لابد في البدء من العناية بتصحيح النية لتكون "البوصلة " العلمية على نور من الله القائل جل ذكره: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير )




يقول الأخ أحمد : السلام عليكم
أنا طالب أزهري أدرس في مجال طب الأسنان أهوى القراءات الفكرية ف كافة امجالات الفلسفة والأدب والفكر السياسي والعلم الديني ولكن للأسف التأصيل الشرعي المنطلق منه من خلال دراستي في الازهر ليست كافية لإدراك مواطن الخلل ف الأفكار المطروحة أمامي أود من حضراتكم التعريف بالسبيل السليم البعيد عن الرؤى المذهبية لتحصيل العلم الشرعي وعلوم اللغة بشكل سليم يعصمني من الزلل ،وجزاكم الله خير


--

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
مرحبًا بطالب العلم ، نسأل الله لك التوفيق في الجمع بين إحسان ماسألت عنه من نية تأصيل العلم الشرعي ، فقد أخرج الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ) -وبين إتقان الصنعة الطبية النافعة للمسلمين ..وإليك الجواب في صورة نقاط ليسهل التقاط الفوائد ..

أولا-لابد في البدء من العناية بتصحيح النية لتكون "البوصلة " العلمية على نورِ من الله القائل -جل ذكره-: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) وهو من قال جل ثناؤه ملخصًا مقاصد الشيطان في أمرين: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) ثم إن الله تعالى تدرج في ذكر أصول المنكر حتى بلغ بها أرداها فقال ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ، قال ابن القيم في "اعلام الموقعين" : (فرتب المحرمات أربع مراتب ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم ، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه ، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم ، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه ..) وهذا قاطع في الدلالة على أن التأصيل الشرعي المبني على بصيرة وفقه واتباع للهدي الأول ليس شيئًا تحسينيًا فحسب يُنشَد به طلبُ الكمال المستحب ، بل هو ركن ركين في البناء الثقافي للمسلم ، يتفرع عن أصل حفظ الدين وما أخذه الله على أهل العلم من الميثاق والدعوة إليه على بصيرة..

ثانيا-فعلى هذا: من أول ما أنصحك به الاطلاع على كتبٍ ترسم المعايير التي على الطالب سلوكها ، وتنصب في طريقه معالم ، ليحاذر من مزالق العلم ويواطئ بخطاه السبيل التي انتهجها مِن قبلِه الربانيون فيكون عصمةً له بإذن الله تعالى من الزلل في ميدان الفكر أو الخلل السلوكي المنافي لاقتضاء العلم العمل . ومن خير هذه الكتب : "حلية طالب العلم" للشيخ المحقق بكر أبو زيد رحمه الله ، فهو صغير في مبناه ، كبير في معناه مع ما فيه من يسر يناسب البداءة به .

ثالثا-وأما العلم الشرعي فينبغي أن يُعرَف أن المطالعة المجردة دون التلقي عن مشايخ ثقات من أهل العلم الربانيين المتبعين لما كان عليه أئمة السلف في القرون الفاضلة =لا تصنع طالب علم مؤصّلا ، وغايتها أن ترفع من ثقافته ولايؤمن معه جانب التخليط أو الزيغ ، وقد أخرج الخطيب البغدادي في "الكفاية.." عن أحمد بن زيد بن هارون أنه قال : ( إنّما هو-يعني هذا الدين- صالح عن صالح ،وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب ، وصاحب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله عن جبريل، وجبريل عن الله عز وجل) ، فكما ترى هذه الشريعة الغراء بلغتنا بهذا السند الشريف ..فإذا انقطع السند بقراءة عبثية أو مرسلة عن زمام الأصالة المنهجية ،كان صاحبها غيرَ حصين عن مواطن الهلكة ولوثات الفكر دون أن يشعر ..ولهذا أخرج الخطيب أيضا رحمه الله تعالى في "تقييد العلم" عن الإمام الاوزاعي قوله : (كان هذا العلم شيئا شريفا إذ كانوا يتلقونه ويتذاكرونه بينهم فلما صار إلى الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله ) ، ومقصود الإمام أن الكتب يمكن كل أحد أن يتعاطى النظر فيها فإذا لم يكن أهلًا لدرك المعاني وقع في وهم الفهم وهو عنه بعيد فأساء من حيث أراد الإحسان ، وربما اغتر ثم انتهى إلى ما هو أسوأ.. وأسوأ..

رابعا –وليس معنى ما سبق المنع من النظر في الكتب مطلقا! وإنما بيان أهمية تلقي العلم في مدارج الطلب الأولى على أهل العلم المستجمعين لشرائط صحة الاعتقاد وسعة العلم والتقوى ، فإن تعذر ذلك فقد أصبح ميسورًا -ولله الحمد- الأخذُ عن طائفة منهم عبر الشروح الصوتية المنتشرة والدروس العلمية في كل فنّ ..في عقيدة السلف ، والتفسير ، والحديث ،والفقه ، والأصول ، والعربية وغيرها ..ولا ينفك طالب العلم عن حاجته إلى قدر جيد من كل ذلك بحسب إمكاناته وطموحاته ، حتى يتسنى له بعد ذلك الانطلاق من قاعدة صلبة عمادها متين إلى ما يميل إليه من فن معين لأن التخصص البحت لا ينتج بنيانًا معرفيًا راسخًا..وبخصوص ما ذكرت من علوم اللغة أو غيرها مما هو علم آلة أو غاية فثم جادة مسلوكة عند عامة أهل العلم كأن يبتدئ الطالب في علم الإعراب بسماع شرح الآجرومية ثم يثني بقطر الندى-مثلًا- ثم ينتقل إلى ألفية ابن مالك ..وهكذا ، والأمر في هذا واسع ..وكذلك فنُّ الصرف وغيره مما تجده مبسوطا في أجوبة شتى لأهل العلم ..كموقع صيد الفوائد مثلا

خامسا-وأما ما يتعلق بالانحرافات الفكرية في العالم العربي فهي لا تخلو عن اندراجها تحت نوع من خمسة أصناف في الجملة:
1-الابتداع في الدين : كالصوفية والأشعرية والاعتزال ..إلخ
2-العصرانية أو ما يسمى بالعقلانية وهي المناهج التي تأثرت بالغرب فحاول أهلها إزاء حالة الانهزام النفسي والهشاشة العقدية :التوفيق بين الإسلام ومفرزات الحضارة الغربية فضلوا في غمرة الانبهار وأضلوا..
3-التغريب بشقه الفلسفي أو الأدبي أو العلمي =وهو في كلمة: "تأصيل" للانسلاخ من الإسلام !
4-الاستشراق وهي دراسات وضعها أهلها في الغرب في محاولة نقد الإسلام خوفًا من المد الحضاري الإسلامي ، تتناول عامة مباحث الشريعة من كتاب وسنة وسيرة وغيرها ..
5-الإلحاد بأنواعه ..

هذه المباحث الفكرية لمن أراد ولوج بابها العام ومع اعتبار ما سبق التأكيد عليه من العناية بتحقيق ما كان عليه السلف في عامة مباحث العقيدة كشرح الواسطية والحموية والتدمرية للإمام ابن تيمية..فإني أنصحك بقراءة كتاب "العلمانية.." للشيخ سفر الحوالي ، ثم "حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها " للدكتور عبد الرحيم السلمي ، وكذا "المعرفة في الإسلام.. مصادرها ومجالاتها" للدكتور عبدالله القرني ، فهذه الكتب ستفتح لك فيما أحسب بوابة جيدة رصينة تتعلق بالجانب الفكري لتبحر بعد ذلك مستلهمًا في كل طريقك التوفيقَ من الله جل جلاله ، ولا يفوتني التنبيه على أن المطالعة في الكتب الفلسفية أو الفكرية المنحرفة أو كتب البدع والضلال، الأصل فيها المنع ، إلا لمن تأهل حتى رسخ في صحيح الاعتقاد وصار له من الحصانة العلمية ما يعصمه من الزيغ عن سبيل الرشاد، على أن يكون اطلاعه على تلك المعارف الغريبة عن الإسلام إنما هو لأجل صيانة الناس من لوثات الشبهات والذب عن حياض التوحيد ونحو ذلك، لا لأجل المعرفة المجردة ، فضلا عن الاستهداء بها! ، فقد أبلغ النبي عليه الصلاة والسلام في التحذير من الاستشراف إلى لقاء الدجال مع كونه شبهته أوهن الشبه وهي دعوى الألوهية! فما دونها من باب أولى، ولهذا قال الإمام ابن بطة في "الإبانة " : (فالله الله معشر المسلمين لا يحملن أحدا منكم حسن ظنه بنفسه ، وما عهد من معرفته بصحة مذهبه في المخاطرة بدينه بمجالسة بعض أهل هذه الأهواء فيقول أداخله لأناظره أو لأستخرج منه مذهبه فإنهم أشد فتنة من الدجال ، وكلامهم ألصق من الجرب وأحرق للقلوب من اللهب ..)
وهذا موقف عقلي مستقيم ، متسق مع أدلة الشرع ، لأن المصحّ لا ينبغي أن يورد على ممرض إلا بحصانة سالفة ثم يكون دخوله لأجل مصلحة راجحة ، فلم تختلف كلمة أهل العلم في أن الأصل هو المنع من النظر إلى كتب الضلال.. إلا ما استثني بشرطه كما سلف،والله ولي التوفيق .