.
بسم الله الرحمان الرحيم






قال رحمه الله كما في ( آثاره ) (2/ 234-237) : مائة وثلاثون مدرسة عربية ابتدائية مجهزة بكل الأسباب المادية العصرية اللازمة للمدارس ، وبجهاز آخر من المعنويات أعظم منها شأنا وأجل خطرا ، وبجند من المعلمين الأكفاء قوامه مائتان وخمسون معلما ، من بينهم عشرات من النوابغ في التعليم والإدارة ، ومشحونة بزهاء ثلاثين ألف تلميذ من أبناء الأمة : بنين وبنات ، يتلقون مبادئ الدين الصحيح : عقيدة وأعمالا ، ومبادئ العربية الفصيحة : نطقا وكتابة وإنشاء ، ويتربون على الوطنية الحقيقية ، وعلى الهداية الإسلامية ، والآداب العربية ، ويتكون منهم جيل مسلح بالعلم ، ثابت العقيدة في دينه ووطنه ، قوي العزيمة في العمل لهما ... ويزيد في قيمة هذه الحصون العلمية أن الأمة تملك أعيان نحو الخمسين منها ، وتملك الانتفاع بالباقي على وجه الكراء .

وسبعة وثلاثون مدرسة أخرى شرعت الأمة في تشييدها في هذه السنة ، وفيها ما يحتوي على ستة عشر قسما ، وفيها ما تقدر نفقاته بخمسة عشر مليونا من الفرنكات .

ومعهد تجهيزي عظيم ، يخطو إلى الرقي والكمال في كل يوم في نظامه وبرامجه وأساتذته وتلامذته . يُؤوي من تخرجه تلك المدارس ؛ ليزود الأمة منهم بالوعاظ والمرشدين وخطباء المنابر ، ويزود الطامحين منهم إلى المزيد من العلم بالمؤهلات إلى ما يطمحون إليه .

وجمعيات بلغت المآت ، مقسمة على العلم والإحسان والأدب والرياضة ، تبث في الأمة النظام ، والإدارة ، وآداب الاجتماع ، وديمقراطية الانتخاب ، وتعلمها كيف تناقش ، وكيف تصوغ الرأي ، وكيف تدافع عنه ، وكيف تنقضه بالحجة ، وكيف تزن الأفكار، وكيف تحاسب العاملين ، وتدربها على التدرج من الإدارات الصغرى إلى الإدارات الكبرى ؛ لأن الأمة التي لا تحسن إدارة جمعية صغيرة ، لا تحسن بالطبع - إدارة مجلس فضلا عن حكومة ، ولا كالجمعيات مدارس تدريب ، ونماذج تجريب .

ونوادٍ بلغت العشرات ، غايتها إصلاح ما أفسدت المقاهي والملاهي من أخلاق الشباب ، وكلها ميادين للعمل ، ومنابر للخطابة ، ومستغلات للعلم والتعليم .

وآلاف من الشباب العربي المسلم كان كالمجهول في نسبه ، وكالجاهل لحسبه ، ففتحت المحاضرات الحية أذهانه على تاريخ أسلافه ، وفتقت ألسنته على آدابهم ، فتقاسم على أن يقفو الأثر ، ويجدد ما اندثر ، وأقبل على العلم حتى إذا ضاقت به الجزائر فارقها كالنحلة ، ترحل إلى المكان السحيق ، لترجع إلى خليتها بالرحيق .

وإصلاح ديني تمكن من النفوس ، وتغلغل إلى الأفئدة ، فطهرها من الشوائب التي شابت الدين ، ومن النقائص التي شانت الدنيا ، وصحح العقائد فصحت القواعد ، وصحح العزائم ، فأقدمت على العظائم ، وإذا صحت العقائد وصلحت النيات ، ظهرت الآثار في العزائم والإرادات .

وفضائل شرقية كانت مشرفة على التلاشي فأحيتها مدارسة القرآن وممارسة التاريخ ، وإفشاء الآداب العربية ، ونشر المآثر العربية .

وأمة كاملة كانت نهبا مقسما بين استعمارين متعاونين على إبادتها : مادي متسلط على الأبدان ، وروحاني متسلط على العقول ، فصححت حركة الإصلاح الديني عقولها ، فصح تفكيرها ، واتزن تقديرها ، واستقام اتجاهها للحياة ، وإن تحرير العقول من الأوهام ، سبيل ممهد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد .

هذا هو رأس المال الضخم الذي أثلته جمعية العلماء للأمة الجزائرية في بضع سنين ، وغذت به البقايا المدخرة من ميراث الأسلاف .

وهذه هي الأعمال التي عملتها جمعية العلماء للعروبة والإسلام ، فحفظت لهما وطنا أشرف على الضياع ، وأمة أحاطت بها عوامل المسخ ، فأصبحت أمة عربية مسلمة شرقية نضاهي بها أخواتها في العروبة والإسلام ، بل نباهيهن بها ، وما شيدت جمعية العلماء هذا البناء الشامخ من الماديات والمعنويات ورفعت سمكه إلا بعد أن أزالت أنقاضً من الباطل والضلال تنوء بالعصب أولي القوة والأيد ، وبعد أن نازلت جيوشا من المبطلين المضلين تَكِعُّ عن لقائها الأبطال ، وبعد أن لقيت من حماة الاستعمارين ما تلقاه فئة الحق من فئات الباطل : كانوا أكثر وأوفر ، وكنا أثبت وأصبر ، وكانت العاقبة للصابرين .

وهذا ما وضعته جمعية العلماء من أسس ثابتة للوطنية الحقة ، فأروني ماذا صنعت هذه الجماعات التي تسمي نفسها أحزابا سياسية ، وحركات وطنية ؟ وماذا عمل هؤلاء اللائكون لكلمة الوطن ، من عمل صالح للوطن ؟ وماذا قدم هؤلاء الماضغون لكلمتي العروبة والإسلام ، من خدمة نافعة للعروبة والإسلام ؟ وماذا عرف هؤلاء المزورون على الشرق العربي من الشرق العربي ؟

لا نعرف نحن ، ولا تعرف الأمة ، ولا يعرف المنجم ، لهؤلاء أثرا صالحا في تربية الأمة ، ولا عملا إيجابيا مثمرا في فائدة الأمة ، بل لم نعرف جميعًا عنهم إلا الضد .

ففي باب التربية لم نر منهم إلا التدريب على السب والكذب والاختلاق وقلب الحقائق والتمرين على التزوير والدعايات المضللة ، والتعويد على الشقاق ، والتبعيد عن الاتحاد ، وفي باب الأعمال لم نر منهم إلا عملا واحدا ، هو الذي سميناه " جناية الحزبية على التعليم والعلم " .

هؤلاء القوم قطعوا الأعوام الطوال ، في الأقوال والجدال ، وجمع الأموال ، وتعليل الأمة بالخيال ، ومجموع هذا هو ما يسمونه سياسة ووطنية .

فلما فحصنا هذا وقارنا مقدماته بنتائجه لم نجده إلا تمهيدا للانتخابات ووسائل للفوز بكراسي النيابات ، وما يتبعها من خصائص وامتيازات .

هذه هي الحقيقة وإن ألبستها الدعايات الجوفاء في الداخل والخارج ألف ثوب زور ، وسنشرحها بالأدلة ونكشف الغطاء عن هذا الزيف ، فلا أبطل من الباطل إلا السكوت عليه .

وقد كانت مواسم الانتخاب تأتي بعد السنوات فيكون في الفترات بينها مجال لدعوى المدعي وتضليل المضلل ، ولكنها كثرت وتعددت وصحبها من مغريات الأجور ما أذهل المحتاط ، عن أخذ الاحتياط ، فافتضحت المقاصد ، وظهرت العيوب .

كثرت مواسم الانتخاب حتى أصبحت كأعياد اليهود ، لا يفصل بعضها من بعضها إلا الأيام والأسابيع ، وكان ذلك كله مقصودا من الاستعمار ؛ لما يعلمه في أمتنا من ضعف ، وفي أحزابنا من تخاذل وأطماع ، وفي مؤسساتنا ومشاريعنا العلمية من اعتماد على الوحدات المتماسكة من الأمة ، فأصبح يرميهم في كل فصل بانتخاب يوهن به صرح التعليم ، ويفرق به الجمعيات المتراصة حوله ، والتعليم هو عدو الاستعمار الألد لو كان هؤلاء القوم يعقلون .

كان هؤلاء القوم عونا للاستعمار على ما أراد من كيد التعليم وإضعافه ، فقد وقع في السنة الماضية انتخابان وأمعنت الحزبية في التضريب بين جماعات الأمة ، وبالغت في التضليل والأماني ، وبالغت في السب وتقطيع الأوصال ، وبالغت في تمزيق الشمل المجموع حول التعليم ، فما انتهى الانتخاب الأخير إلا والجمعيات القائمة بالمدارس منشقة متعادية ، والهمم التي كانت مجمعة على التعليم باردة فاترة ، والأيدي التي كانت مبسوطة للتعليم مقبوضة شحيحة ، وطاف طائف النعرات الحزبية ببعض المعلمين فنسوا واجبهم وأضاعوا الانسجام مع زملائهم - والانسجام شرط أساسي لنجاح التعليم - وفتحوا الباب للعامة في التحزب والتعصب ، وكانت النتيجة - لولا أن تداركناها بالحكمة - بلاء مصبوبا على مدارسنا ، وهي في خطواتها الأولى ، ولو أن مدارسنا اشتدت أصولها ، وامتدت فروعها ، وكانت تأوي في الجانب المالي إلى ركن شديد ، وترجع في الجانب العملي إلى رأي رشيد ؛ لكان وبال هذه النعرات الحزبية الشيطانية راجعا إلى أصحابه وحدهم ، ولو كان محركو هذه النعرات الحزبية يريدون بالوطن خيرا - كما يزعمون - لجانبوا بدعايتهم هذا الجهاز التعليمي بمدارسه ومعلميه وجمعياته وموارده المالية ، ولكنهم متعمدون لذلك متمالئون مع الاستعمار عليه ، ومن ذا الذي يستطيع إقامة الدليل على براءتهم من هذه الجريمة ، وأقوالهم شاهدة بذلك ؟

هذه إحدى جنايات الحزبية على التعليم زيادة على جنايتها على الأخوة والمصلحة الوطنية العامة .

إن التعليم عند الأمم التي عرفت الحياة معدود في المقومات التي هي رأس مال الوطن ، ورأس المال يسمو عن الحزبيات ، ولكن التعليم عند هؤلاء الدجالين منا معدود في الدرجة الأخيرة من الاعتبار ، فيجب في نظرهم السخيف أن يخضع للانتخاب ، ويسخر هو ورجاله للأحزاب ، وقد تختلف الأحزاب عند تلك الأمم في فكرة سياسية ، وترتفع حرارة الخلاف إلى درجة الغليان ولكن ... محال أن يصل الخلاف أو تمتد أسبابه إلى قدس التعليم ، ومدارسه ، ورجاله ، ونظمه ، وبرامجه ، ووسائله .

محال ذلك ؛ لأن التعليم- عندهم- فوق الأحزاب ، وفوق الحزبية ، وأشرف منهما ؛ ولأنه رأس مال الأمة ، وذخيرة الوطن ، وهما مقدسان عند الأحزاب التي تحترم أممها وأوطانها ....

اشتد الخلاف واحتد بين الأحزاب الفرنسية من الشيوعية المتعصبة إلى الكاثوليكية المتعصبة . فهل سمعتم أن الخلاف بينها تناول - يوما - المدارس والكليات والدين والتعليم ؟

قلت ( أشرف ) : مع اختلافي مع الشيخ - رحمه الله - في بعض الأمور التي وردت في أثناء كلامه .




والله الموفق




.