خواطر من تونس الخضراء
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد
فهذه كلمات مختصرة أدبجها بعد أوبتي من أرض تونس الخضراء، بعد أن أمضيت هناك – بين أهلي وأحبابي وإخواني – قرابة عشرة أيام، سعدت فيها بلقاء ثلة من أصحاب الوجوه المستنيرة بنور التقوى والعلم، أحسبهم كذلك ولا أزكيهم على الله.
وإنني أجد اليراع بين أناملي مرتجفا، وبياضَ الصفحة أمام مقلتيّ مخوّفا، لأن أثقل شيء على نفسي، وأصعبه على خاطري: أن أحول المشاعر المتغلغلة في القلب إلى ألفاظ، وأن أبدل الأحاسيس المختلجة في النفس إلى كلمات. فشتان ما بين مقام الشعور الذي يهجم على القلب فيسلبه إرادته، ويأطره على ما لا يملك له دفعا، وبين مقام تسطير الكلمات، ورص بعضها بجانب بعضها الآخر.
ولكنني لست أرى بدا من كتابة شيء يختصر ما رأيته في هذه الأيام القلائل، لأن هذا من التاريخ الذي سيحاسبنا أبناؤنا وأحفادنا عليه، ويقولون: إن لم تكونوا من الذين سطروه في واقع الحال، أفلم تكونوا تستطيعون - على الأقل – أن تسطروه على الصحائف، ليكون عبرة ودرسا؟
(1)
كان وصولي إلى مطار تونس العاصمة يوم السبت بُعيد الزوال، ووجدت في استقبالي ثلة من الإخوة الأفاضل، من أهل مدينة بنزرت الحبيبة، ومعهم الشيخ أحمد مزيد البوني الشنقيطي، نزيل تونس.
وكانت لحظة لقاء عامرة بمشاعر الحبور والبهجة، مليئة بدفء البشرى، وحنان الأخوة، وعبق المودة الخالصة.
وكان أول ما خطر ببالي وأنا أطأ أرض تونس الطيبة، في عهدها الجديد المشرق بتباشير فجر الانعتاق والحرية، أنني حمدت الله على هذه النعمة العظيمة، التي ما كنت لأحلم بعشر معشارها قبل ما يفوق السنة الواحدة بقليل.
من كان يظن أن مثلي يطأ هذه الأرض الطيبة التي أبى فرعونها، المتدثر بسرابيل الجبروت الدنيوي الطاغي، إلا أن يجعل منها سجنا كبيرا، تخنق فيه حرية البشر صباح مساء، وتنصب فيه العداوة الشديدة لدين الله في كل وقت وحين؟
عجبت لطغاة الأرض، ما لهم لا يتعظون، وفي كل حدث يمر، أو واقعة تنقضي، عبرة جليلة، ودرس نافع لمن أراد الله به الخير؟
وكان من أول ما اكتشفته في الطريق بين العاصمة وبنزرت ذلك التشابه الحضاري العظيم بين تونس والمغرب الأقصى. شبه عظيم في كل شيء: في الشوارع والأزقة، في نمط البناء، في علامات ''التشوير''، في نوع السيارات المستعملة، في أصناف المحلات التجارية، في سحنة الناس وألبستهم، وفي غير ذلك مما لا أحصيه الآن.
ولولا الاختلاف اليسير في اللهجة، لما شعرت إلا أنني في إحدى مدن المغرب، بلا تردد. وأسباب هذا التماثل الحضاري كثيرة، منها: أن شعوب المغرب الكبير - في الأصل – شعب واحد، عملت مباضع التاريخ والسياسة فيه، ففصلت بعضه عن بعضه الآخر. ومنها التاريخ المشترك الطويل الذي كانت فيه هذه الدول في مراحل كثيرة تحت مظلة سياسية واحدة. ومنها وحدة المذهب العقدي والفقهي لبلدان الغرب الإسلامي منذ قرون عديدة. ومنها ''وحدة الاستعمار'' إن صح التعبير، فقد اشتركت هذه الدول في الوقوع تحت مخالب المحتل الفرنسي الغاشم، الذي ما خرج منها إلا بعد أن ترك تغييرات حضارية وفكرية ولغوية خطيرة، لا تزال آثارها ظاهرة للعيان، ولا يزال المخلصون في هذه البلدان يسعون جاهدين للتخلص منها.
(2)
كانت الدورة العلمية المقررة في جامع التوحيد ببنزرت، تشمل – علاوة على خطبة الجمعة بجامع التوبة - شرح متنين علميين:
أولهما نظم قواعد الإعراب للزواوي، بعد عصر كل يوم. وهذا النظم من أحسن ما ينبغي أن يعتني طالب العلم بدراسته وحفظه، لأنه مشتمل على مجموعة من القواعد التطبيقية النافعة لمن يتصدى للإعراب، لا توجد في كثير من كتب النحو المشهورة المتداولة. وهذا المتن نظم فيه الزواوي كتابَ (قواعد الإعراب) للعلامة ابن هشام الأنصاري، وهو كتاب مشهور عظيم النفع.
والثاني – بعد صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء - نظم (سلم الوصول إلى علم الأصول) للعلامة حافظ حكمي رحمه الله. وشهرته تغني عن التعريف به.
وقد ختمت المتنين - والحمد لله على نعمه - في سبعة أيام، وأظنني لم أخلّ بشيء مما ينبغي أن يعرفه الطالب عنهما، وإن كنت لم أستطرد ولم أفصل في كثير من المسائل.
وقد بدأت الدرس الأول بقراءة قصيدة حييتُ فيها ثورة أهل تونس الخضراء، وأشرت فيها لبعض الآمال التي يعلقها أهل الخير على هذا البعث الجديد في هذا البلد الحبيب. وسأنشر القصيدة مستقلة عن هذه الخواطر – إن شاء الله.
وغمرني عند إلقاء أول درس في مسجد التوحيد شعور عجيب. أأنا حقا ألقي درسا في مسجد عامر بأرض تونس، التي أراد لها الطاغية البائد أن تكون أرض العلمانية ومهد اللادينية؟
وتمنيت أن ذلك الجبار المخلوع ينظر إلى هذه الصحوة الدينية الطيبة، وهذه الوجوه المضيئة بنور الإيمان، لعله يزداد بذلك غصة إلى متراكم غُصصه، ويضيف حسرة إلى سجل حسراته!
وقد أعطيت للحاضرين في ختام الدورة (شهادة حضور)، اكتفاء بالأدنى عن الأعلى، إذ لم يتسن لي أن أعطي إجازة في المادة العلمية، لأن ذلك لا يكون إلا بعد امتحان، أختبر فيه حفظ المتن، وفهم معانيه. والمدة الزمنية للدورة لم تكن تسمح بذلك.
على أنني أجزت الحاضرين في ختام الدورة إجازة عامة بما يصح لي روايته عن مشايخي من كتب الحديث وغيره، كما حدثتهم بالحديث المسلسل بالأولية بسندي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، استنانا بسلفنا الأفاضل، واتباعا لمنهج أهل الحديث، أسأل الله تعالى أن نحشر في زمرتهم.
(3)
زرت يوم الثلاثاء 02 جمادى الآخر 1433 معهد عبد الله بن مسعود بالعاصمة تونس، وهو معهد شرعي يستقبل ثلة من طلبة العلم، في مستويات مختلفة، ويقوم عليه جماعة من الشيوخ الأفاضل، التقيت منهم بالشيخ أحمد مزيد البوني وبالشيخ التاه الشنقيطي، في جلسة أخوية طيبة.
والقائمون على المعهد يريدون له أن يكون كالمحظرة الشنقيطية التقليدية، مع تطوير يلائم طرق التعليم العصرية. وقد شرّفني الشيخ أحمد مزيد – حفظه الله – بأن طلب مني إلقاء كلمة في بعض طلبة المعهد، فألقيت فيهم كلمة مرتجلة في الحث على طلب العلم، وبيان بعض طرقه، خاصة ما يتعلق بعلوم العربية.
(4)
وقد زرت في اليوم نفسه جامع الزيتونة، وصليت فيه صلاة الظهر مع ثلة من الأفاضل. واستحضرت تلك الأمجاد العلمية الغابرة، التي جعلت من هذا الجامع قرينا للجامعات العلمية الكبرى في العالم الإسلامي، كالأزهر والقرويين وغيرهما، وتأسفت لما حدث لهذا الطود الشامخ من تغييب وتهميش في عهود التخريب الفكري التي أعقبت الاستقلال.
وقد اجتمع لي في هذه الزيارة أمران متضاربان، أحدهما بشير خير عميم، والآخر نذير شر جسيم، نسأل الله السلامة لأحبابنا، واللطف بأهالينا في بلاد الإسلام كلها.
فأما الأول: فقد علمت بأن دروس التعليم الشرعي العتيق قد استأنفت في (جامع الزيتونة) بدروس أسبوعية كل يوم أحد صباحا، وأنها ستعمم لسائر أيام الأسبوع قريبا إن شاء الله تعالى. وعلمت أن المدرّسين فيها هم من العلماء خريجي الزيتونة القدامى، قبل إلغاء نظام التعليم الزيتوني القديم. وهذه بشرى خير دون ريب، فإن لهذه المدارس العتيقة دورا لا ينكر في وقف مد الإلحاد، وبث أصول التدين، على الرغم من الأخطاء التي يمكن أن توجد فيها. ولذلك فقد حثثت الإخوة الأفاضل على الاستفادة من هذه الدروس ما أمكن، مع التنبه إلى المخالفات العقدية التي قد توجد فيها.
وأما الثاني، فقد صادفت زيارتي لجامع الزيتونة، زيارة وزير الخارجية الإيراني، ومعه جماعة من حاشيته، وقد لقوا من مسؤولي الجامع حفاوة واستقبالا كبيرين. وهذا في ذاته ليس شيئا خطيرا، ولكنه ينذر بما بعده. فإن لهؤلاء قدرة كبيرة على التغلغل في بلاد أهل السنة، متى وجدوا السبيل المعبد لذلك. والخطورة في خصوص تونس من وجهين: أولهما مناخ الحرية الذي يسمح لكل الطوائف والنحل بأن يكون لها منبر توصل به صوتها للناس؛ والثاني: ضعف الحصانة الفكرية عند غالبية الشعب بسبب التجهيل المنهجي الذي مورس على الشعب في ظل النظام البائد.
إن واجب الدعاة والمصلحين أن يقفوا سدا منيعا أمام هذه التيارات الفكرية الدخيلة، التي تهدد وحدة المذهب في بلاد المغرب الكبير، التي لم تعرف هذه الانشقاقات والطوائف الموجودة في بلاد المشرق، وحافظت على تماسكها الفكري لمدة قرون متطاولة. كما يتعين عليهم أن يبرزوا كنوز تراث المالكية في الرد على طوائف الشيعة، والحث على التزام السنة. وفي كلام المالكية في هذا الباب ما يغني عن كثير من كلام غيرهم.
(5)
إن مما يشفي النفس، ويفرح القلب، ما في أرض تونس الحبيبة من انبعاث عظيم للدعوة الإسلامية، وانتشار كبير لصحوة دينية غامرة، رأيتُ بعض من يحملون مشعلها على بصيرة، وينثرون على الناس جواهرها بوعي.
رأيت فيهم الاعتدال المطلوب، والإنصاف المنشود، وتنكب طريق المتخاذلين، واجتناب سبل المتهورين.
وإن الدعوة لا تقوم لها قائمة في بلاد الإسلام المنكوبة هذه، التي طمس الظالمون معالم هويتها، ومحوا من النفوس أصول تدينها، ومارسوا على أهلها صنوفا من التجهيل، وضروبا من التلبيس, إلا بكثير من الاعتدال في فهم الواقع، والحكمة في محاولة التأثير فيه، والبعد من الحماس غير المنضبط بضوابط الشرع، مع الوعي الشمولي بمخططات الأعداء المتربصين بأهل الخير، والمترصدين لعثراتهم.
إن تعامل أهل الخير مع عموم الناس ينبغي أن يستحضر التلبيس الذي مورس عليهم طيلة عقود، ولا يزال مستمرا مع وسائل الإعلام المضللة. فليتخذوا منهم أصدقاء يساهمون في دحر الظلم والإلحاد، وأعوانا يشاركون في بناء الأمة؛ ولا يروا فيهم رعاعا يخاطبونهم من فوق برج الاستعلاء الفكري، ولا خصوما يناصبونهم العداء.
(6)
رأيت في مساجد تونس نهضة دينية عظيمة، وحرية جليلة في ممارسة شرائع الإسلام، دون وصاية كهنوتية تحاسب على النقير والقطمير.
وقد أوصيت إخواني – وهم يعملون بهذا قبل وصيتي، ولكن هي من باب التذكير - بحسن استعمال هذه الحرية، وعدم تنفير الناس من سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم. فإن من نشأ على طريقة معينة في عباداته، يصعب عليه تغييرها، ما لم يأخذ حكماءُ الدعاة بيديه، ليظهروا له خطأه، بأسلوب دعوي لين حكيم.
ولذلك فإن من المناسب أن يتعلم المتصدرون للدعوة في هذه البلاد شيئا غير يسير من فقه الإمام مالك- رحمه الله-، وفي ذلك مصالح:
منها أن يكون ذلك خطابا مشتركا بينهم وبين من يتوجهون بالدعوة إليهم، فيسلم الفريقان من حوار الصم، بسبب اختلاف الاصطلاحات والمفاهيم.
ومنها: أن يشعر المدعوون بأن أصول هذه الدعوة ليست شيئا مستوردا من بلاد المشرق، وليست مذهبا فقهيا جديدا، ولا ارتباط لها بدولة معينة أو مذهب مخصوص، وإنما هي دعوة متجذرة في ضمير الأمة، توافق المالكي كما توافق الحنبلي.
ومنها أن يستطيع الدعاة أن يبينوا أن كثيرا من الموروثات التي يتشبث بعض الناس بها، ليست من مذهب مالك في شيء، وإنما هي أمور دخيلة على المذهب، لا يرتضيها مالك ولا غيره من أئمة السلف.
كما أن الإقبال على العلم الشرعي النافع يوضح مراتب إنكار المنكر، ويعصم من كثير من الزلل في هذا الباب. فإن مصلحة تأليف القلوب، وتوحيد الكلمة، مقدمة على كثير من المستحبات والفضائل. وتأمل قول شيخ الإسلام رحمه الله: (والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم، وقال لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين، بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه) والحديث في الصحيحين، فترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح، وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة). ثم ذكر رحمه الله أمثلة فقهية كثيرة، وددت لو نتدبرها حق التدبر.
(7)
أعجبني ما رأيته من إقبال الأخوة في بنزرت خصوصا، وفي تونس عموما، على عقد الدورات العلمية المتتالية في علوم شرعية مختلفة، وشعرت أن هذا الإقبال على العلم لا بد أن يؤتي أكله بإذن الله، ولو بعد حين، فإن العلم نور يضيء للسالك طريق ترقيه إلى الله عز وجل.
وإنني أحث الإخوة على عدم الاكتفاء بالحضور السلبي لهذه الدورات، بل الواجبُ مواكبة ذلك بالحفظ والمذاكرة والدراسة والمطالعة. فإن الاعتماد في طلب العلم – بعد توفيق الله تعالى – إنما هو على المجهود الشخصي الذي يبذله الطالب. أما الشيخ فإنما هو كالمفتاح الذي يفتح أبواب العلم، ثم يكِلُ الطالبَ إلى جهده الخاص في ولوج هذه العلوم.
(8)
وبعدُ..
فما كنت أظن أنني سأكتشف بعد مرور أربعين حولا من عمري، أن لي وطنا آخر غير وطني الأصلي، وأن لي مدينة أخرى أنتسب إليها غير مدينتي الأصلية، وأن لي أحبابا وإخوانا يجمعني بهم كل شيء، ولا يفرقني عنهم شيء سوى ما وضعه الظلم من الحجب والأستار بين أبناء الإسلام.
وها أنا اليوم أفخر بأن تكون تونس لي وطنا، وأفخر بأن أنتسب إلى بنزرت كما كنت أنتسب إلى مراكش، وأفخر بأهل تونس الأحرار الطيبين، الذين هم أهلي وإخواني. يسر الله لقاء قريبا بهم.
والحمد لله رب العالمين.‬