَميمٌ حَرْفٌ)) [رواه الترمذي].

    الدعاء لقبلة المسلمين الأولى:
    ففي شهر شعبان كان تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَ ّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]، ولا أقل ونحن نرى ما يحدث للمسجد الأقصى أولى القبلتين أن نتذكره ولو بالدعاء أن يعيده الله لنا وأن يحرره من أيدي اليهود المغتصبين.

    التعود على قيام الليل:
    فكثير من المسلمين لا يحرص على قيام الليل إلا في رمضان، ومَن يحرص عليها في رمضان يجد في الحرص عليها مشقة كبيرة، وأرى أنَّ سبب ذلك هو عدم التعود على القيام في غير شهر رمضان، وحين تُفاجئنا صلاة القيام في رمضان نجد مشقةً كبرى في المحافظة عليها، ولو أنَّ أجسامنا تعودت قبل رمضان وطوال العام على صلاة القيام مَا وجدنا مشقةً في المحافظة عليها في رمضان، فلا أقل من أن تحرص على صلاة القيام في شعبان من باب التعود على القيام قبل رمضان، ولو بركعتين خفيفتين في جوف الليل.

    إصلاح ذات البَيْن:
    فكما سبق في الحديث أنَّ شهر شعبان هو الشهر الذي تُعرض فيه الأعمال على الله -عز وجل-، فأَحَبَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يكون على حالة من الطاعة وقت عرض الأعمال على رب العالمين، وهذا فيه لَفْتٌ لأنظار الأمة من بعده في هذا الشهر الكريم أن يحاول المسلم أن يكون على أكمل حال من الطاعة في شهر شعبان وقت عرض الأعمال على الله -عز وجل-، وهذا مدعاة أن ينظر الله إليه نظرة رحمة ومغفرة إن كان من تقصير في أعماله المعروضة على رب العالمين، ولا شك أن إصلاح ذات البين وإنهاء الخصومات من أكبر الطاعات المطلوبة خصوصًا في هذا الشهر الكريم؛ وذلك لما لها من فضل كبير، فعَنْ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏-رضي الله عنه- قَالَ: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ -صلى الله عليه وسلم-: ((‏أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟)) . قَالُوا: "بَلَى". قَالَ: ((صَلاحُ ‏ ‏ذَاتِ الْبَيْنِ؛ ‏فَإِنَّ فَسَادَ ‏ذَاتِ الْبَيْنِ ‏هِيَ الْحَالِقَةُ)) [رواه الترمذي].

    ونهاية أقول لك أخي المسلم وأختي المسلمة:
    مضى رجب وما أحسنت فيه وها هو شهر شعبان المبارك، أفق يا مضيع الأوقات جهلاً، فسوف تفارق اللذات قسراً.. ويخلي الموت كرهاً منك دارك، تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص، واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم... فخير ذوي الجرائم من تدارك.نسأل الله العلي القدير أن يتوب علينا وأن يجعلنا من أهل الطاعات، وأن يرزقنا الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، ويباعدنا عن النار وما يقرب إليها من قول أو عمل...
    وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    4,571

    Lightbulb رد: مقالات متنوعة عن شهر شعبان...

    لماذا شعبان؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد.

    فقد تكلمنا في مقال سابق عن الفرق بين شعبان هذا العام وشعبان العام الماضي؟ وذكرنا أنه عام من عمرنا سنجده لا محالة مسطرًا في صحائفنا بما فيه من حسنات وسيئات، ولما كانت الأعمال بالخواتيم، وإذا أحسن العبد فيما بقي غفر له ما مضى، وإن أساء فيما بقي أخذ بما بقي وما مضى، وباب التوبة مفتوح، والخير ممنوح، لما كان ذلك كله فهذه وقفة محاسبة، وجلسة مراجعة مترتبة على كلماتي السابقة، والتي كان الهدف منها التهييج على الإحسان في شعبان.

    وهنا أقول: ولماذا شعبان؟؟
    والإجابة في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ » [رواه النسائي، وحسنه الألباني].

    ومن خلال هذا النور المشرق من أنوار النبوة نلخص أسباب الاحتفاء بشعبان كما يلي:
    1- أنه زمن غفلة عند كثير من الناس، والاجتهاد في وقت الغفلة ليس كغيره، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إليَّ» [رواه مسلم]، والهرج أي: القتل والفتن واضطراب الأمور، كما أثنى الله على قائمي الليل فسماهم محسنين، لأن الليل وقت نوم وغفلة، ولو صح حديث السوق فإنه يدل على نفس المعنى، لأنه ذكر في أشر البقاع حيث يتسابق الناس إلى الشهوات، ويتنافسوا في تحصيل اللذات، أما الذاكر فيلحظ بقلبه عبوديته لربه، وينطق بذلك لسانه مقرًّا له بالربوبية، ومعترفـًا بالألوهية من خلال ذلك الذكر الوارد في الحديث المشار إليه آنفـًا.هذا وإن انفراد العبد في زاوية التعبد يكون أشق على النفس فيعظم لذلك الأجر، بخلاف ما يتعاون الناس على فعله، إذ الجماعية على الطاعة كما يكون في رمضان تخفف المشقة، وتيسر العمل على العبّاد، وهكذا الأمر بالنسبة لشعبان، قلّ أن تجد فيه مجتهدًا، فإذا انفرد المرء في درب الإيمان ولم يجد فيه مؤنسًا، ولا على الطاعة معاونـًا فلعل شأنه يكون كشأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين تركوا ديارهم وأموالهم، وفروا بدينهم فعظـَّم الله أجرهم، وخلد ذكرهم ثم طمأن من جاء بعدهم، وسار على دربهم، وتمسك بهديهم بأن له أجر خمسين منهم، والعلة في ذلك أنهم لا يجدون على الخير أعوانـًا، فأبشروا معشر الغرباء بالأجر العظيم، والخير العميم من الرحمن الرحيم.

    2- وثاني هذه الأسباب:
    أنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فمن أساء فليستحضر تلك الأعمال وهي ترفع، ومن أحسن فليستحضر ذلك أيضًا، ولكن مع الفرق ثم ها نحن في زمن مهلة، لنحسن ونتبع السيئة الحسنة نرجو محوها، والحسنات يذهبن السيئات، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»، أفلا تحب ما أحب الحبيب - صلى الله عليه وسلم -؟!
    وإذا كان الناس في غفلة عن التعبد في شعبان، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهتمام خاص به كان لابد لك يا طالب الآخرة من منهج، لإحسان استغلال شهر شعبان.أول معالم هذا المنهج: الإكثار من الصيام، تقول عائشة رضي الله عنها: «فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ » [رواه البخاري ومسلم]، ولمسلم: «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً»، وقالت أيضًا: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ بَلْ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» [رواه النسائي، وصححه الألباني].

    فهذه الأحاديث المباركة تدل كلها على سنة الإكثار من الصيام في شعبان، ولكن لا يصومه كله، لقول عائشة رضي الله عنها في الحديث السابق: «فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ »، إذاً فيحمل ما سواه على أن المراد صيام أكثر شعبان، فاجعل لنفسك نصيبًا، واعلم أن صيام اليوم الواحد يبعدك عن النار سبعين خريفـًا، ويجعل لك في ساحة القيامة ريًا، وبالإضافة إلى ذلك فإن فيه للشباب ضد الشهوات عونـًا، فكم ستصوم من شعبان أيها المحب؟؟
    هذا وليس الاقتصار في باب التعبد على الصيام، بل خذ لك نصيبًا من سائر الطاعات والقربات، وأعلاها وأهمها وأحبها إلى الله الفرائض، فاحرص على إحسانها، وحافظ على تكبيرة الإحرام فيها، وأدرك جماعتها، لا سيما الفجر، فإن عبدًا هذا شأنه يسهل عليه المحافظة عليها في رمضان، ثم أتبع الفريضة بما تستطيعه من النافلة، ودرب نفسك على ذلك، حتى لا يصعب عليك في رمضان.

    واجعل لنفسك وردًا من القرآن، ولقد قيل كما في لطائف المعارف لابن رجب رحمه الله: «شعبان شهر القراء»، والذي تدرب على التلاوة في شعبان يزداد حتمًا في رمضان، ويكون فطنـًا للصوارف والعوارض فيكون في رمضان أشد تعاهدًا ممن بدأ التلاوة مع بداية رمضان، فلربما انصرم الشهر وما ختم المصحف ولو مرة واحدة.

    ولعل في كثرة التلاوة في شعبان جلاء لما تراكم على القلب من الران فيصبح المحل طيبًا قابلاً لأثر القرآن في رمضان، فيحصل التدبر والانتفاع بالقرآن.

    وأيضًا خذ لك بنصيب من القيام، فهو أحب الصلاة إلى الله بعد الفريضة، ومن تدرب في شعبان على نصب الأقدام بين يدي الملك العلام، وعلى دعوات الأسحار، وكثرة الاستغفار، كان على ما يرام في شهر رمضان إن شاء الرحمن.
    ثم احرص على الإكثار من ذكر الله عزَّ وجلَّ آناء الليل وآناء النهار، سيما الأذكار الموظفة، واملأ وقتك بالاستغفار والصلاة على النبي المختار - صلى الله عليه وسلم -، ليتعود لسانك على ذلك في شعبان، فيرقى إلى الأحسن منه في رمضان، وينأى عن اللغو والعصيان.ومع الاجتهاد في الطاعات احذر النسافات، فاحفظ أعمالك من الرياء والسمعة والعجب، واجتنب المحرمات، ودرب نفسك على الصيانة والحشمة نحو الحرمات والشعائر، فإن ذلك أعون للعبد على تحصيل التقوى في رمضان، وإذا كنا في زمن ترفع فيه الأعمال فإنَّ أعظم وظيفة لنا جميعًا عصاة وطائعون تجديد التوبة وتجويدها، والتحلي بسائر أنواع القربات، والتخلي عن أعمال العصيان، تمهيدًا لنكون على أفضل حالة في شهر الرحمة والمغفرة، شهر رمضان.

    وبعد، أحبتي في الله ليكن اجتهادنا في شعبان تدريبًا لنا على الإحسان في رمضان، فكما يقول ابن رجب رحمه الله: «لئلا يدخل العبد في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط» اهـ، وكأن صيام شعبان كالسنة القبلية لرمضان، وصيام الست من شوال كالبعدية لإصلاح ما تخرق بالعصيان في رمضان.
    يقول الشاطبي رحمه الله: «السنن والنوافل بمثابة التوطئة وإعداد النفس للدخول في الفريضة على الوجه الأكمل» اهـ.

    وأخيرًا:
    هذا تحذير، نعم تحذير للمتهاونين بشعبان.
    الذين تكاسلوا عن العمل الصالح فيه، فعاد ذلك بالتهاون في رمضان، فكانت الشكوى من الخسران، لماذا؟ لأنهم لم يتهيئوا بالعمل الصالح للإحسان في رمضان، ولو أن هؤلاء كانت لهم قبل رمضان جولات في ميادين الاجتهاد في الطاعة، لأنِسوا من نفوسهم خيرًا، لكنهم طمعوا في نوال القرب ولما يستكملوا زاد المسيرة، مثلهم كمثل من ذهب إلى السوق بلا مال فلا يجهد نفسه في المساومة، بل يقال له: «تنكب لا يقطرك الزحام».

    واعلم أخي أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وأن من قدم خيرًا حصد خيرًا، فكن مما ذكرت لك على ذكر، وخذ الأمر بجد، فلعلك لا تعيش إلى قابل ﴿ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ [الأعراف:185]، وإنك لتعلم إخوانـًا لك صاروا الآن تحت الثرى، بعد أن كانوا معنا عام أول، وأنت مازلت في زمن المهلة، فتجهز لآخرتك، واحذر الغفلة، واقتد بنبيك - صلى الله عليه وسلم - في الاحتفاء بشعبان.
    نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يبلغنا رمضان، ويجعلنا من عتقائه من النيران، آمين.

    ((إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً))

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •