نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي
النتائج 1 إلى 11 من 11

الموضوع: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
    مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
    ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَّاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
    أما بعد:
    فسوف أحاول هنا أن أضع نقدا علميا مختصرا لكتاب الإمام الرازي «الأربعين في أصول الدين»
    منهج الرازي في كتابه

    سلك الرازي في كتابه هذا – كعادته- مسلك المتكلمين، فتجده يسير على دربهم في الحجج الكلامية، والتقارير الفلفسية، والمقدمات المنطقية، ولا يعرج إلا نادرا على الآيات والأحاديث والآثار.
    ونستطيع أن نلخص منهجه ذلك فيما يلي:
    1- التقديم بمقدمات منطقية قبل الخوض في تقرير دلائل غالب مسائل كتابه؛ فمثلا:
    في المسألة الأولى في حدوث العالم، يقول:
    (فلا جرم وجب علينا قبل الخوض في تقرير الدلائل تقديم ثلاث مقدمات.)[1]
    وفي المسألة الثالثة في إثبات العلم بالصانع، يقول:
    (وقبل الخوض في المقصود لا بد من تقديم مقدمات)[2]
    وهكذا في أغلب مسائل الكتاب.
    2- استقصاء جميع الوجوه الممكنة في المسألة، حتى لو كان من هذه الوجوه ما لم يقل به أحد قطّ، وإنما همّه حصر التقسيم العقلي الممكن، فمن ذلك:
    في المسألة الأولى في حدوث العالم، يقول:
    (المذاهب الممكنة في هذه المسألة لا تزيد على خمسة)[3]
    وقال في المذهب الرابع منها: (وهذا معلوم البطلان بالبداهة، فلا جرم لم [يقل][4] به قائل)[5]
    وفي المسألة السادسة في أن وجود الله تعالى هل هو نفس حقيقته أم لا؟ يقول:
    (المذاهب الممكنة في هذه المسألة لا تزيد على ثلاثة)[6]
    وهكذا أكثر مسائله.
    ـــــــــــــــ ـــــــ
    [1] - الأربعين في أصول الدين (ص: 15)
    [2] - الأربعين في أصول الدين (ص: 70)
    [3] - الأربعين في أصول الدين (ص: 22)
    [4] - تصحف في المطبوع إلى: يقبل
    [5] - الأربعين في أصول الدين (ص: 23)
    [6] - الأربعين في أصول الدين (ص: 99)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    3- إيراد الشبه العظام وإطالة النفس في تقريرها، وذكر الحجج لها؛ حتى يظن الظانّ أنه يؤيد هذا القول لكثرة ما يورده من الأدلة لنصرته. وهذا عامّ في جميع مسائل الكتاب، بل في جميع مصنفات الإمام الرازي، ولقد كان ذلك أحد أهم الأسباب في توجيه النقد اللاذع لمؤلفاته وطريقته في التصنيف.
    4- مخالفة إمامه الذي ينتسب إليه أبي الحسن الأشعري في أكثر مسائله الأصولية على خلاف المتبادر للأذهان من انتسابه لمذهب الأشعري، فمن ذلك:
    في المسألة الثانية في أن المعدوم ليس بشيء، قال: (فذهب أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري إلى أن وجود كلّ شيء نفس ماهيته. وذهب كثير من المتكلمين وجمهور الحكماء إلى أن وجود الشيء وصف مغاير لماهيته.)[1]
    ثمّ أورد الحجج والبراهين على صحة القول الثاني، وردّ على حجج القول الأول، وبين خطؤه.
    في المسألة السادسة في أنّ وجود الله تعالى هل هو نفس حقيقته أم لا؟ ذكر المذاهب في هذه المسألة فقال: (أحدها: قول من يقول: إطلاق لفظ الموجود على واجب الوجود، وعلى ممكن الوجود، ليس بحسب معنى واحد، بل بحسب مفهومين. وهذا قول أبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصري وأتباعهما... والقول الثالث: وهو أن وقوع اللفظ الموجود على الواجب وعلى الممكن، بحسب مفهوم واحد، وذلك المفهوم صفة عارضة لماهية الحق سبحانه وتعالى وتقدس ولحقيقته المخصوصة. وهو المختار عندنا...)[2]
    وهو صريح في أنه لا يعد نفسه من أتباع الأشعري.
    5- كثيرا من الأحيان يستطرد في ذكر الأقوال، ويفرع منها وجوها، ويأتي لكل وجه بالحجج الطوال، ويرد كل حجة بوجوه أخرى، وهكذا ولا يرجح في النهاية قولا على قول، فيثير الشبهة ولا يردها، ويشعل نار الفتنة ولا يطفئها، فيجعل من يقرأ كلامه يقف متحيرا لا يهتدي إلى شيء، فلا هو قادر على دفع الشبهة التي اعتملت في نفسه، ولا هو قادر على الرد عليها.
    ـــــــــــــــ ـــ
    [1] - الأربعين في أصول الدين (ص: 57)
    [2] - الأربعين في أصول الدين (ص: 99)

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    تقييم كتاب
    «الأربعين في أصول الدين»
    في ضوء العقيدة السلفية

    لقد دأب سلفنا الصالح رضوان الله عليهم على التحذير من أهل الكلام وعدم السماع لأقوالهم ولا القراءة في كتبهم.
    قال الإمام الشافعي: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.([1])
    وقال أيضا: لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من الكلام ولقد اطلعت من اهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول ذلك.([2])
    وقال أيضا: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام.([3])
    وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.([4])
    وقال: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ.([5])
    وقال الإمام أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق([6])
    وقال الإمام أحمد: لا يفلح صاحب كلام أبدا ولا يرى أحد نظر في الكلام إلا في قلبه دغل.([7])
    وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع يغلظان في ذلك أشد التغليظ وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار، وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبدا([8])
    وقال أبو عمر بن عبد البر أجمع أهل الفقه والآثار من جميع أهل الأمصار أن أهلالكلام أهل بدع وزيغ لا يعدون عند الجميع في طبقات العلماء وإنما العلماء أهل الأثر.([9])
    وقال أحمد بن إسحاق المالكي: أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري لا تقبل له شهادة ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها.([10])
    ـــــــــــــــ ـــــــ
    [1] - تحريم النظر في كتب الكلام (1/41).
    [2] - تبيين كذب المفتري (1/335)
    [3] - تحريم النظر في كتب الكلام (1/41).
    [4] - شرح العقيدة الطحاوية (1/69).
    [5] - أحاديث في ذم الكلام وأهله (4/246). ويقصد الإمام الشافعي بذلك ما جاء في الآثار: (أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال من أنت قال أنا عبد الله صبيغ فأخذ عرجونا فضربه وقال أنا عبد الله عمر فجعل له ضربا حتى دمي رأسه فقال يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي)، (وقال أبو عثمان النهدي: كتب إلينا عمر لا تجالسوا صبيغا فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا عنه) انظر: أحاديث في ذم الكلام وأهله (4/242-244)
    [6] - تحريم النظر في كتب الكلام (1/41).
    [7] - تحريم النظر في كتب الكلام (1/41).
    [8] - اعتقاد أهل السنة لللالكائي (1/179).
    [9] - تحريم النظر في كتب الكلام (1/41-42).
    [10] - تحريم النظر في كتب الكلام (1/42).

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    (وذكرالأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده: لا يدخل المتكلمون وأوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم فأفتى السلف أن يباع ما فيها من كتب الكلام ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى الظهيرية)([1])
    ولو أردنا أن نستقصي كلامهم في ذلك لطال الأمر جدا، لكن فيما ذكرنا كفاية تغني عن الإطالة وتفي بالمقصود.
    فهذا الكتاب موضوع بحثنا إنما قامت أركانه وشُيّد بنيانه على علم الكلام، وأقوال أهله، فهو أبعد ما يكون عن المنهج السلفي والطريقة السنية.
    هذا من جهة الإجمال، وأما من جهة التفصيل فنختار مسألتين من مسائل الكتاب: إحداهما من أوائل الجزء الأول، والأخرى من أواخر الجزء الثاني، ونورد الردّ عليهما بالتفصيل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد ناقش أكثر مسائل الكتاب، وكلامه في ذلك منثور في مجموع الفتاوى، وهو جدير بأن يجمع في مؤلف واحد كما أراده، يكون ردًّا على كتاب: «الأربعين في أصول الدين»، على غرار كتاب «بيان تلبيس الجهمية» وهو ردّ عى كتاب الرازي: «تأسيس التقديس»
    وهذا حين الشروع في المقصود:
    ـــــــــــــــ ــــــ
    [1] - شرح العقيدة الطحاوية (1/69).

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    المسألة العاشرة
    في بيان أنه تعالى يمتنع أن يكون محلا للحوادث

    قال الإمام فخر الدين الرازي:
    (المشهور أن الكرامية يجوزون ذلك، وسائر الطوائف ينكرونه، ومن الناس من قال: أكثر طوائف العقلاء يقولون بهذا المذهب، وإن كانوا ينكرونه باللسان، أما المعتزلة فمذهب «أبي علي» و «أبي هاشم» وأتباعهما: أنه تعالى مريد بإرادة حادثة، لا في محل، وكاره للمعاصي والقبائح بكراهة محدثة، لا في محل، وهذه الإرادة والكراهات، وإن كانت موجودة لا في محل، إلا أن صفة المريدية والكارهية، تحدث في ذات الله تعالى، هذا قول بحدوث الحوادث في ذات الله تعالى.
    وأيضًا: إذا حضر المرئي والمسموع، حدثت في ذات الله تعالى صفة السامعية والمبصرية.
    بلى. المعتزلة لا يطلقون لفظ الحدوث، وإنما يطلقون لفظ التجدد، وهذا نزاع في العبارة، وأما «أبو الحسين البصري» فإنه يثبت علومًا متجددة في ذات الله تعالى بحسب تجدد المعلومات.
    وأما الأشعرية، فإنهم يثبتون النسخ، ويفسرونه بأنه رفع الحكم الثابت، او انتهاء الحكم، وعلى التقديرين فإنه اعتراف بوقوع التغير، لأن الذي ارتفع وانتهى، فقد عدم بعد وجوده، وأيضًا: يقولون: إنه تعالى عالم بعلم واحد، ثم إنه قبل وقوع المعلوم يكون متعلقًا بأنه سيقع، وبعد وقوعه يزول ذلك التعلق، ويصير متعلقًا بأنه كان واقعًا، وهذا تصريح بتغير هذه التعلقات، ويقولون أيضًا: إن قدرته كانت متعلقة بإيجاد الموجود المعين، من الأزل، فإذا وجد ذلك لاشيء، ودخل ذلك الشي في الوجود انطقع ذلك التعلق، لأن الموجود لا يمكن إيقاعه، فهذا اعتراف بأن ذلك التعلق قد زال، وكذا أيضًا: الإرادة الأزلية كانت متعلقة بترجيح وجود شيء على عدمه في ذلك الوقت المعين، فإذا ترجح ذلك الشيء في ذلك الوقت، امتنع بقاء ذلك التعلق، لأن ترجيح المترجح محال.
    وأيضًا: تواقفنا على أن المعدوم لا يكون مرئيًا ولا مسموعًا، فالعالم قبل أن كان موجودًا لم يكن مرئيًا، ولا كانت الأصوات مسموعة، وإذا خلق الألوان والأصوات صارت مرئية ومسموعة، فهذا اعتراف بحدوث هذه التعلقات، ولو أن جاهلاً التزم كون المعدوم مرئيًا ومسموعًا، قيل له: الله تعالى هل كان يرى العالم وقت عدمه معدومًا، أو كان يراه وجودًا؟ لا سبيل إلى القسم الثاني، لأن رؤية المعدوم موجودًا غلط، وهو على الله تعالى محال، ثم إذا أوجده فإنه يراه موجودًا لا معدومًا، وإلا عاد حديث الغلط فعلمنا: أنه تعالى كان يرى العالم وقت عدمه معدومًا، ووقت وجوده موجودًا، وهذا يوجب ما ذكرناه.
    وأما الفلاسفة: فهم مع أنهم أبعد الناس في الظاهر عن هذا القول، هم قائلون به وذلك لأن مذهبهم: أن الإضافات موجودة في الأعيان، وعلى هذا، فكل حادث يحدث، فإن الله تعالى يكون موجودًا معه، وكونه تعالى مع ذلك الحادث، وصف إضافي حدث في ذاته.
    وأما «أبو البركات البغدادي» - وهو من أكابر الفلاسفة المتأخرين – فإنه صرح في كتابه «المعتبر» بإثبات إرادة محدثة، وعلوم محدثة في ذات الله تعالى، وزعم: انه لا يتصور الاعتراف بكونه تعالى إلهًا لهذا العالم، إلا مع هذا المذهب، ثم قال: «الإجلال من هذا الجلال واجب، والتنزيه من هذا التنزيه لازم» فإذا حصل الوقوف على هذا التفصيل، ظهر أن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء، وإن كانوا ينكرونه باللسان.
    واعلم أن الصفات على ثلاثة أقسام. "حقيقية عارية عن الإضافات" كالسواد والبياض. "وثانيها" الصفات الحقيقية التي تلزمها الإضافات كالعلم والقدرة. وثالثها الإضافات المحضة والنسب المحضة مثل كون الشيء قبل غيره وبعد غيره، ومثل كون الشيء يمينا لغيره أو يسارا له؛ فإنك إذا جلست على يمين إنسان ثم قام ذلك الإنسان وجلس في الجانب الآخر منك: فقد كنت يمينا له؛ ثم صرت الآن يسارا له فهنا لم يقع التغير في ذاتك ولا في صفة حقيقية من صفاتك؛ بل في محض الإضافات. إذا عرفت هذا، فنقول: أما وقوع التغير في الإضافات فلا خلاص عنه وأما وقوع التغير في الصفات الحقيقية: فالكرامية يثبتونه وسائر الطوائف ينكرونه فبهذا يظهر الفرق في هذا الباب بين مذهب الكرامية ومذهب غيرهم.
    والذي يدل على فساد قول الكرامية وجوه:
    الأول: أن كل ما كان من صفات الله فلا بد أن يكون من صفات الكمال ونعوت الجلال فلو كانت صفة من صفاته محدثة، لكانت ذاته قبل حدوث تلك الصفة خالية عن صفة الكمال والجلال. والخالي عن صفة الكمال ناقص؛ فيلزم أن ذاته كانت ناقصة قبل حدوث تلك الصفة فيها وذلك محال. فثبت أن حدوث الصفة في ذات الله محال.)([1])
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    (ولقائل أن يقول: ما ذكرته لا يدل على محل النزاع وبيان ذلك من وجوه:
    أحدها: أن الدليل مبني على مقدمات لم يقرروا واحدة منها لا بحجة عقلية ولا سمعية؛ وهو أن كل ما كان من صفات الله لا بد أن يكون من صفات الكمال، وأن الذات قبل تلك الصفة تكون ناقصة، وأن ذلك النقص محال.
    وحقيقة الأمر لو قام به حادث لامتنع خلوه منه قبل ذلك. ولم يقم على ذلك حجة.
    الثاني: أن وجوب اتصافه بهذا الكمال وتنزيهه عن النقص لم تذكر في كتبك عليه حجة عقلية؛ بل أنت وشيوخك كأبي المعالي وغيره تقولون: إن هذا لم يعلم بالعقل؛ بل بالسمع.
    وإذا كنتم معترفين بأن هذه المقدمة لم تعرفوها بالعقل. فالسمع إما نص وإما إجماع.
    وأنتم لم تحتجوا بنص؛ بل في القرآن أكثر من مائة نص حجة عليكم والأحاديث المتواترة حجة عليكم.
    ودعوى الإجماع.......([2])
    ـــــــــــــــ ـــــــــــ
    [1] - الأربعين في أصول الدين (ص: 117-119).
    [2] - سقط باقي الكلام من مجموع الفتاوى، ووصل بما بعده من كلام الفخر الرازي في كتاب الأربعين في أصول الدين» ولم ينبه على ذلك فأوهم أنه من كلام شيخ الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انظر مجموع الفتاوى (6/275).
    وقد وضعتُ في المجلس موضوعا خاصا بهذا الأمر على هذا الرابط:
    خللٌ جللٌ في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ... آه لو كان مكرورا!!

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    قال الإمام الفخر الرازي:
    (المقدمة الثانية: إن القابلية إذا كانت أزلية وجب أن يكون المقبول صحيح الوجود في الأزل. والدليل عليه أن كون الشيء قابلا لغيره، نسبة بين القابل والمقبول. والنسبة بين المنتسبين متوقفة على تحقق كل واحد من المنتسبين، فصحة النسبة تعتمد صحة وجود المنتسبين. ولما كانت صحة اتصاف الباري بالحوادث حاصلة في الأزل؛ لزم أن تكون صحة وجود الحوادث حاصلة في الأزل.)([1])
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    (فيقال لك: هذا الدليل بعينه موجود في كونه قادرا فإن كون الشيء قادرا على غيره نسبة بين القادر والمقدور والنسبة بين المنتسبين متوقفة على تحقيق كل واحد من المنتسبين وصحة النسبة تعتمد وجود المنتسبين. فلماكانت صحة اتصاف الباري بالقدرة على الغير حاصلة في الأزل: لزم أن يكون صحة وجود المقدور حاصلة في الأزل فهذا وزان ما قلته سواء بسواء. وحينئذ فإن جوزت وجود أحد المنتسبين وهو كونه قادرا في الأزل، مع امتناع وجود المقدور في الأزل، فجوز أحد المنتسبين وهو كونه قابلا في الأزل، مع امتناع وجود المقبول في الأزل. وإن لم تجوز ذلك بل لا تتحقق النسب إلا مع تحقيق المنتسبين جميعا؛ لزم إما تحقق إمكان المقدور في الأزل، وإما امتناع كونه قادرا في الأزل، وأيًّا ما كان بطلت حجتك سواء جوزت وجود أحد المنتسبين مع تأخر الآخر، أو جوزت وجود المقدور في الأزل، أو قلت: إنه ليس بقادر في الأزل. فإن هذا وإن كان لا يقوله لكن لو قدر أن أحدًا التزمه وقال: إنه يصير قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا؛ كما يقولون إنه يصير قابلا بعد أن لم يكن قابلا. قيل له: كونه قادرًا إن كان من لوازم ذاته وجب كونه لم يزل قادرًا وامتنع وجود الملزوم وهو الذات بدون اللازم وهو القدرة، وإن لم تكن من لوازم الذات كانت من عوارضها فتكون الذات قابلة لكونه قادرًا وكانت الذات قابلة لتلك القابلية. فقبول كونه قادرًا إن كان من اللوازم عاد المقصود، وإن كان من العوارض افتقر إلى قابلية أخرى ولزم إما التسلسل وإما الانتهاء إلى قادرية تكون من لوازم الذات.
    الجواب الثامن:([2]) أن يقال: فرقك بأن وجود القادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور ووجود القابل لا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول؛ فرق بمجرد الدعوى ولم تذكر دليلا لا على هذا ولا على هذا والنزاع ثابت في كلا الأمرين. فمن الناس من يقول: لا يجب أن يكون القادر متقدما على إمكان وجود المقدور بل ولا يجوز؛ بل يمكن أن يكون وجود المقدور مع قدرة القادر. وهذا كما يكون المقدور مع القدرة عند جماهير الناس من المسلمين وغيرهم؛ وإن كان وجود المقدور مع القادر يفسر بشيئين:
    أحدهما: أن يكون المقدور أزليا مع القادر في الزمان. فهذا لا يقوله أهل الملل وجماهير العقلاء الذين يقولون: إن الله خالق كل شيء. وهو القديم وما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن. وإنما يقوله شرذمة من الفلاسفة الذين يقولون: إن الفلك معه بالزمان لم يتأخر عنه ويجعلونه مع ذلك مفعولا مقدورا. وأما كون المقدور متصلا بالقادر بحيث لا يكون بينهما انفصال ولكنه عقبه؛ فهذا مما يقوله أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم. ويقولون: المؤثر التام يوجد أثره عقب تأثره. ويقولون: الموجب التام يستلزم وجود موجبه عقبه لا معه. فإن الناس في المؤثر التام على ثلاثة أقوال:
    منهم من يقول: يجوز أو يجب أن يكون أثره منفصلا عنه؛ فلا يكون المقدور إلا متراخيا عن القادر والأثر متراخيا عن المؤثر كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام وغيرهم.
    ومنهم من يقول: بل يجوز أو يجب أن يقارنه في الزمان كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ووافقهم عليه بعض أهل الكلام في العلة الفاعلية. فقالوا: إن معلولها يقارنها في الزمان.
    والقول الثالث: أن الأثر يتصل بالمؤثر التام لا ينفصل عنه ولا يقارنه في الزمان فالقادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور لا ينفصل عنه. وإذا قال القائل: وجود القادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور قالوا: إن عنيت بالتقدم الانفصال فممنوع؛ وإن عنيت عدم المقارنة فمسلم ولكن لا نسلم المقارنة. وذلك يتضح:
    بالجواب التاسع: وهو أن يقال: قولك أما وجوب وجود القابل فلا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول: فلم تذكر عليه دليلا. وهي قضية كلية سالبة؛ وهي ممنوعة. بل المقبول قد يكون من الصفات اللازمة؛ كالحياة والعلم والقدرة؛ فيجب أن يقارن المقبول للقابل؛ فلا يتقدم القابل على المقبول وقد يكون من الأمور الاختيارية التي تحدث بقدرة الرب ومشيئته. فهذه المقبولات هي مقدورة للرب وهي مع كونها مقبولة نوع منالمقدورات. وأنت قد قلت: إن المقدور يجب أن يكون متأخرا عن وجود القادر وهذا النوع من المقبولات مقدور؛ فيجب على قولك أن يكون القابل لهذه: متقدما على وجود المقبول. ثم التقدم: إن عنيت به مع الانفصال والبينونة الزمانية: ففيه نزاع وإن عنيت به المتقدم - وإن كان المقدور المقبول متصلا بالقادر القابل من غير برزخ بينهما - فهذا لا ينازعك فيه أحد من أهل الملل وجماهير العقلاء؛ بل لا ينازعك فيه عاقل يتصور ما يقول فإن المقدور الذي يفعله القادر الأزلي بمشيئته: يمتنع أن يكون قديما معه لم يتقدم القادر عليه؛ ولهذا كان العقلاء قاطبة: على أن كل ما كان مقدورا مفعولا بالاختيار بل مفعولا مطلقا: لم يكن إلا حادثا كائنا بعد أن لم يكن.
    الجواب العاشر: أن وجود الحوادث شيئا بعد شيء إن كان ممكنا كانت الذات قابلة لذلك وإن كان ممتنعا امتنع أن تكون قابلة له؛ بل وإن قيل إن القبول من لوازمها فهو مشروط بإمكان المقبول فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده دون ما يمتنع. وهذا هو:
    الجواب الحادي عشر: وهو أن يقال: الذات لم تزل قابلة لكن وجود المقبول مشروط بإمكانه؛ فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده لا لما لا يمكن وجوده.
    الوجه الثاني عشر: أن يقال: عمدة النفاة أنه لو كان قابلا لها في الأزل: للزم وجودها أو إمكان وجودها في الأزل وقرروا ذلك في "الطريقة المشهورة" بأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وقد نازعهم الجمهور في هذه " المقدمة " ونازعهم فيها الرازي والآمدي وغيرهما. وهم يقولون: كل جسم من الأجسام فإنه لا يخلو من كل جنس من الأعراض عن واحد من ذلك الجنس؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده؛ فلذلك عدل من عدل إلى أن يقولوا: لو كان قابلا لها لكان قبوله لها من لوازم ذاته وهذا يقتضي أن يفسر: لو كان قابلا للحوادث لم يخل من الحادث أو من ضده. فقولهم: القابل للشيء: لا يخلو عن ضده فقد يقال على هذه الطريقة: إن هذا يختص به لا بما سواه. وقد يقال: هو عام أيضا. فيقول لهم أصحابهم: ما ذكرتموه في حقه منقوض بقبول سائر الموصوفات بما تقبله فإن قبولها لما تقبله إن كان من لوازم ذاتها لزم أن لا تزال قابلة له وإن كان من عوارض الذات فهي قابلة لذلك القبول. وحينئذ يلزم إما التسلسل وإما الانتهاء إلى قابلية تكون من لوازم الذات؛ فيلزم أن يكون كل ما يقبل شيئا قبوله له من لوازم ذاته وليس الأمر كذلك فإن الإنسان وغيره من الموجودات يقبل صفات في حال دون حال. وجواب هذا: أن المخلوق الذي يقبل بعض الصفات في بعض الأحوال لا بد أن يكون قد تغير تغيرا أوجب له قبول ما لم يكن قابلا له كالإنسان إذا كبر حصل له من قبول العلم والفهم: ما لم يكن قابلا له قبل ذلك؛ بخلاف من لم تزل ذاته على حال واحدة ثم قبل ما لم يكن قابلا فإن هذا ممتنع. فالذين يقولون: القابل للشيء يجب أن يكون قبوله له من لوازم ذاته؛ إن ادعوا أن كل جسم فإنه يقبل جميع أنواع الأعراض فإنهم يقولون: هذا القبول من لوازم ذاته. ويقولون: لا يخلو الجسم من كل نوع من أنواع الأعراض عن واحد من ذلك النوع ويكون ما ذكروه - من أن القبول من لوازم ذات القابل - دليلا لهم في المسألتين؛ وإن لم يدعوا ذلك فإنهم يقولون: الأجسام تتغير فتقبل في حال ما لم تكن قابلة له في حالة أخرى ولا يحتاجون أن يقولوا القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. والذين قالوا: إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. فيقال لهم: غاية هذا أن يكون لم تزل الحوادث قائمة به ونحن نلتزم ذلك وتحقيق ذلك:
    بالوجه الثالث عشر: وهو أن يقال: هذا بعينه موجود في القادر؛ فإن القادر على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده؛ ولهذا كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده والنهي عن الشيء أمرا بأحد أضداده. وقال الأكثرون: المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه. وقال: إن الترك أمر وجودي؛ هو مطلوب الناهي القادر على الأضداد؛ لو أمكن خلوه عن جميع الأضداد لكان إذا نهى عن بعض الأضداد لم يجب أن يكون مأمورا بشيء منها؛ لإمكان أن لا يفعل ذلك الضد ولا غيره من الأضداد. فلما جعلوه مأمورا ببعضها: علم أن القادر على أحد الضدين لا يخلو منه ومن ضده وحينئذ فإذا كان الرب لم يزل قادرا: لزم أنه لم يزل فاعلا لشيء أو لضده؛ فيلزم من ذلك أنه لم يزل فاعلا وإذا أمكن أنه لم يزل فاعلا للحوادث أمكن أنه لم يزل قابلا لها. ويمكن أن يذكر هذا الجواب على وجه لا يقبل النزاع.
    الوجه الرابع عشر: فيقال: إن كان القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فالقادر على الشيء لا يخلو عنه وعن ضده؛ لأن القادر قابل لفعل المقدور وإن كان قبول القابل للحوادث يستلزم إمكان وجودها في الأزل فقدرة القادر أزلية على فعل الحوادث يستلزم إمكان وجودها في الأزل؛ وإن أمكن أن يكون قادرا مع امتناع المقدور: أمكن أن يكون قابلا مع امتناع المقبول. وإن قيل: قبوله لها من لوازم ذاته: قيل قدرته عليها من لوازم ذاته. وحينئذ: فإن كان دوام الحوادث ممكنا: أمكن أنه لم يزل قادرا عليها قابلا لها؛ وإن كان دوامها ليس بممكن: فقد صار قبوله لها وقدرته عليها ممكنا بعد أن لم يكن. فإن كان هذا جائزا جاز هذا وإن كان هذا ممتنعا كان هذا ممتنعا وعاد الأمر في هذه المسألة إلى نفس القدرة على دوام الحوادث وهو الأصل المشهور فمن قال به من أئمة السنة والحديث وأنه لم يزل قادرا على أن يتكلم بمشيئته وقدرته ويفعل بمشيئته: جوز ذلك والتزم إمكان حوادث لا أول لها. فكان ما احتج به أئمة الفلاسفة على قدم العالم: لا يدل على قدم شيء من العالم؛ بل إنما يدل على أصول أئمة السنة والحديث المعتنين بما جاء به الرسول وكان غاية تحقيق معقولات المتكلمين والمتفلسفة يوافق ويعين ويخدم ما جاءت به الرسل ومن لم يقل بذلك من المتكلمين - بل قال بامتناع دوام الحوادث - لم يكن عنده فرق بين قبوله لها وقدرته عليها. وكان قول الذين قالوا - من هؤلاء - بأنه يتكلم بمشيئته وقدرته: كلاما يقوم بذاته أقرب إلى المعقول والمنقول ممن يقول إن كلامه مخلوق أو إنه يقوم به كلام قديم؛ من غير أن يمكنه أن يتكلم بقدرته أو مشيئته. وكل قول يكون أقرب إلى المعقول والمنقول: فإنه أولى بالترجيح مما هو أبعد عن ذلك من الأقوال. والله تعالى أعلم.)([3])
    ـــــــــــــــ ـــــ
    [1] - الأربعين في أصول الدين (ص: 119).
    [2] - كذا في مجموع الفتاوى، وهو يدل على أن الساقط من كلام شيخ الإسلام سبعة أجوبة، وهو شيء كثير.
    [3] - مجموع الفتاوى (6/273-283).

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    قال الإمام فخر الدين الرازي:
    (الحجة الثالثة: قول الخليل عليه السلام: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾([1]) والأفول عبارة عن التغير. وهذا يدل على أن المتغير لا يكون إلها أصلا.)([2])
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    (والجواب من وجوه:
    أحدها: أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير ولم يذكر على ذلك حجة؛ بل لم يذكر إلا مجرد الدعوى.
    الثاني: أن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير؛ بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين؛ والنقل المتواتر للغة والتفسير. فإن الأفول هو المغيب. يقال: أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولا إذا غابت، ولم يقل أحد قط إنه هو التغير، ولا إن الشمس إذا تغير لونها يقال: إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال: إنها أفلت، ولا إن الريح إذا هبت يقال: إنها أفلت، ولا إن الماء إذا جرى يقال: إنه أفل، ولا إن الشجر إذا تحرك يقال: إنه أفل، ولا إن الآدميين إذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال: إنهم أفلوا؛ بل ولا قال أحد قط: إن من مرض أو اصفرّ وجهه أو احمرّ يقال: إنه أفل. فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعا، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن.
    الثالث: أن قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم فإنه لما رأى كوكبا وتحرك إلى الغروب فقد تحرك؛ ولم يجعله آفلا ولما رأى القمر بازغا رآه متحركا؛ ولم يجعله آفلا؛ فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة؛ ولم يجعلها آفلة ولما تحركت إلى أن غابت والقمر إلى أن غاب لم يجعله آفلا.
    الرابع: قوله: إن الأفول عبارة عن التغير؛ إن أراد بالتغير الاستحالة: فالشمس والقمر والكواكب لم تستحل بالمغيب؛ وإن أراد به التحرك: فهو لا يزال متحركا. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾([3]) دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى. فإن ( لما ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل والمعنى أنه حين أفل ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾([4]) فإنما قال ذلك حين أفوله. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾([5]) دل على حدوث الأفول وتجدده؛ والحركة لازمة له؛ فليس الأفول هو الحركة ولفظ التغير والتحرك مجمل. إن أريد به التحرك أو حلول الحوادث: فليس هو معنى التغير في اللغة وليس الأفول هو التحرك ولا التحرك هو التغير؛ بل الأفول أخص من التحرك والتغير أخص من التحرك. وبين التغير والأفول عموم وخصوص. فقد يكون الشيء متغيرا غير آفل وقد يكون آفلا غير متغير وقد يكون متحركا غير متغير ومتحركا غير آفل. وإن كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين: فإن لفظ الحركة قد يراد بها الحركة المكانية وهذه لا تستلزم التغير. وقد يراد به أعم من ذلك كالحركة في الكيف والكم؛ مثل حركة النبات بالنمو وحركة نفس الإنسان بالمحبة والرضا والغضب والذكر. فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير وقد يراد بالتغير في بعض المواضع الاستحالة. ففي الجملة: الاحتجاج بلفظ التغير إن كان سمعيا فالأفول ليس هو التغير؛ وإن كان عقليا. فإن أريد بالتغير - الذي يمتنع على الرب - محل النزاع: لم يحتج به وإن أريد به مواقع الإجماع فلا منازعة فيه. وأفسد من هذا: قول من يقول: الأفول هو الإمكان كما قاله ابن سينا إن الهوي في حضيرة الإمكان أفول بوجه ما؛ فإنه يلزم على هذا أن يكون كل ما سوى الله آفلا ولا يزال آفلا فإن كل ما سواه ممكن ولا يزال ممكنا. ويكون الأفول وصفا لازما لكل ما سوى الله؛ كما أن كونه ممكنا وفقيرا إلى الله وصف لازم له. وحينئذ: فتكون الشمس والقمر والكواكب: لم تزل ولا تزال آفلة وجميع ما في السموات والأرض لا يزال آفلا. فكيف يصح قوله مع ذلك: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾([6]) وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى وكلام خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم عن مواضعه: هو آفل قبل أن يبزغ ومن حين بزغ وإلى أن غاب. وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى في العالم آفل، والقرآن بين أنه لما رآها بازغة قال: هذا ربي فلما أفلت بعد ذلك([7]). قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾([8]) والله أعلم.)([9])
    ـــــــــــــــ ــ
    [1] - الأنعام: 76
    [2] - الأربعين في أصول الدين (ص: 120).
    [3] - الأنعام: 76
    [4] - الأنعام: 76
    [5] - الأنعام: 76
    [6] - الأنعام: 76
    [7] - هذا ذهول من شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأن الحديث عن الكوكب وليس عن الشمس، والخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76] بعد أفول الكوكب، وأما بعد أفول الشمس فإنه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]
    [8] - الأنعام: 76
    [9] - مجموع الفتاوى (6/284-287).

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    المسألة الأربعون
    في ضبط المقدمات التي يمكن الرجوع إليها في إثبات
    المطالب العقلية

    قال الإمام الفخر الرازي في آخر هذه المسألة:
    (واعلم أن ههنا مقدمتين يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم عليهما:
    المقدمة الأولى: مقدمة الكمال والنقصان. كقولهم: هذه الصفة من صفات الكمال فيجب إثباتها لله، وهذه الصفة من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله، وأكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على هذه المقدمة...
    وأما المقدمة الثانية: وهي مقدمة الوجوب؛ والإمكان وهذهلمقدمة في غاية الشرف والعلو وهي غاية عقول العقلاء. قالوا: الوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب وكذلك الواجب لا بد أن يكون واجبا في ذاته وصفاته: إذ لو كان ممكنا لافتقر إلى مؤثر آخر.
    أما المقدمة الأولى وهي أنه واجب لذاته: فهذا له لازمان:
    الأول أن يكون منزها عن الكثرة في حقيقته ثم يلزم في ذاته أمور:
    أحدهما أن لا يكون متحيزا؛ لأن كل متحيز منقسم والمنقسم لا يكون فردا وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في جهة.
    وثانيهما: أن لا يكون واجب الوجود أكثر من واحد ولو كان أكثر من واحد لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين وما به الاشتراك غير ما به الامتياز؛ فيلزم كون كل واحد منهما مركبا في نفسه وقد فرضناه فردا هذا خلف.
    اللازم الثاني: كون واجب الوجود لذاته لا يكون حالا ولا محلا وإلا لعاد الافتقار.)([1])
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    (قلت: ولقائل أن يقول: هذا هو أصل الفلاسفة في التوحيد الذي نفوا به صفاته تعالى وهو ضعيف جدا. والأصل الذي بنوا عليه ذلك ضعيف جدا وإن كان اشتبه على كثير من المتأخرين: وقولهم: إن الواجب لا يكون إلا واحدا. قصدوا به أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام يقوم به ولا شيء من الصفات القائمة به؛ لأنه لو كان كذلك لكان الواجب أكثر من واحد كما يقوله المعتزلة إنه ليس له صفات قديمة قائمة بذاته؛ لأنه لو كان كذلك لكان القديم أكثر من واحد. ولفظ " الواجب والقديم " يراد به الإله الخالق سبحانه الواجب الوجود القديم فهذا ليس إلا واحدا ويراد به صفاته الأزلية وهي قديمة واجبة بتقدم الموصوف ووجوبه لم يجب أن تكون مماثلة له ولا تكون إلها كما أن صفة النبي ليست بنبي وصفة الإنسان والحيوان ليست بإنسان ولا حيوان وكما أن صفة المحدث إن كانت محدثة فموافقتها له في الحدوث لا يقتضي مماثلتها له وما ذكروا من الحجة على ذلك ضعيفة. فإذا قالوا: لو كان له علم واجب بوجوب العالم لكان الواجب أكثر من واحد. قيل له: ولم قلتم بامتناع كون الواجب أكثر من واحد؛ إذ كانت الذات الواجبة إلها واحدا موصوفا بصفات الكمال.
    قولهم: لو كان أكثر من واحد لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين وما به الاشتراك غير ما به الامتياز؛ فيلزم أن يكون كل منهما مركبا في نفسه؛ وقد فرضناه؛ فرد هذا خلق. يقال له في جوابه قول القائل اشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين تريد به أن الوجوب الذي يختص كلا منهما شاركه الآخر فيه أم تريد أنهما اشتركا في الوجوب المطلق الكلي. والأول باطل لا يريده عاقل. وأما الثاني فيقال: اشتراكهما في المطلق الكلي كاشتراكهما في التعيين المطلق الكلي. فإن هذا له تعيين يخصه والتعيينان يشتركان في مطلق التعيين. وكذلك هذا له حقيقة تخصه وهذا له حقيقة تخصه وهما يشتركان في مطلق الحقيقة وكذلك لهذا ذات تخصه ولهذا ذات تخصه وهما يشتركان في مطلق الذات. وكذلك سائر الأسماء التي تعم بالإطلاق وتخص بالتقييد كاسم الموجود والنفس والماهية وغير ذلك. وإذا كان كذلك فمعلوم أنهما اشتركا في الوجوب المطلق وامتاز كل منهما بوجوبه بتعيين يخصه. وحينئذ: فلا فرق بين الوجوب والتعيين. فقول القائل: اشتركا في الوجوب المطلق وتباينا بالتعيين الخاص.
    كقول القائل اشتركا في التعيين المطلق وتباينا بالوجوب الخاص. ومعلوم أن مثل هذا لا مندوحة عنه سواء سمي تركيبا أو لم يسم فلا يمكن موجود يخلو عن مثل هذه المشاركة والمباينة لا واجب ولا غيره وما كان من لوازم الوجود كان نفيه عن الوجود الواجب ممتنعا. وأيضا فالمشترك المطلق الكلي لا يكون كليا مشتركا إلا في الأذهان لا في الأعيان وإذا كان كذلك فليس في أحدهما شيء يشاركه الآخر فيه في الخارج؛ بل كل ما اتصف به أحدهما لم يتصف الآخر بعينه ولم يشاركه فيه؛ بل لا يشابهه فيه أو يماثله فيه. وإذا كان الاشتراك ليس إلا في ما في الأذهان لم يكن أحدهما مركبا في مشترك ومميز؛ بل يكون كل منهما موصوفا بصفة تخصه لا يشابهه الآخر فيها وبصفة يشابهه الآخر فيها وهذا لا محذور فيه. وأيضا فيقال: هذا منقوض بالوجود فإن الوجود الواجب والممكن يشتركان في مسمى الوجود ويباين أحدهما الآخر بخصوصه؛ فيلزم تركيب الوجود الواجب مما به الاشتراك ومما به الامتياز؛ فما كان الجواب عن هذا كان الجواب عن ذلك. و " أيضا " فيقال: هب أنكم سميتم هذا تركيبا. فلم قلتم إن هذا ممتنع على موجود من الموجودات واجبا كان أو ممكنا ؟ مع أن المنازع يقول هذا المعنى الذي نفيتموه وسميتموه تركيبا هو لازم لكل موجود. قولهم: وقد فرضناه فردا. قيل: هب أنكم فرضتموه كذلك؛ لكن مجرد فرضكم لا يقتضي أن يكون فردا بالمعنى الذي ادعيتموه إن لم يقم على ذلك دليل.)([2])
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــ
    [1] - الأربعين في أصول الدين (ص: 465-467).
    [2] - مجموع الفتاوى (12/229).


    وكتبه
    راجي رحمة ربه
    عيد بن فهمي بن محمد بن علي الحسيني
    عفا الله عنه

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عيد فهمي مشاهدة المشاركة
    5- كثيرا من الأحيان يستطرد في ذكر الأقوال، ويفرع منها وجوها، ويأتي لكل وجه بالحجج الطوال، ويرد كل حجة بوجوه أخرى، وهكذا ولا يرجح في النهاية قولا على قول، فيثير الشبهة ولا يردها، ويشعل نار الفتنة ولا يطفئها، فيجعل من يقرأ كلامه يقف متحيرا لا يهتدي إلى شيء، فلا هو قادر على دفع الشبهة التي اعتملت في نفسه، ولا هو قادر على الرد عليها.
    وبسبب ذلك الذي ذكرتُه أساء بعض الناس الظن في الفخر الرازي ورموه بإرادة فتنة الناس والسعي إلى إضلالهم، فانبرى للدفاع عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال:
    (صار طائفة أخرى قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء -كالرازي والآمدي وغيرهما- يصنفون الكتب الكلامية فينصرون فيها ما ذكره المتكلمون المبتدعون عن أهل الملة من حدوث العالم بطريقة المتكلمين المبتدعة هذه؛ وهو امتناع حوادث لا أول لها ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازي «المباحث الشرقية» ونحوها؛ ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول لها، وأن الزمان والحركة والجسم لها بداية، ثم ينقض ذلك كله ويجيب عنه ويقرر حجة من قال: إن ذلك لا بداية له. وليس هذا تعمدا منه لنصر الباطل؛ بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه.
    فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة قدح به فإن من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له، فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين.
    ومن الناس من يسيء به الظن وهو أنه يتعمد الكلام الباطل؛ وليس كذلك بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله؛ يقرر هنا شيئا ثم ينقضه في موضع آخر؛ لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدَع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة يشتمل على كلام باطل -كلام هؤلاء وكلام هؤلاء- فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر بما ينقض به. ولهذا اعترف في آخر عمره فقال: «لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ واقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي».)[1]
    وهذا غاية الإنصاف من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، والعدل الذي أمرنا الله به في قوله تعالى:
    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
    وهذا الذي قاله شيخ الإسلام في الإمام الرازي هو الحق الذي لا محيص عنه خلافا لطائفتين:
    الأولى: غالت فيه مغالاةً شديدةً، فتمحّلت الردود الواهية للدفاع عنه، حتى كذّبت بالحقِّ، ونصرت الباطل.
    والأخرى: رمته بالردّة والزندقة، ولم تلتمس له عذرًا أو تقبل منه توبة.
    والإنصاف عزيز، نسأل الله السلامة والهداية.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    38

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عيد فهمي مشاهدة المشاركة
    والإنصاف عزيز، نسأل الله السلامة والهداية.
    صدقت شيخنا الكريم
    جزاكم الله خيرا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقد كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو أمامة الجيزي مشاهدة المشاركة
    صدقت شيخنا الكريم
    جزاكم الله خيرا
    وإياكم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •