الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    7,097

    افتراضي الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

    منقول من الشيخ أكرم زيادة


    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله رب العالمين الذي جعل المسجد الأقصى قلبا لفلسطين.

    والصلاة والسلام على سيد المرسلين الذي أُسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى آية للعالمين.
    وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    وبعد:
    فهذه الحلقة الأولى من رحلتي المقدسية، وفوائدي الماسية منها بعنوان:
    «في فلسطين.. لأول مرة أذوق الحلوة والمُرَّةَ».
    راجيا تعليقاتكم وتوجيهاتكم.
    فإن من عظيم نعم الله عليَّ التي لا تُحصى أن يسر لي زيارة فلسطين أرض الأنبياء، وبلاد الأجداد والآباء.
    من صباح يوم الجمعة 26/4/1434هـ، الموافق 8/3/2013م.
    إلى مساء يوم الجمعة 3/5/1434هـ، الموافق15/3/2013م.
    وقد سميتها ابتداءً:
    «الفوائدالماسية من الرحلة المقدسية».
    واقترح عليَّ فضيلةالشيخ علي الحلبي ـ حفظه الله ـ هاتفياً تسميتها:
    «القول المبين في رحلة القدس وفلسطين».
    ثم اقترح الشيخ علي أبو هنية المقدسي تسميتها:
    «إسعادالقلب الحزين برحلتي إلى ربوع بلادي فلسطين».
    ولأنني سبق وأن كتبت مقالات بعناوين مقاربة للعنوان الأول مثل:
    «الفوائدالمعتمد ة من زيارة كندا».
    و
    «الفوائدالثمينة من رحلة مكة والمدينة».
    أحببت أن يكون العنوان الأول:
    «الفوائدالماسية من الرحلة المقدسية».
    مكملا للعنوانين السابقين ومتمما لهما، مع خالص حبي وتقديري لاقتراح (العَلِيَيْن)الف اضلين.
    تقدمت بطلب التأشيرة من السفارة (الصهيونية) في عمان عن طريق أحد المكاتب السياحية المتخصصة باستخراج التأشيرات وتسهيل سفر المسافرين سُيَّاحَاً وزائرين، بعد عودتي من رحلة العمرة الأخيرة، ومشاركتي في دورة المسجد الأقصى المبارك في المدينة النبوية في الفترة ما بين 8/3/1434هـ، الموافق: 20/1/2013م،و14/3/1434هـ، الموافق: 26/1/2013م.
    أي تقدمت بطلب التأشيرة في نهايات شهر كانون ثاني (يناير) 2013م، ولم تتم الموافقة الأمنية طبعا على التأشيرة إلا في 6/3/2013م أي بعد حوالي شهر ونصف من التقدم بالطلب.
    وكانت تأشيرتي ـ ولله الحمد ـ تأشيرة زيارة؛ زيارة الأهل والأصدقاء، والأحبة، وهي غير تأشيرة السياحة، ولا (تطبيع) فيها ولا ما يفترون!!.
    استكملت إجراءات المكتب المذكور يوم الخميس: 25/4/1434هـ، الموافق: 7/3/2103م، وبدأت بالاستعداد للسفر من مساء اليوم المذكور، وبادرت بالاتصال بالأخ الفاضل أمجد سلهب في القدس وأخبرته باحتمال صلاة الجمعة عندهم في بيت المقدس غداً الجمعة، مما شكل له مفاجأة سارة، كما أخبرني بذلك وردده على مسامعي ومسامع الكثيرين من إخواننا في فلسطين بعد ذلك.
    اتصل بي ابن أخي (عمار) عدة مرات أثناء استعداداتي لإنهاء إجراءات السفر للذهاب للوالد ونقله إلى بيتي بناء على رغبته الملحة، ولأزوف سفر والده (أخي أحمد) إلى عمله في السعودية، فقلت لنفسي: هذه مُحبطة من المحبطات، ولا سفر غدا وترك الوالد وحده!!.
    نقلت الوالد من بيته إلى بيتي، وأصر الوالد أن أنام بقربه، وبقيت مستيقظا إلى ما بعدالثانية فجرا حتى نام الوالد، ثم نمت برهة من الوقت قبيل الفجر، وسفري مقرر بعد الفجر، فقررت إلغاء السفر الذي طالما حلمت به، ولكن أبنائي وزوجتي ـ حفظهم الله ـ تعهدوا بأن يبقوا في خدمة الوالد طيلة فترة غيابي والتي ستستمر أسبوعا كاملاً، فعزمت مع هذا التعهد على السفر.
    أخبرت إخواني الذين يقرؤون صباح كل يوم جمعة «موطأ الإمام مالك»، و«عمل اليوم والليلة للنسائي»، وغيرهم بعد قراءتهم بأن لا يحضروا يوم الجمعة القادم بسبب سفري إلى فلسطين.
    انطلقت بعد نهاية المجلس في سيارتي رفقة ولدي «محمد قصي» ـ حفظه الله تعالى ـ نحو نقطة تجمع وانطلاق الرحلة في شارع الملكة نور؛ وهو الشارع المؤدي إلى رئاسة الوزراء، بين دوارالداخلية ـ ميدان جمال عبد الناصر ـ والدوار الرابع ـ ميدان الأمير غازي بن محمد.
    وصلتُ نقطة التجمع في الوقت المحدد الساعة 8.30 صباحاً، وانتظرنا حتى 8.45، وكان المفترض الانتظار حتى الساعة التاسعة إلا أن جميع الذين قرروا المشاركة في الرحلة كانوا قد تواجدوا في المكان المحدد قبل الوقت الأقصى للانتظار، فانطلقنا على بركة الله من نقطة التجمع إلى نهاية شارع الملكة نور، ثم انعطفنا إلى شارع زهران عند التقاء الشارعين في الدوار الرابع ـ ميدان الأمير غازي بن محمد ـ.
    سارت بنا الحافلة في جو ربيعي هادئ جميل، وشوارع يوم جمعة شبه فارغة مُغَرِّبَةً نحو الدوار الثامن، وتمثلت بقول القائل:
    سارت مُشَرِّقَةً وسرتُ مُغَرِّبَاً شتان بين مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ!!
    مستذكرا تشريقنا مساءالخامس من حزيران سنة النكسة؛ 1967م، حين سرنا من نفس هذا الطريق ـ وكان ضيقاً وباتجاه واحد فقط ـ من منطقة عراق الأمير غرب وادي السير باتجاه وسط العاصمة عمان لاجئين للمرة الثانية بعد المرة الأولى في نكبة سنة 1948م وما تبعها.
    ها أنا أعود مرة أخرى إلى فلسطين ومن نفس الطريق التي أُخرجتُ منها قبل نحو ست وأربعين سنة من الآن، رغم أن الطرق الموصلة إلى فلسطين من العاصمة الأردنية عمان كثيرة ومتعددة ولكن شاء الله تعالى أن يعيدني من نفس الطريق تقريبا، فاستبشرت بذلك خيراً.
    انعطفت بنا الحافلة قبيل الدوار الثامن باتجاه شارع المدينة الطبية المؤدي إلى منطقة صويلح، ولي على طول هذه الطريق وجانبيها وما حولها ذكريات جميلة وحميمية تعود إلى سنة 1967م وما قبلها بسنوات حيث كنا في كل سنة؛ وفي العطلة الصيفة نأتي إلى هذه المناطق للحصاد، وجني محاصيل القطاني؛ (تقليع) العدس والحمص، وكنت على صغر سني دؤوب الحركة، كثير النشاط بين مضاربنا في الحصيدة والعمل، ومضارب أصحاب الأرض أودكاكين بيادر وادي السير لتزويد الأسرة الحاصدة العاملة الكادحة بالتموينات الضرورية.
    فيض من الذكريات تدفقت على رأسي وأنا أمر عبر ربيع بلادنا الأخضر، مستذكرا حين كنا ننطلق من محافظة القدس إلى محافظة العاصمة في المملكةالأردنية الهاشمية، أو العكس، دون أن يكون هناك معوقات، أو تأشيرات، أو احتلال بغيض مقيت يحول بن جناحي الوطن الواحد الموحد، وضفتي النهر الخالد في البلد الواحد!!
    انعطفت بنا الحافلة قبيل بلدة صويلح مصعدة في طريق متلويٍ نحو منطقة الإرسال المشرفة على منطقة صويلح وما حولها، ثم بعد أن وصلنا قرب القمة تقريبا بدأنا بالانحدار التدريجي في السفح الغربي من جبل الإرسال في صويلح نحو حي الكمالية غرب صويلح وعلى طريق السلط، والذي له مكانة مميزة في قلبي لأسباب عديدة يطول ذكرها!!
    قبيل دخولنا حدود مدينة السلط الكبرى، وعلى إحدى محطات الوقود المعروفة على يمين الطريق صعد مندوب الشركة الناقلة وأخذ يتفقد أسماء المشاركين في الرحلة، وكان أكثر من نصفهم من النساء، وأكثرهن بغير محارم!!
    سارت بنا الحافلة من طريق العارضة نحو غور الأردن وأنا أذكر الله وأدعوه أن يُسَلِّمَ بسبب صعوبة الطريق، مستذكرا الحادث الأليم الذي وقع قريبا؛ وقبل نحو شهر في تلك الطريق وراح ضحيته العديد من الناس.
    وصلنا غور الأردن وقد لفت انتباهي خلو الطريق من نقطة التفتيش العسكرية الوحيدة التابعة للفرقة المدرعة الرابعة والتي كانت قريبا من طرف الغور وقبل مثلث العارضة، إلى عهد قريب، في حين أن كل معسكرات الجيش والدرك والأمن في البلد محصنة!!
    سرنا في غور الأردن متجهين من مثلث العارضة نحو الشمال، إلى معبر بيسان؛ أو معبر وادي الأردن، أو جسرالشيخ حسين.. سموه ما شئتم!!
    دخلنا المعبر الأردني المؤدي إلى المعبر الصهيوني، وكانت الإجراءات في المعبر الأردني سلسة وسهلة، وإن كان فيها بعض الطول حتى امتلأت الحافلة الأردنية التي ستنقلنا إلى الطرف الآخر من المعبر، والتي تبين لنا ـ فيما بعد عند عودتنا ـ أن أجرتها تزيد بنسبة 60% عن أجرة مثيلتها في الجانب الصهيوني، فأجرة الحفلة الأردنية من الجانب الأردني إلى الجانب الصهيوني (160) قرشاً أردنياً، والحافلة الصهيونية أجرتها ديناراً أردنياً، أو (5) شواقل صهيونية.
    توقفت الحافلة الأردنية على المعبر الآخر وقتا طويلاً نسبياً مع الوقوف في المعبر الأردني حتى سُمح لها الدخول إلى الجانب الآخر من المعبر، بينما لم تتأخر الحافلة الصهيونية ـ كما سيتبين لنا في العودة ـ على المعبر الأردني شيئاً .
    دخلنا المعبر الآخر إلى الأراضي الفلسطينية التاريخية، وهذه المرة الأولى في حياتي التي أضطر فيها للتعامل مع الصهاينة المحتلين الغاصبين، وتم تفتيش أمتعتي إلكترونيا بسهولة وسلاسة، ولم يسألني أحد من الصهاينة عن شيء، وصرت في الطرف الآخر من المعبر، وانتظرنا ساعات حتى بدأوا بإجراءات دخولنا، والتدقيق في هوياتنا وجوازات سفرنا وتأشيرتنا الجماعية، بسبب تأخر مندوب الشركة الناقلة لنا، والذي معه تأشيرتنا الجماعية ـ كما أخبرونا على المعبر معتذرين عن تأخيرنا ـ بالوصول من القدس.
    لاحظت تأخير الصهاينة للعرب الذين يحملون جنسيات أمريكية على المعبر أكثر من غيرهم، حتى قال بعض الفضلاء: الأمريكي لا يجد إذلالاً على الحدود والمعابر إلا في هذا الكيان!!
    قبيل العصر بقليل انتهت الاجراءات، وسلمونا ورقة بيضاء عليها ختم المعبر كوثيقة، مع صورة جواز السفر لنتمكن من الحركة بها داخل وطننا المحتل، وتجاوزنا نقطة الحدود على المعبر إلى داخل الاستراحة الملاصقة للانتقال بالحافلة بعد ذلك من الاستراحة إلى داخل فلسطين التاريخية.
    توضأت في الاستراحة، وخرجت إلى ساحة عشبية مزروعة بشجرات نخيل بيسانية حديثة!!.
    أذَّنْتُ بصوت يسمعه من حولي ومنظري يوحي بالأذان أيضاً، وأقمت الصلاة لصلاة الظهر، فلم يشاركني الصلاة إلا رجل واحد فقط من نحو خمسين راكباً رجالا ونساء معي على نفس الحافلة غير سائقي الحافلات الأخرى المسلمين المتواجدين في الاستراحة.
    سجدت للمرة الأولى في حياتي بعد بلوغي سن التكليف على أرض فلسطين التاريخية، فوالله لقد شممت للأرض عبقاً خاصاً لم أشمه لغيرها، ولا أدري أهو شعور نفسي، أم هو حقيقة بيولوجية طبيعية، وكان لسجودي وصلاتي الأولى على أرض فلسطين خشوع خاص، وطعم خاص، ورائحة خاصة.
    صليت الظهر والعصر جمعا وقصرا على أرض بيسان التاريخية، وتحت شجرها التاريخي، بعد أن توضأت من مياهها لأول مرة في حياتي بعد أن جاوزت نصف قرن من عمري ولم أنعم بوضوء من ماء بلدي، أو صلاة ـ بعد بلوغي ـ على ثراها!!
    ذكرني عبق وريح العشب البيساني الذي صليت عليه بقول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام، وربما بعده كما يوحي بذلك البيت الثاني إن صحت نسبته إليه:
    مِن خَمْرِ بَيْسَانَ تَخَيّرْتُها دِرْياقَةً تُوشِكُ فَتْرَ العِظامْ
    وهي حرامٌ طَيِّبٌ شُرْبُها يا ربّ ماأَطْيَبَ شُرْبَ الحرامْ
    فقلت لنفسي معارضا ولست بشاعر:
    من عشب بيسان تشممتها أرضَ فلسطين رغم الرغام
    وهي أرضي من عقود فقدتُها فيا رب رُدَّ أرض الكرام
    اتصلت ـ كعادتي ـ بعد انتهاء إجراءات الدخول إلى فلسطين ببعض من يهمني أمرهم، ويهمهم أمري، في الأردن وغيرها، وأخبرتهم بسفري ووجهتي، وفترة غيبتي المقررة مسبقاً، وعلى الشرائح الهاتفية الأردنية والتي بقيت عاملة طيلة الوقت على جانبي النهر وضفتيه إلى ما بعد مدينة أريحا!!.
    خرجت بنا الحافلة المقدسية، والتي يقودها سائقان عربيان من مدينة الخليل أو من مدينة القدس كما توحي بذلك أسماء عشيرتيهما ولهجتهما، لأن كثيرا من عشائر الخليل لها فروع في مدينة القدس لأسباب تاريخية ونضالية معروفة بدأب مدينة الخليل وعشائرها على مساندة القدس والمقدسيين في فترات الجهاد والنضال على مدى التاريخ، مما حدا بكثير من أهل الخليل على الاستقرار في مدينة القدس على مدى التاريخ، وهو سر اشتراك كثير من أسماء العشائر في القدس والخليل بنفس الاسم.
    توجهت بنا الحافلة من المعبر الشمالي القريب من بيسان نحو الغرب، ثم سرعان ما واجهتنا لوحة طريق إرشادية ترشد إلى القدس جنوباً، وإلى طبريا شمالاً، فاتجهنا جنوبا في طريق الغور الغربي نحو بيت المقدس.
    وتمثلت بقول أبي نواس:
    وقاسَيْنَ لَيْلاً دونَ بَيْسانَ لم يكَدْ سنَا صُبْحِهِ للناظرينَ يُنِيرُ
    وأصْبحنَ قد فوّزْنَ من نهرِ فُطرُسٍ وهُنّ عنِ البيْتِ المقدّسِ زُورُ
    طوالبَ بالرّكْبانِ غزة َ هاشمٍ وفي الفَرَمَا من حاجِهِنّ شُقُورُ
    هالني منظر السهول الخضراء التي تموج بسنابل القمح في هذا الوقت الربيعي من السنة، وكذلك مزارعا لأبقار الحافلة بالأبقار السمينة الحلوب، ولأول مرة في حياتي أشاهد من يُطلق عليهم اسم ووصف (المتدينين) الصهاينة بلحاهم الكثة، وملابسهم السوداء، وقبعاتهم الأمريكية التي تشبه قبعات رعاة البقر الأمريكان.
    ولفت انتباهي كثرة استخدام المحتلين الصهاينة للطاقة الشمسية بكثرة لافتة للنظر وللانتباه، وكأنهم يريدون سرقة الطاقة الشمسية من بلادنا قبل أن يرحلوا عنها قريبا إن شاء الله تعالى.
    تذكرت ـ وأنا أنظر إلى إشجار النخيل من نوع (مجهول) ـ والذي أخبرنا سائق الحافلة أن فسائله قد استُورِدَت أو نُهبت من العراق ـ على جانبي الطريق وخاصة الأيسر منه ـ ونحن متجهون جنوبا نحو أريحا وبيت المقدس ـ بمحاذاة نهر الأردن ـ حديث تميم بن أوس الداري الذي في «صحيح مسلم» (7573) والذي ترويه فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ عن صفة الجساسة، والدجال، وسؤاله عن نخل بيسان ـ وبيسان صارت خلفنا في الشمال ـ فَقَالَ [الدجال]:
    «أَخْبِرُونِى عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ؟! قُلْنَاعَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟! قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ. قَالَ أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لاَ تُثْمِرَ. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ؟ !. قُلْنَا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟! قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ. قَالَ أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ...».
    تذكرت هذا الحديث بتمامه، وكنت سمعت به أول مرة في نحو سنة1973م، قبيل حرب العاشر من رمضان سنة 1393هـ، (تشرين، أكتوبر) سنة 1973م، ورجعت إلى كتاب «رياض الصالحين» ـ حينها ـ حيث الحديث فيه، أردد النظر وأقلبه، وأسأل عن طبريا وبيسان ونخلها، وما يتعلق بهما، وحين كنت أردده على مسامع بعض أصحابي لا يصدقون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف طبريا وماءها، وبيسان ونخلها.
    سرحت في أفكاري بعيدا إلى القرن الأول، والعصر النبوي الأزهر، والمسجد النبوي الأنور، وتصورت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وحوله أصحابه الكرام مجتمعين، وفي أول صفوف النساء فاطمة بنت قيس تسمع وترى، وتحفظ، لتروي بعد ذلك وتُخبر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جالسٌ على المنبر في مسجده المطهر، جَذلاً فَرِحاً بخبر تميم ابن أوس الداري الذي صَدَّقَ قولَه الذي أخبر به أصحابه من قبل عن خبر الدجال، ثم ها هو تمبم يأتي مسلما مبايعا مخبرا عن عجيبة رآها، وحادثة معينة خَبِرَها ووعاها، وها نحن الآن نسير في أرض عرفها الدجال قبلنا بقرون عديدة، ويعرف خبرها ومستقبلها أكثر مما نعرفه نحن، ولولا خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما عرفنا عنها شيئاً؛ بل لولا الحديث النبوي الشريف واهتمامنا به لما عرفنا من هذه الأخبار شيئا، ولكان حالنا كحال كثير ممن معنا الآن في هذه الراحلة!! الحافلة.
    سرحت وأنا أنظر يمينا ويسارا مبهورا بخصوبة بلادنا وبخضرتها، وأمدُّ النظر أحيانا هناك شرقي النهر على بعد مئات الأمتار أحيانا وبضع كيلو مترات أحيانا أخرى لأرى ما يحاذي هذه البلاد من الشق الآخر من الوطن، وأتصور الطائر بجناحيه وأنا على جناح من جناحيه، وقبل ساعات كنت على الجناح الآخر، وطن واحد كان وسيبقى على مدى التاريخ يفصل بين شقيه نهر وشريان الحياة الخالد لا حدا فاصلا بل شريانا واصلا لضفتيه وشقيه.
    تذكرت الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وهم يتنقلون بين ضفتي الوطن، وبين ربوع الشام من دمشق وبيروت وعمان إلى بيت المقدس مرورا بهذه الأرض التي نسير عليها لا يخشون مستوطنا مغتصبا، ولا حاجز احتلال وتفتيش، ولا كاميرات مراقبة ترقب الصغير والكبيرالمتحرك على هذه الضفة أو تلك!!.
    لفت نظري أيضا كثرة (المناحل)؛ ـ صناديق خلايا النحل ـ على جانبي الطريق مما أكد في نفسي ما أخبرني به أحد الأخوة الفضلاء بعد ذلك وهو يتجول بي في أرض فلسطين التاريخية مؤكدا لي أن اليهود ـ عموما والصهاينة خصوصا ـ مبدعون في الزراعة دون غيرها، وأنهم مزارعون بامتياز، وليسوا صناعيين، ولا أكاديميين ولا علميين، ولا طبيعيين، مما ذكرني بما رواه البخاري رحمه الله تعالى برقم (2720) عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
    «أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا».
    لأنهم لما افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ «وَاشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ الأَرْضَ، وَكُلَّ صَفْرَاءَ، وَبَيْضَاءَ، قَالَ أَهْلُ خَيْبَرَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِالأَرْضِ مِنْكُمْ، فَأَعْطِنَاهَا عَلَى أَنَّ لَكُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلَنَا نِصْفٌ». فَزَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النَّخْلُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَحَزَرَعَلَيْه ِمُ النَّخْلَ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْخَرْصَ،فَقَا لَ: فِي ذِهْ كَذَا وَكَذَا. قَالُوا: أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: فَأَنَا أَلِي حَزْرَ النَّخْلِ، وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ: قَالُوا: هَذَا الْحَقُّ، وَبِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ،قَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ».
    رواه أبو داود (3410)، وابن ماجه (1820) ـ كلاهما، وغيرهما ـ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وحسنه شيخنا فيهما، وفي العديد من كتبه.
    سرحت في أفكاري تلك، وأغلقت المصحف في يدي أرقب وأكتب بعض ما أمر به من ملاحظات ستعينني ـ إن شاء الله ـ على كتابتي هذه، حتى تنبهت على صوت السائق يشير بيده يسارا نحو حاجز تفتيش كأنه معبر حدودي، وعليه لوحة إرشادية تشير غربا إلى حيفا والعفولة، قائلا:
    هذا حاجز بيسان، ونحن خارجون الآن إلى أراضي السلطة الفلسطينية، وليس هنا ما يُشَكِّلُ مُشْكِلَةً، ولكن عندما تدخلون من الجهة الأخرى فسوف تقفون للتفتيش وكأنكم على معبر حدودي، تُنزلون الأغراض، وتُفَتَّشون، فتنبهوا لمثل هذا.
    ها أنا الآن أتمثل قول عبد الرحمن بارود:
    تابعواالَكشفَ يا زَعاماتِ قَومي فبِكم تَفْخَرُ الكشوفُ العِظامُ
    أيهوديةٌ فلسطيُن أيضاً ؟ وأخونا ذو الغِبْطةِ الحاخامُ ؟
    أَوَ هذا وَعْدٌ لبلفورَ ثانِ ؟ فامضِ بِلْفورُ.. ما عليكَ مَلامُ
    أيهاالبائعونَ حيفا ويافا أهجومٌ هذا أمِ استسلامُ ؟
    قد جَلَبْتُمْ عارَ الزمان .. ولكنْ عَضَّ فَكَّ المعارضينَ اللِّجامُ
    ومن الناسِ- يا جميلُ - .. قرودٌ ومِنَ الناسِ - إي وربي - نَعامُ
    تجاوزنا الحاجز، وإن شئت فقل: المعبر الحدودي، فتغيرت رصفة الطريق وتعبيدها مباشرة من الحسن إلى الأسوأ، ولكن الخضرة لا زالت كثيرة، والزروع وفيرة، وعلم فلسطين يرفرف هنا وهناك في بعض المواقع، واختلفت لوحات السيارات من الأصفر البرتقالي، إلى الأبيض والأخضرالفاتح، ففهمت أنها أرقام سيارات الضفة الغربية، والسلطة الفلسطينية، ولكن الطريق الأمني الرملي الممهد المحاذي للشبك الحدودي والطريق لا زال مرافقا لطريقنا.. مساجد ومآذن هنا وهناك.. دحنون أحمر.. زهر أصفر..(براكيات) وخرابيش.. مضارب وبيوت شَعَر.. عمال وعاملات فلسطينيون بائسون يعملون في الأرض بكد.. الحاجز الحدودي..الأسلاك الشائكةالحديدية المزدوجة غرب النهر.
    لفت انتباهي تلك اللوحة المستطيلة العمودية الحمراء المنصوبة على عمودين قائمين ـ والتي سأراها بعد ذلك بكثرة عند تداخل حدود الأراضي الفلسطينية تحت حكم السلطةالوطنية الفلسطينية والأراضي المغتصبة تحت الاحتلال الصهيوني الغاشم ـ والمكتوبة بخطوط بيضاء عربية وعبرية وإنجليزية تحذر المستوطنين خصوصاً، والصهاينة عموماً من دخول مناطق السلطة الفلسطينية الخطرة تحت طائلة المسؤولية الجنائية لما يشكله دخولهم إليها من مخاطر على سلامتهم وأمنهم، فقلت لنفسي:
    لا يردع هؤلاء المحتلين الغاصبين إلا الخوف والرعب.
    قال سائق الحافلة ـ مشيرا إلى بعض الحقول والأراضي المزروعةـ: هذه أراضي أردنية، وبعضها فلسطيني، واليهود الآن يستأجرونها ويزرعونها بموجب اتفاقيات (أوسلو)، ومعاهدة وادي عربة.. الأرض المحتلة المغتصبة أيضا يعمل فيها العمال الفلسطينيون أجراء!!.
    نظرت إلى الطرق الرملية الممهدة بمحاذاة الأسلاك الشائكة الحدودية، وتذكرت الفدائيين الفلسطينيين من مختلف الفصائل قبل أيلول سنة 1970م، وبياناتهم الكثيرة والمتضاربة حول العمليات اليومية والليلية عبر النهر على المواقع والمستوطنات والدوريات الصهيونية المحتلة.
    تذكرت حرب الاستنزاف بين حزيران سنة 1967م، وشباط سنة 1968م قبيل معركة الكرامة في 21/3/1968م حين كنا في مخيم غور النمرين، ثم في مخيم دامية، قرب جسر (اللنبي)، ثم في مخيم غور النمرين مرة أخرى قبل الرحيل إلى الفحيص، ثم مخيم ماركا الذي صار بعد ذلك مخيم (شنلر) فمخيم حطين.
    تذكرت كيف كنا نرى وهج الرصاص ينطلق من بنادق المقاتلين المهاجمين، وبنادق المدافعين المحتلين يُتَبَادَلُ ليليا في جبال القدس وأريحا ونابلس قبالة المخيمين.
    تذكرت أولئك المقاتلين حين كانوا يمرون عن المخيمات أو ينطلقوا منها أو يعودوا إليها مساء أو صباحا نحو أهدافهم غرب النهر أو شرقه..
    تذكرت الرياح والزوابع التي كانت تقتلع الخيام في أواخر فصل الصيف وأوائل فصل الخريف في رمضان في مخيم غور النمرين..
    ثم تذكرت المطر والطين والخيام الغير مانعة من الماء في فصل الشتاء الذي حلَّ مبكراسنة 1967 و1968م بعد النكسة..
    تذكرت وتخيلت كم من رجل مغوار حمل روحه على راحته وعبر هذه الحدود في تلك السنوات
    الثلاث قبل أيلول الأسود سنة 1970م.
    يتبع


    رقمي على الواتس أب
    00962799096268



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    7,097

    افتراضي رد: الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

    يتبع

    تخيلت كم من لهاث، وجُهْدٍ، وصرخات، وتكبيرات، وصيحات، ورصاصات، وانفجارات، وشهقات، وزفرات،وهتافات باسم فلسطين تردد صداها عبر هذه الوديان والشعاب والجبال..
    تخيلت كم من دماء، وعَرَقٍ، ودموع، وبقايا (مطرات) مياه، وبصاقات، ومخاطات اختلطت بهذا التراب الذي نحاذيه أو نسير عليه..
    تخيلت ضرار الشيشاني.. ذاك الضابط المقدم في القوات الخاصة الأردنية، الذي ترك رتبته ومنصبه في الجيش العربي الأردني، والتحق بالجهاد في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي مجاهدا مقاتلا، ومدربا ناصحا للمجاهدين في أفغانستان، فلما لم يجد بغيته هناك بسبب اختلافات المجاهدين المتشاكسين رجع إلى الأردن.. إلى النهر الخالد.. ليَعْبَرَ هذه الحدود وحده.. وبسلاح فردي.. ودون أن يُعلمَ بذلك أحداً من الناس.. حتى أقربهم منه.. وألصقهم به.. دخل فلسطين بطريقة ضللت المحتلين؛ حيث دخلها القهقرى ليبدو من أثار قدميه كأنه خارج منها وليس داخلا إليها، وقد نجحت حيلته، وأصابت خطته، وتمكن من عدد من المحتلين الصهاينة قبل أن يسقط شهيدا ـ إن شاء الله ـ مضرجا بدمه، ومُرْوِيَاً أرض فلسطين دَمَ إخلاصٍ شيشانيٍ مسلمٍ.
    تخيلت كثيرا من الشباب مثله أفرادا وجماعات عبروا هذا النهر، وهذه الأسلاك الشائكة، وهذه الطرق الرملية الممهدة، فأصابوا من أصابوا، وقتلوا من قتلوا، وأخفق من أخفق منهم، فمنهم قضى نحبه ونرجو الله أن يتقبله شهيدا، ومنهم من أُصيب وأُسر وعانى الأمَرَّيْن، ونرجو الله أن يعظم أجره ومثوبته، وأن يفك أسره، ومنهم من فَكَّ اللهُ أَسْرَهُ بعد سنوات عجاف عاشها أسيراً بطلاً، ومنهم صُفيَ وأُعدم ميدانيا بعد إصابته أو أسره، والله لن يضيع أجره إن شاء، ومنهم من لا زال يعاني مرارة الأسر، ويتمنى لو قضى شهيدا في عمليته.. منهم من رجعت جثته إلى أهله.. ومنهم من لا زالت جثته محجوزة في مقابر الأرقام، ولا أعلم أحداً عبر النهر والحدود وعاد سالما، وإن حصل ففوق كل ذي علم عليم، والله يعلمه ويجزيه بإحسانه إحساناً وبخطئه ـ إن أخطأ ـ عفوا وغفراناً إن شاء الله تعالى.
    لفت نظري بعض البيوت والمباني المهجورة، والتي تدل آثارها على أنها كانت قبل نكسة 1967م، وربما قبل نكبة سنة 1948م.
    ولفت نظري كثيرٌ من الدراجات النارية البخارية فتمنيت ـ وأنا المغرم بالدراجات ـ لو أن رحلتي هذه على متن دراجة حتى أصل إلى كل مكان بيسر وسهولة!!
    نظرت في ثنايا السيول والوديان ـ وقد لمعت حجارتها وحصباؤها بيضاء ناعمة ـ فتذكرت يوم كنا نذهب صغارا إلى مجاري السيول حول مخيم الدهيشة لنجمع منها مثل ذلك الحصى، وتلك الحصباء الناعمة لنضعها في طابوننا المشترك مع آل معبد في ذاك المخيم لتكون رضفا حاميا يتغلغل في ثنايا عجين القمح الحوراني والبلقاوي الأردني البلدي، الذي كنا نجمعه من عملنا في الحصاد في صيف كل سنة في شرق الأردن، ليخرج لنا خبز الطابون الذي كانت رائحته الشهية تُغني عن أكله، فضلاً عن أكله مع زيت وزيتون وزعتر بلادنا البري..
    سارت بنا الحافلة في اتجاه الجنوب مستقيمة حينا، ومتعرجة أحياناً، وأنا أرقب ما حولي بنهم، ووله، وحب، واندهاش، حتى تنبهت على صوت السائق يشير إلى بقعة أرض ويقول:
    هذه مناطق (c)؛ وهي المناطق التي يشرف عليها الصهاينة أمنياً، وتديرها السلطة الوطنية إداريا ومدنياً ـ كما فهمت فيما بعد ـ وهذا يسمى «مرج النعجة»، وهذه المزارعيعمل فيها الفلسطينيون أجراء أيضاً.
    سرنا في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية (aوbوc) والحقيقة أنها كلها خاضعة لسلطة المحتل الغاصب، ولا تغني تسميتها عن الحقيقة شيئاً، فللمحتل الحق في الوصول إلى المكان الذي يريد، في الوقت الذي يريد، وبالشكل الذي يريد..
    تذكرت والحافلة تمخر بنا عباب الطريق تلك العقيدة القتالية التي نشأنا وتربينا عليها في الجيش المصطفوي العربي الأردني في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وصوت مفتي الفرقة
    المدرعة الثانية عشرة الملكية الأردنية في أواخر سنة 1978م، ونحن في معسكر تدريب المكلفين المستجدين الأغرار في الوحدة المذكورة، غير بعيد من المعبر الذي دخلنا منه، والذي كان ضمن مسؤولية وحدتنا القتالية في تلك الفترة التي امتدت سنتين كاملتين تعلمنا فيهما كثيرا من معاني الإيمان.. والرجولة.. والقوة.. والشجاعة.. والإقدام.. والتضحية.. وهو يقول لنا مُعلماً، ومُحمساً، ومربياً، وواعظاً:
    «كأني أنظر إلى وجوه الشهداء منكم وأنتم تقاتلون يهودَ؛ وقائدَهم الدجال، أنتم شرقي النهر، وهم غربيه، ومعه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة.. أتدرون أين أصبهان؟! إنها في إيران.. الداعم القوي لإسرائيل في المنطقة».
    وكانت إيران يومها شيعية (شاهيَّة)تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، تجاهر بعلاقتها المتينة مع إسرائيل، وتقيم معهاعلاقات (دبلوماسية) كاملة قبل أن تصبح إيران بعد ذلك رافضية باطنية خمينية خبيثة، تجاهر بالعداوة للصهاينة لتكسب ود العرب والمسلمين، وتقيم مع الصهاينة التحالفات السرية، والتعاون العسكري المفضوح في السلاح والذخيرة أثناء الحرب العراقية الإيرانية بعد نحو سنتين من ذلك الحديث؛ من خريف سنة 1980م إلى صيف سنة 1988م.
    تذكرت بحثي عن الأحاديث السابقة التي كانت في مضمون كلام ذلك المفتي، والنقيب العسكري في الجيش المصطفوي العربي الأردني، وهو ما رواه مسلم في «صحيحه» برقم (7579) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:
    «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ».
    وتذكرت الحديث الذي رواه ابن سعد في «الطبقات»(7/422/26901) عَنْ نَهِيكِ بْنِ صُرَيْمٍ السَّكُونِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    «يُقَاتِلُ بَقِيَّتُكُمُ الدَّجَّالَ عَلَى نَهْرِالأرْدُنِ ّ، أَنْتُمْ شَرْقِيَّ النَّهْرِ، وَهُمْ غَرْبِيَّهُ».
    وَمَا أَدْرِي أَيْنَ الأُرْدُنُّ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَرْضِ!!
    واللفظ من «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» (7/349/12543)
    وضعفهشيخنا الألباني في «الضعيفة» برقم (1297).
    ورواه البزار في «زوائده» (3387)، والطبراني في «مسند الشاميين» (638) وابن أبي عاصم في «الآحادوالمثاني » (2458)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (3/167)، كلهم عن نهيك مثله أونحوه، وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/496 ) معلقا، والهندي في «كنزالعمال»، وللحديث أطراف أخرى منها:
    «لتقاتلن المشركين».
    و
    «لا تزالون تقاتلون الكفار».
    فقلت لنفسي ـ وأنا أستذكر أيام التدريب، وأسترجع كلمات المفتي النقيب، وأنظر إلى بعض المجندين والمجندات الصهاينة في سن المراهقة أو ما بعدها يقفون على طريق إحدى المستوطنات عائدين إلى بيوتهم لقضاء الاجازة الأسبوعية التي ستبدأ بعد ساعات ليلة السبت ـ: فرضت علينا اتفاقية أوسلو، ومعاهدة وادي عربة أن نتخلى عن عقيدتنا الجهادية القتالية الدفاعية، فأوقفنا الجهاد، والقتال، والنضال، وخدمة العلم، وقبل ذلك التجنيد الالزامي، فهل ألزمت تلك الاتفاقية المهينة، والمعاهدة اللئيمة أعداءنا بالتخلي عن عقيدتهم القتالية العدوانية، وهل أوقفت تجنيد أمثال هؤلاء الشباب والشابات الصهاينة لشحنهم وحشدهم وتربيتهم على عدائنا وقتالنا والتربص بنا ليل نهار ؟!
    فلماذا نحن نتخلى عن حقنا في الجهاد والدفاع لاسترداد الحقوق المفقودة والمُضيعة، وهم يتمسكون بالقوة والبطش والاستعداد لسحقنا بباطلهم؟!
    استرعى انتباهي أثناء مروري بعضُ الحمير ترتع في خصوبة عشب بلادنا تأكل منها ما يملأ بطونها ويزيد، فنظرت إلى الحمير بغبطة؛ انها تأكل من الأرض التي ولدت عليها آمنة مطمئنة، ونُحرم نحن من خير بلادنا التي وُلدنا عليها؟!
    العلامات الصهيونية ذات المغازي والدلالات الواضحة والمبهمة.. حافلات وسيارات قديمة من قَبْلِ الاحتلال.. نخيل وأعناب.. مزارع أبقار بجانب مزارع النخيل.. فسائل نخيل عراقية ـ وربما بصرية ـ صارت أشجار نخيل باسقات.. زبل وسماد الأبقار يعلو حول جذوع النخيل.. مياه طبريا ونهر الأردن، والمياه الجوفية والسطحية القريبة من سطح الأرض التي تضرب أشجار النخيل فيها جذوعها.. شمس غور الأردن المحرقة في الصيف، والدافئة في الشتاء.. كلها استدعت من ذاكرتي كلمات الأستاذ المرحوم ـ بإذن الله تعالى ـ محمد سمور أبو فضة العجوري (أبو خالد)؛ أستاذ الاجتماعيات الذي دَرَّسَنَا في المرحلة الإعدادية العليا، والذي كان قائدنا (الفتحاوي) في مخيم حطين في أواخرالستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ـ وهو يشرح لنا عن نخل العراق عموما، ونخل البصرة وشط العرب خصوصاً ـ:
    «النخيل يقول: ضع جذوري في الماء ورأسي في جهنم أعطيك خير ثمار النخيل».
    استدعت ذاكرتي تلك الكلمات التي كان يرددها أحيانا حتى حفظناها عن ظهر قلب..
    واستدعت ذاكرتي يوم كان يخرجبنا ـ يرحمه الله ـ من معسكر أشبال (فتح) في جنوب شرق مخيم ماركا (شنلر) حطين ـ والذي صار الآن في نصف المخيم تقريبا ـ يُقَلِّدُ في لبسه الكوفية الفلسطينية والعقال، والنظارة الشمسية السوداء، والسترة العسكرية القديمة الملطخة بشحمة وزيت السيارات الأسود المُستخدم والمحروق، القائد (الرمز!!) أبا عمار، حتى كانت بعض النسوة يخرجن من خيامهن ينثرن عليه الأرز وحبات الشعير لدفع العين والحسد عنه، ويزغردن له ظناً منهن أنه أبو عمار فعلاً ـ حيث كانت هيئته وشكله ومنظره توحي بذلك، وتوجد بينهما شبها كبيرا ـ يقود خلفه جنوده ومقاتليه الأشاوس، وهم نحن الصغار الذين كان لا يتجاوز سن أكبرنا حينها خمس عشرة سنة، وأصغرنا نحو عشر سنين وربما أصغر..
    استدعت ذاكرتي أولئك الأشاوس الشجعان فعلا من مدربينا، أبو ظريف.. صلاح المحسيري.. أبو رائد أبو خليفة اللداوي.. أبو خلدون.. فارس.. وهم يتنقلون بسرعة وخفة من أمام الطابور العسكري خلف أبي خالد سمور إلى جانبيه وخلفه برشاشاتهم (الكارلو) (بور سعيد) القديمة، وقنابلهم اليدوية (الملز36) على جوانبهم وسيقانهم تهتز وتتأرجح في حواضنها.. يهتفون ونحن نردد خلفهم: صاعقة.. صاعقة.. قوة عزيمة خارقة.. إحنا المغاوير المغاوير على وجه المَيِّة بنطير.. ديروا النار بها الخيام وارمو كروتة التموين.. لا صلح ولا استسلام بدنا احنا نحرر فلسطين.. فلسطين عربية .. لا حلول استسلامية.. وغير ذلك من الشعارات التي كانت تذكي فينا الحماسة للاستمرار في التدريب، وبذل العرق والجهد من أجل الوصول إلى أعلى درجات القوة والبأس واللياقة البدنية، والمهارات القتالية استعداداً للوصول إلى السن والمستوى الذي يؤهلنا للوصول إلى هذه البقاع التي نسيرعليها الآن بتأشيرة من السفارة الصهيونية عبر حافلة صهيونية، وإذن صهيوني، عن طريق خوض مخاضات نهر الأردن، أو السير والزحف فوق الحبال المشدودة فوق مياه النهر حتى لا يصل الماء إلى سلاحنا وذخائرنا فيفسدها، أو ملابسنا وأبداننا فيعيقنا لنباغت عدونا ونحن في أحسن أحوالنا..
    طافت برأسي ذكريات أولئك الأخوة (الرفاق) كاسترو.. جيفارا .. عاصف.. أبو نضال.. أبو اللطف.. أبو العباس السفاح.. أبوخديجة.. أبو حلتم.. يارنغ.. ماجستي.. أسد.. إلخ؛ أسماء حركية لإخوة كانوا أكبر منا بسنوات، وأخوة (رفاق) كانوا في مثل سني.. منهم من قضى نحبه.. ومنهم من ينتظر.. ومنهم من فُقدَ ولم يُعثر له على أثر.. ومنهم من تغير وتبدل .. ومنهم من واصل وصار قائداً وضابطا كبيرا في السلطة الوطنية الفلسطينية.. ومنهم من صار مسؤولا أمنيا أو ماليا أو دبلوماسيا فيها وفي غيرها.. ومنهم من يتغير حسب الحاجة والحال..
    استدعت ذاكرتي جنازات بعض الشهداء ـ إن شاء الله ـ الذين سقطوا في غور الأردن وفي جبل قرنطل حيث سنصل بعد قليل، وربما حيث سرنا أو نسير أو سنسير.. أحمد الفاخوري.. أبو زيد.. الزبن.. البندك.. الجعفري.. وغيرهم كثير ممن شيعنا جثامينهم بمظاهرات ومسيرات وورود وأزيز رصاص..
    استدعت ذاكرتي أولئك الأخوة الرفاق الذين سبقونا بسنوات وأُخذوا إلى العراق في دورات تدريب صاعقة حول نهر دجلة وعادوا مقاتلين مميزين يحرسون قواعد المقاتلين في غور الأردن الشرقي، أو يتسللون في دوريات وعمليات هجومية إلى الغور الغربي.. كاسترو.. أبو محفوظ.. عاصف..السفاح.. أبو خديجة.. أبو حلتم.. أبو معاوية.. أبو العجين.. ولا أظن أحدهم قد جاوز حينها السادسة عشرة.. ولكنهم كانوا مقاتلين أشداء أولي بأس شديد في نظرنا..
    تذكرت فيلم الفلسطيني الثائرالذي صوروا أجزاء منه في مخيم حطين وجبل فيصل، ومدرسة (شنلر).. ومسرحية فلسطين الشعرية التي كانت مقررة لطلاب الصف الثاني الإعدادي، وكيف حفظناها عن ظهر قلب، وبقينا نرددها ونعلمها طلابنا بعد ذلك إلى أواسط الثمانينات..
    تذكرت قصيدة فدوى طوقان في لقائها مع شعراء الأرض المحتلة «على أبواب يافا» والتي كانت مقررة في منهاج الصف الثالث الإعدادي، وقصة أبي محمد سائق الحافلة مع الجنود الإنجليز ومصرعهم في قرية اللبن، ومنحدراتها نصرة للثورة في حينها في كتاب السادس الابتدائي، وقصة الأنصاري، وأبو غربية، وقصة الفتى والتراب الحزين والبرتقال، وغيرها...
    ظلت هذه الذكريات تتدافع في رأسي حتى وصلنا العوجا، قبيل أريحا..
    اتصلت من العوجا بأحد أخواني وأصدقائي ممن وُلدوا ونشأوا ودرجوا فيها، ولها في نفوسهم مكانة أعرفها وأعلمها، وذكرت له أننا في العوجا، ومازحته بمزاحات اعتدنا عليها وانا أتجول حول استراحة العوجا حول المدرسة التي درس فيها ثلاث سنوات مستذكرا ومذكرا إياه بوالده ووالدته ـ والتي هي في مقام والدتي أيضا، ولا أناديها إلا أمي ـ والتي بقيت نشطة إلى وقت قريب جدا قبل أن تصاب بمصيبة فقد أحد أولادها ـ يرحمه الله ـ ثم تسقط مريضة الكبت والصبر شفاها الله وعافاها.
    فارَقنا في العوجا العديد من رفاق رحلتنا إلى نابلس وطولكرم ورام الله على أمل اللقاء بهم في نفس المكان والزمان من الأسبوع القادم إن شاء الله، وتوجهنا إلى تل السلطان، ثم عين السلطان حيث استدعت ذاكرتي الكثير من رفاق طفولتي، وزملاء دراستي، وأبناء صفي وحارتي.. محمد أبو طه.. الخاروف.. الجبالي.. أبو دية.. الشقيري.. السلاق.. أبو صبحة.. وغيرهم كثير..
    استحضَرَتْ ذاكرتي كلامَهم وذكرياتِهم أولَ النكسة عن تل السلطان، وعين السلطان، وقصر هشام الذي وصلنا لوحته الإرشادية، وجبل قرنطل، ودير قرنطل، والذي يشرف على التل والعين وأريحا، وتل أبو هندي، ووادي القلط، واستدعت ذاكرتي وأنا انظر إلى بقايا قصور وبيوت الطين عمل أمهاتنا في صنع قوالب الطين الخشبية، وعجنهن الطين والتبن لعمل تلك القوالب بأيديهن وتجفيفها تحت الشمس ثم بناءها وتلييسها (قصارتها)، وتعاوننا وتعاونهن في ذلك كله، دون اللجوء إلى أيدي عاملة أو بنائين، حيث لم تكن تسمح الظروف المالية والمادية يومها بشيء من ذلك، وكان التعاون والتضامن هو عنوان حياتنا ومنهجها..
    حضرتني باسماً وأنا أدلف إلى أريحا البائسة من بابها الشمالي؛ (تل السلطان) كلمات عادل إمام ـ سدده الله وهداه ـ في مسرحية (الزعيم) وهو يسخر من اتفاق (غزة وأريحا أولا):
    «غُزُّو ورَيَّحُو..ههههه ههههههههه»
    ساءني منظرُ أريحا وما فيها من غياب للتنمية، وأعادني إلى أكثر من ست وأربعين سنة حيث تَرَكْتُ أريحا كما هي اليوم تقريبا.. حفر في شوارعها، وضيق.. فوضى عارمة زادتها كثرة السيارات والبشر..مقاهي ومطاعم يلتقي عليها رجال ونساء وصبيان!! بينما في السابق لم نكن نرى عليها سوى الرجال فقط.
    خرجنا من استراحة أريحا التي لا ينم أي شيء فيها عن راحة.. وكل ما فيها ينبئ عن تعب ونصب، وقلت لنفسي ونحن نخرج منها بصعوبة لضيق شوارعها ـ بعد أن أنزلنا بعض رفاق رحلتنا فيها ـ:
    فيها كل شيء إلا الراحة والاستراحة.
    قفز إلى ذهني ونحن في استراحة أريحا حوار موسى عليه السلام مع أصحابه الفاسقين الذي تضمنه قول الله تعالى:
    {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُواالْأَر ْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَ افَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}[المائدة: 20-26]
    يتبع
    رقمي على الواتس أب
    00962799096268



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    7,097

    افتراضي رد: الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

    يتبع

    وتذكرت بسرعة كلام الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله تعالى ـ في «تفسير المنار» (6/269-270) عن الأرض المقدسة وكلام «التوراة» (المترجم بالعربية) عنها:
    جَاءَ فِي «سِفْرِ التَّكْوِينِ» (12 : 7): «أَنَّهُ لَمَّا مَرَّ إِبْرَاهِيمُ بِأَرْضِ الْكَنْعَانِيِّ ينَ ظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ». وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا مَا نَصُّهُ (15 : 18):
    «فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ إِبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا : لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ».
    وَهَذَا الْوَعْدُ ذُكِرَ فِي «سِفْرِالتَّكْو ِينِ» قَبْلَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَجَاءَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ لَهُ، وَوَعْدِ اللهِ بِتَكْثِيرٍ نَسْلِهِ، وَبِكَوْنِهِمْ يَسْكُنُونَ أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِمْ (17 : 8):
    «وَأُعْطِي لَكَ، وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا، وَأَكُونُ إِلَهَهُمْ».
    فَهَذَا وَذَاكَ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ أَوْلَى أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ تَنَاوَلَهُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَالْوَفَاءُ الْأَبَدِيُّ لَايَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهِ. وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ كُلُّهَا عَرَبِيَّةً مَحْضَةً.
    وَلَيْسَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْحَاقَ وَعْدٌ لِإِبْرَاهِيمَ مِثْلُ هَذَا بِبِلَادٍ وَلَا بِأَرْضٍ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ يُقِيمُ مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَهْدَ لِإِسْحَاقَ دُونَ إِسْمَاعِيلَ، فَمَا هَذَا الْعَهْدُ؟!
    إِنْ كَانَ عَهْدَ النُّبُوَّةِ، فَالْوَاقِعُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَبَدِيَّةً فِي نَسْلِ إِسْحَاقَ; لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ بِالْفِعْلِ مِنْهُمْ مَنْ زُهَاءِ أَلْفَيْ سَنَةٍ [!!]،وَكَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَإِنْ كَانَ عَهْدَ امْتِلَاكِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ أَبَدِيًّا فِيهِمْ; لِأَنَّهَا نُزِعَتْ مِنْهُمْ قَبْلَ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَخَذَهَا الْعَرَبُ، وَصَارَتْ لَهُمْ بِالِامْتِلَاكِ السِّيَاسِيِّ، ثُمَّ بِالِامْتِلَاكِ الطَّبِيعِيِّ؛ إِذْ غَلَبُوا عَلَى سَائِرِ الْعَنَاصِرِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، وَأَدْغَمُوهَا فِي عُنْصُرِهِمُ الْمُبَارَكِ، الَّذِي وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يُبَارِكَهُ وَيُثَمِّرَهُ، وَيُكَثِّرَهُ جِدًّا جِدًّا، وَيَجْعَلَهُ أُمَّةً كَبِيرَةً رَاجِعْ (17: 18)مِنْ «سِفْرِ التَّكْوِينِ»
    نَعَمْ إِنَّ الْفَصْلَ الرَّابِعَ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ «سِفْرِ الْعَدَدِ» صَرِيحٌ فِي أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدُخُولِ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَاقْتِسَامِهَا بَيْنَ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا حَقٌّ قَدْ وَقَعَ، فَلَا مِرَاءَ فِيهِ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا قُلْنَاهُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَكُونُ لَهُمْ حَظٌّ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فِي وَقْتٍ مَا، وَأَنَّ وَعْدَ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِهِمْ، وَلَا هُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَوْلَادِ عَمِّهِمُ الْعَرَبِ، بَلْ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَوْلَى كَمَا حَصَلَ بِالْفِعْلِ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ مَفْعُولًا.
    يُوَضِّحُ هَذَا مَا نَقَلَهُ كَاتِبُ «سِفْرِ تَثْنِيَةِ» الِاشْتِرَاعِ عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ (1: 6):
    «الرَّبُّ إِلَهُنَا كَلَّمَنَا فِي حُورِيبَ قَائِلًا: كَفَاكُمْ قُعُودًا فِي هَذَا الْجَبَلِ(7)تَحَوَّلُوا وَارْتَحِلُوا،و َادْخُلُوا جَبَلَ الْأَمُورِيِّين َ، وَكُلَّ مَا يَلِيهُ مِنَ الْعَرَبَةِ ـ وَفِي التَّرْجَمَةِ الْيَسُوعِيَّةِ : الْقَفْرِ ـ وَالْجَبَلِ وَالسَّهْلِ وَالْجَنُوبِ وَسَاحِلِ الْبَحْرِ أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّ ، وَلُبْنَانَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ(8)انْظُرُوا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكُمُ الْأَرْضَ، ادْخُلُوا وَتَمَلَّكُوا الْأَرْضَ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لِآبَائِكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ».
    وَأَعَادَ التَّذْكِيرَ بِهَذَا الْوَعْدِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا السِّفْرِ، وَهَذَا النَّصُّ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا، وَلَيْسَ فِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَلَا التَّأْبِيدِ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ نَسْلُ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ». انتهى.
    فقلت لنفسي: هؤلاء الفاسقون المغتصبون المحتلون أحفاد أولئك الفاسقين ـ بشهادة موسى عليه السلام عليهم ـ الذين أَبَوْا دخول هذه البلدة البائسة بقيادة موسى عليه السلام حتى استبدلهم الله في التيه بقلة قليلة دخلتها بعد طول جدال واحتيال بإذن الله مع داود عليه السلام، وقتلَ داودُ جالوتَ بإذن الله وتوفيقه، والذي خلد ذكرها قول الله تعالى:








    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(252)}[البقرة: 246-252]


    لكنهم مع هذا لم يستمروا على طاعة، ولا نشرواهداية، ولا أمروا بمعروف، ولا نهوا عن منكر، كما أراد الله من الذين يمكنهم في الأرض:



    {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}[الحج: 41]


    بل تكبروا وتجبروا وعاثوا في الأرض فسادا ولا يزالون.
    خرجنا من قلب أريحا متوجهين إلى مدينة القدس عبر الطريق القديمة بعد أن عانينا من أزمة مرور زادتها دوريات الضابطية الجمركية الوطنية الفلسطينية التي تُضَيِّقُ على الناس في أريحا معيشتهم أكثر من ضِيقهم الذي هم فيه، حيث رأيتهم يصادرون بعض البضائع من بعض محلات وسط البلد، لسبب لا أعلمه، ولكن منظر ضباط وجنود الجمارك الفلسطينية لا يريح العين، ولا يُطَمْئِن القلب، مِثْلُهم مِثْلُ باقي ضباط وجنود الجمارك في أي مكان في العالم، مما استدعى إلى ذاكرتي بعض أحاديث النبي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين الصحيحة والضعيفةعلى حد سواء، مثل:
    ما رواه مسلم في «صحيحه» برقم (4528):
    عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ. فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟!».
    فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلاَّ وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ وَلاَ بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ:
    حَفَرَلَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
    قَالَ فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ! اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَإِنَّهُ رَدَّهَا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى. قَالَ:
    «إِمَّا لاَ فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي».
    فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِىِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ. قَالَ:
    «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ».
    فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَالنَّاس َ فَرَجَمُوهَا. فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ:
    «مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَ الَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ».
    ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.
    ومثل ما رواه ابن ماجه (3718)،وغيره ـ وضعفه شيخنا الألباني ـ عَنْ جَوْدَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ:
    «مَنِ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ بِمَعْذِرَةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ».
    ومثل ما رواه أحمد (17391) وأبو داود (2939)وغيرهما ـ وضعفه شيخنا الألباني ـ عَنْ عُقْبَةَ ابْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
    «لاَيَدْخُلُ صَاحِبُ مَكْسٍ الْجَنَّةَ يَعْنِي الْعَشَّارَ».
    خرجنامن أريحا عبر طريق القدس القديمة لندخل منطقة مخيم عقبة جبر، ولنواجه على يساره ومقابله فندق (الإنتركونتننتا ) وما فيه من بؤرة فساد وإفساد متمثل في (كازينو) للعب القمار، وهو أحد منجزات السلطة الوطنية الفلسطينية المخزية، وأحد سيئات بعض قياداتها الجارية..
    مخيم عقبة جبر.. هذا المخيم الذي طالما تردد على مسامعي اسمه من رفاق الصف والحارة في مخيم حطين..
    مخيم عقبة جبر.. مسقط رأس زوجتي، وحبيبتي، وقرة عيني، ومهجة فؤادي، وأم بناتي وأولادي ..أم المحاميد الخمسة، والوردات والزهرات الخمس، حفظها وحفظهم الله ورعاهم، وجعل جنات الفردوس والمأوى مبتدأها ومبتدأهم، ومنتهاها ومنتهاهم، ومأواها ومأوهم.
    مخيم عقبة جبر.. مهاجر آل زوجتي من آل ياغي (أبو الجود) الكرام.. فلنعم الأب الذي أنجب وربا فأحسن في إنجابه وأحسن في تربيته.. ولنعم الأم التي حملت وولدت وربت، فأحسنت التربية، وأحسنت التأديب، رحم الله أمواتهم، وحفظ أحياءهم.. أخوال أبنائي وبناتي.. فلنعم الأخوال كانوا.. ولا زالوا..
    «فليريني امرؤٌ خاله».
    رواه الترمذي (4118) عن سعد بن أبي وقاص وصححه شيخنا.
    وخال أولاده!!
    تركنا أريحا خلفنا وأنا أردد قول إيليا أبو ماضي في مدحه ذاك الفاتح الذي أظنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذمه لذاك الرومي المهزوم المذموم!!
    فكان الجند كلّهم يشوعا وكانت كلّ سوريّا ((أريحا))
    فإن يكن المسيح فدى البرايا فإنّك أنت أنقذت المسيحا!
    سرنا مُصْعِدِين نحوالجنوب الغربي، عبر طريق القدس القديمة حتى اتصلنا بطريق القدس الجديدة السريع (الأوتستراد) حيث اختلفت الطريق كليا من حيث السعة والرصف والتعبيد، فقالت إحدى رفيقات الرحلة: هذا الطريق عملته السلطة الفلسطينة؟!
    هي السُلطة (لائية تاكل) واجدة تأكل؟! أجاب السائق باستغراب مشوب بسخرية ومد (خليلي!!)
    وصلنا إلى الخان الأحمر حيث تذكرت حديث النبي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين الموقوف، والذي رواه البخاري (1339 و3407)، ومسلم (6297) ـ كلاهما وغيرهماـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
    «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِمَاالسَ ّلاَمُ - فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ [فَفَقَأَ عَيْنَهُ] فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ! ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
    «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
    والمرفوع ـ وأغلبه الوقف ـ الذي رواه مسلم برقم (6298) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-:
    «جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ - قَالَ -فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا - قَالَ- فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي - قَالَ -فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ ارْجِعْ إِلَى عَبْدِى فَقُلِ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَمِتْنِى مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ.
    قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-:
    «وَاللَّهِ لَوْ أَنِّى عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».








    الذي رواه مسلم برقم (6306) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ:


    «أَتَيْتُ - وَفِى رِوَايَةِ:مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ».



    ورواه الطبراني في «الأوسط» (7806) عن أبي سعيد الخدري.


    صعدنا في طريق القدس الجديدة نحو بيت المقدس، ولفت انتباهي عدة خرابيش، وبراكيات، وخشش، وعشش، وبيوت شعر، وبيوت خيش، وشوادر، وبلاستيك، على جانبي الطريق يسكنها بدو، أو فلاحو المنطقة، وسبب عيشتهم البسيطة هذه هو الاحتلال الصهيوني الذي يمنعهم ويحظرعليهم أن يبنوا شيئا في أرضهم، بل ويصادر أكثرها، وقد رأيت مثل هذه البيوت بعد ذلك في اليوم التالي في وسط القدس، في جبل الزيتون، فوق فندق الكومودور، وكلية أبوغزالة.
    وصلنا مثلث بيت لحم ووادي النار، أو ما يسمى عرفاً «كازية أبو جورج» حيث نزل بعض رفاق رحلتنا وبقيتُ وثلاثة شبان إلى القدس.. إلى التلة الفرنسية.. ثم الشيخ جراح.. ثم الطور، ولأول مرة أرى منظر قبة الصخرة من تلك المناطق.. منظر له من الهيبة والجمال ما يستحق أن يوصف بأنه منظر رائع، خاصة وأن شمس ما بعد العصر وقبل الغروب تنعكس على القبة الذهبية فتجعل منها تحفة فنية تذهب بالألباب.. ومقابلها في طرف الوادي شرق الجبل كنيسة جميلة أخرى تسمى كنيسة «ستنا مريم» كما يسميها مسلمو ونصارى القدس على حد سواء.
    يتبع

    رقمي على الواتس أب
    00962799096268



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    7,097

    افتراضي رد: الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

    يتبع
    توجهنا إلى باب العمود حيث نزلنا مقابل المدرسة الرشيدية للبنات، وهي مدرسة قديمة نسبيا، الظاهرأنها بنيت في العهد الأردني، وساحتها مقابل المدينة القديمة قد امتلأت بأبناء القدس الرائعين يلعبون فيها كرتهم المفضلة عصر جمعتهم وعطلتهم.
    استقبلني وعانقني الأخوة الكرام.. أمجد سلهب.. وعميد..والسلفيتي .. أوقفنا سيارة الأخ أمجد قبيل المغرب في موقف التميمي بباب العمود.. نزلنا نحو باب العمود فصادفتنا امرأة محجبة بغير غطاء الوجه يظهر من سحنتها أنها غير عربية، تدفع عربة فيها طفل صغير ومعها طفل يمشي على رجليه انطلق نحونا راكضا معانقا ومسلما على الأخ أمجد والذي وجهه بعد ذلك نحوي يسلم علي قائلاً هذا ابن أخي أشرف ( أبو حمزة) من زوجته الأجنبية، ويقصد تلك المرأة التي أشرت إليها سابقا، والتي عرفت قصة إسلامها وزواجها من الأخ أشرف سلهب بعد ذلك.
    دخلنا من باب العمود لأول مرة ـ بعد الوعي ـ.. وسرت في شوارع القدس القديمة لأول مرة بعد الوعي أيضا.. نزلنا من باب العمود وحولنا وأمامنا وخلفنا كثير من يهود؛ رجالا ونساء متطرفين يسمونهم ـ ظلماً ـ متدينين، بقبعات كبيرة عجيبة غريبة كأنها من شَعَرٍ، وأكثر سحنهم لا تنم عن شرقيتهم، وإسرائيليتهم، بل سحن غربية افرنجية، حتى وصلنا إلى مفترق يذهب بك إلى اليمين، إلى الفندق الهاشمي في وسط القدس القديمة.. وهو فندق يملكه بعض الأخوة الكرام من أبناء عمران سلهب الوجيه المقدسي المعروف، والذي لا زال قبره في مقابر باب الرحمة قرب باب الأسباط كما سأذكره غدا إن شاءالله.
    سلكنا الطريق الأيمن المسقوف، الذي تمر من خلاله على حلويات (أبو جعفر) الشهيرة في القدس القديمة ـ والذي أكرمنا فيما بعد كما سأبين حين دخلنا عنده ـ أو يسير بك مستقيما من باب العمود عبر طريق الواد نحو حائط البراق، والذي يسميه الصهاينة حائط المبكى، أطال الله حزنهم وبكائهم في الدنيا وفي الآخرة.
    ما أن وصلنا الفندق عبرالطريق الأيمن المسقوف ـ وأغلب شوارع وأزقة القدس القديمة؛ بل والمدن الفلسطينية القديمة مسقوفة ـ وأمنّا الحقائب حتى بادرنا بالنزول إلى المسجد الأقصى لصلاة أول صلاة فيه؛ وهي صلاة المغرب يوم الجمعة ليلة السبت 27/4/1434هـ، الموافق 9/3/2013م.
    سرنا بعد مغادرة الفندق في اتجاه الجنوب عشرات المترات ثم انعطفنا يسارا نحو الشرق في زقاق حجري ـ وكل شوارع القدس القديمة وأزقتها، وبيوتها، وطرقات ومباني المسجد الأقصى حجرية ـ يسمى طريق الآلام، وهي الطريق المسقوف التي يزعم النصارى أن يهود ساروا فيها وهم يعذبون المسيح ابن مريم ـ عليهما السلام ـ وفيها عدة محطات وكنائس وأديرة مقدسة عند النصارى يتوقفون عندها ويتبركون بلمسها وتصويرها، وأخذ الصور التذكارية عندها.
    انتهينا إلى طريق الواد، واتجهنا فيه جنوبا مرة أخرى، ثم انعطفنا بعد عشرات الأمتار في أول زقاق يسارا نحو الشرق مرة ثانية حتى وصلنا باب الناظر، وهو من أبواب المسجد الأقصى الغربية، ودخلنا ساحة المسجد الأقصى المبارك لأول مرة والمؤذن يؤذن لصلاة المغرب، على مرأى ومسمع جنود وشرطة الاحتلال الصهيوني الغاصب، والذين يحرسون تلك البوابة ـ وغيرها من البوابات ـ من الخارج، وحيث يمر عليهم المسلمون فلا يسلمون عليهم، وما أن يدلفوا داخل سور المسجد ـ والذي يحلو لكثير من الناس رسميين وغير رسميين أن يسموه ـ خَطَأً ـ حرم المسجد الأقصى المبارك ـ حتى يشرعون بطرح السلام على حراس المسجد العرب المسلمين، وحيث يبادر أولئك الحراس الطيبون العُزَّلُ ـ حرسهم الله ـ برد السلام بمثله أو أحسن منه.
    مما أزعجني وأغضبني، وآلمني أن بعض الأخوة أخبروني أن بعض هؤلاء الشرط والجنود الصهاينة عرب ومسلمون، وأن بعضهم ربما يصلي، ويصوم، ويزكي، ولكنهم عند الاشتباكات والاضطرابات هم أكثر الناس بطشا، ومبادرة في منع المسلمين من دخول المسجد!! ويتنكرون لمن يعرفونهم من أهل المسجد والمدينة!! فقلت لنفسي ولمن أخبرني:
    أين إسلامهم وإيمانهم؟! أي إسلام وإيمان هذا الذي يجيز لهم أن يخدموا المحتل الغاصب؟!.
    دخلنا المسجد بعد الإقامة للمغرب، وحرصنا أن نَصُفَّ في صف متصل غير مقطوع.. الصفوف يومها قليلة.. لا يتجاوز عددها ـ للأسف ـ عدد أصابع اليد الواحدة، صلينا المغرب خلف إمام من أئمة المسجد وهو (أبو اسنينة) وصلاته سريعة تكاد تُخِلَّ بأركان الصلاة ـ أن لم تُخِلَّ بها فعلا ـ.
    ما أن سلمنا من صلاة المغرب حتى سمعنا من يقيم الصلاة خلفنا في وسط المسجد تقريبا، لأن الإمام صلى في نهاية الثلث الجنوبي من المسجد، فقلت في نفسي، ثم للشيخ أمجد: هذه باقعة!! وقصدت هذه البدعة في إقامة صلاة ثانية، وربما ثالثة ورابعة، بعد صلاة الإمام الراتب خلافا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه الكرام، وأقوال أهل العلم المعتبرين الراجحة.
    صليناالمغرب.. سلمنا على بعض إخواننا ممن وجدناهم في المسجد الأقصى.. رجعنا إلى الفندق.. المسافة من داخل المسجد الأقصى إلى خارج ساحته خمس دقائق مشي على قدمين متعبتين مثل قدمي، والمسافة من خارج الأقصى إلى الفندق خمس دقائق أخرى، والمجموع نحو عشر دقائق للمتعب مثلي.
    أين الطريق التي تطل على حائط المبكى؟ قال الأخ أمجد لبعض الشباب المقدسين في وسط طريق الآلام ونحن صاعدون.
    إيش ياشيخ؟! مش (اتفأنا نئول) اتفقنا نقول: حائط البراق مش حائط المبكى؟!
    أنعش الشاب المقدسي روحي المتعبة بهذه الكلمات.. شاب في سن المراهقة وُلِدَ تحت الاحتلال.. درس وتعلم في مدارس الاحتلال.. تربى على إعلام الاحتلال!!.. ولكنه يصحح شيخا داعية من طلاب العلم الفضلاء من أبناء حارته في بيت المقدس، وينبهني إلى العناية بالألفاظ بعد ذلك.
    على اليسار الدخلة (التانية) الثانية: قالها وهو ينبه الشيخ أمجد وينبهني بغير مباشرة إلى ضرورة مراقبة ألفاظنا ونحن نتكلم عن بيت المقدس.
    أثنى الشيخ أمجد على ذاك الشاب وأمثاله كثيرا ونحن مصعدون نحو الدخلة التي أشار إليه الشاب المراهق المقدسي، منبها أن أكثر من يتصدى للاحتلال أمثال هؤلاء الشباب الذين مررنا عنهم قبل قليل، وأنهم مستعدون ليل نهار لكل هيعة.
    دخلنا من حيث أشار الشاب المقدسي، وصعدنا درجات ونزلنا أخرى فإذا نحن على مصطبة تطل على حائط البراق، وهو أسفل الحائط الغربي لساحات المسجد الأقصى، وعلى يمينه في جنوب السور باب المغاربة الذي عبث به يهود قبل شهور ولا زالوا يعبثون.
    نظرت إلى يهود أول مرة وهم في ساحة البراق، ليلة السبت وقد أسبتوا، يرقصون ويصلون ـ ورقصهم صلاة ـ ويتلون التوراة أو التلمود؟! لا أعرف! ولكن ما لفت انتباهي في صلاتهم ورقصهم وهزهم اجسادهم وترنحهم وتمايلهم أما ما وخلف، ويمينا ويسارا، التشابه الكبير بين فعلهم وفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام من الطرقيين والرافضة.
    لفت انتباهي وجود عدد غير قليل من الجنود بقبعاتهم الخضر ولباسهم العسكري في حلقة كبيرة، متشابكي الأيدي على الأكتاف وكأنهم في حلقة دبكة عربية ـ مما كرهني وزاد كرهي بتلك الحلقات ـ وفي وسطهم (حاخام) بمعطفه الأسود، وقبعته السوداء يشجعهم على الاهتزاز والرقص، فتذكرت منظر أحد شيوخ الطرق الصوفية في عمان قبل نحو خمس وثلاثين سنة وهو في وسط حلقة تشبه تلك الحلقة، وهو يشجع الراقصين فيما يسمونه (الحضرة) يتقربون بها إلى الله، يقدم أناسا، ويؤخر آخرين، ولأنني كنت يومها أحد أولئك المستطلعين لتلك الحلقة، غير المقتنعين بما يفعلون أخرني من الصفوف المقدمة إلى الخلف، وعندما سألت عن دليل أولئك الراقصين من أهل تلك الطريقة الصوفية الشهيرة، كذبوا على الله ورسوله وأبي بكر، فقال كبيرهم الذي علمهم الكذب، ولا شك أنه نقله عن كبرائه أيضا:
    لما أنزل الله تعالى على نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن الله يقول لأبي بكر:
    إن الله قد رضي عنك، فهل أنت راض عن الله؟! فقام أبو بكر فرحاً يحجل على رجل واحدة ويرقص فرحا برضا الله ويقول:
    وما لي لا أرضى؟! وما لي لا أرضى؟!
    تذكرت ذلك، وتذكرت جلوس أولئك وغيرهم من أصحاب الطرق الأخرى والذين يسمونهم (الدراويش) وهم يتحلقون حلقات يهزون فيها جذوعهم أماما وخلفا يذكرون الله ـ بزعمهم ـ بأذكار اكثرها شرك ودعاء لغير الله، تماما كما يفعل اليهود الآن أمامي في حائط المبكى.
    تذكرت طلاب العلم الصغار دون البلوغ ممن يحفظون القرآن في بعض الكتاتيب المبتدعة والمنقولة تقليدا أعمى عن بلاد العجم إلى بلادنا المباركة وهم يقفون الساعات الطوال حاملين القاعدة النورانية، أو القاعدة البغدادية، أو بعض أجزاء المصحف الشريف يقرأون ويتمايلون ويهزون جذوعهم كما يفعل يهود الآن أمامي مستقبلين المسجد الأقصى، أو قبة الصخرة ـ بعضُهم ـ ولما سألت بعض شيوخهم عن أصل هذا الفعل اليهودي مستعلما ثم منكرا أخبرني بأن هذا الفعل يُبعد النعاس عن الأولاد حتى يواصلوا الحفظ، فقلت لنفسي حين رأيت هذا المنظر القبيح، والفعل الشبيع:
    لا يسر الله لهم الحفظ إن كانوا سيتشبهون بإخوان القردة والخنازير هؤلاء الذين أمامي الآن، والذين رأيتهم يرقصون ويتمايلون مثلهم ليحفظوا!! مستذكرا أحاديث نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النهي عن التشبه بأهل الكتاب في كل شيء، خاصة مما يتعلق بعباداتهم.
    تذكرت وأنا أقف ذلك الموقف ـ لأول مرة، وإن شاء الله لآخر مرة أيضا ـ رقص الرافضة ولطمهم وبكائهم ـ أطال الله بكاءهم وحزنهم ولطمهم ـ يزعمون أنهم يتقربون فيه إلى الله، ويظهرون من خلاله حب آل البيت رضي الله عنهم، ولعن الله الرافضة الكذابين.
    تذكرت في تلك الوقفة الصغيرة القصيرة ثورة البراق سنة 1919م، وشهداء تلك الثورة الكثيرين ـ إن شاء الله ـ الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل حماية لهذه البقعة وهذه الساحة من المسجد من دنس يهود، والتي ضاعت بعد ذلك بلا ثمن، وعلى رأس أولئك الشهداء ـ إن شاءالله ـ شهداء الثلاثاء الحمراء؛ محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي ـ رحمهم الله تعالى ـ والذين أعدمهم شر خلق الله على الإطلاق بعد اليهود أو ربما قبلهم، وأبغض خلق الله إلى قلبي، والذين أضاعوا فلسطين وَهَوَّدُوها وسلموها كاملة ليهود سنة 1948م.
    تذكرت أحمد أسعد الشقيري، ودراسته في القدس، وثورة البراق، وما كتبه عنها..
    تذكرت الانجليز وجرائمهم، وَلَعَنْتُهُمْ من صميم قلبي.. بلفور.. روتشلد.. صمويل..اللنبي.. لورنس.. تشرشل.. كلوب.. إيدن.. تاتشر.. جون ميجر.. بلير.. إلخ.
    وَصَلْنَا الفندق.. تعشينا طعاما مقدسيا شهيا كان قد جهزه اخونا الشيخ أمجد سلهب ـ حفظه الله تعالى ـ وخير ما فيه لبن بلادنا وَخُضَرِهَا.. توضأت وتجهزت لصلاة العشاء.. نزلنا لصلاة
    العشاء في همة الشبعان بعد جوع.. صلينا العشاء في المسجد الأقصى لأول مرة.
    عدنا إلى الفندق من طريق الواد حتى لا أصعد درجات طريق الآلام فوجدت أن الطريق أطول وأتعب، وصعود درجات طريق الآلام أخف ألما من طول ولفة طريق الواد!!
    كان المشي بعد العَشَاءِ وبعدَ العِشَاء بلسما مُنَوِّمَاً، فما أن وضعت نفسي في الفراش حتى ذهبت في سبات عميق جداً، وفي أول ليلة أنام فيها في القدس، نمت أول ليلة هانئة في حياتي.
    يتبع
    رقمي على الواتس أب
    00962799096268



  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    7,097

    افتراضي رد: الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

    يتبع
    «الفوائدالماسية من الرحلة المقدسية» (1)
    1ـاستخر الله واستعن به في كل ما تعزم عليه من أمر دينك ودنياك.
    2ـاصبر واحتسب، وحاول ولا تيأس فبين غمضة عين وفتحتها يغير الله من حال إلى حال
    3ـاستعد للسفر بتخفيف الأثقال والأحمال فإنك لا تعرف ما يعرض لك.
    4ـ أكثر في سفرك من ذكر الله تعالى، ومن تلاوة القرآن، حتى يكون لك في كل متر من الأرض التي تقطعها حسنة تشهد لك يوم القيامة.
    5ـساعد من تستطيع في سفرك وخاصة كبار السن فلعل دعوة عجوز هرمة، أو شيخ فند تنقذك من غوائل الطريق ومخاطر السفر.
    6ـخالق الناس بخلق حسن.
    7ـانظر إلى محاسن المسلمين مهما قَلَّتْ حتى تحبهم، وَغُضْ النظر عن مساوئهم حتى لا تبغضهم، وانظر إلى مفاسد غير المسلمين مهما قلت، ولا تنظر إلى محاسنهم مهما كثرت حتى لا تحبهم فتحشر معهم..
    «المرء مع من أحب».
    رواه البخاري (6168و6170)، ومسلم (6888 و6890) كلاهما، وغيرهما عن ابن مسعود، وأبي موسى تباعاً.
    8ـ انشغل بالتلاوة والذكر حيث ينشغل الناس بالقيل والقال، وتلقف أسئلة السائلين حيث سيسألونك حتماً عن الطوارئ التي ستطرأ عليهم فتستغل الجواب في الدعوة إلى الله.
    9ـ أظهر شرائع الإسلام وخاصة الأذان والوضوء والصلاة، ولا تتهيب أبداً فإن الأعداء قبل الأصدقاء والأولياء يتوقعون منك ذلك فلا تخيب ظنهم، وتعصي ربك.
    10ـ إظهارك لشعائر الله دون إضرار بالآخرين، ومراقبة الناس لك في ذلك دعوة إلى الله ولو لم تتكلم شيئا فلا تهدر فرصتها.
    11ـادعُ اللهَ في سفرك، وفي صلاتك، وفي سجودك، ولا تنس الأمة من دعائك كما لا تنسى نفسك وأحبابك وأبناءك وأقاربك.
    12ـاكتب ما تلاحظه على مذكرة برؤوس أقلام ترجع إليها فيما بعد، تنتفع بها وتنفع بها من يقرأ لك، فالكلمة سلاح قوي دائم.
    13ـ تذكر كل جميل عن إخوانك ومعارفك واذكره عنهم، وذكرهم به.
    14ـاسأل من يعرف عما لا تعرف، ومن يسأل لا يضيع.
    {فاسألواأهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
    15ـاستذكر نصوص القرآن والسنة، وآثار الصحابة والتابعين وأهل العلم في استدلالك واستشهادك، وَلَوِّنْ بالشعر فإن من الشعر لحكمة.
    16ـ أرضع أبناءك حب الوطن مع حب الإيمان، وخاصة بلادنا المباركة حبيبة الرحمن.
    17ـانظر لكل ما تراه بمنظار شرعي لا بمنظار عاطفي.
    18ـحاول الجمع بين العاطفة والشرع، فهما شقيقان لا يتنازعان إلا قليلا.
    19ـتجنب الهوى ما استطعت؛ فالهوى قد يودي بك إلى الشرك والكفر.
    20ـ والي من يحب الله ورسوله والمؤمنين، وعادي من يعادي الله ورسوله والمؤمنين فإن ذلك من كمال الإيمان أو من صحيحه.
    21ـاحمد الله على الأخوة الصالحة، فهي غنىً وقت الفاقة، ونصرة وقت الحاجة.
    22ـبادر بالأعمال الصالحة الواجبة عليك في سفرك ولا تمهل فقد يضيع منك بالتمهل واجبات.
    23ـ نم مبكراً، تستيقظ مبكراً، وتنجز في نهارك الكثير، وإن كنتُ حتى اللحظة لم أنم، فلكل قاعدة شواذ، وهذه الليلة شاذة بسبب هذه الكتابة.
    ورحم الله الإمام الشافعي القائل، وشيخنا الوادعي المردد:
    سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي مِنْ وَصْلِ غَانِية ٍ وَطيبِ عِنَاقِ
    وصريرُ أقلامي على صفحاتها أحلى منَ الدَّكاءِ والعشاقِ
    وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي
    وتمايلي طرباً لحلِّ عويصة ٍ في الدَّرْسِ أَشْهَى مِنْ مُدَامَة ِ سَاقِ
    وأبيتُ سهرانَ الدُّجا وتبيتهُ نَوْماً وَتَبْغي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي؟
    وإلى أن ألتقيكم في الحلقة القادمة إن شاء الله في اليوم الثاني من رحلتي المقدسية والفوائد الماسية منها، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    رقمي على الواتس أب
    00962799096268



  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    7,097

    افتراضي رد: الفوائد الماسية من الرحلة المقدسية الحلقة الأولى

    الرابط / ملتقى أهل الحديث
    http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=310099
    رقمي على الواتس أب
    00962799096268



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •