بسم الله الرحمن الرحيم
تعتبر قاعدة جوانتانامو البحرية آخر قاعدة عسكرية أمريكية في أمريكا اللاتينية، وهي تقع على الساحل الجنوبي الشرقي لكوبا. ورغم بقاء هذه القاعدة نقطة خلاف أساسية بين الدولتين, إلا إنها تمثل أيضا بشكل لا يخلو من المفارقة موضع لقاء بين العسكريين الأميركيين والكوبيين.

وتطالب حكومة فيدل كاسترو منذ قيام الثورة الكوبية باستعادة الجيب الأمريكي الذي تعتبره من آثار الاستعمار الأسباني. وكان البعض يخشى أن يثور غضب الحكومة الكوبية بعد إعلان وصول أسرى من مقاتلي طالبان إلى القاعدة, خاصة أن فيدل كاسترو كان قد انتقد الحرب في أفغانستان, على الرغم من إدانته لهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة.

وتبدأ قصة جوانتانامو قبل نحو مائة عام وبالتحديد في عام 1903 حينما قبلت كوبا التخلي عن هذه المنطقة، الواقعة في أقصى جنوبي شرق البلاد وعلى مسافة حوالي ألف كيلومتر من هافانا، لجارتها الصديقة آنذاك الولايات المتحدة كبادرة امتنان من الكوبيين للدعم الذي قدمه الأمريكيون لهم أثناء المقاومة الكوبية للاحتلال الأسباني وذلك في مقابل إيجار سنوي قدره أربعة آلاف دولار.

ومن اللافت للنظر أن الحكومات الكوبية المتعاقبة لم تقم بصرف أي شيك من الشيكات التي لا زالت الولايات المتحدة تقدمها لها حتى الآن وذلك في إشارة إلى اعتراضها على الوضع الراهن.

وحين اندلعت أزمة الصواريخ السوفيتية في أكتوبر عام 1962 دافعة بالعالم إلى شفير حرب نووية, قامت فرقة من 18 ألف جندي كوبي بحراسة جوانتانامو وتم زرع المنطقة المحيطة بها بالألغام. ومع انتهاء الحرب الباردة، فقدت القاعدة أهميتها الإستراتيجية وباتت تستخدم بصورة أساسية كمعسكر تدريب. كما نقل إليها عشرات الآلاف من اللاجئين الكوبيين والهايتيين ممن ألقي القبض عليهم وهم يحاولون الوصول إلى السواحل الأمريكية.

وعلى الرغم من تقلص أهمية قاعدة جوانتانامو البحرية مع أفول نجم الاتحاد السوفيتي السابق ومن ثم انفراد الولايات المتحدة بالعالم وتحولها إلى القطب الأوحد ، فقد عادت هذه البقعة إلى دائرة الضوء مجددا بعد نقل أسرى طالبان إليها.

وتقع جوانتانامو على مقربة من أراضي الولايات المتحدة فهي تبعد حوالي 90 ميلا فقط عن ولاية فلوريدا. كما يمتلك الجيش الكوبي قاعدة عسكرية مجاورة لها على مساحة تبلغ حوالي 20 ميلا يحظر الكوبيون دخولها ، وكما كانت مسرحا لإظهار الكراهية بين الكوبيين والأمريكيين حين اعتاد الجنود الموجودين في القاعدتين المتجاورتين التراشق بالحجارة وتبادل الشتائم فيما بينهم لفترات طويلة.

وكانت الولايات المتحدة قد استشعرت خطرا شديدا من كوبا أربع مرات على الأقل دفعها إلى فرض حالة الاستعداد القصوى في القاعدة التي شعر الأمريكيون أنها ستكون هدفا رئيسيا للكوبيين أو من يساعدوهم.

وكانت المرة الأولى أثناء الثورة الكوبية عام 1906 ، ثم الثورة الثانية التي قادها الرئيس الحالي لكوبا فيدل كاسترو ورفيق كفاحه تشيه جيفارا عام 1959 ثم أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وأخيرا في عام 1964 بعدما أمر الرئيس كاسترو بقطع إمدادات المياه عن القاعدة مما دفع الأمريكيين فيما بعد إلى إنشاء محطة لتحلية المياه وفرت الاكتفاء الذاتي من مياه الشرب لقاعدة جوانتانامو.

ومع مرور الوقت بدأ بعض الكوبيين في فقدان الأمل في استعادة القاعدة مرة أخرى حتى أن أحد كبار العسكريين في كوبا الجنرال خوسي سولار هيرنانديز شكك في وجود أي نوايا عدوانية أو هجومية لدى الأمريكيين حاليا معربا عن أمله في إنهاء النزاع بالطرق السلمية.

وفيما يتعلق بالتطورات الأخيرة ونقل أسري طالبان إلى القاعدة قال سولار أثناء إحدى زياراته النادرة إلى المنطقة المتاخمة لقاعدة جوانتانامو أن الحكومة الكوبية لا تملك حتى الآن العناصر الضرورية لتكوين رأي في المسألة ولم تعتمد بالتالي أي موقف بهذا الشأن.

وأضاف الضابط الكوبي إن العملية التي بدأتها واشنطن لنقل أسرى من حركة طالبان هي عملية تهدف إلى ضمان حراستهم ولا نرى فيها أية نوايا عدوانية أو هجومية. وقال "إنهم أسرى حرب".

وتابع الجنرال سولار قائلا "نعيش منذ 1995 - تاريخ توقيع اتفاقات الهجرة- أجواء هادئة", مضيفا أنهم لم يواجهوا "أي استفزاز أو عدوان" من جانب الأميركيين. ومازال عشرة عمال كوبيين يعبرون الحدود يوميا للعمل في القاعدة الأميركية.

ويؤكد الجنرال سولار أن التعايش حضاري عند مدخل القاعدة الشمالي الشرقي, المعبر الوحيد إليها, مشيرا إلى الشريط الأبيض العازل الذي يلتقي فيه أحيانا العسكريون الكوبيون والأميركيون, كل طرف برفقة مترجميه.

لكنه أضاف "نبقى مستعدين لمواجهة أي طارئ". وسئل عن عدد الجنود الكوبيين الموجودين حاليا في جوانتانامو فاكتفى بالقول وهو يبتسم "العدد اللازم".

وعلى النقيض من ذلك يصف الرئيس الكوبي فيدل كاسترو قاعدة جوانتانامو بأنها "خنجر موجه إلى قلب كوبا"