الشيخ عبدالكريم بن صالح الحميد


الحمد لله رب العالميـن ، والصلاة والسلام على نبينا سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :
فإلى أحقِّ من دُعيَ إلى ملكِ الملوك وأحقِّ من بُذلت له النصيحةُ ؛ ملوكِ العربِ ورؤسائهم قاطبة ..
إنكم اليوم في أخطر أيام حياتكم حيث طمع بكم الكفارُ وتسلطوا عليكم واستهانوا بكم غايةَ الاستهانةِ وما ذاك إلا لركونكم إليهم وقد نهاكم مليكُكُم عن ذلك في قوله تعالى: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}( هود:113) ، ولأنكم ضيعتم دينَ ربكم الذي هو أمانة في أعناقكم ! .
إنكم اليوم في أخطر أوقاتكم وأشد أزَمَاتكم وذلك من جهاتٍ عديدةٍ محيطةٍ بكم ، وما صَنَعَ هذه الشدائدَ والأزمات والأخطار سواكم ومَن رضي بأفعالكم وتابَعَكم عليها إذْ هي أفعالٌ تستدعي العقوبات العاجلة، وإنكم أعظم الخلق مسؤولية وتَبِعَة لأنكم مسؤولون عن الأمةِ وقد ضيعتموها أيّ ضيعة ، وما غرّكم واللهِ مِثْل مَنْ مَدحكم !.
قال تعالى : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}( الأعراف:6) ، فهؤلاء الرسل عليهم السلام سوف يُسألون عن أممهم وسوف تُسألون أنتم أشدّ من غيركم .
إن أعظم أدوائكم ركونكم إلى الكفار وتعلقكم بهم تعلُّقَ مَن وُكِل إليهم وتضييعكم عزكم وشرفكم وعلوّكم بإهمال دينكم، ولقد كانت النتائج كما قال تعالى : { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } ( الجـن:6) ، لقد كانت العرب في الجاهلية تلجأ إلى عظماء الجن ورؤسائهم تعوذ بهم من أتباعهم أن يؤذوهم وذلك في أسفارهم حين ينزلون الأودية والمواضع المخيفة فلما رأت الجنُّ أن الإنس تخافهم وتلجأ إليهم زادتهم مخافة ليزداد لجوؤهم وتضرعهم إليهم واستعاذتهم بهم وهو معنى قوله تعالى: {فزادوهم رهقاً} أي مخافة ؛ وهذا هو واقع حكام العرب اليوم كلهم بلا استثناء مع أمريكا، وما ذاك إلا عقوبة تضييعهم الدين ورغبتهم عنه واستبداله بسياسات ممقوتة.

أيها الحكام ..
لقد أيقظتْ - بمشيئة اللهِ - الأحداثُ والوقائعُ الراهنةِ ضمائرَ شعوبكم وحرّكت قلوبهم وَوَجّهت أنظارهم إلى التفكر في الأسباب التي جعلت أحوال الأمةِ تؤولُ إلى ما آلت إليه من الذلِّ والهوان وتسليطِ الأعداءِ وهي التي أعطاها الله العزَّ والعلوَّ وضَمِنَ لها النصرَ ما استقامت على دينه القويم وصراطهِ المستقيم، وقد استيقنوا أن سبب ذلك هو إبعاد الدين وعزله عن الحياة الذي سببتموه أيها الحكام وأصبحوا اليوم يتخوفون عقوبات عاجلة تعمّ الجميع .
إن من العقوبات المعجلة مخافةُ الكفرةِ وتعظيمهم وهذا من عمل الشيطان قال تعالى:{ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }(آل عمران:175) .. أي يُخوِّفكم بأوليائه ويُعظمهم في صدوركم، وهذا هو الواقع اليوم بلا ريب حيث حَلّ الخوف من الكفار محلَّ الخوفِ ممن بيده نواصيهم سبحانه، وبلغ تعظيمهم في هذا الزمان مبلغاً لا نظير له ولا ما يُقاربه ولا حتى في عصر جاهلية العرب فقد كانت العرب تحتقر الأعاجم لأن الجنس العربي أفضل من الجنس الأعجمي ولِما يظهر لهم من فضلهم عليهم في الأخلاق وفي كل شيء.
أما بعد أن أعز الله العرب بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من ربهم فلا تخفى عزتهم ورفعتهم على جميع أهل الأرض وماشعروا به وعلموه من علو مقام من آمن بهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واتبعه .
أما إذا كان موجب الخضوع والذل للكفرة هو ما فُتح عليهم - ابتلاءً - من أمور الدنيا وكثرة العساكر وقوة السلاح فهذا لا يُخيف المؤمن أبداً لأنه مع ربه القوي العزيز الذي يحركهم ويُسكنهم ويكف أيديهم وسلاحهم عن المؤمنين ويردّ بأسهم وكيْدهم ويجعل كلمتهم هي السفلى وكلمته هي العليا، وما غَلَبَ أهلُ الإسلام أعداءهم من كثرة وقوة وإنما غلبوهم بالإيمان الموجب لمعية الرحمن، وإذا كان الله معك فمَنْ تخاف! ، إن معك القوة التي لا تُغْلب : { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (آل عمران:160) ، وهذا عام مطلق ( ولو اجتمع عليهم من بأقطارها ) لكن هذا له شرط وهو { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ } ( محمد : من الآية 7 ) ، فمن أتى بهذا الشرط ضُمن له النصر والعز والعلو بالحق والتمكين في الأرض.
إن من يرى ما عليه دول العرب كلها اليوم من تحكيم الطاغوت الدولي العام (هيئة الأمم وفروعها) ولجوئهم إلى هذا الطاغوت فيما ينوبهم في الرخاء والشدة وما غشى بلادهم من تحكيم القوانين واستبدالهم ذلك بشرع مالك الملك سبحانه إنما هو افتراءٌ عليه وانتهاكٌ لحرماته واستخفافٌ بأمره وأمانٌ من مكرِهِ وحلول عقوبته، وهذا كفر مخرج عن الملّة، وكذلك شرك القبور والأضرحة التي لاتحصى في بلاد العرب، وهي أشد فتنة من الأصنام.
وإن من يرى الكبائر والعظائم يُجاهَر بها ولها الحماية والعناية والرعاية من حكام العرب وجيوشهم ولا يزداد الأمر إلا شدة فإنه يخاف ويخاف لأن سنن الله لا تتبدّل ولا تتغير فإما تسليط الأعداء وهاهي نُذُرُه أسمعت الأصم أو غير ذلك من فتن وآيات سماوية أو أرضية ، والعِبَـر قد تقدمت ، والنذر قد بلّغت ، وما عِلَّتُنا من ضعف السلاح الحسي وإنما من فساد السلاح المعنوي .

أيها الحكام ..
أفيقوا من سكرةِ دنيا غرّت أمثالكم من أسلافكم وما أغنتْ عنهم لما جاء أمر الله، إنكم عبيد لله كسائر العبيد إلا أن صلاحكم إن صلحتم وضلالكم إن ضللتم لا يشبه صلاحَ وضلالَ غيرِكم لما يترتب على ذلك من آثار ليست حاصلة من غيركم ، قال أمير المؤمنين عثمـان - رضي الله عنه - : ( إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن ) .

أيها الحكام ..
إنكم لا تستقلون بأوزاركم وحدها وإنما بأوزار كل من تسببتم بإضلاله، ولقد غرّكم وغشكم وفتنكم وجعلكم تستحسنون أفعالكم مَنْ مَدَحكم ، ولا والله ما مدحكم وأثنى عليكم إلاَّ مَن شارككم في عزٍّ دنيوي زائلٍ عن قريب ، ومَن شارك السلطانَ في عزِّ الدنيا شاركه في ذُلِّ الآخرة ، والعجيب من أمركم تصاممكم عن سماع نصح الناصحين وفرحكم بمدح المادحين ! .

أيها الحكام ..
إن مقامكم أخطر مقام .. إنكم تخلفون محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث معقل بن يسار أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( مامن عبد يسترعيه الله رعيةً فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة ) ، ومعلوم أن المراد هو إقامة الدين الذي يحصل بإقامته كلُّ خيرٍ ويندفع كلُّ شرٍّ لأن الدين النصيحة ، ومن لم يُحِط الرعيةَ بنصحِهِ مِنَ الولاةِ فليتوقع هذا المصير ، ومن دعائه صلى الله عليه وسلم : ( اللهم مَن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئـاً فرفق بهم فارفق بـه ) رواه مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - والمراد بالرفق بالأمة هو إقامة الدين الذي بإقامته يحصل كلُّ خير ويندفع كلُّ شر ، وإن أعظم المشقة على الأمة هو ضياع دينها كما هو حاصل !.
قال عمرو بن المهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - : ( إذا رأيتني قد مِلت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم قُلْ : يا عمر ما تصنع ) ! .
لقد كانت عاقبة خوف عُمر ونصحه لنفسه وللأمة أن يسمع قبل خروجه من الدنيا: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83 ) مع ميراث وافر من دعاء الخليل - عليه السلام - : { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ }( الشعراء :84 ) ، وهو الثناء الحسن .
ومن ليس على سيرة عمر من الولاة فإنه يقول عند موته بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال : { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } ( الحاقة :29 ) .
وليس الظلم أخذ الأموال وضرب الأبشار فقط إنما الظلم كل الظلم والجور كل الجور هو عدم تحكيم شرع الله وعدم إقامة حدوده وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكـر على مقتضى الشـرع لا النظام .
إن أظلم الظلم ؛ الكفر ، وقد أصبح اليوم ظاهراً محمياًّ من القوانين وغيرها وشرك القبور وتولي الكفار وإعانتهم على المسلمين ، كذلك الربا والغناء وتبرج النساء وما لا يحصى من المنكرات الموجبة للتسليط والمستدعية للعقوبات مثل التعاليم الحادثة التي رفعت علومَ الكفار إلى مستوى الوحي المطهر وأعظم واختلاطها به وكون العلم أصبح حرفةً للمال والرئاسة ! .
إن حكام العرب قد تسلّط عليهم عدوُّهم يُخيفهم ويُرعبهم وكأنهم لا يعلمون أن هذا فعل ربهم الذي أسخطوه بتبديل دينه وشرعه الحاكم على كل أمرٍ من أمورِ الخلق بسياساتٍ فاسدةٍ غرّهم بها أعداءُ الإسلام ، ولقد أصبحت نُذُرُ المخافةِ محيطةً من جوانب عديدة ولا مفرّ ولا مهرب إلا بإرضاء الملك الحق سبحانه وذلك بالكفر بالطاغوت الذي تزعّمه أمريكا وبالبراءة منها وعداوتها وبغضها وإعلان جهادها وجهاد حلفائها من سائر الكافرين .
إن التهلكة كل التهلكة ما عليه حكام العرب اليوم من إهانة الدين وخذلان المسلمين وإعانة الكافرين عليهم فأي خير يُرْجى من شؤم هذه الأفعال وأي شر لا يُتوقع من جرّائها، فالرجوعُ الرجوعُ إلى الله قبل حلول الدمار والبوار { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (غافر:44) .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

بريدة – 16 / شعبان / 1423هـ

موقع صيد الفوائد