التكييف الفقهي لمنصب الرئيس في الدولة الحديثة
محمد بن شاكر الشريف

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كان من نتائج ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي وصول إسلاميين إلى سدة الحكم وأصبحنا نجد الرئيس الإسلامي المنتمي إلى جماعة إسلامية، وقد حرك هذا الوضع الجديد الماء الراكد في فقه السياسة الشرعية، وبدأ الناس يتساءلون عما يمثله منصب الرئيس في الدولة الحديثة وما يقابله من ألقاب موجودة في تراث فقه السياسة الشرعية.

رأس النظام لدولة الإسلام في تراث في فقه السياسة الشرعية يطلق عليه أحد هذه الألقاب بالتساوي: إمام أو خليفة أو أمير المؤمنين، فهل يستحق الرئيس في الدولة الحديثة هذا اللقب؟

من خلال دراسة ذلك اللقب فيما ورد في فقه السياسة الشرعية يتبين أن هناك عدة شروط يجب وجودها فيه، بعض هذه الشروط بمثابة الركن الذي يرتبط به اللقب بحيث يرتفع اللقب بغياب الركن أو فقده، وبعضها بمثابة الواجب الذي يؤثر غيابه وفقده في اكتمال اللقب لكن لا يمنع منه، ففقد الواجب يجعل اللقب قاصرا لكن لا ينفيه بينما فقد الركن ينفي اللقب من أساسه، وعند فقد لقب الإمام أو الخليفة أو أمير المؤمنين بغياب أحد أركانه يتم الانتقال إلى لقب آخر حسب الركن المفقود.

الإمام أو الخليفة أو أمير المؤمنين لقب شرعي دلّت عليه نصوص الشرع وأعطته خصائصه وأحكامه المتعلقة به، وليس هو مجرد لفظ لغوي للتعبير عمن يمارس السلطة العليا في البلد حتى يطلق على كل من يمارسها.

وبالنظر في الخصائص الأساس أو الأركان التي ينبغي وجودها في شخص من يطلق عليه إمام أو خليفة أو أمير المؤمنين في الشريعة نجد أنها ثلاثة أمور مجتمعة:


1-
أن تشمل سلطته بلاد المسلمين جميعها، وقد عبر إمام الحرمين الجويني عن ذلك فقال: \" الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة\"[1]، وهي ليست مقصورة على قطر من الأقطار بل تعم بلاد المسلمين، قال إمام الحرمين: \"الإمام هو الواحد الذي به ارتباط المسلمين أجمعين\"

2-
أن تتوحد السلطة في شخص واحد ولا تتعدد، وقد عبر أحمد بن يحيي بن المرتضي عن ذلك فقال: \"والإمامة رياسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقها يد\"[2]، فبين أنها لشخص واحد مخصوص بحكم الشرع، ما يعني واحدية شخص الخليفة فالخلافة ليست هيئة مكونة من اثنين أو جماعة من الناس.

3-
أن يكون القانون الذي يحكم به أو ما يسمى بالمرجعية هو الشريعة لا غير، وقد عبر الماوردي عن ذلك فقال: \"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا\"[3]فبين أن مستندها ومرجعيتها الشريعة لأنها خلافة النبوة، ومن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم فإنما يخلفه في الاستمساك بحبل الشريعة فالدين هو الأصل والعصام.

ولعل التعريف الذي يجمع بين هذه المكونات الثلاث هو أولى التعريفات بلقب الإمام أو مرادفاته المعنوية، فنقول الإمامة أو الخلافة: \"هي خلافة عن صاحب الشرع لشخص واحد صالح لها بحكم الشرع، يعم نظره ديار المسلمين جميعها\".

وبتطبيق هذه الأركان على الرئيس الإسلامي في الدولة الحديثة نجد أن الركن الأول يتخلف تخلفا كاملا بيقين حيث إن سلطته قاصرة ومحدودة فلا تتعدى الحدود الجغرافية للبلد التي هو رئيس لها وبذلك يفقد الركن الأول.

وأما النقطتان الباقيتان فتحتمل النقاش حول توفرهما فيه أو غيابهما كأن يقال: إن مبدأ الفصل بين السلطات (تنفيذية-تشريعية-قضائية) بحيث تستقل كل سلطة عن الأخرى يمنع توحد السلطة في شخص الرئيس.

وإن وجود المواد الدستورية والقانونية المخالفة للشريعة تمنع من كون الشريعة هي الحاكمة في البلاد أو أنها المرجعية الوحيدة للتشريعات.

لكن من الممكن معارضة هذا بالقول: إن فصل السلطات لا يمنع أن تكون السلطة التنفيذية هي السلطة الأقوى والمسيطرة فعليا في واقع الأمر، والسلطة التنفيذية يمثل الرئيس الرأس فيها

وأن وجود المواد المخالفة للشريعة في الدستور والقانون إنما هو أثر مما كان من قبل والعمل على تغييرها قائم وإن ذلك لا يمكن حدوثه في يوم وليلة فوجودها وجود اضطراري استثنائي ليس وجود قبول وإقرار.

ومن ثم فبغياب الركن الأول فإن الرئيس في الدولة الحديثة لا يستحق لقب إمام أو مرادفاته المعنوية حتى لو كان مسلما صادقا في إسلامه ساعيا في إقامة شرع الله أو أقامه فعلا وكان متفردا بالسلطة لا ينازعه فيها أحد.

وإذا لم يصبح الرئيس إماماً أو خليفة أو أميراً للمؤمنين فإنه ينتقل إلى لقب آخر وهو أن يصير والياً أو أميراً ما دام مستمسكاً بالشرع وكانت الشريعة مرجعيته الوحيدة. قال إمام الحرمين: \"وإن لم يتقدم نصب إمام كما تقدم تصويره، ولكن خلا الدهر عن إمام في زمن فترة، وانفصل شطر من الخطة عن شطر، وعز نصب إمام واحد، يشمل رأيه البلاد والعباد، فنصب أمير في أحد الشطرين للضرورة في هذه الصورة، ونصب أمير في القطر الآخر، ولم يقع العقد الواحد على حكم العموم، إذا كان يتأتى ذلك، فالحق المتبع في ذلك أن واحدا منهما ليس إماما، إذ الإمام هو الواحد الذي به ارتباط المسلمين أجمعين\"

وهناك شروط أخرى يجب تحققها في شخص الإمام لكنها ليست جوهرية في وصفه بالإمامة من عدمه أي إنها وإن كان من الواجب وجودها لكنها لا تعد من الأركان وذلك كطريقة وصوله إلى السلطة فإنه وإن كانت هناك طرق مشروعة للوصول إلى السلطة يجب اتباعها فإنه إذا لم تتحقق هذه الطرق مع تحقق الأركان الثلاثة المذكورة آنفا يصير إماما، وقد اعترف الفقه السني بإمامة المتغلب وبالوراثة، مع أن هذه لست طرقا مشروعة في الأصل.

كما لم يكن عدم اكتمال الصفات والشروط كالاجتهاد مثلا أو العدالة مانعاً من اعتبار رأس السلطة في الدولة إماماً، إذا وجدت الأركان الثلاثة، فباستثناء الخلفاء الأربعة الراشدين ومعاوية والحسن بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله ممن تولى الأمر لا نجد من الأئمة مجتهدا، كما أن الفقه السني اعترف بإمامة من هو على بدعة إذا وجدت الأركان الثلاثة ولو كانت البدعة مغلظة كبدعة الجهمية التي استولت على جزء من خلفاء الدولة العباسية.

والطريقة الانتخابية التي يصل بها الرئيس الإسلامي إلى الولاية أو الإمارة ليست تقوم مقام العقد في فقه السياسة الشرعية فليس هناك عقد ولا بيعة، بل هناك انتخابات يختاره فيها البعض ويرفضه البعض الآخر، ويكون رئيساً بحصوله على الأغلبية فوق 50%، ففي حالة د. مرسي في الانتخابات الرئاسية المصرية لعام 2012م مثلا صار رئيساً بحصوله على قرابة 52% من مجموع الذين أدلوا بأصواتهم، بينما هناك ما يقرب من 48% لم يختاروه فكيف يكون هذا عقداً.

هناك من يقول إنه عقد بالنظر إلى الرئيس لأنه موافق على ذلك وبالنظر إلى الموافقين الذين أدلوا بأصواتهم واختاروا الرئيس، وأما من لم يختر الرئيس فإن العقد بالنسبة لهم عقد إذعان ومن ثم يمكن اعتبار ما صار في الانتخابات عقدا بين الرئيس والشعب وعلى كلا طرفي العقد الوفاء بما تعاقدا عليه، والتصوير لمسألة الانتخاب على أنه عقد تصوير غير صحيح وذلك بالنظر إلى ما يلي: أن العقد في الولاية هو عقد مراضاة واختيار وليس عقد إذعان، لأن الإذعان نوع من الجبر والإكراه، والجبر والإكراه لا يدخل هذا النوع من العقود، وصف الماوردي عقد الإمامة بأنه: \"عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار\"[4] والاختيار والمراضاة لا ينافيان التقيد والإلزام فكونه عقد مراضاة واختيار لا يعني أن الطرفين مخيران فيه يمكنهما حله وعدم التقيد به من غير سبب يقتضيه،فالعقد عند التولية عقد مراضاة واختيار فإذا حدث العقد وثبت حكمه فيجب على الطرفين الالتزام والتقيد بما فيه

وما يتم في الانتخابات يمكن النظر إليه على أنه ملزم للأطراف كلها سواء من وافق أو اعترض بشروط:


1-
أن يكون النظام الانتخابي الذي يتم على أساسه الاختيار مقبولاً من الجميع فما يترتب عليه في هذه الحالة يكون ملزما للجميع، وكون النظام الانتخابي غير مقبول من فئة من فئات المجتمع فما يترتب عليه لا يكون ملزما لها، والنظام الانتخابي الذي لا يتقيد بالأحكام الشرعية لا يكون نظاما مقبولا لدى المسلمين

2-
أن يكون المختارين للرئيس يعدون من أهل الحل والعقد شرعاً فاختيارهم ملزم للجميع الموافق والمعترض، قال الماوردي: \"فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافةالأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته\"[5]

والذي أراه في التزام من لم يقبل بالنظام الانتخابي برئاسة الرئيس القادم من طريق الانتخابات يكون من باب تحقيق المصالح ودرء المفاسد وليس من باب التزام بعقد لا وجود له في الحقيقة، ولو عكسنا الأمر فكان الحائز على الغالبية المرشح غير الإسلامي أو المرشح العلماني أو النصراني لو قدر أن نصرانيا ترشح ونجح فهل نقول إن بيننا وبينه عقدا وإنا ملزمون بالوفاء به؟

وفي حالة نجاح مرشح غير إسلامي أو مرشح علماني فأنا كمسلم لا أرى له حقا في الحكم ولا أرى أنه يلزمني السمع والطاعة له، والتزامي بما ألتزم به إنما يكون لما يتحقق من وراء ذلك من مصلحة حقيقية أو يدرأ من مفسدة حقيقية، أو لأدفع به ضرر المخالفة الذي قد لا أستطيع تحمله.

ومما هو معلوم أن النظام الانتخابي في البلاد الإسلامية غير متقيد بالأحكام الشرعية لكننا نشارك فيه حسب قاعدة تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، كما أن عدم مشاركتنا لن يغير من واقع المخالفة شيئا ولكنه سيعظم من فرص فوز غير الإسلاميين، لكن علينا أن نلزم أنفسنا بتطبيق ما نقدر عليه مما هو موافق للشرع وإن لم يلزمنا به النظام الانتخابي، فإنه وإن كان يجوز نظاما أن يترشح للرئاسة بعد انتهاء مدة الرئيس من تتوافر فيه الشروط المطلوبة فإني أرى أنه إذا كانت طريقة الرئيس حسنة وأنه حقق كثيرا من الأغراض الشرعية من نصبه ولم يتهاون في تحقيق الباقي وأنه لا تخشى هزيمته أمام معارض غير إسلامي فلا أرى لمسلم أن يزاحمه في الترشح بعد انتهاء مدته، وإنما يجوز لمسلم أن يترشح ضده إذا كانت طريقة الرئيس غير مرضية وكانت إدارته ضعيفة وغير جادة أو متكاسلة في تحقيق الأهداف الشرعية، أو كان هناك مرشح غير إسلامي يخشى من تفوقه عليه فحينئذ يجوز لمن هو أقوى منه وأقدر على تحقيق الأهداف الشرعية أن ينافسه في ذلك حتى لا تنتقل الرئاسة لغير المسلمين، وإن كان الأصوب في الأمور التي لا تحتاج إلا شخصاً واحداً كالرئاسة أن يتفق الإسلاميون على شخص واحد وألا يتقدم للترشيح غيره حتى لا يكون هناك تنافس عليها مما يوجد الشقاق والخلاف بين المسلمين، وحتى لا يتوزع الصوت الإسلامي على أكثر من شخص مما يضعف مواقفهم ويعزز من فرص تغلب المرشح غير الإسلامي الذي قد يتجمع خلفه كل أصحاب المشروع المعارض للمشروع الإسلامي.

:: موقع مجلة البيان الالكتروني


--------------------------------------------
[1] غياث الأمم في التياث الظلم /22
[2] البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 374/5
[3] الأحكام السلطانية للماوردي ص 7
[4] الأحكام السلطانية /26
[5] الأحكام السلطانية/25