القروين والمحدث الكبير (وصف درس الحافظ أبي شعيب الدكالي)
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: القروين والمحدث الكبير (وصف درس الحافظ أبي شعيب الدكالي)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    281

    افتراضي القروين والمحدث الكبير (وصف درس الحافظ أبي شعيب الدكالي)

    هذا مقال نشرته جريدة "السعادة" المغربية، العدد 3479، بتوقيع محمد ابن الشيخ، واصفا درسا من دروس الشيخ الحافظ شيخ الإسلام أبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي المتوفى عام 1354، في جامع القرويين بفاس، وهو يصور المكانة العلمية لصاحبه، ومدى اعتناء المغاربة وقته بالعلم والعلماء:

    أرسل هذا العنوان طوع عنان اليراع، ولا أترقب حالة قاريء مستطلع معتاد، لأن كل مغربي يعرف معنى (القرويين) ومقام المحدث الكبير والشيخ الشهير أبي شعيب الدكالي...

    بالأسبوع المنصرم هاجت المدينة وماجت بترديد كلمة المقبلين والمدبرين.."زار مدينتنا، عاد إلينا حافظ حجة رسول رب العالمين"، وصار الناس يهرعون إلى مسجد القرويين حيث تفضل الشيخ بتدريس كتاب فيلسوف الإسلام العظيم سيدي البخاري رحمه الله، فكنت أنا من جملة السامعين الذين دفع بهم الشوق العظيم إلى حضور ذلك الدرس الحافل.

    دخلت بالمساء ذلك المسجد العظيم تحت فجر أنوار المصابيح العديدة المتلألئة، واختلاف نغمات أصوات القارئين كتاب الله العظيم وحركات الراكعين والساجدين من المصلين بحالة الهدوء والسكينة والخشوع، فالتفتُّ يمينا وشمالا وإذا بي أخال المسجد ليس بالبقعة التي كنت أعهدها، والوجوه ليست بالتي كنت أعرفها: فرح وسرور وابتهاج وكمًّا كان ملء ذلك المسجد الرحب.

    فتقدمت نحو جماعة المنصتين الجالسين حول المنبر المصوب بصدر المسجد، حاولت أن أخترق الصفوف وأقاربه فما استطعت له سبيلا. ورمت الجلوس وسط الجماعة فما وجدت مكانا، طلبت فما وجدت، فارتضيت الجلوس أخريات الصفوف العدة مقابلة المنبر، وكنت أقدر ما بيني وبينه سبعين مترا...

    وما هي إلا قلائل حتى سمعت لفظة: "السلام عليكم" بلهجة حادة، فالتفت جانب الصوت، وإذا بالشيخ يخترق الصفوف وهي تنشق أمامه شقا بينا، والشفاه تقبل أطراف ردائه وتنوب عنها الأكف كلما عسر ذلك، ولما كان بالمنبر شرع سارده الفقيه العلامة سيدي محمد بن هاشم ابن سودة يتلو أحاديث باب المظالم بأسانيدها المسلسلة بصوت عذب مرخم، يستوقف الطيور على أغصانها سماعا له.

    وبعد ذلك تناول الشيخ الكلام وقد علاه البها، وتلألأت أسرة وجهه نورا، وبعد حمد الله والثناء عليه؛ استرسل في تفسير كل حديث بأوجهه العدة، فكان يوقع على نياط القلوب بكلام سهل المتناول، وعبارة محكمة المعنى، مرصفة المبنى، فيُسمع لها أنين وزفير، ولئن كان العجب قد أخذ بقلوب الحاضرين فليس لهم من ذنب، لأن كل ما كان يبديه الشيخ بتلاوة درسه خليق بكل إعجاب وإكبار...

    -يتبع-

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    281

    افتراضي رد: القروين والمحدث الكبير (وصف درس الحافظ أبي شعيب الدكالي)

    ما ذكر الحديث أمامه وانتصب بين عينيه إلا وانفتحت لديه منه أبواب عدة، فيدخل من هذه ويخرج من أخرى كأنه متنقل في عالم من العوالم العُلوية التي ليس للناس بها معرفة، فيجدون كل ما يقوله جديدا غريبا كأنهم هم سامعوه لأول مرة، طيبا لذيذا حلوا شهيا طعمه لا يمله السامع ولو طال زمانه.

    يتناول الكلام عن كل ما يجيش به فؤاده وتنفيض به ذاكرته، فيأتي بالأمر العجاب من الاستنباطات والقياسات، وتوضيح الاستشكالات والاحتمالات، وفك المبهمات بعبارة مصقولة المعاني كأنها المرآة جلوا وصفاء، طوعا لقيادة الفكر الوقاد، وما عار منه ذكر تاريخ حياة أحد الرواة أو فرد من الذين يسوق إليهم الحديث إلا والتهم وأنجد بالتحقيقات والتدقيقات في شأن أطوار حياة الرجل وأسرار أعماله التي لا يكاد يُطلع عليها غالبا، وذلك ما كان يدعو الناس أحيانا إلى التبسم والضحك خلال الدرس الشريف.

    هذه هي صورة من صور دروس شيخنا العلامة التي ملأ بها القرويين مدة الأيام التي تفضل بها علينا، وما هي في الحقيقة إلا روضة منح بها الإله لأهل فاس أن ينعموا بالتجول تحت ظلالها الورافة، وبين عواطر أزهارها الشاذية.

    ومما كان يزيد الناس نشاطا في استماع الحديث الشريف ، ويحرك مكامن الأفئدة التي كادت شُعل أنوارها أن تتحول ظلاما، وحياتها مماتا، وقوتها ضعفا ووهنا: قوله وهو يخاطب السامعين عامة وقد رفع سبابة يمناه إلى السماء وكأنه (علي) يؤلف بين أفئدة المسلمين ويحرك إيمان قلوبهم، أو (قس) بن ساعدة [يرفع] الأيادي يعظ الناس ويذكرهم عبرة الغابرين: "يا أهل فاس، يا كرام الناس؛ قوموا وجدوا للعمل، فمنكم يرجى الخير قبل غيركم، الاجتهاد يا قلوب الأحرار، التقدم يا أساطين الأخيار"، فتحمى الأفئدة، وتجيش النفوس، ولقد شاهدت في العيون بهذه الساعة من كانت عبراتها منهملة كالديم الغازرة، لرهبة الموقف.

    وبعد الختام؛ قام الناس وكأنهم يودون العود إلى الجلوس، وازدحموا ازدحاما حول المنبر كأنهم يساقون إلى المحشر، وما ذاك إلا لتقبيل يد العلامة الكبير تبركا بالحديث ورجاله، فحاولت أنا كذلك أن أكون من جملة المتبركين به، وحيث لم أجد له سبيلا؛ تأخرت لقضاء الفريضة، وخرجت وفؤادي ملأه نسك وشعور، ومازلت أخترق الطرق وأنا سامع من كل شفة.

    وهكذا يكون العلم، وهكذا رجاله...جزى الله الشيخ عنا وعن الإسلام خيرا...

    محمد ابن الشيخ

    -انتهى-

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •