تطرح هذه المقالة رؤية فرنسية مختلفة عن رؤية فرانسوا بورغات، إذ يحاول صاحب أطروحة "فشل الإسلامي السياسي" الذي أثبتت محدوديتها التفسيرية مع تطورات الربيع العربي، أن يستدرك البياضات الموجودة في أطروحته، ويستعين بملاحظاته لما يجري في دول الربيع العربي لاسيما التي عرفت صعود الإسلاميين، ليلقي ظلالا من الشك على مستقبلها، محاولا أن يعطي لأطروحته لبوس علميا.
في هذا المقال، يركز جيل كيبل على مخاطر إهمال الجانب الاجتماعي في السياسات التي ترسم في دول الربيع العربي، ويحذر من خطورة تنامي التيار السلفي الراديكالي، الذي يتوسع في الهوامش مستثمرا تفاقم الوضعية الاجتماعية وضعف سلطة الدولة.
ويحاول أن يعطي الانطباع من خلال ملاحظاته، أن هذه الخلاصة مطردة في كل من تونس ومصر وليبيا، وأن إسلاميي النهضة أو الإخوان المسلمين إذا لم يتداركوا الموقف، فإن الحركة السلفية ستتجاوزهم، مما يعني تنامي التطرف وعودة الحادي عشر من شتنبر.
ومع أن جيل كيبل معروف بخلفيته الإيديولوجية المناهضة للإسلاميين، ومع أن مساهماته النظرية هي أقرب إلى الكتابة الصحفية منها إلى البحث العلمي، إلا أننا نقدر تقريب وجهة نظره بحكم أنه يقدم في فرنسا باعتباره أحد المتخصصين في دراسة الإسلام السياسية.
إذا أهملت النخب العربية الجانب الاجتماعي فإن ظلال 11 شتنبر ستعم المنطقة
أحد عشر عاما بعد 11 سبتمبر 2001، قتل سفير الولايات المتحدة في ليبيا التي تحررت من الاستبداد، في هجوم، ألقي باللوم فيه على الحركة السلفية المتطرفة، ضد القنصلية الأمريكية في بنغازي، المدينة التي تعتبر رمزا للمصالحة بين الدول الغربية و المجتمع المدني في العالم العربي. ففي نواحي بنغازي يوم 19 مارس 2011 ، أوقفت غارات الطيران الفرنسي المجزرة التي أطلقها القذافي على المدينة المتمردة، حامية إياها من المذبحة، الأمر الذي جعل من الممكن انتصار الثورة الليبية، وبالتالي أول انتخابات ديمقراطية في 7 يوليو.
عودة 11 سبتمبر إلى جدول الثورات هل تعني أنها نهاية "الربيع العربي"؟ هل كان وهما، تبدد مع ظهور الشياطين القديمة الجهادية و"الحرب ضد الرعب"؟ هل الدمقرطة في العالم العربي أجهضت أو أنها ستشرف على الانتهاء؟
أيام قليلة قبل اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا وتخريب مقر القنصلية الأمريكية في تونس، أمام السلبية المدهشة للشرطة، كان كاتب هذه السطور في سيدي بوزيد - القرية الكبيرة التي أضرم فيها محمد البوعزيزي نفسه بالنار يوم 17 سبتمبر 2010 ليحفز القوى الاجتماعية على الثورة التي عجلت بسقوط بن علي ومبارك والقذافي وغيرهم، واندلعت بعد ذلك في العالم العربي.
بعد تضحية هذا التاجر الذي جسد اليأس والإحباط لدى فئة شبابية عاطلة وغارقة في البؤس بسبب الآثار المجتمعية للفساد والدكتاتورية والعولمة، أجريت التعبئة من طرف النقابات الأساسية والجمعيات المحلية للدفاع عن "الخريجين العاطلين عن العمل"، و الاشتراكيين أو اليساريين والعلمانيين. التحالف مع الطبقات الوسطى من العاصمة ولد "لحظة حماس" المظاهرات الحاشدة في 14 يناير 2011، المطاردة لبن علي.
انتخابات 23 أكتوبر أعطت الأغلبية لحزب البرجوازية الصغيرة التقية، حركة النهضة، التي لم يشارك كوادرها في بداية الثورة، لكونهم كانوا مسجونين أو منفيين، لكنهم استمدوا شرعيتهم من الاضطهاد خلال فترة الديكتاتورية. شكلت النهضة واثنين من أحزاب يسار الوسط حكومة ائتلافية - الترويكا– التي ستقود تونس في خضم التقلبات، أخطرها التدهور الاجتماعي والاقتصادي، مع انخفاض الاستثمارات المحلية والأجنبية، و ارتفاع معدلات البطالة، في حين أن سلطة الدولة لا تزال عائمة.
في سيدي بوزيد، بعد سنة ونصف عن تضحية البوعزيزي ، حرية التعبير كبيرة لكن المسألة الاجتماعية تفاقمت. لقد تم تهميش النقابيين واليساريين، وينظر إلى "النهضة" على أنها تجسيد لدولة بعيدة وغير فعالة. على أن القوة المحركة للشباب العاطل من خلال الشعارات التي تعده "بتغيير الحياة" عن طريق تطبيق الشريعة وطرد "الفجار والمرتدين"، هي الحركة السلفية لأنصار الشريعة.
لقد استولى الشباب الملتحي ذوي الشوارب المحفوفة والطاقية المسمرة على الرأس الحلق، على المسجد الكبير الذي يقع بشارع محمد البوعزيزي، للسيطرة على الخطبة. فالإمام يوم الجمعة 7 شتنبر حرض المصلين العاديين ضد الخرافات والأضرحة التي يفجرها السلفيون بالديناميت لإحكام قبضتهم على الإسلام.
في مقابلة معه، قال لي الإمام أن الديمقراطية كفر، وأنه اخرج أتباعها عن الملة، بما في ذلك قادة النهضة. توجد لافتة كبيرة مزينة بصور ضحايا القمع الدموي في سوريا لتحفيز المؤمنين على مسعاهم. في سوق السبت، نفس السلفيين أمنوا النظام (السير العام) وطردوا اللصوص – في غياب الشرطة - محتلين الممر بلافتاتهم، بينما تهاطلت التبرعات في دلو من البلاستيك مستعملا كجذع. ليس بعيدا، في ضريح سيدي بوزيد الولي الذي أعطى اسمه للمدينة، للحصول على شفاعته تنعم عليه بعض النسوة بصدقات هزيلة.
قيل لي: في المستشفى يسهر السلفيون على ضمان المساواة في المعاملة بين المرضى، ويحرمون البقشيش – الرشاوى- ويعزلون الرجال عن النساء. و قبل مجيئي بيومين، كانوا قد خربوا حانة تبيع الجعة، حيث رأيت العديد من الزجاجات المكدسة في القمامات برائحة الحشيش.
في صباح الأحد 9، التقيت أمام المسجد، أبا عياض، أحد المجاهدين القدامى في أفغانستان، وأمير وطني من أنصار الشريعة، الذي ألهب حماس مجموعته. لكن اللقاء الذي بدا جيدا لم يطل بسبب تدخل أحد حراسه الشخصيين، الذي أوقفني بفرنسية من سين- سان- دوني (حي بباريس)، محذرا زعيمه بعربية فصحى من سم "المستشرق الكافر المدسوس في العسل".
اليوم، أبو عياض مطلوب لدى الشرطة التونسية التي تتهمه بنهب السفارة الأمريكية على صفحة الفيسبوك الخاصة بأنصار الشريعة. نفس الاسم تحمله منظمة جهادية يشتبه أن تكون هي من هاجمت القنصلية الأمريكية في بنغازي.
لكن اللعبة لم تنته بعد للسلفيين، ففي سيدي بوزيد، غالبية النساء يتجولن برأس مكشوف وفي جو من الحرية الكبيرة. وفي تونس العاصمة، تزيد انتهاكاتهم من تناقضات أتباع النهضة التي اسر لي قادتها أنهم يرون تلك الانتهاكات على أنها أكبر تهديد للحركة، في حين أن الأكثر صرامة من المقربين من السلفيين، يرون أنهم معذورون بعد 11 سبتمبر 2012، حيث ظهور الشريط المسيء للمسلمين من طرف ميكانيكي قبطي من كاليفورنيا.
في ليبيا، كما هو الحال في مصر، خيبة أمل الشباب الفقير، بعد عام على الثورة التي يبدو أنها قد خانت مبادئها ووعودها، وجعلت منه فريسة لأتباع الإسلام الشامل والقطيعة الثقافية مع قيم مجتمع ظالم وموصوم بالكفر.
هذا هو التحدي الذي يواجه الديمقراطيات العربية الشابة: إذا لم تضع النخب الجديدة، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، التي وصلت إلى السلطة عن طريق الاقتراع، المسألة الاجتماعية في قلب أولوياتها ، فان الثورات ستحيد عن خطها بسبب نشطاء السلفية الذين سيعرفون كيف يحشدون (يلهبون) مشاعر الإحباط لدى الشباب الفقير من الضواحي والقرى.
في اللهجة العامية يستخدم نفس المصطلح "الحراكة" (حرق) في إشارة إلى إضرام النار بالنفس من طرف البوعزيزي، وفي إشارة إلى المهاجرين السريين إلى لامبيدوسا أو إلى أوروبا فرارا من الفقر، بعد حرق أوراقهم.
إذا لم نأخذ الحذر، فان عودة لهيب 11 شتنبر، كما رأينا في بنغازي، يمكن أن تحرق الثورات العربية.

ترجمة/ مركز نماء للبحوث والدراسات