قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي رحمه الله في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني :


وما دعاني إلى اختصار الشرح المذكور إلا الضرورة القصوى لجملة أسباب (منها) أنا كنا نأمل أن يتحسن الحال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ويرجع كل شيء إلى ما كان عليه كما حصل في الحرب العالمية الأولى، ولكن خاب الأمل، فقد استمر الغلاء بنسبة خمسة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب وهذه أل نسبة، بل زاد في بعض الأشياء إلى ستة أضعاف وهكذا إلى عشرة، ومن ذلك ورق الطبع، كذلك زادت أجرة العمال بنسبة الغلاء (ومنها) طول الكتاب وأنه لو طبع مع شرحه الكبير كما سبق في الأجزاء التي طبعت لمبلغ أربعين جزءا، وكان في ظني أنه لا يزيد عن ثلاثين جزءا، ولكن الخبراء بفن الطباعة قد روه بأربعين جزءا على الأقل، ويؤيد تقديرهم هذا أننا طبعنا ثلاثة عشر جزءا وصلنا فيها إلى نهاية الحج فقط.
وهذا القدر لا يزيد عن ربع الكتاب، إذا كان كذلك فأين المال الذي يكفي للإنفاق على طبعه مع الغلاء المستمر؟ بل أين العمر الذي يتسع لذلك حتى النهاية وأنا في نهاية الحلقة السابعة من عمري، لا مال ولا آمال، فكان هذا من دواعي الاختصار (ومنها) أني لما وجدت الغلاء مستمرا تركت التفكير في طبعه ووصيت ولدي حسن البنا غفر الله له بإتمام طبع الكتاب بعد وفاتي إذا لم يتيسر لي إتمام طبعه في حياتي، وكنت مطمئنا بهذه الوصية لعلمي أنه خير من ينفذها لما جبل عليه من حب الخير ونشر العلم: خصوصا وأنه يعلم مقدار ما قاسيته في تأليف الكتاب. فكان جوابه، سيطبع في حياتك إن شاء الله تعالى لا في حياتي، ولم أدر ما خبأه لي القدر، فقد فوجئت باستشهاد في سبيل دعوة الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ، وله ما له ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، لقد استشهد حسن البنا في سبيل الدعوة إلى الله والرجوع إلى أحكام الله، فعم المصاب لم يكن مصابي أنا وحدي بل مصاب العالم الإسلامي أجمع، لأن الكل يعرف من هو أحسن البنا، تغمدك الله يا ولدي برحمته، وأسكنك فسيح جنته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجزاك عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وألحقنا بك على الإيمان آمين (عند ذلك) يئست من طبع الكتاب على يد غيري، ولا طاقة لي بذلك، فاشتد كربي وضاق صدري، وحينئذ تذكرت شيئا آخر، و هو مناشدة قادة العلماء و على رأسهم فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر وقتئذ الشيخ مأمون الشناوي غفر الله لي و له: فكتبت إليه خطابا مسجلا بالبريد بشراء شيء من النسخ المطبوعة و توزيعها على مكتبات المعاهد الدينية بالقاهرة و مدن القطر المصري، و نشر الدعاية لهذا الكتاب في المحيط الأزهري بين العلماء و الطلبة، و إرسال شيء منه إلى الأقطار الإسلامية مع البعثات الأزهرية، و بذلك يحصل التعاون الذي ينبغي لكل مسلم فعله، التعاون على البر و التقوى الذي أمر الله به في كتابه، لو حصل ذلك لانتفع الناس بالكتاب و انتفعت بإنفاق ثمنه على طبع سائره، و لكن و يا للأسف جعلت أنتظر الجواب أكثر من سنة فلم يستجب لي حتى لحق بربه رحمه الله. فكان هذا من أسباب الاختصار .