شَمُّ النِّسِيْمِ !

الحمد لله ، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :
لما كانت المشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة ومولاة في الباطن ، جاءت سنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنهي عن مشابهة الكافرين ومخالفة سننهم .
فقال صلى الله عليه وسلم : ((خالفوا المشركين : وفروا اللحى ، وأحفوا الشوارب )) . رواه البخاري
وفي رواية لمسلم : (( جزوا الشوارب ، وأرخوا اللحى خالفوا المجوس )) .

وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن اليهود ، والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم )) متفق على صحته
وقال عليه الصلاة والسلام : ((صلوا في نعالكم و لا تشبهوا باليهود )) رواه الطبراني في الكبير ، وصححه الشيخ ناصر في صحيح الجامع 3790
وقال صلى الله عليه وسلم : (( إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ، وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله )) رواه مسلم
حتى لما وافق يهود الحق في صيامهم يوم عاشوراء قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ معلناً مخالفتهم والتشبه بهم : (( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع )) رواه مسلم
فمخالفة هؤلاء سنة ماضية ، لأنه يخشى على من تشبه بالمشركين أن يضم إليهم .
فقد قال صلى الله عليه وسلم : (( ... وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم )) صححه الألباني في صحيح الجامع 2831 .
وقد تكلم العلماء أنه ينبغي علينا مخالفتة أهل الكفر والإلحاد في الصغير والكبير قدر المستطاع ، حتى أنهم ذكروا أن الكفار من سننهم وضع خط تحت الكلام المهم ، فخالفنهم بوضع خط أعلاه كما يوجد في آيات السجدة في المصحف .
فإن جاءت الشريعة بما مر ذكره من مخالفة المشركين في هيئة المأكل والمشرب ، وتغير لون الشعر ، والصلاة في النعال ، حتى الخط الذي يوضع تحت الكلام المهم ! .
فهل يلتبس على مسلم بعد هذا أن الشريعة نهت عن مشاركة أهل الكفر في أعيادهم ، ومنها " شَمُّ النِّسِيْمِ " الذي قيل أن سببه : احتفال النصارى بموت الرسول صلى الله عليه وسلم ـ ولا يصح ـ ؟!
قال ابن القيم - رحمه الله -: (( وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق ، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول: عيد مبارك عليك ، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه ، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله ، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس ، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه ، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ، ولا يدري قبح ما فعل ، فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة ، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه )) .[ أحكام أهل الذمة 1 / 441 ] .
وبين شيخ الإسلام ـ عليه الرحمة ـ نكتة في عدم موافقة هؤلاء في أعيادهم فقال فيكتابه : " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: (( أن مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل خصوصا إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار فانهم يرون المسلمين قد صاروا فرعا لهم في خصائص دينهم فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم وربما أطعمهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء وهذا أيضا أمر محسوس لا يستريب فيه عاقل فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا موجب مع شرع الصغار في حقهم )) .
قلت : وتأمل الذي ذكره شيخ الإسلام مع قول الرب تعالى : { رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الممتحنة : 5] .
هذا ؛ وقد حكى بعض العلماء الحكمة من وراء أخراج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للحائض والنفساء في صلاة العيد وليس عليهنّ صلاة ، بأنه أراد بذلك تكثير سواد المسلمين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين والمنافقين .
فإياك يا عبد الله أن تكون بخروجك مع أهل الصليب في هذا اليوم ، واحتفالك معهم بهذا العيد ! ممن يكثر سواد الكافرين ، ويلقى بسببك الرعب في قلوب المسلمين ! .
وصلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم


وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة ، الجمعة 23 جمادى الآخرة 1434
3 / 5 / 2013