فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، من الثورة الإيرانية ... إلى الثورة السورية
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، من الثورة الإيرانية ... إلى الثورة السورية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2013
    المشاركات
    3

    افتراضي فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، من الثورة الإيرانية ... إلى الثورة السورية

    روي عن عبد الله بن عمر أنه قال : كنا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس ، فقال قائل يا رسول الله : وما فتنة الأحلاس ؟ قال : هي هرب وحرب ، ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني وإنما أوليائي المتقون ، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقضت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه ، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده ". أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم ونعيم بن حماد

    وإذن ، فقد ذكر الرسـول صلى الله عليه وسلم الكثير من الفتن ، ولكنه انتهى بذكر فتن متلاحقة هي : فتنة الأحلاس ثم السراء ثم الاصطلاح على رجل ثم الدهيماء ، وهناك إشارات وعلامات موجزة وخاطفة لكل فتنة . وكما هو واضح فإن هذه الفتن لا بد أن تكون بعيدة عن عصر الصحابة ، بدليل أنها أتت في نهاية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفتن . فكأنه يسبقها العديد من الفتن .

    لنبدأ بمحاولة فهم إشارات وعلامات فتنة الأحلاس ، فهي المدخل نحو سلسلة الأحداث . وبقدر النجاح في اكتشاف مدلولها الدقيق ستنفتح بوابات حسن فهم بقية الفتن المتتابعة .

    هناك ثلاثة مفاتيح لفهم الفتنة ، وهي : كلمة " الأحـلاس " وجملة " هـرب وحرب " وحدوث فتنة السراء بعدها . وبالإمكان التدليل مطولاً على أن تصوير أحوال الفتن يتم من خلال الحوافظ اللغوية التي تجعل الفتنة تحدث أولاً ثم تتوفر فرص فهم المدلولات الدقيقة للأخبار الواردة بشأنها عند النهايات .

    في ضوء هذا الاستشعار لوجود الحوافظ اللغوية ، لننظر إلى معنى كلمة " الأحلاس " :
    الحلس بالكسر : كل شيءٍ ولي ظهر البعير والدابة تحت الرَّحل والسَّرج والقَتَب ، وهو بمنزلة المِرْشَحَة ( الأداة العازلة أو الفاصلة ) تكون تحت اللِّبْد ، وقيل : هو كساء رقيق على ظهر البعير، يكون تحت البرذعة . والحلس أَيضاً : اسم لما يبسط في البيت تحت حُرِّ الثياب والمتاع من مِسْح ونحوه ( مرتضى الزبيدي : تاج العروس ، مادة حلس ). وهناك معان أخرى أقل شيوعاً لكلمة الحلس .

    وإذا أخذنا هذه المعاني لكلمة الحلس ، فما هو الجامع بينها ؟!
    لعل الجامع بينها هو أن الحلس يعد بمثابة الفاصل والعازل والواقي ، فإذا تحدثنا عن البعير ومختلف الدواب فهو يفصل بين ظهورها وبين كل ما عليها ، ويوضع تحت الرحل والسرج والقتب والبرذعة ليفصلها ويعزلها عن ظهر البعير أو الدابة . وإذا تحدثنا عن المنزل فهو يبسط في البيت تحت الثياب والمتاع ليفصلها ويعزلها عن الأرض كي لا تفسد أو تتضرر . وكما ورد في المعاجم فهو بمنزلة المرشحة ، أي الأداة الفاصلة والعازلة بين أشياء يخشى اختلاطها أو فسادها أو تضررها إذا خلت من تلك الأداة الفاصلة أو العازلة .
    لنأخذ هذا المعنى حول الوظيفة العازلة والفاصلة للحلس ، أو العوازل والفواصل حين نتحدث عن الأحلاس بصيغة الجمع ، ولننظر إلى الروابط الممكنة بينها وبين حالة الحرب وحالة الهَرَب . ما الذي يمكن أن يجمع بين الأحـلاس أو الفواصل والعـوازل وبين حالة الحرب وحالة الهَـرَب ( التباعد والتشاحن والتنافر ) على مستوى الأمة ؟.

    لا بد أن لتلك الأحلاس أو الفواصل والعـوازل علاقة مباشرة وقوية بحالة الحرب ، ولا بد أن يصاحبها أبعاد تسهم في تباعد وتشاحن ونفور بعض الأمة من بعضها ( الهَرَب ) . فما هي الفواصل والعوازل التي يمكن أن تثير حالة الحرب وحالة الهَرَب ؟.

    إنها الحـدود ، فهي فواصل وعوازل قد يؤدي الاختلاف بشأنها إلى اندلاع الحروب . وإذا صاحبتها أبعاد تثير المخاوف على مستوى الأمة وتؤجج المشاعر وتستدعي الأفكار المسبقة وتستنهض التحيزات الراسخة وتدفع باتجاه الوعي والتفكير والخطاب " الديماغوجي " أو الدهمائي لدى كل طرف فإنها ستثير الكثير من الانقسام والاستقطاب والتباعد والتشاحن والنفور على مستوى الأمة .

    وإذن ، فلدينا ثلاثة مفاتيح لفهم الفتنة : مفتاح الأحلاس ، بمعنى الفواصل والعوازل أو الحدود . ومفتاح حالتَي الحرب والهَرَب ، بمعنى الحرب المباشرة من جانب والتباعد والتشاحن والتباغض والنفور من جانب آخر . أما المفتاح الثالث فهو حدوث فتنة السراء بعد ذلك . أي حدوث فتنة تدور حول الثروات والكنوز والنعم .

    الآن ، لننظر إلى الواقع القريب بنوع من الارتجاع وإعادة الفحص والتأمل . هل حدثت فتنة امتد تأثيرها إلى عموم الأمة ، وكانت الفواصل أو الحدود محركاً رئيساً لها ، واشتملت على حالة حرب من ناحية وحالة تشاحن وتباغض ونفور واسع من ناحية أخرى ، وأعقبتها فتنة تدور حول الثرواث والكنوز أشعلها رجل يدعي الانتساب إلى آل البيت ؟.

    إذا نظرنا إلى الحروب الكبرى على مستوى الأمة خلال العصر الحديث فإننا لن نجد حرباً توازي الحرب العراقية الإيرانية ، فهي أطول حرب خلال القرن العشرين ، حيث استمرت ثمانية أعوام ، وقتل خلالها نحو مليون إنسان ، وبلغت خسائرها المادية مئات المليارات من الدولارات ، فضلاً عما صاحبها من استثارة وتأجيج للعوامل الطائفية والعرقية التي امتدت آثارها إلى عموم الأمة . لهذه الحرب أسباب ظاهرة وخفية . أما أسبابها الخفية فتنبع من التغلب والطائفية ، حيث تصاعد الخطر الطائفي ضد حكم التغلب في العراق ، ولكن أهم وأوضح الأسباب المباشرة والمعلنة هي الحدود بين البلدين ، وخصوصاً منطقة شط العرب التي كانت مثار نزاع دائم إلى أن تم توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975م ، ثم بعد اندلاع الثورة الإيرانية ووقوع بعض الحوادث وصعود الخشية من تصدير الثورة قام حاكم العراق بتمزيق اتفاقية الحدود وبدأ بشن الحرب على إيران . وخلال سنوات الحرب تمت استثارة الأبعاد الطائفية والعرقية وامتد الاستقطاب إلى عموم الأمة ، فقد احتشد معظم العرب خلف النظام العراقي ، ثم احتشدت معظم القوى الغربية خلفه خشية انتصار إيران وهيمنتها على منابع النفط وتصديرها لثورتها الطائفية .

    لنتذكر أن أول انحرافين حدثا في حياة الأمة ورسخا التغلب والطائفية هما نشوء المُلك وظهور الخوارج . وفي كل الفتن العامة المتعلقة بالحياة الدنيوية ، ومن بينها فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، سنجد انعكاسات هذين الخطرين أو أحدهما ، بكل ما ينتج عن ذلك من انقسام أو خلط ولبس أو تناحر وصدام .

    لقد أدت فتنة الأحلاس إلى زيادة التمكين للتغلب وصعود الطائفية ، فقد حولت بعض كبار الطغاة والمستبدين إلى أبطال قوميين أو وطنيين واستثارت الهويـات الفئوية الدينية ( السنية الشيعية ) والعرقيـة ( العربية الفارسية ) بكل مخاوفها وأفكارها المسبقة وانحيازاتها الفئوية الراسخة .

    بعد فتنة الفواصل أو الحدود وما دار فيها من حرب وتشاحن واستقطاب ونفور متبادل حدثت فتنة السراء ( الثروات والكنوز ) وثارت من تحت قدمي رجل من أهل بيت الرسول ( جملة " من أهل بيتي " قد تشير إلى البيت النبوي فيكون المقصود بذلك النسب النبوي ، وقد تشير إلى البيت العربي فيكون المقصود هو الإشارة إلى الانتماء العربي ) . وهنا يمكننا أن نتساءل عن سر الإشارة إلى أن دخنها من تحت قدمي رجل .... " ؟. ما معنى أن يكون ظهورها من تحت قدمي أحد الرجال ؟!

    قد يكون ذلك مجرد إشارة إلى أن ذلك الرجل هو المتسبب في إثارتها ، وقد يكون المقصود هو الإشارة إلى واقعة الاعتداء العسكري والتلميح إلى صفة ذلك الرجل كحاكم ، ففي أوضاع الرجال العاديين ليس لأقدامهم ولا لفعلها دلالة غير اعتيادية ، أما حين يكون الرجل حاكماً فإن لقدميه دلالة تمتد إلى الجيش والقوات حين تتخطى موضعها ومواقعها ، ولن تثير فتنة كبرى إلا إذا قامت بالانتقال إلى مواقع أخرى واغتصبتها ، ولن تحدث فتنة كبرى اسمها فتنة " السراء " إلا إذا كانت تلك المواقع مليئة بالثروات وتتقاطع عندها مصالح ومطامع كبرى .

    هذا هو حال الاعتداء على الكويت منذ بدء اتهامها بسرقة نفط حقل الرميلة الحدودي واتهامها بالسعي – بالاشتراك مع بعض دول الخليج الأخرى – إلى زيادة المعروض النفطي لتحطيم أسعار النفط والعمل على خنق العراق ، ثم دخولها عسكرياً وضمها ومحاولة استقطاب الجماهير العربية من خلال شعار " نفط العرب للعرب " . وهذا النفط هو الذي حرك الدول الغربية وجاء بنحو مليون جندي لاستعادة الكويت وضرب العراق ثم حصاره . وإذا أردنا أن نتتبع مخاطر التمكين للتغلب وصعود الطائفية على صعيد هذه الفتنة فسنجد أنها أصابت الانتماء القومي في مقتل وألقت بظلالها السلبية على علاقات الحكومات والشعوب ، وأثارت المخاوف والمطامع والانحيازات القطرية وزادت قوة ونفوذ الحكومات العائلية ، وأوجدت الذرائع أو كسرت الحواجز أمام بعض الحكومات لتطوير علاقة تبعيتها لبعض القوى الغربية .

    بعد فتنة السراء يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع . وإذا تم فهم اصطلاح الناس على أنه الاتفاق على اختيار رجل لمهمة الحكم فإن المعنى المقصود هو أن ذلك الرجل ضعيف لا تستقيم له الأمور كحال الورك على الضلع . فهل هذا هو المعنى المقصود ؟.

    في تقديرنا أنه ليس المعنى المقصود ، ذلك أنه لا يوجد أهمية كبرى لمثل هذه الحادثة على نحو يستدعي الإخبار عنها ، كما أنها لا تجسد معنى الفتنة الذي تدور النبوءة حوله ، فحتى لو اصطلح الناس على حاكم ضعيف فيكفي أنهم اصطلحوا . وهذا مؤشر إيجابي وليس مؤشر فتنة ، في حين أن الخبر ورد ضمن أخبـار الفتن ، وفي بداية الحديث هناك إشـارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم " ذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر ..... ". فكأن السياق كله للحديث عن الفتن . فضلاً عن أنه تم ربط الاصطلاح بالناس عموماً ( أي أنه ممتد خارج حدود المسلمين ) . ومن الصعب أن يحدث اصطلاح واسع بين الناس على حاكم ، فأمر الحاكم يرتبط ببلد معين . وإذا كان حاكماً ضعيفاً كما في التفسير الشائع فإن الاتفاق عليه سيكون أصعب حتى لو ارتبط الأمر ببلد واحد . ثم إن الورك والضلع بينهما تباعد ، فالورك في أعلى الرجل والضلع في الصدر . وهذا يدل على أن الأمر لا يرتبط بحاكم يتم الاتفاق عليه رغم ما بينهم من تباعد . ولو تأملنا الواقع بعد فتنة السراء فسنجد أنها تكاد تكون مرحلة للحروب والصراعات والاستقطابات التي لا تدفع باتجاه الاصطلاح على حاكم أو غير حاكم .
    غير أننا إذا دققنا النظر في تلك المرحلة فسنجد أنها شهدت اصطلاحاً واسعاً ، ولكن الاصطلاح ليس بمعنى التصالح مع أحد الرجال أو التوافق على اختياره ، بل بمعنى الاتفاق في مواجهته والتحالف ضده ، فهذا هو المعنى الذي ينسجم مع حالة الفتنة ، والمقارنة بين الورك والضلع ترجح معنى التنافر والصدام غير المتكافئ ، والتباعد بينهما يجعل مسألة الحاكم مستبعدة .

    هذا هو حال ما عرف بالحرب على الإرهاب أو " الحرب العالمية على الإرهـاب " التي انطلقت في مواجهة تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن بعد تفجيرات سبتمبر عام 2001 م ، وقادت إلى احتلال أفغانستان ووضع الكثير من الحكومات والمنظمات الخيرية والحركات التحررية تحت تهديد دعم الإرهاب أو العلاقة به .

    نأتي الآن إلى الفتنة الأخيرة وهي فتنة الدهيماء " ثم فتنة الدهيماء ، لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة ، فإذا قيل انقضت تمادت ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه ، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده ".

    وإذا كانت الفتن تحدث أولاً ثم تتوفر فرص العلم الدقيق بمدلولات الأخبار الواردة بشأنها فإن الوعي لا بد أن يتجه نحو الواقع لرصد أية صورة تبدو قريبة من مدلولات النصوص ، فالقرب هو المفتاح ، طالما أن الفتنة لا بد أن تحدث أولاً ثم يبدأ الفهم .

    لن تحدث الفتنة أولاً ثم يبدأ الفهم إلا إذا كانت التعبيرات متعددة المعاني والدلالات وتتناول بعض الجوانب دون البعض الآخـر وتتجنب الخطوط المباشرة والكاشفة ، وذلك على نحو يسمح بتأخير فرصة الفهم إلى ما بعد وقوع الأحـداث . ومن هنا وردت التعبيرات التشبيهية أو المتعددة الدلالات في فتن الأحلاس والسراء والرجل الذي يصطلح عليه الناس . ولا بد أن ذات الأمر متحقق في فتنة الدهيماء .

    لعل المفتاح الأهم في فهم الفتنة هو كلمة " الدهيماء " حين يتم ربطها بصورة الواقع الذي تحقق بعد فتنة الاصطلاح ضد أحد الرجال . ومعظم الذين يتعرضون لمعاني هذه الكلمة يقفون عند معانيها اللغوية العامة كوصف للفتنة ، فيتحدثون عن أن المقصود منها " السوداء المظلمة ". والواقع أن هذا المعنى العام وإن كان وارداً إلا أنه لا يكشف سر اختيار كلمة " الدهيمـاء " من بين كل الكلمات التي يمكن أن تؤدي المعنى العام بصـورة أفضل وأوضح ، بينما المؤكد أن اختيارها كان مقصـوداً لمعنى يميزها عن غيرها .

    إن كلمة " الدهيماء " هي تصغير لكلمة " الدهمـاء " . وحين تطلق على البشر فإنها تعني عامة الناس وسوادهم ، ولكنها تصف أفكارهم وسلوكياتهم السلبية الخالية من العلم أو العقل أو الحكمة أو القيم الإنسانية السامية . وحين ننقل هذا المعنى السلبي إلى كلمة " الدهيماء " فإن مدلولها ينصرف إلى المجموعة الصغيرة أو الفئة أو الطائفة التي تجسد ثقافة وسلوك ومواقف الدهماء . فكأن كل مجموعـة صغيرة أو فئة أو طائفة تؤدي دوراً سلبياً خالياً من العلم أو العقل أو الحكمة أو القيم الإنسانية السامية هي " دهيماء ". فإذا تعددت هذه المجموعات أو تتابعت وتنوعت وتعاظم أمرها قادت إلى فتنة عامة هي فتنة الدهيماء .

    وإذا صح ذلك فإن ما ينبغي أن يشغل الأذهان هي صورة المجموعات الصغيرة أو الفئات أو الطوائف الحاملة أو المجسدة لثقافة وسلوك الدهماء ، وذلك حين يمتد تأثيرها إلى الأمة ويسهم في إشعال أو إذكاء الفتنة بين أبنائها .

    لننظر إلى ما ورد في الحديث حول صورة الفتنة ومسارها . إنها فتنة تمتد إلى كل الأمة ( لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة ) وهي تتسم بالاتساع والتعاظم ( فإذا قيل انقضت تمادت ) ويحدث خلالها تبديل سريع للآراء والمواقف ( يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ) وتتوالى الأحداث إلى أن ينتهي الناس إلى معسكرين أحدهما معسكر إيمان لا نفاق فيه ، والآخـر معسكر نفاق لا إيمان فيه ( حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفـاق لا إيمان فيه ) . فهل تحقق مثل هذا الوضع بعد فتنة الاصطلاح ضد أحـد الرجال ؟!.

    لعل أهم الأحداث التي واجهتها الأمة بعد فتنة الاصطلاح ضد أحد الرجال هي احتلال العراق وجعله ميداناً مستباحاً وغنيمة تكالبت عليها الأطراف المحلية والإقليمية والدولية ، ثم اندلاع الثورات العربية التي بدأت ضد الاستبداد والفساد ثم تطورت مع الثورة السورية إلى صراع طائفي يوشك أن يتحول إلى حرب إقليمية .

    هذه هي الصورة الواقعية التي تبدو قريبة من مدلولات النصوص ، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار طبيعة المسار الصاعد منذ فتنة الأحلاس ، وهو مسار حضور التغلب وصعود الطائفية . غير أن بعض التعبيرات ستبدو بعيدة أو محيرة ، كما أن الصورة بكاملها ستبدو غير مباشرة .

    والواقع أن هذا هو الأسلوب المتبع في تصوير أحوال الفتن ، فأخبارها مصممة لأغراض الفهم اللاحق لا السابق أو المتزامن مع أحداث الفتنة . ولا يمكن حجب الفهم السابق والمتزامن وفتح أبواب الفهم اللاحق إلا من خـلال التعبيرات والخطوط غير المباشرة التي تـزداد درجة وضوحها تدريجياً مع الأحـداث ، خصوصاً إذا تكاملت سلسلة الفتن ( الأحلاس ثم السراء ثم الاصطلاح ضد رجل ثم الدهيماء ) ، فالسلسلة هنا هي أهم مفاتيح الفهم ، ولا يمكن لأية سلسلة أحداث مطولة أن تتكرر بذات الملامح والأبعاد وأن تحمل ذات الخط الصاعد للمخاطر . كما أنه لا يمكن التحقق من وقوع أية سلسلة أحداث إلا في نهايتها .

    لاحقاً بمشيئة الله نواصل الطرح ،،،،

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2013
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، من الثورة الإيرانية ... إلى الثورة السورية

    .
    لننظر إلى التعبيرات التي تبدو بعيدة أو محيرة في علاقتها باحتلال العراق ثم الثورات العربية . هناك الإشارة إلى سرعة تبدل وانقلاب المرء من الإيمان إلى الكفر ، ثم الإشارة إلى الانقسام الواسع في النهاية إلى معسكر إيمان لا نفاق فيه ومعسكر نفاق لا إيمان فيه .

    هل المقصود هو المعنى العقائدي من خلال الانتقال من الإيمان بالدين إلى الكفر ثم الانقسام بين الإيمان والنفاق الديني ، أم أن المقصود هو المعنى السياسي من خلال التبديل الواسع بين الثبات والانقلاب السياسي في البداية ثم الثبات والتلوُّن السياسي في النهاية ؟!.

    إذا نظرنا إلى مدلولات الألفاظ في سياقها فسنجد أنها تؤيد المعنى الثاني المتعلق بالآراء والمواقف السياسية . ومما يدل على أن هذا المعنى هو المعنى المقصود أن الوصف كله مرتبط منذ البداية بفتنة الدهيماء التي لا تدور حول الإيمان بالدين والكفر به ، بل تدور حول مستوى الفكر والسلوك . ومثل هذا الإطار الجامع يؤيد المعنى المتعلق بحالات التبديل الواسع للآراء والمواقف السياسية أو ازدواجيتها وتلوُّنها .
    ومما يؤيد ذلك أيضاً أن الناس بعد اتساع التبديل والتحول وتعاظمهما لا ينقسمون إلى مسلمين وكافرين ، بل ينقسمون إلى أهل إيمان لا نفاق فيه ( أي أهل ثبـات لا تلوُّن فيه ) وأهل نفاق لا إيمان فيه ( أي أهل تلوُّن لا ثبات فيه ) . وإذا تم ربط الأحـداث بأهم محركاتها ( احتلال العراق ثم اندلاع الثورات العربية ) فإن الثبات الذي لا تلوُّن فيه والتلوُّن الذي لا ثبات فيه يصلحان لوصف ما ستصير إليه مجمل الآراء والمواقف السياسية أكثر من أي شيء آخر .

    لننظر إلى أبرز القضايا التي يمكن أن تكون محلاً للثبات أو التحول أو الازدواجية . مثلاً قضية الاحتلال يمكن أن تكون محلاً للثبات ، ويمكن أن تكون محلاً للتبديل الواسع أو الازدواجية . قضية المقاومة يمكن أن تكون محلاً لذات الآراء والمواقف المتباينة . قضية الإرهاب . قضية التعامل مع المحتل والتحالف معه . قضية الخيانة الوطنية . قضية التحرر من الاستبداد والفساد .

    في كل هذه القضايا يمكن للمجموعات الصغيرة أو الفئات أو الطوائف الحاملة أو المجسدة لفكر وسلوك الدهماء أن تؤثر على عموم الأمة وأن تدخلها في فتنة كبرى حيال بعض القضايا التي ينبغي أن تكون محل اتفـاق وثبات ، وذلك إذا وجد المناخ الذي يسمح لتلك المجموعات أو الفئات أو الطوائف بأن تكون في موقع متقدم على مستوى الفعل أو التأثير .
    ولو تأملنا الحديث فسنجد أنه يميز بين مرحلتين يشيع فيهما ذلك المناخ ، أولاهما طويلة وتصاعدية وتشهد تقلباً في الآراء والمواقف ، والأخرى قصيرة وحاشدة ويحدث خلالها فرز واسع بين معسكرين كبيرين أحدهما معسكر صدق وثبات والآخر معسكر ازدواجية وتلوُّن .

    ولو تأملنا أهم نقلة حدثت بعد احتلال العراق فسنجد أنها النقلة الطائفية بالتزامن مع ضرب الرابطة المكانية الجامعة ( الرابطة الوطنية ) وحالة الصعود الطائفي السابق ، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإيرانية وحالة الشحن التي رافقت الحرب العراقية الإيرانية ، وسواء كانت الطائفية دينية تشتمل على البعد السياسي ، أو كانت سياسية تجذب إليها من ليس لهم نصيب من الإيمان والعبادة ولكنهم يستفيدون من الانتماء الطائفي أو يرتبطون به سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ، أو كانت ثقافية نابعة من وجود التبعية على المستوى الثقافي ، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء ما يشبه " الطائفة الثقافية " بمرجعيتها القابعة في مكان آخر وبهواجسها ومخاوفها تجاه " الطوائف " الثقافية المحلية المنافسة .

    لقد كانت الطروحات الطائفية حاضرة وصاعدة بقوة ، وكان أتباعها يخوضون معاركهم وسجالاتهم الثقافية قبل احتلال العراق . كان الوجود العسكري الغربي قائماً في معظم الدول العربية الخليجية ، وكان مسكوتاً عنه أو متعايشاً معه من قبل الجميع باستثناء أهل الطروحات الجهادية والشيعية وبعض ذوي الأولويات الوطنية والقومية . فما الذي قدمه احتلال العراق لأهل الطروحات الطائفية ؟.

    قدم لأهل الطرح الشيعي ساحتين متناقضتين ، إحداهما للحضور والصعود الطائفي والأخرى لمقاومة من كان يوصف بأنه " الشيطان الأكبر " ولاختبار مصداقية راية المقاومة المرفوعة في مناطق أخرى ، وقدم لأهل الطرح الجهادي ساحتين ، إحداهما للجهاد ضد المحتل والأخرى للاصطدام بالآخر الطائفي ، وقدم لأهل الطرح العلماني ساحتين ، إحداهما للتمكين للمرجعية والثقافة العلمانية والأخرى للهيمنة الاستعمارية وإضعاف الروابط الوطنية والقومية . وفي ظل الضعف الشديد للرابطة الوطنية قبل الاحتلال ثم زيادة إضعافها بعد الاحتلال وحل الجيش وتغيير الأوضاع والتأثير على المصالح والعلاقات ، وبحكم وجود المحيط الطائفي الديني والسياسي - خصوصاً في إيران والجزيرة - وصراع المرجعيات الثقافية بين التيارات الإسلامية والعلمانية ، كانت الروابط الطائفية بكل أشكالها مؤهلة للازدهار الشديد والتعاطي مع إغراءات الصعود والظهور في مقابل المقاومة عند طائفة ، ونداء الجهاد ضد المحتل والدفاع عن المواقع والمصالح والانتماء في مواجهة الخطر الطائفي عند طائفة أخرى ، والتمكين للمرجعية في مقابل الاستعمار وإضعاف الروابط الوطنية والقومية عند طائفة ثالثة .

    في مثل هذه الأجواء المشحونة بالأبعاد المحلية والإقليمية والدولية ، وبالتناقضات الدينية والسياسية والثقافية ، ترى ما الذي يمكن أن يحدث للآراء والمواقف المستقرة حول المقاومة والعمالة ، والإرهاب والجهاد ، والانتماء الوطني والانتماء الطائفي ، والغرب الحضاري والغرب الاستعماري ، والديموقراطية والاستبداد ؟!.

    ستظهر أشد صور التحولات والتناقضات ، فمن الزاوية الطائفية الشيعية ستختفي راية العداء لأمريكا وراية المقاومة وسيصعد الحديث عن الإرهاب وترتفع راية اجتثاث " البعث " وسيتم تركيب الشعارات والمفاهيم الديموقراطية على البنية والروابط الطائفية . ومن الزاوية السلفية الجهادية ستختلط خيارات الجهاد ضد المحتل بفقه التكفير ولن يكون للإصلاح السياسي أولوية أو اهتمام ، فهو محسوم في إطار ثقافة التغلب . ومن الزاوية السلفية الملكية سيصبح الجهاد الذي كان واجباً أثناء الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ممنوعاً ومجرماً في العراق ، والأنظمة التي دعمت الجهاد الأفغاني ستصبح داعمة لاحتلال العراق . ومن الزاوية " الطائفية " العلمانية سيتم التعلق بفرص شيوع المرجعية العلمانية وسيتم التغاضي عن الاحتلال أو تلطيفه أو تجميله .

    وبما أن الحامل لراية الحرب على الإرهاب وراية الديموقراطية أتى محتلاً وغازياً ، فإنه سيسعى بكل قوته إلى مواجهة المقاومة المشروعة واعتبارها ارهاباً ، وإلى توفير فرصة الحضور والصعود لأصحاب الانتماء الطائفي الغالب . أي أنه سيحمل معه قوة ردع وترهيب لأهل المقاومة والجهاد والنصرة والأولويات الوطنية ، وقوة جذب وإغراء لأهل الوصولية السياسية وأهل الانتماء الطائفي الغالب وأهل التبعية الثقافية العلمانية ومن معهم من أهل الانتماءات المهمشة والمقموعة قبل الاحتلال . وكل ذلك لا يخدم القيم والروابط الجامعة بل يخدم ويغذي الرؤى والروابط الفئوية . ورغم ما سبق احتلال العراق وما رافقه من أحاديث عن الأسباب السياسية للعنف وضرورة تعميم الديموقراطية والإصلاح السياسي ، فإن المحتل لا يمكنه أن يقدم غير نوع من الديموقراطية الشكلية التي يمكن من خلالها الجمع بين الهياكل والشعارات الديموقراطية وبين واقع الاحتلال الذي يمثل أكبر عدوان على حقوق الإنسان وحقوق الشعوب . كما أن أهل الطروحات الطائفية - الدينية والعلمانية - لا يمكنهم أن يقدموا غير ذات الديموقراطية الشكلية التي يمكن من خلالها توظيف الهياكل والشعارات الديموقراطية في إطار الرؤى والروابط الطائفية .

    ومن جانب آخر ، فإن متطلبات النجاح في إنجاز الاحتلال واستئصال المقاومة ستفرض على المحتل إلغاء الحديث عن الأسباب السياسية للعنف وستعيد تحالف المصالح مع الأنظمة الاستبدادية المحيطة التي تستفيد وتتغذى مما يسمى بالحرب على الإرهاب ، الأمر الذي أعطى دفعة جديدة لتلك الأنظمة لتصعيد جهود مواجهة الإصلاح السياسي ، وذلك إما بالتوسع في استخدام لافتة الحرب على الإرهاب أو بالتوسع في استخدام الهياكل والشعارات الديموقراطية التي أصبحت قابلة للتركيب على أعتى صور العدوان والسطو المسلح على بلدان بأكملها ، وقابلة للتوظيف والاستخدام لمصلحة الطروحات الطائفية ، سواء كانت ذات مرجعية دينية أو علمانية .

    منذ احتلال العراق انفتحت بوابة الفرص والمخاوف الطائفية بكل ألوانها ، واستقطبت كل المؤثرات المحلية والخارجية إلى أجواء تجمع الاحتلال بالشعارات الديموقراطية بالرؤى والروابط الطائفية بنداءات المقاومة بتوصيفات الإرهاب . وبالتأكيد فإن المحيط الاستبدادي والطائفي سيجد مختلف المحفزات لتغذية الصراع بكل أشكاله ، إما خوفاً من المحتل أو ارتباطاً به ، وإما خوفاً من الآخر الطائفي أو ارتباطاً به . فضلاً عن أن التيارات الفكرية والسياسية النخبوية بكل تناقضاتها وهشاشتها المزمنة ستجد اجتماعاً أو اختلاطاً بين بعض ما تقبله وبعض ما ترفضه ، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة هشاشتها واضطرابها وانقسام أتباعها وتشظي جهودهم ، وبذلك تضمحل وتتدنى فرص وإمكانات الفكر والسلوك الرشيد وتتسع وتتعاظم فرص وإمكانات صعود ثقافة وسلوك الدهماء عبر الطائفيين بكل أطيافهم ، وعبر المحتلين والمستبدين وأتباعهم والمرتهنين لهم والمستفيدين منهم .

    لقد ظهرت الميليشيات المرتبطة بالأحزاب ذات الطابع الطائفي أو العرقي والمجموعات المسلحة الرافعة لشعار المقاومة والتحرير ، وذلك بشكل مباشر أحياناً وبشكل تدريجي في أحيان أخرى . ولو تتبعنا أحوال الميليشيات والمجموعات المسلحة بعد الاحتلال لوجدنا أن الأدوار المشروعة أو غير الخطرة كانت شائعة وسائدة خلال المراحل الأولى ، وكانت مهامها تدور حول المصالح الحزبية والطائفية أو مقاومة المحتل ، ولم تكن عبارة " المثلث السني " تعني أكثر من وصف جغرافي لمعقل المقاومة ، وبعض الميليشيات الشيعية بدأت نشاطها بمقاومة المحتل . غير أن تشكل ساحة مفتوحة لصراع المصالح والأفكار والانتماءات والأدوار أدى إلى صعود المخاوف الكبرى وتباين الأولويات والدفع باتجاه خيارات الفئة أو الطائفة في مقابل المجتمع .

    وفي مثل هذه الأوضاع فإن المجموعات الأقدر على الصعود هي المجموعات الفئوية أو الطائفية المسلحة التي يسهل استفزازها وتعبئتها وتوظيفها ، خصوصاً وأنها محملة بالمخاوف وبمحفزات الصراع والصدام وغير مهيأة لخدمة القيم والروابط الجامعة . ورغم أن التفجيرات الدموية ذات البعد الطائفي بدأت مبكراً ، إلا أنها لم تتسع إلا بعد صعود أدوار التنظيمات الطائفية المسلحة ، ودخلت الفتنة طوراً جديداً بتفجير أضرحة بعض الأئمة . عندها تصاعدت واتسعت أعمال التهجير القسري والقتل على الهوية الطائفية وانتشرت فرق الموت لتزرع الرعب والقتل وترفع وتيرة الشحن الطائفي إلى أقصى حدودها . وبصورة يومية أو شبه يومية كانت التفجيرات تستهدف الأسواق والأماكن العامة والمساجد ومختلف أماكن الاحتشاد والتجمع ، وكانت عشرات أو مئات الجثث تكتشف كل صباح وهي ملقاة على قارعة الطريق . في تلك الأجواء تمت محاكمة رئيس العراق السابق تحت حراب المحتل وعبر جلسات منقولة على الهواء وبروح وأداء طائفي بلغ ذروته بإعدامه في مشهد منقول إلى عموم الأمة في يوم عيدها الأكبر .

    هذه الأحداث والتطورات أوقدت فتنة عامة امتدت إلى عموم الأمة ، فمعظم الأشياء أصبحت تُرى وتُفسر وتُستقبل من المنظور الطائفي حتى وإن لم تكن كذلك ، وواقع الاحتلال وأوضاعه بدأت تتراجع لصالح المخاطر ذات البعد الطائفي عند طرف وذات البعد الإرهابي عند طرف آخر ، ومقاومة المحتل اختلطت بالإرهاب وفتحت فرص تلويثه أو الادعاء ضده أو التنصل منه أو مقاومته ، وخوف الحكام من عدوى الديموقراطية تحول إلى شماتة بالمحتل وأمد بعضهم بورقة الخطر الطائفي وقدم للبعض الآخر حلفاء طائفيين جدداً ، كما أنه أمد بعضهم بورقة الخطر الإرهابي وقدم للبعض الآخر حلفاء ضد المحتل . وبشائر الديموقراطية تحولت إلى هياكل وشعارات تتعايش مع صور أسلحة التدمير والقتل وأزمات الماء والكهرباء وفضائح السجون وجيوش المرتزقة التابعين للشركات الأمنية ولما سمي بمجالس الصحوات . وما ظهر على السطح قد لا يمثل سوى جزءاً يسيراً من الحقيقة التي أفلتت من القبضات الحاجبة أو التجميلية ، فهناك شبكات استخبارات وبنية تحتية للتمويل والحشد والمكر والصراع والتصفيات وشراء الولاءات تقف خلف الجزء اليسير الذي ظهر على السطح . وكل هذا العالم السفلي هو الذي كان يحكم الأداء السياسي في أكبر عملية امتهان وابتذال لمفاهيم الإرهاب والديموقراطية والتحرير والمواطنة .

    ومثلما صعدت واستشرت ثقافة وسلوكيات الدهماء منذ أن أصبح أهل الرؤى والروابط الفئوية الدائرة في فلك الاحتلال أو الطائفية في مقدمة الفاعلين والمؤثرين فإن الأجواء انعكست على المستوى الثقافي والإعلامي والفني ، خصوصاً مع شيوع وسائل البث الفضائي التي فتحت أبواباً واسعة لاستشراء ثقافة وسلوكيات الدهماء ، سواء عبر الطائفيين والمحتلين والحكام والنافذين أو عبر الأتباع وأهل المغانم والمنافع العاجلة ضمن مجتمعات تعج بالمهمشين والمقموعين والمراهقين والأميين . وفي مقابل بعض المنابر القليلة الخادمة للقيم والروابط الجامعة سنجد غابة من المنابر الثقافية والإعلامية التي تعكس وتخدم وتغذي الرؤى والروابط الفئوية , بدءاً من المنابر الطائفية وانتهاء بالمنابر الإلهائية والتغريبية والتخديرية والغرائزية .

    مع موجة الانفتاح الاقتصادي في بلدان لا يسود فيها حكم القانون ولا يمكن تطبيق قواعد المساءلة والمحاسبة على أهل الحكم والنفوذ تحولت أدوات وقنوات الانفتاح إلى بوابات واسعة وهائلة للفساد ومنافذ نحو شتى الموبقات المالية والاقتصادية وظهرت مجموعات جديدة من الاقتصاديين الطفيليين المستفيدين من الاستبداد السياسي والمتحالفين مع أهل الحكم والنفوذ ، وبذلك امتدت ثقافة وسلوكيات الدهماء إلى الميدان الاقتصادي .

    وسط هذه الأجواء انطلقت شرارة الانقلاب على الأوضاع القائمة بصورة مفاجئة أذهلت الجميع ، وذلك عبر الثورة التونسية . وفي محيط مثقل بأعباء الاستبداد والفساد سرعان ما امتدت الثورة إلى المحيط العربي وسرت فيه سريان النار في الهشيم . وهنا بدأت رحلة الفـرز والاصطفاف الكبرى على مستوى الأمة ، بل وعلى المستوى العالمي .

    لاحقاً بمشيئة الله نواصل الطرح ،،،،

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2013
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، من الثورة الإيرانية ... إلى الثورة السورية

    .
    لقد اندلعت الثورات ثم شهدت نقلتها الكبرى في بلدين تعززت فيهما الرابطة الوطنية الجامعة وارتفع مستوى الوعي السياسي وازدادت قوة المجتمع المدني ولم تكن المؤسسة العسكرية خاضعة للرابطة العائلية وكان النظامان الحاكمان بإمكانيات اقتصادية محدودة وبغير سند اجتماعي أو ثقافي واسع ، الأمر الذي وفر معظم دواعي التغيير وأدى إلى تسهيل مهمته بأقل قدر من الخسائر والوقت وبأكبر قدر من الحشد والتأييد .

    هذه المعطيات وجهت ضربة هائلة لحاجز الخوف وأعطت شحنة قوية للقيم والروابط الجامعة وأظهرت سهولة التغيير ووضعت المدافعين عن الأنظمة الحاكمة في موضع شديد الضعف والسوء ووضعت مخالفيهم في موضع شديد القوة والإيجابية . غير أنه بمجرد أن انتقلت الثورات إلى بلدان ذات معطيات وأوضاع مختلفة فقد اختلف المسار ، حيث تم الانتقال إلى بلدان تكثر فيها عوائق أو بدائل الرابطة الوطنية وينخفض مستوى الوعي السياسي ودرجة قوة المجتمع المدني وتخضع المؤسسة العسكرية لنفوذ الأبناء والأقارب وتتمتع الأنظمة الحاكمة بقدر من الامتداد الاجتماعي أو الانسجام الطائفي ضمن محيطها الداخلي أو الإقليمي ، فضـلاً عن توفـر الثروة لدى بعضها ، وتفاوتها من حيث علاقتها بالقـوى الدولية .
    هنا واجهت الثورات أشد العوائق وأقوى المصاعب ، فقد حالت تلك الأوضاع دون توفر فرص الاحتشاد الجارف أو انحيـاز الجيش إلى الشعب ، كما أن مواقف الأطـراف الإقليمية والدولية تعددت وتفاوتت تبعاً لحسابات ومصالح كل طرف ، وبذلك بقي للأنظمة الحاكمة أنصارها وحلفاؤها وبقيت القوة العسكرية والأمنية بيدها وتحولت الانشقاقات إلى حالات معزولة أو جزئية وأصبح التدخل العسكري الأجنبي بكل فتنته وأثمانه السلبية المستقبلية خياراً وارداً ومطلوباً في بعض البلدان ، وأمكن للأنظمة الحاكمة أن تستمر في استثمار منابر الإعلام والثقافة وتوظيف كل موارد الدولة ضد الثورات ودعاتها ومنطقها وحججها ، الأمر الذي أفقدها كثيراً من بريقها النابع من سرعة الحسم وقلة الخسائر والنقاء الوطني والاضمحلال السريع لمواقع ومنابر الدفاع عن المجموعات الحاكمة .

    وبحكم وجود هذه المعطيات ، فإن الأوضاع في البلدان التي سقطت فيها الأنظمة أدت إلى فتح الأبواب أمام عودة أو انتعاش الثقافات والانتماءات الفئوية المليئة بثقافة التغلب أو بالأبعاد الطائفية أو بعوامل الصراع الثقافي بين المرجعيتين الإسلامية والغربية . وفي ظل عدم وجود البديل المناسب ازدادت الخسائر الاقتصادية وتعاظمت المطالب الفئوية وتنامى الشعور بالفوضى والانفلات ، بينما أدى تعثر الثورات في بلدان أخرى إلى ازدياد فرص ودوافع الخطاب والجهد المضاد للثورة ، الأمر الذي أمد الحكام بالوقت أو بالذرائع والحجج وأبقى لهم قدراً من الأتباع والحلفاء والخائفين والمنتفعين وحد من نجاح الثورات وأدخلها في نفق البدائل المتباينة والصراعات المرحلية والمخاوف الكامنة والتدخلات الأجنبية والوقوف عند مرحلة إسقاط الأنظمة أو البقاء ضمن دائرة الرفض دون القدرة على الانتقال إلى مرحلة البناء .

    هذه العوامل أدت وتؤدي إلى حالة قصوى من حالات " الديماغوجية " أو الدهمائية على مستوى الوعي والتفكير والخطاب .
    والواقع أن " الديماغوجية " أو " الدهمائية " لا بد أن تلازم أي وعي أو تفكير أو خطاب ينزل من موقع المجتمع إلى موقع الفئة أو الطائفة ويبني رؤيته للمجال العام على معطيات الخاص أو الفئوي ، سواء كان خطاباً سياسياً لسلطة متغلبة أو لمعارضة فئوية ، أو كان خطاباً دينياً في مواجهة خطابات دينية أخرى ( مثل السني في مواجهة الشيعي والعكس ) أو خطاباً ثقافياً في مواجهة خطابات ثقافية أخرى ( مثل الإسلامي في مواجهة العلماني والعكس ) . وبقدر ابتعاد هذه الخطابات عن قيمة الشورى والرابطة المكانية الجامعة أو عن مبادئ الديموقراطية ومرجعية الثقافة المجتمعية الشائعة فإنها تبتعد بالمنتمين إليها عن دائرة المجتمع وتقترب بهم من دوائر الفئات أو الطوائف وتبتعد بهم عن دائرة المشتركات وتقترب بهم من دوائر الخصوصيات .
    وبمجرد أن تتوفر أجواء الحرية وتنتقل هذه الخطابات إلى دائرة المجال العام فإن الوضع يتخذ صورة ثنائيات حدية تدفع باتجاه الاستقطاب وتغييب أو تهميش المشتركات وإبراز أو تضخيم الاختلافات ( سني شيعي ، سلفي صوفي ، إسلامي علماني ، ديني مدني ) .
    هذه الثنائيات الاستقطابية لا يمكن الدفاع عنها والانتصار لها من خلال اللوذ بالمشتركات ، بل من خلال الإمعان في الخصوصيات وتجميلها واستدعاء جمهورها وإثارة مخاوفهم وهواجسهم ، والإمعان أيضاً في تشويه صورة الطرف المقابل ، وذلك من خلال الانتقاء والاختزال والتصيُّد والتنميط وتتبع السلبيات وتضخيمها مهما كانت شاذة واستثنائية وتجنب الاعتراف بالإيجابيات أو تتبعها مهما كانت شائعة وواسعة .
    ومنذ أن انفتحت بوابات الحرية السياسية صعدت الانتماءات الفئوية والثنائيات الاستقطابية إلى الميدان السياسي وأدت إلى استشراء الخطاب " الديماغوجي " أو الدهمائي للفئويين من كل اتجاه ، فهو مناسب لحالات الاستقطاب والحشد وقادر على الوصول إلى الجماهير المسكونة بانتماءاتها الفئوية وانحيازاتها وأفكارها المسبقة . ورغم أن مثل هذا الخطاب طبيعي ومقبول في الميدان السياسي التنافسي وفي كل حالات السجال والجدال ، إلا أن رسوخ واستقرار ثقافة ولاية الأمة في إطار الرابطة المكانية الجامعة يحد من مخاطره ويسمح باستثمار إيجابياته في الميادين السياسية والاقتصادية التي تتطور بالسجال والجدال والرؤى التنافسية . أما في حالة وجود الازدواجية الثقافية وتجذر ثقافة التغلب وهيمنة الانتماءات الطائفية فإنه يتحول إلى خطر داهم يزيد من تغذية وتأجيج الانحيازات الفئوية الدافعة باتجاه التفتيت والتجزئة .
    وفي عصر ثـورة الاتصالات والمعلومات ستوفر وسائل الإعلام والاتصال منافذ كبرى لهذا الخطاب وسترفع شأن خادميه ومستثمريه ومسوقيه من الإعلاميين والحزبيين والزعماء الفئويين ، وقد يتعرض المتجرد والباحث عن المشتركات والمصالح العليا الجامعة لسيف " الفزاعات " الفئوية ولضغوط جمهورها الفئوي المحتشد ولأشد ألوان السب والشتم والتحريض ، فهي من أهم أدوات الخطاب " الديماغوجي ".

    وإذا لم تنجح مختلف الأطراف في الاقتراب من المشتركات وخدمتها فستتضاءل فرص الأمل وتهتز هيبة وضغوط المشتركات وتضعف محفزات وضغوط الدفـع باتجاه القيم والروابط الجامعة . وحينئذ ستنتقل " الديماغوجية " أو " الدهمائية " إلى الكثير من فئات المجتمع ، وقد تصبح شعارات ووسائل الثورة أدوات هدم لولاية الأمة . والثورة إنما تستمد مشروعيتها الأخلاقية والإنسانية من استهدافها تحقيق ولاية الأمة . وبمجرد أن تنفتح الأبواب أمام الأمة للتعبير عن إرادتها فإن المطلوب هو التطوير والعمل على معالجة الاختلالات لا السعي نحو هدم تلك الإرادة والعمل ضدها ، فهذا هدم لولاية الأمة واستعادة لثقافة التغلب ونقض لأساس مشروعية الثورة ، حتى وإن تم ذلك بوسائل قانونية ، فمساحة الاجتهاد القانوني تسمح بإجهاض الثورة بمجرد عدم مراعاة متطلبات الانتقال باتجاه ولاية الأمة والنظر من زاوية الحكام أو الطوائف لا من زاوية المجتمع . وفي كل الأحوال فإن النظام القضائي في أية دولة ترسخت فيها بنية الاستبداد والفساد لا بد أن يكون جزءاً من هذه البنية حتى وإن أنتج إفـرازات فردية مقاومة ، خصوصاً وأن أفكار الاستقرار والانتظام والسوابق أساسية في العمل القضائي ، وهي أفكار لا تصلح للمراحل الانتقالية التي تلي الثورات بل تصلح لهدمها .

    وكما أن انقلاب الآراء والمواقف ذات الأبعاد الطائفية قد شهد إحدى فصوله الكبرى مع احتلال العراق فإنه سيصل إلى ذروته بعد اندلاع الثورة السورية وحضور الأبعاد الطائفية والصراعات الدولية بشأنها ، فالطرف الطائفي الشيعي الذي أتى تحت راية المحتل الغربي للعراق وواجه راية المقاومة هناك ووصفها بالإرهاب وقاد حملة لاجتثاث " البعث " العراقي وأيد الثورات في تونس ومصر واليمن وأيد الثورة الليبية التي لم تنجح إلا بحملة لحلف الناتو لمدة تزيد على ستة أشهر سرعان ما انقلب على كل شيء بمجرد اندلاع الثورة السورية ثم حضور الأبعاد الطائفية . هنا ستعود راية العداء للمحتل وراية المقاومة ودعم " البعث " السوري والاصطفاف ضد الثورة .

    وبالمقابل فإن الأطراف الطائفية السنية لن ترى في الثورة السورية ثورة ضد الاستبداد والفساد بل ستنظر إليها من الزاوية الطائفية فتشحن المواقف التكفيرية وتسهم في نقل المسار من البعد السياسي إلى البعد الطائفي . كما أن الأنظمة الأكثر خوفاً من الثورات العربية وتصدياً لها ودعماً للثورات المضادة في أكثر من بلد عربي ستصبح في طليعة الداعمين للثورة السورية ، فالانتقال من البعد السياسي إلى البعد الطائفي يخدمها ويزيل مخاوفها .

    هكذا ستصعد الصراعات الثقافية ( الإسلامية العلمانية ) من جهة , والصراعات الطائفية ( السنية الشيعية ) من جهة أخرى ، وذلك على نحو يؤدي إلى نقل مسار بعض الثورات من الصراع ضد الاستبداد والفساد إلى الصراع الإسلامي العلماني الذي سيعيد تحديد الأولويات والتحديات وأطراف الصراع وقضاياه ويسهم في تشكيل تحالفات علنية أو ضمنية جديدة قد تجمع بعض شركاء الثورة ببعض أشد أعدائها وأقوى المتربصين بها داخلياً وإقليمياً وقد تجعلها مجرد مشروع حزبي أو طائفي لدى آخرين .
    وفي بعض الثورات سيؤدي تأجيج الانتماءات الفئوية إلى انتقال المسار من البعد السياسي إلى البعد الطائفي ، وذلك على نحو كفيل بالمجيء بأشد الأطراف المتضادة طائفياً وأكثرها تناقضاً وتلوُّناً تجاه الثورات . وفي بعض الثورات سينتقل المسار من البعد السياسي القيمي الوحدوي إلى الأبعاد الفئوية أو المناطقية .

    ولو تتبعنا أحوال الناس بعد كل رحلة الاستقطاب والاصطفاف والتجاذب وبمعزل عن الحدود الجغرافية لاتضح أنه آل في النهاية إلى تشكل معسكرين كبيرين يمتلئ أحدهما بالمنحازين للقيم والروابط الجامعة والناظرين إلى الثورات من زاوية المجتمع أو عموم الأمة ، وذلك كمعركة مجتمعية ضد الاستبداد والفساد ، ولذلك تكون مواقفهم ثابتة ومتسقة وخادمة للثورات ، لأنها غير مأسورة بالمصالح الشخصية أو الانتماءات الفئوية الضيقة . أما المعسكر الآخر فيمتلئ بأهل التلوُّن أو التقلُّب السياسي – سواء من الموقع الديني أو العلماني - ممن ينظرون إلى الثورات من زاوية الفئة أو الطائفة السياسية أو الثقافية التي ينتمون إليها ، ولذلك تأتي مواقفهم متناقضة ومليئة بالتلوُّن أو التقلُّب وغير خادمة للثورات أو عموم المجتمع ، لأنها مأسورة بمصالحهم الشخصية أو انتماءاتهم الفئوية الضيقة التي قد تخدمها الثورات في موقع ولا تخدمها في موقع آخر ، ولذلك فهم يتقلَّبون أو يتلوَّنون بحسب ما تمليه تلك المصالح والانتماءات ، خصوصاً وأن مفاهيم وأدوات الثورة وآليات الخطاب الديماغوجي توفر مخارج عديدة لكل من أراد الهروب من المجتمع إلى الطائفة .

    إن كل الرؤى والروابط الإسلامية هي رؤى وروابط فئوية دافعة باتجاه التغلب والطائفية بقدر بعدها عن الإيمان الحقيقي بالشورى كقيمة حاكمة للشؤون المجتمعية وبقدر مصادمتها للروابط الجامعة في كل ما يتعلق بقضايا المجال العام . والانفصال عن الشورى ينتج الاستبداد ، والانفصال عن الرابطة المكانية الجامعة ينتج الطائفية .

    وبالمثل فإن الرؤى والروابط العلمانية هي أيضاً رؤى وروابط فئوية دافعة باتجاه التغلب والطائفية بقدر بعدها عن الإيمان الحقيقي بمبادئ الديموقراطية – وهذا هو حال الرؤى العلمانية التي ليست الديموقراطية من مكوناتها ، كالرؤى القومية واليسارية - وبقدر استنادها إلى مرجعية ثقافية مصادمة لمرجعية محيطها . والانفصال عن الديموقراطية ينتج التغلب العلماني ، والانفصال عن ثقافة المجتمع ينتج الطائفية العلمانية . وقد نشأ الجميع وتشكلوا تحت سقف الاستبداد والطائفية ثم في إطار الازدواجية الثقافية بين المرجعيتين الإسلامية والغربية ، فالثقافة الإسلامية معبـأة بتراث التغلب والطائفية على مستوى قضايا المجال العام . والتراث الغربي الذي كان شائعاً ومقبولاً بين النخب في عموم المنطقة العربية هو التراث العلماني الشمولي غير المؤسس على الديموقراطية ، وهو ذاته التراث الأكثر بعداً عن الثقافة الدينية ورفضاً لها . وهذه المعطيات كانت من بين أهم محددات الوصول إلى المواقع في مراكز التأثير والقرار وفي منابر تشكيل الوعي وعلى منصات القضاء . ولذلك فإن استعادة الرؤى والروابط التي كانت شائعة قبل الثورات هي أشبه باستعادة مخزون التغلب والطائفية والازدواجية الثقافية ، بينما المطلوب هو أن تمتد الثورة إلى ذلك " المخزون " بغية التحرر من أسره وإعادة بناء الرؤى والمواقف السياسية على أساس القيم والروابط الجامعة .

    لا شك أن المخاطر الفئوية موجودة لدى كل من يريد إخضاع الثورة أو المجتمع للفئة أو الطائفة التي ينتمي إليها ، خصوصاً وأن الجميع تأسسوا تحت سقف الاستبداد والطائفية والازدواجية الثقافية . غير أن المجتمع ليس ما يظهر عبر الصورة الفئوية التي ينتجها أي طرف مسكون بالخصومة الثقافية أو السياسية أو الطائفية ، فتلك الصورة مليئة بالانتقاء والاختزال والانحياز والرغبة وسوء الظن والتصغير والتكبير والأفكار المسبقة ، وهي تكاد تلغي غالبية المجتمع ومعظم جوانبه وإنسانية أبنائه وتأثير الثـورات عليهم ، وقد تصلح في سياق التحشيد ضد بعض المخاطر وجوانب الخلل لا في سياق بناء المجتمع واكتشاف وتطوير قوانينه الجمعية ومواجهة المخاطر الفئوية التي تتهدده . ومتى ما أخلص المنحازون للقيم والروابط الجامعة في خدمة تلك القيم والروابط ومواجهة كل التراث الفئوي الممتد إلى منطقة المجال العام فإن المجتمع سيتطور ويطور الجميع ويفرض الخضوع له ولو على المدى الطويل . غير أن نجاح هذه المهمة يتطلب إعادة بناء الهوية الثقافية على نحو يسمح بالخروج من أسر التغلب والطائفية والازدواجية الثقافية والتلاقي عند القيم والروابط الجامعة ، فالتعدديـة ممكنة - بل وضرورية - على مستوى العقائد والشعائر والأحوال الشخصية ، أما في منطقة المجال العام فلا مناص من الوحدة الثقافية على مستوى القيم والأسس والقواعد الحاكمة للتنافس السياسي .

    بدءاً من احتلال العراق وانتهاء بتطورات الثورة السورية عاش الناس حالة كبرى من حالات الانقسامات والاستقطابات وصراعات الفئات والطوائف في مقابل المجتمعات . ولن يتم الخروج من حالة الفتنة على المستوى الإسلامي إلا إذا أعيد فهم تكاليف الشريعة المتعلقة بدائرة المجال العـام من بوابة المجتمع لا من بوابة الحاكم أو الطائفة وعلى أرضية الاجتهاد لا التقليد . أما على المستوى العلماني فلن تتحقق الدولة المدنية ولن تكون وسيلة نحو الخلاص من الاستبداد والفساد إلا عبر الإيمان الحقيقي بقيم الديموقراطية والتحرر من أسر الرؤى العلمانية التي ليست الديموقراطية من مكوناتها والاستعداد للخروج من أسر " الطائفة العلمانية " إلى المجتمع .

    وعودة إلى الحديث الأصلي حول فتنة الدهيماء ، حيث اختتم الحديث عن سلسلة الفتن بالإشارة إلى انتظار الدجال من يومه أو غده . فما معنى انتظاره ؟. هل يعني ظهوره وبدء فتنته ؟.

    هذا هو ما قد يظنه المرء لأول وهلة ، ولكن المنهج النبوي في تصوير أحوال الفتن يفرض فهماً آخر ، فالفتن لا بد أن تحدث أولاً ثم تتوفر فرص الفهم الدقيق لمدلولات الأخبار الواردة بشأنها . ولو كان انتظار الدجال بمعنى ظهوره وبدء فتنته فسيبدأ الفهم منذ بدء الفتنة وتتحول الأحداث إلى ما يشبه البشارات التي تتجسد أمام أعين الناس تدريجياً ويستطيعون توقع الأحداث اللاحقة بمجرد بدء حالة الفتنة . وحينئذ لن يكون في الأمر فتنة بل آيات متعاقبة تخر لها الأعناق .

    هذا لا يتفق مطلقاً مع منهج تصوير الفتن . وإذا كانت فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ستقتضي بالضرورة حدوث الفتن أولاً ثم فهمها بعد أن تحدث ، فإن المنهج لن ينقلب مع الفتنة الكبرى ، بل سيصعد إلى أقصى حدوده ، بحيث تكون التعبيرات الحافظة أقوى وأوسع وأعمق ، فإذا وصلت الفتنة إلى أواخر أحداثها أو أشد مراحل استحكامها فستنفتح أبواب الفهم الدقيق للأخبـار وستتوفر فرص صرفها إلى صورة أرضية مجسدة ومعاشة ، ولكن كفهم لاحق للأحداث ، بحيث يكون انتظار الدجال بمعنى التعرف عليه وعلى فتنته . ومن هنا ورد هذا الخبر كعلامة على انتهاء حالة الفتنة ، وليس كمؤشر للانتقال من فتنة الدهيماء إلى فتنة أعظم منها وأشد . فضلاً عن أن الأحاديث الواردة بشأن فتنة الدجال تدل على أنه لن يتم اكتشاف أمره إلا في أواخـر فتنته .

    إن فهم فتنة الدجال سيكون متزامناً مع فهم فتنة الدهيماء ، وهذا يقتضي حدوثهما ووصولهما إلى أواخر مراحل استحكامهما ، ومن ثم سيكون الفهم هو البوابة لبدء انقشاع حالة الفتنة .

    وفق ذات المنهج الذي تم استخدامه لفهم فتن الأحلاس والسراء والدهيماء ، يمكن فهم فتنة المسيح الدجال ، وذلك بتطبيق النصوص على صورة أرضية مجسدة ومعاشة ، فالفتن لا تُكتشف إلا عند النهايات . وهذا موضوع طويل قد نتناوله مستقبلاً بمشيئة الله ،،،،

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •