(المال مال الأمة وليس مال الحاكم)

كان الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين هم الذين يفرضون للخليفة ما يحتاجه من بيت المال بحسب حاجته، ولا يتصرف فيه إلا بعد مشاورتهم ومعرفة رأيهم، مع جعل مفاتيح بيت المال مع من يرتضونه وزيراً للمالية، لكن الحال تغير بعد العهد الراشدي، فصار الخليفة يتصرف في بيت المال بذلا ومنعاً بلا حسيب ولا رقيب إلا من ضميره، وأصبح له مطلق الحرية في ذلك.
خطبنا معاوية في يوم جمعة، فقال: إنما المال مالنا و الفيء فيئنا، من شئنا أعطينا ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال: مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن يشهد المسجد، فقال: كلا بل المال مالنا و الفيء فيئنا من حال بينه و بيننا حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، و في الثانية، فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا، أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيأتي قوم يتكلمون فلا يرد عليهم يتقاحمون في النار تقاحم القردة))، فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني أحياه الله، و رجوت أن لا يجعلني الله منهم"