قراءة في مواقف الحكومات الغربية من الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم

كثيرا ما يطرح السؤال عن جدوى وفائدة رصد مواقف الحكومات الغربية من حملات الإساءة التي تستهدف الإسلام ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام، بحكم أن تغليب حرية التعبير في هذه النظم يعد سابقا عن أي شيء آخر، ولو تعلق الأمر باستفزاز مشاعر المسلمين الدينية والتعرض لرموزهم. لكن، مع الربيع العربي، وقعت تحولات عميقة داخل العقل السياسي الغربي، جعلته يتكيف مع الحقائق الجديدة التي أفرزها مسارات الانتقال الديمقراطي، بل دفعته إلى إعادة تقييم نظرته إلى الشعوب العربية الإسلامية ومدى قدرتها على بعثرة كل الأوراق في المنطقة.
من هذه الزاوية، تأتي هذه المحاولة التي تقصد رصد مواقف صناع القرار السياسي في الغرب من حملات الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم والتطورات التي أعقبت بث فيلم "براءة المسلمين" والرسوم الكاريكاتيرية المستفزة لمشاعر المسلمين، وتسجيل التحولات التي طبعت أشكال تعاطي العقل السياسي الغربي مع هذه الإساءات، وكيف تم تدبير الموقف السياسي بين حرية التعبير والاستفزاز لمشاعر المسلمين وما يمكن أن ينتج عنه من الإضرار بالمصالح الحيوية.
1- الموقف الأممي: لا حماية لحرية التعبير إن تحولت إلى استفزاز وإهانة معتقدات الآخرين.
يتميز هذا الموقف بكونه يجمع بين إدانة الفيلم المعادي للإسلام واعتباره مشينا ومخجلا، وبين تحديد موقف واضح بخصوص العلاقة بين حرية التعبير وبين الإساءة للأديان، ففي تصريح أدلى به الأمين الأممي بان كيمون، على خلفية بث فيلم براءة المسلمين، قال إن "منتج الفيلم أساء إلى حرية التعبير عبر إنتاجه لهذا الفيلم" وميز في تصريحه بين حرية التعبير التي ينبغي أن تحمى، وبين حرية التعبير التي لا يجب أن تحظى باي حماية، يقول بان كي مون:"حرية التعبير ينبغي أن تكون، بل يجب أن تكون، محمية حينما يتم استعمالها لغرض مشترك، ولعدالة مشتركة. وحين يستعمل بعض الناس هذا الحق لاستفزاز وإهانة قيم ومعتقدات آخرين، فلا يمكن حماية هذه الحرية في هذه الحالة" وأضاف قائلا:"موقفي هو أن حرية التعبير في الوقت التي تشكل حقا أساسيا ومكتسبا لا ينبغي للبعض أن يسيء إليها عبر بعض الأفعال المشينة والمخجلة".
2- الموقف الأمريكي: تبرئة الحكومة وإدانة الفيلم رسالة ومضمونا.
وقد عبرت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن هذا الوقف بوضوح كبير، واستثمرت التطورات التي عرفتها الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في بنغازي والتي أسفرت عن مقتل السفير الأمريكي، لتوضيح ثلاث محددات حاكمة للموقف الأمريكي:
- المحدد الأول: إدانة أمريكا للفيلم مضمونا ورسالة، واعتباره مثيرا للاشمئزاز وكونه يهف إلى تشويه سمعة ديانة عظيمة وإثارة غضب معتنقيها، والتزام أمريكا برعاية التسامح الديني وتأكيد احترام أمريكا للأديان وحرية ممارستها في أراضيها، وان ذلك مقرر في دستور البلاد وقوانينه. وفي هذا الصدد نفت هيلاري كلينتون وجود أي علاقة بين حكومة الولايات المتحدة بالفيلم. "لقد رفضنا مضمونه ورسالته".
- المحدد الثاني: إدانة العنف ورفض أي شكل من أشكال تبريره. وفي هذا الصدد أكدت هيلاري كلينتون أن " إساءة البعض إلى الدين الإسلامي لا تبرر بأي حال من الأحوال اللجوء إلى العنف للرد على الاستفزاز".
- المحدد الثالث: رفض أي تدخل لتقييد حرية التعبير بزعم أنها تمثل حقا أساسيا منصوصا عليه في الدستور والقوانين الأمريكية، ولو تعلق الأمر بالإساءة إلى الأديان واستفزاز مشاعر المسلمين. وفي هذا الصدد تقول كلينتون:" أنا أعلم الآن أنه صعب بالنسبة لبعض الناس أن يفهموا بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تمنع هذه الأشكال من الأفلام المستفزة من أن ترى النور. أريد أن أشير إلى أنه في ظل التكنولوجيا الحديثة، هذا أمر غير ممكن. لكن حتى ولو كان الأمر ممكنا، فإن بلدنا لها تقاليد قديمة في حرية التعبير والتي تم التنصيص عليها في الدستور وفي القوانين، ونحن لا نستطيع أن نمنع االمواطنين من أن يعبروا عن آرائهم مهما كان مستوى مقتنا لها".
3- الموقف البريطاني: براغماتية تدفع إلى تجنب حساسية الحديث حرية التعبير في موضوع الإساءة إلى الأديان.
قليلة هي التصريحات التي أدلى بها المسؤلون الحكوميون في المملكة المتحدة بخصوص الموقف من الفيلم المسيء للإسلام أو من الرسوم الكاريكاتورية التي أثارت موجة غضب عارم في العالم العربي والإسلامي، بيد أن وزير الخارجية أدلى بتصريح في زيارته لمصر، أوضح فيه موقف بلاده من الفيلم، وخلفياته، وأثنى على المصريين كونهم لم يسقطوا في الفخ الذي نصبه صانعو الفيلم، فقد أدان وليم هيج الفيلم المسيء للإسلام والرسول ، مشيرا إلى أن ''نوايا صناع الفيلم كانت الاستفزاز والإثارة والتسبب في صراع بين مسلمي مصر ومسيحييها''. وقال في تصريحه:''لا يمكن لأي شخص محترم ألا يدين الفيديو الشائن الذي استهدف الإساءة إلى المعتقدات الدينية بأشد الطرق المسيئة ولعب دورا في بدء أحداث العنف التي اشتعلت الأسبوع الماضي في مصر وأماكن أخرى. لا يمكن لأي شيء أن يبرر العنف''. واعتبر هيج أن ''إحدى الرسائل الإيجابية التي خرجت من ذلك الأسبوع هي الطريقة التي شجب بها المصريون من كلتا الديانتين الإساءة للنبي محمد وأدانوها ووقفوا كتفا بكتف ضد الاستفزاز الفج للفيلم المذكور''. ودافع هيج عن حق المسلمين في الاحتجاج السلمي، غير أنه في ذات الوقت أدان العنف، فقال:''إن الاحتجاج السلمي أمر مشروع. ولكن السلوك العنيف الفج وغير المبرر من قبل بعض من لا يمثلون إلا أنفسهم هو عودة للفوضى التي سادت في بعض الأوقات في العام الماضي. لا أحد يريد ذلك''.
والملاحظ في هذا التصريح أنه، وعلى عادة البريطانيين في تجنب التصريح بما يمكن أن يثير غضب العرب، لاسيما وأن تصريحه كان في زيارته لمصر، تعامل مع السياق ببراغماتية، واكتفى بإدانة الفيلم وكشف خلفياته والتنويه بمواقف المصريين في إفشال مخططات صانعي الفيلم لكن دون أن يتورط في الحديث عن حرية التعبير.
4- الموقف الفرنسي: تبادل أدوار بين الدفاع عن حرية التعبير والدعوة إلى التحلي بالمسؤولية.
اختلفت بشكل كبير ردود أفعال تيارات الطيف السياسي في فرنسا من حملة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم التي قامت بها مجلة شارلي إيبدو، وتأرجحت بين الدفاع عن حرية كاملة للتعبير، وبين إدانة الاستفزاز، وبين رأي وسط يدافع عن حرية التعبير لكنه لايرى مبررا لاستعمالها في استفزاز مشاعر المسلمين وتعرض مصالح فرنسا للإضرار خاصة في ظل الظرفية السياسية الحساسة التي تعيشها المنطقة العربية وأثر ذلك على دور فرنسا ونفوذها في المنطقة.
أما بالنسبة للموقف الرسمي، فقد تم تدبيره بتصريحين مختلفين يعكسان تبادل الأدوار وحرج الموقف بالنظر إلى الجهة المستهدفة.
- موقف رئيس الحكومة جون مارك أيرولت: رفض المغالاة والدعوة إلى التحلي بالمسؤولية: وقد كان هذا الموقف مستحضرا تماما للسياق، إذ رفض أي مغالاة في استعمال حرية التعبير في السياق الحالي، ودعا إلى التحلي بروح المسؤولية، وفي نفس الوقت أكد أن "حرية التعبير تشكل واحدا من الحقوق الأساسية لجمهوريتنا. وهذه الحرية تمارس في إطار القانون وتحت مراقبة المحاكم" واعتبر أن إقرار فرنسا لمبدا العلمانية يعني ضرورة التسامح واحترام الأديان.
- موقف وزير الداخلية كانويل: الذي لم يلتفت إلا لجزء واحد في المعادلة، إذ أعلن بأن"حرية التعبير، بما فيها الكاريكاتير، تعتبر حقا أساسيا مؤطرا بالقانون". ودعا كل واحد للتصرف بمسؤولية. وقد عبر عن رفضه أي تشكيك في الحق في التعبير سواء تعلق بالأخبار أو الرأي أو الكاريكاتور طبعا في إطار القانون.
والملاحظ أن تصريح رئيس الحكومة، مال أكثر إلى التركيز على قضية المسؤولية مع التأصيل لفكرة احترام الأديان من داخل القاعدة العلمانية للديمقراطية، وهو موقف راعي من جهة مصالح فرنسا الحيوية وعلاقتها بجيرانها في جنوب المتوسط والشرق ألأوسط، في حين كان تركيز وزير الداخلية على الداخل، من خلال الدفاع عن حرية مطلقة للتعبير ولو تعلق الأمر بالإساءة إلى الإسلام واستهداف نبيه عليه الصلاة والسلام.
الموقف الألماني: توجه نحو الحظر حفاظا على مصالح ألمانيا. وسط جدل مجتمعي حول حدود حرية التعبير
ثار جدل واسع داخل ألمانيا بين مؤيد لحظر الفيلم وبين معارض لمنعه منتصر لحرية التعبير ولو أدت لاستفزاز المسلمين وإثارة موجة من الاحتجاجات داخل ألمانيا. أما بخصوص الموقف الحكومي، فقد بدا مخالفا تماما لمواقف بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ألأمريكية، فقد قرر وزير الداخلية الألماني هانز بيتر فريدريش لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية للحيلولة دون عرض الفيلم وساندته المستشارة أنجيلا ميركل ووزيرة عدلها زابينا شنارينبيرغر. وصرحت ميركل في لقاء مع الصحفيين ببرلين إنها تتفهم دعوات حظر العرض بالأماكن العامة، وأشارت إلى أن حكومتها تجري لهذا الغرض دراسة حول تهديد عرض الفيلم للنظام والأمن العام في البلاد.
والظاهر أن موقف الحكومة ألألمانية التي سارعت لاتخاذ إجراءات حظر الفيلم تأطر بخلفية الحفاظ على الأمن والنظام العام مخافة أن يتم ضرب المصالح الحيوية لألمانيا سواء في الداخل أو في الخارج، ولذلك تجاوزت عقبة حرية التعبير وكيفت الأمر بمنطق آخر يعتبر أن حرية التعبير لا تبرر استعمالها في استفزاز المسلمين وإهانة معتقداتهم ودفعهم إلى تهديد التعايش المجتمعي.
الموقف الروسي: تكييف المنع بالتحريض على الكراهية الدينية
يختلف الموقف الروسي عن بقية المواقف في كونه اختار مسلكا آخر، إذ اتجه إلى تكييف قضية فيلم براءة المسلمين على أساس أنه يدعو يحرض على الكراهية الدينية، فقد وافقت محكمة تفيرسكوي في موسكو على طلب النيابة العامة بالاعتراف بأن هذا الفيلم متطرف يشجع على الكراهية الدينية، وأصدر القاضي قرار بمنع عرضه على كافة الأراضي الروسية، وأعلنت وزارة العدل الروسية أنها ستدرج هذا الفيلم على قائمة الأعمال المتطرفة في روسيا بعد دخول قرار المحكمة حيز التنفيذ. وهكذا تم تدبير الموقف قضائيا، وتم إدخال قيد عدم التحريض على الكراهية الدينية في ممارسة حرية التعبير.
خلاصات:
مع أن هذه المواقف تباينت إلى حد كبير، لكنها في مجموعها تشير إلى وجود ثنائية صعبة يفرضها طبيعة النظم الديمقراطية الغربية التي تقر حرية التعبير وتميل إلى عدم إدخال قيود عليها إلا بنص القانون. لكن مسار النقاش والجدل الذي انطلق في هذه البلدان، وتمايز الخيارات والحجج التي تم اللجوء إليها لاسيما في ألمانيا وروسيا وفرنسا، تؤشر على تحول في الموقف الغربي في اتجاه البحث عن مداخل لتقييد حرية التعبير في حالة استعملها السيء في الاستفزاز وإهانة معتقدات الغير، أو اللجوء بالفعل إلى التقييد عبر تكييفات مختلفة.
وبالنظر إلى هذه الخيارات المتباينة، يمكن الحديث عن أربع مداخل ممكنة لإعادة تقييم الموقف من حرية التعبير والحاجة إلى تقييدها في حالة الإساءة إلى رموز المسلمين وإهانة معتقداتهم:
* المدخل الأول: مدخل التحريض على الكراهية الدينية، وهو الخيار الذي لجأت إليه روسيا، والذي يتطلب فتح نقاش قانوني مقارن بين التحريض على الكراهية العنصرية والتحريض على الكراهية الدينية، وإقناع الغرب بخطورة التحريض على الكراهية الدينية وأنها لا تقل خطورة عن التحريض على الكراهية الدينية التي جعلها القانون الغربي سببا موجبا لتقييد حرية التعبير.
* المدخل الثاني: مدخل تجريم ازدراء الأديان: وهو المدخل الذي خطت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطوة أولى في اتجاهه وذلك باتخاذ قرار بمناهضة ازدراء الأديان لكن دون الوصول إلى تجريمه، وهو ما يتطلب الضغط المدني والحقوقي لتحقيقه.
* المدخل الثالث: مدخل استثمار مفهوم العلمانية، باعتبارها تقوم على مبدأ التسامح الديني، واحترام الأديان، وتحريك النقاش من داخل القاعدة الفسلفية للديمقراطية – العلمانية – لإيجاد مخرج لتقييد الحرية في حالة إهانة الأديان والإساءة لرموزها من داخل بنية التفكير العلماني.
* المدخل الرابع: مدخل الدفع بالأمن والنظام والمصلحة العامة لتقييد حرية التعبير، وهو ما اختارته ألمانيا، ويمكن أن تدفع له الدول الغربية دفعا في حالة وجود ضغوط قوية من الشارع العربي والإسلامي، واتجاه حكومات دول الربيع العربي إلى الضغط على الحكومات الغربية لكي تقنع مجتمعاتها بالأضرار التي يمكن أن تلحق بمصالحها الحيوية في حالة شن حملات الإساءة إلى الشعوب العربية المسلمة.

كتبه : بلال التليدي بتاريخ :29/11/2012
http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?Id=161