لطيفة في الأثر النافع للنوافل في التحصيل العلمي.



ليس بخافٍ على مبتدئة الطلاب= الحديثُ العجبُ العجاب، المحيِّرُ بعظيم معناه أولي النهى والألباب، الذي رواه البخاريُّ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأودعه النوويُّ في أحاديثه (الأربعين).

وهو حديثٌ إلهيٌّ شريفٌ يأخذُ بمجامعِ القُلوب، ويحلِّق بها في سماءِ الغيوب، فلا ترجعُ إلا بالمعرفة والمحبَّة، من غير إدراكٍ لكُنْهِ الحقائق وكيفيَّاتها!

إنه حديثُ الوليِّ، وفيه قولُه تعالى:

(وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه= كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه....)


لو تأمَّل طالبُ العلم المتحرِّق على التحصيلِ العلميِّ هذا الحديثَ حقًّا؛ لرأى أنَّ مِنْ أنفع ما يعين عليه= التقرُّبَ إلى الله بالنوافل.

فإنَّ الإنسانَ إذا كان محبوبًا لله، وكان الله سمعَه وبصرَه، فلا يسمع إلا به، ولا يبصر إلا به، ولا يمشي برجله إلا به، ولا يبطش بيده إلا به؛ فإنه سيحصِّل أعلى العلوم إن كان طالبَ علم؛ وذلك أنه سيُوفق في سماع العلم لسماع العلم النافع دون غيره، لأنه لا يسمع إلا بالله.

وسيُوفق في قراءته ونظره في العلوم للعلم النافع، لأنه لا يبصر إلا بالله.

وسيُوفق في اقتناء الكتب وكتابة العلم إلى ما ينفعه؛ لأنه لا يبطش بيده إلا بالله!

وسيُوفق في السعي إلى العلم للعلم النافع؛ لأنه لا يمشي برجله إلا بالله!

ثم هو مع ذلك إن سأل الله العلمَ= أعطاه، وإن استعاذ به من علم لا ينفع= أعاذَه، ثم تبلغُ به المنازلُ عند الله أن يتردَّد في قبضِ روحه، وأن يكرَه الله مساءتَه!

بخٍ بخٍ يا طالبَ العلم!

إنَّما هي ركعاتٌ يسيراتٌ، وصدقاتٌ خفيَّات، وصومُ أيَّامٍ في الشهر معدودات، ووِردٌ من القرآن، وذكرٌ للرحمن، ودمعةٌ في سرٍّ، وزيادةٌ في برٍّ، وما لا يخفى عليك من نوافل العبادات بعد إقامة الفرائض.

وفقني الله وإيَّاك لرضاه.

أبو ريان مهند بن حسين المعتبي
غفر الله له
25 / 5 / 1434 هـ