بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إلى فضيلة الشيخ/ ...- حفظه الله-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد
فقد وصلتني رسالتكم العتابية التي نقدتم فيها ردي على صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في خطئه في منع القنوت في النوازل، وقد قرأت رسالتكم عدة مرات، ووقفت حائرًا عند عدة أسئلة:
أولاً: لماذا كتبتَ هذه الرسالة بعد مُضِيّ عدة أشهر، علمًا بأني قد زودتكم بنسخة من نقدي في تاريخه.
ثانيًا: هل من حَرر هذا الخطاب قرأ نقدي كاملاً؟ لا أظن ذلك؛ لضعفه علميًا ولجهله بالقواعد الأصولية، ولِمَا وقع فيه من التناقض الصريح.
ثالثًا: لماذالم يكن الرد من صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وهو الذي انتقدته وهو المَعْنِيّ بذلك؟ وقد جاء الرد من قِبَلِكم.
وكنت مترددًا في الإجابة على رسالتكم لمكانتكم عندي، لولا قولكم في آخر الرسالة: ينبغي أن تعتذر من صالح وتترك الإصرار، فلما سمعتُ هذه العبارة تمثَّلتُ بقول الشاعر العربي:
قرِّبا مربط النعامة مني *** إن بيع الكرام بالشسع غالي
فعزمت على الرد على رسالتكم مستعينًا بالله مبينًا ما فيها من أخطاء وملاحظات وهي ما يلي:
أولاً: قلت- وفقك الله- إن القنوت نُسِخ بعد حادثة بئر معونة في السنة الثالثة حين قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا فيها ثم تركه، وإنما يُؤخَذ بالآخِر فالآخِر من فعله صلى الله عليه وسلم، ثم ضربتَ أمثلةً في أشياء نُسخت فيما بعد، وهذا الكلام عليه ملاحظات وهي:
أ- أنك لم تُراع أصول وقواعد أهل العلم في النسخ، فمما يعرف أبسط طلبة العلم أن النسخ له شروط وهي على الاختصار: الأول: تَعَذُّر الجمع، الثاني: معرفة التاريخ، أو النص الصريح على النسخ، وهذه الواقعة خلت منها هذه الشروط، فلم تأت بنص صريح فيه المنع من القنوت يدل على النسخ، ولم يتعذر الجمع، بل ليس هناك تعارض حتى نحتاج إلى الجمع، وإنما ذكرت مجرد الترك، والترك ليس دليلاً على النسخ، الأمر الآخر: أنك ادعيت أن النسخ وقع بعد بئر معونة، مع أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قنت بعد بئر معونة، فبطل ادعاؤك للنسخ في بئر معونة.
ب- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت بعد بئر معونة بعد صلح الحديبية، وقد ذكرتُ ذلك في فتوى مشروعية القنوت، ولا أدري أقرأت ذلك حقيقةً أم لا؟ وذكرتُ فيها الدليل على ذلك. وإليك الدليل من نفس الفتوى؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: «اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف»متفق عليه. وقصة قنوته صلى الله عليه وسلم للمستضعفين في مكة كانت بعد صلح الحديبية وفتح خيبر كما قاله ابن تيمية في الفتاوى (23/105).
ج- أنك قلت إن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك القنوت وجعلت مجرد الترك نسخًا، وهذا أمر مستغرب، ويلزم منه دعاوى باطلة وإبطال أحكام كثيرة بدعوى الترك، وكثير من الأحكام النبوية يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثم يتركها؛ فهل مجرد الترك نسخ؟ بل لا يلزم استمرار عمل الرسول صلى الله عليه وسلم به حتى الموت لكي يدل أنه غير منسوخ، بل لو فعله مرة لدلَّ على الجواز، وإن لم يفعله مرة أخرى.
د- قلت إنه يؤخذ بالآخِر فالآخر من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لم تذكر لنا نص الآخر من فعله، وإنما جعلت الآخِرَ تركًا مجردًا، ولم تذكر لنا فعلاً يمكن أن يُسمَّى الآخر، أنه مباح ثم مُنع بالنص، وأن زيارة القبور كانت ممنوعة ثم شُرِعت بالنص، وأن النياحة كانت مباحة ثم جاء النهي، وما ذكرتَه حقٌ وجاءت أدلة صريحة في النسخ ذكرتَ بعضها، لكن في مسألة القنوت استعملتَ الحيدة ولم تذكر نصًا صريحًا في النسخ كما ذكرتَ في النصوص قبلها.
ثانيًا: قلت إن مذهب أبي حنيفة يرى المنع مطلقًا ولم تذكر نصوصًا لكلامهم في هذا المعنى، مع أنني في الرسالة ذكرتُ مذهب أبي حنيفة في ذلك وذكرتُ نصوصًا من كلامهم تدل على أن مذهب أبي حنيفة القنوت، وإليك مذهبهم المذكور في الرسالة:
قال ابن عابدين في حاشيته (2/11) في مطلب القنوت في النازلة، قال: إن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر. ونقل عن الطحاني في القنوت: إن وقعت فتنة بلية فلا بأس به (وراجع إعلاء السنن 6/95). وقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (1/252): إذا نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الفجر، وهو قول الثوري وأحمد، وقال اللكنوي في كتاب التعليق الممجد (1/636): إن قول أبي حنيفة وأصحابه لا قنوت في شيء من الصلوات إلا في الوتر وإلا في نازلة، وقال في البحر الرائق للحنفية (2/48): وإن نزل في المسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر، وذكر التهانوي في إعلاء السنن (6/84، 95) أن عين مذهب الحنفية والجمهور هو القنوت في النوازل مؤقتًا.
والذي يظهر- والله أعلم- أنك أخذت كلام بعض الأحناف ممن قال بالنسخ وظننتَ أن هذا هو مذهبهم، وإنما هو قولٌ فيه، وقد ذكرتُ ذلك في الرسالة، وإليك ما ذكرتُ: وبعض الحنفية يرى أن القنوت للنوازل منسوخ كالطحاوي في شرح معاني الآثار وينقله عن بعض أئمة الحنفية (1/254)، مع أن كلام الطحاوي هذا ناقشه التهانوي في إعلاء السنن (6/96) وبيَّن أن اختيار المذهب هو القنوت.
ثالثًا: أما قولك إن المنع مطلقًا قول مذهب الإمام مالك، فهذا لا مستمسك فيه، فيُقال: لماذا عدلت عن أصل مذهب مالك في القول بالقنوت إلى هذا القول إن صح، وقد ذكرتُ لك في الرسالة مذهب مالك في ذلك، وما ذكرته ما يلي:
ذكر ابن عبد البر في الاستذكار (6/201) في باب القنوت في الصبح مذهب مالك وأنه يرى القنوت، وقال ابن رشد في بداية المجتهد في فصل أقوال الصلاة في المسألة التاسعة، قال: ومذهب مالك أن القنوت في صلاة الصبح مستحب (1/131)، وذكر الزرقاني في شرح الموطأ في باب القنوت في الصبح أن معتقد مالك: القنوت في الصبح (1/223).
وجاء في المدونة الكبرى (1/103) ذِكر مذهب مالك في القنوت في الصبح بالدعاء على الكفار والاستعانة بالله عليهم، بل إن مالكًا يرى دوام قنوت النوازل في الفجر كما قال ابن العربي في شرح الموطأ في كتابه القبس (1/348) في ذكر رأي مالك في قنوت النوازل، قال ابن العربي: ورأي أحمد بن حنبل أن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لسببٍ فيما كان ينزل بالمسلمين، والأحكام إن كانت معلقة بالأسباب زالت بزوالها، ورأي مالك والشافعي أن ذلك من طلب العدو، ومقارعته معنى دائم فدام القنوت بدوامه. اهـ
وقال ابن تيمية في الفتاوى (23/106): قول مالك: القنوت في النوازل مشروع دائمًا والمداومة سنة، وأن ذلك يكون في الفجر قبل الركوع بعد القراءة سرًا، وهذا يدل على أن المالكية يرون قنوتًا دائمًا.
رابعًا: على قولك بالنسخ يُقال: هذا يحتاج إلى إثبات خاص، فهل هناك دليل صريح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «لا تقنتوا؟»، أو أنهم قنتوا فنهاهم، أو قال: «كنت قد قنتُّ فلا تقنتوا بعدي»، أو نحو ذلك، فالنفي كالإثبات يحتاج إلى دليل؛ لأن النفي قضية سلبية تحتاج إلى برهان كالقضية الموجبة، وكون المستدِل يدعي النسخ لا يلزم من صحة وقوع النسخ حقيقة، إذ قد يكون ثابتًا بدليل لم يعلمه المستدل، وهذا هو الواقع، فإن الصحابة قنتوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أعلم منا بمواقع النسخ.
خامسًا: قلتَ في رسالتك: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقنت في غزوة مؤتة ولا يوم حنين ولا في الأحزاب.
والجواب على ذلك أن يقال: أما غزوة مؤتة فقد حصل فيها نصر مبين، فما وجه القنوت؟ وأما حنين فقد حصل للصحابة ما حصل في ضُحى ذلك اليوم ثم نصرهم الله، فما يُطلَب منهم في وقت ما حصل لهم ما حصل.. أن يتركوا القتال ويقنتوا ضُحى؟ ثم نصرهم الله بعد ذلك. وأما الأحزاب فلا يدل عدم القنوت فيها على النسخ، فقد قنت النبي عليه الصلاة والسلام بعد الأحزاب ودعا للمستضعفين كما ذكرنا ذلك سابقًا.
سادسًا: أما قولك أني حشدت أقوالاً كثيرة لأئمة المذاهب وبعض الصحابة وبعض العلماء وغيرهم، وأن أقوال الناس (تريد من حشدتُ له أقوالاً كثيرة) ليست بحجة؛ فهذا من العجب العجاب، كيف أحشد أقوال الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون وستة من الصحابة، بعضهم ممن روى أحاديث القنوت وفعل القنوت بنفسه، مما يدل على عدم النسخ، فهل هؤلاء ليس في أقوالهم حجة؟
ثم لبَّست بعض التلبيس حيث قلت: (وبعض الصحابة)، فهل هذا إيهام منك أن البعض الآخر يرى النسخ والمنع؟ ثم لماذا لم تذكرهم؟ بل إنني ذكرتُ في الرسالة أنه لا يوجد أحد من الصحابة- فيما أعلم- خالف مشروعية القنوت، بل يكفي إجماع الخلفاء الراشدين على مشروعية القنوت، وسوف أذكر لك نصوصهم بعد قليل، ثم قلتَ: إن الحجة في الكتاب والسنة، وهذا حق، ولكن الإجماع أيضًا حجة، وقد ذكرتُ لك نصوصَ مَن نقل مِن أهل العلم الإجماع على مشروعية القنوت، وتركتَ هذا كله، فهل الإجماع ليس حجة عندك؟ وهل إجماع الخلفاء الراشدين ليس حجة عندك؟
وإليك النصوص التي ذكرتُها في رسالة القنوت من فِعل الخلفاء الراشدين وإجماعهم عليه، وفِعل الصحابة الذين لا يُعرَف لهم مخالف فيما أعلم، وحكاية إجماع مَن حكى مِن أهل العلم، لعل وعسى في ذلك معذرة وبيانًا:

فعل الخلفاء الراشدين وإجماعهم على القنوت:

فقد صح عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أنهم قنتوا في النوازل، فعن العوام بن حمزة: سألت أبا عثمان عن القنوت فقال: بعد الركوع. قلت: عمَّن؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان، رواه ابن أبي شيبة (2/106) رقم (7011)، وابن المنذر في الأوسط (5/210)، وحسـنه البيهقي في معـرفة السنن (2/79). وقال ابن تيمية في الفتاوى (23/108): إن النبي عليه الصلاة والسلام قنت لسبب نازل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب النازل، فيكون القنوت مسنونًا عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم... ثم قال: فسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين، أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، وقال ابن القيم في الزاد في هديه صلى الله عليه وسلم في القنوت: إن المروي عن الصحابة في قنوت النوازل قنوت الصديق رضي الله عنه في محــاربة مسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب (راجع كتاب إعلاء السنن (6/83))، أما قنوت عمر فقد ذكر ابن تيمية في الفتاوى (23/108) وابن القيم في الزاد أنه قنت لما حارب النصارى. وقال ابن تيمية في الفتاوى (23/108): وكان عمر إذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت، ونقل الكاندهلوي في أوجز المسالك (3/176) عن كتاب الآثار لمحمد بن حسن قال: كان عمر رضي الله عنه إذا حارب قنت، وإذا لم يحارب لم يقنت، رواه الطحاوي وإسناده حسن.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد قنت لما حارب من حارب من الخوارج، قاله ابن تيمية في الفتاوى (23/103)، وقنت أيضًا لما حارب أهل الشام في صفين، قال البيهقي في كتابه معرفة السنن في فصل القنوت إن عليًّا قنت في حرب يدعو فأخذ أهل الكوفة ذلك عنه.
فهذا هو هدي الخلفاء الراشدين، بل لو قال قائل إنه لا يعرف لهم مخالف لكان هو عين الصواب، وهو مذهب الناس في زمن علي بن أبي طالب وعليه أهل الكوفة تبعًا له. وقيل ذلك هو فعل الناس زمن عمر حيث قنت عدة مرات، وهو فعل الناس زمن أبي بكر حيث فعله فيهم، فأي إجماع أعظم من هذا؟
وأحب أن أنبهك إلى أنك نفيتَ عن أبي بكر أنه قنت، وادعيتَ على عمر أنه لم يقنت، وهذا من الرجم بالغيب والادعاء على الأفاضل بغير برهان، وقد ذكرتُ لك سابقًا قنوت أبي بكر وعمر، وزِدنا لك قنوتَ عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

نصوص من قنت من الصحابة:

أ- فقد صح عن أن أنس بن مالك رضي الله عنه أن كان يقنت في صلاة الفجر، رواه ابن المنذر في الأوسط (5/209) وغيره، علمًا بأن أنس ممن روى أحاديث قنوت النازلة، فكان بفعله هذا يرى أنها مُحكَمة لم تنسخ، بل صح عنه رضي الله عنه أنه نقل عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قنتوا في صلاة الفجر، فذكر هنا أنه فِعل جمْعٍ من الصحابة، والمقصود بذلك قنوت النازلة.
ب- وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقنت في الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، رواه الطبراني في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (1/345) رقم (576) فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار، وقال: لأُقرِّبن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليه. وفي رواية عند الطحاوي في شرح الآثار (1/241): (لأرينكم)، فصلى بهم وقنت حتى يعلّمهم أن القنوت مشروع لم يُنسخ، ولذا قال: لأرينكم، علمًا بأن أبا هريرة رضي الله عنه ممن روى أحاديث القنوت للنازلة، فهذا فهمهم رضي الله عنهم، بل فعله هو بنفسه تدريبًا لأصحابه عليه، قال ابن القيم في زاد المعاد: ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك- أي القنوت- ثم تركه، فأحبَّ أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سُنة. اهـ
ج- صح عن البراء بن عازب أنه كان يقنت، رواه ابن أبي شيبة (2/106) رقم (7016) وصفحة (108) رقم (7034)، وعبد الرزاق في مصنفه (3/109)، وابن المنذر في الأوسط (5/209)، والبيهقي في سننه (2/206)، مع أن البراء ممن روى أحاديث قنوت النازلة.
د- صح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الغداة في إمارته عن البصرة فقنت، رواه ابن أبي شيبة (2/105) رقم (7003)، وعبد الرزاق في مصنفه (3/113)، وابن المنذر في الأوسط (5/209)، علمًا بأن ابن عباس في البصرة كان أميرًا لعلي بن أبي طالب، فلما قنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما حارب أهل الشام قنت ابن عباس تبعًا له، ذكر ذلك الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/252) في باب القنوت، وذكره التهانوي في إعلاء السنن (6/باب القنوت)، وقال الكاندهلوي في كتابه أوجز المسالك (3/175) نقلاً عن الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة إلا إذا نزل بالمسلمين نازلة، فانظر إلى كلام ابن عباس هذا وما فيه من ذكر عدم نسخ القنوت للنوازل، بل لا يبعد أن يكون هذا الكلام له حكم الرفع.
هـ- جاء عن معاوية رضي الله عنه أنه قنت في صِفين وما بعدها، يقنت هو ومن معه، ذكر قنوته الطحاوي في معاني الآثار، وكذا الطبري في تاريخه (3/113)، قال البيهقي في كتابه معرفة السنن في فصل القنوت: وقنت معاوية في الشام يدعو في صِفّين، فأخذ أهل الشام عنه ذلك.
و- وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار عن أبي موسى الأشعري أنه قنت، وذكره عنه ابن الـقيم في زاد المعـاد، ورواه ابن أبي شيبة (2/105) رقم (7001) بسنده عن عبد الله بن معقل قال: قنت في الفجر رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي وأبو موسى.
فهؤلاء ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم ممن روى أحاديث قنوت النازلة وفعلها كأبي هريرة وأنس، وكلهم يرون القنوت وأنه لم يُنسَخ، إذ لو كان منسوخًا لم يفعلوه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأين المخالف لهم من الصحابة ممن منع قنوت النوازل أو رأى أنه منسوخ؟!

الإجماع:

مما يدل على مشروعية القنوت والذي تركتَ الاحتجاج به: الإجماع، ومن قول اللكنوي في كتاب التعليق الممجد (1/636): ولا نزاع بين الأمة في مشروعية القنوت ولا في مشروعيته للنازلة، إنما النزاع في بقاء مشروعيته لغير النازلة، ونقل ابن عبد البر في الاستذكار (6/202) عن يحيى بن سعيد أن القنوت إن دخلت جيوش المسلمين هو فعل الأئمة.
وممن نقل الإجماع الكاندهلوي في أوجز المسالك في شرح موطأ مالك (3/177) قال النيموي: تدل الأخبار على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقنتوا في الفجر إلا في النوازل، وذكره ابن أبي شيبة برقم (7006) بسنده عن ابن أبي ليلى قال: القنوت سُنة ماضية، وقال ابن تيمية في الفتاوى (23/108) إن القنوت مسنون عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين.
وقال التهانوي في إعلاء السنن (6/96): وأما دعوى نسخ القنوت في الفجر مطلقًا فتردها آثار الصحابة وقنوتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أحيانًا، ونقل عن صاحب كتاب الحجة البالغة: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه إذا نابهم أمرٌ دعوا للمسلمين وعلى الكافرين بعد الركوع أو قبله. اهـ
سابعًا: قلت في آخر الرسالة بعد ما ذكرتَ أن الصحابة لم يقنتوا، قلتَ: والصحابة أعلم منا بالشريعة، وقد باشروا الأمر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الوقائع .. والجواب عليه أن يقال: لو أنك قرأت رسالة القنوت قراءة فاحصة لما قلتَ هذا الكلام، فإني ذكرت في الرسالة أن الصحابة قنتوا بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين قنتوا، وهم أعلم منا بالشريعة، وقد باشروا الأمر بعد حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا بمشروعية القنوت وفق فهمهم وعملهم رضي الله عنهم، حيث إنهم أعلم منا بالشريعة، ولذا رأوا مشروعية القنوت، والواجب الرجوع إلى فهمهم.
ثامنًا: ذكرت في رسالتك فقلت: وكان بعض الصحابة لما سُئل عن القنوت في الفرائض قال: (أي بُنيّ بدعة)، وهذا الحديث مقلوب، والصحيح أنه سئل عن الجهر بالبسملة فقال أي بني بدعة.
وأخيرًا: وأما ما ذيلتم به رسالتكم من ذكر الإصرار وطلب الاعتذار لصاحبكم فأنت أولى بالاعتذار، لأنك خالفته مخالفةً تامة؛ فأنت في ادعائك النسخ في طرفي نقيض معه ، فهو يرى أن القنوت لم يُنسخ، ولكن قيَّده في صورة واحدة وهي إذن الإمام أو مسجد الإمام، وأنت نقضْت فتواه ومنعت القنوت مطلقًا.
ثم الاعتذار من ماذا؟ هل لأجل ذكري لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ومَن بعدهم في عملهم في القنوت؟ أوَ لأجل أننا رددنا عليه خطأه؟
نرجو من الله أن يحسن القصد والنية فيما نقول ونفعل، والله يحفظكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أملاه أخوكم
حمود بن عقلاء الشعيبي
في 19/3/1422هـ