لمعت فضائيات رجال الأعمال في الحقبة المنصرمة حيث الوجاهة، الغطاء، ترويج الأعمال، شراء الأنفس وتوظيفها، المحاباة، تصفية الحسابات، خدمة بعض الأجنحة، الهايد بارك، توجيه الرأي العام صوب وجهة معين، وكثير من الأهداف التي يعلمها جيداً محترفي الإعلام والسياسة.


والآن من المفترض أننا أمام عصر جديد، الأصوات تكاد تجمع فيه على ضرورة محاكمة كل من ارتزق وسرق في ظل المرحلة البائدة، وضرورة إرجاع الحقوق إلى الوطن المسلوب.

وقد بدأت بالفعل أغصان بعض رجال الأعمال تقع، والبقية في الطريق بإذن الله، حيث المديونيات البنكية بالمليارات، والفساد أيضاً بالمليارات، فالوقوع إذن قادم لا محالة إن شاء الله.

ومنطقي أن نتساءل إذا رمي برجل الأعمال الفاسد في السجن، وحوكم على أكله أموال الناس بالباطل، وصودرت أمواله المنهوبة من الشعب المصري، ترى! هل ستبقى منابره ووسائله الإعلامية كما هي؟.

بدهي أن الرجل الآن منشغل في تدبير آليات للهروب من مصيره المحتوم، وبدهي أيضاً ألا يكون ملتفتاً للمنبر الإعلامي، فكيف سيكون فاسداً، وفضائيته تتحدث عن الإصلاح وتغليظ عقوبة المفسدين، وكيف سيكون سارقاً مجرماً، وفضائيته تتحدث عن التطهير، قمة التناقض.

فالمتوقع إذن أن تنهار منابره الإعلامية كما تنهار إمبراطوريته الفاسدة التي كانت صلبة يوما ما.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن في ظل مكاشفات الفساد هو؛ ما هي تداعيات انهيار منظومة المال الفاسد على الساحة الإعلامية الفاسدة؟.

سؤال غاية في الأهمية، وفيه نقول:
أن من أهم تداعيات سقوط رجال الأعمال الفاسدين ومعهم منابرهم الإعلامية الفاسدة، هو انتهاء عصر أجور و"سبوبات" الإعلاميين ذات الطبيعة المليونية، فلن نسمع بعد الآن عن هذا المذيع الذي يتقاضى ستة عشر مليوناً أو تلك المذيعة التي تتقاضى تسعة ملايين، أو هذا الإعلامي الذي بالكاد يقترب من الثلاثة ملايين، أو تلك الإعلامية التي تنافس كي تضرب المليونين، أو هذا أو ذاك والذين انكشفت سبوباتهم ضمن مسلسل تصفية الحسابات والخصومات بين بعض الاعلاميين .

والسؤال كيف سيدفع لهم رجل الأعمال الفاسد إذن تلك الملايين وهو في السجن؟.

ومن أين سيدفع لهم بعد أن تصادر ثرواته المنهوبة في الأساس من دماء الشعب.

إن البادي لنا أن كل رجال الأعمال الفاسدين لا يفكرون الآن إلا في آلية للخروج من المآزق التي صنعتها لهم شهواتهم.

قد يدافع البعض عن الأجور الخيالية بحجة أنها مرتبطة بالإعلانات المصاحبة لبرامجهم الأكثر شعبية، وهنا نقول أن إشكالية الإعلانات الباهظة في السنوات الأخيرة مرتبطة هي الأخرى في معظمها بعصر رجال الأعمال الذين ارتزقوا في المرحلة البائدة وأثروا بدماء الشعب، وحصلوا على امتيازات خيالية جراء علاقاتهم المريبة ببعض الأجنحة، وقد بدأت التحقيقات في الكشف عن جوانب كثيرة من تلك العلاقات المالية المشبوهة. ومن ثم فإن فاتورة الإعلانات سابقاً تكاد تكون محملة على جوانب فساد أخرى، وحيث أن الفساد انقطع فسينكشف إذن غطاء الإعلانات الوهمي بانقشاع غمة الفساد، وعليه فإنني أتوقع أن خريطة الإعلانات لن تكون كما كانت في سابق عهدها، وبالتالي لن تحظى البرامج الإعلامية بهذا الزخم الإعلاني الذي كانت تتمتع به في السابق.

علاوة على أن الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها البلاد في هذه الأيام، ستجعل كل مستثمر يفكر جلياً قبل أن يضع جنيهاً في إعلان، كما أن الكثرة من أصحاب الشركات حتى ولو كانوا طيبي السمعة سيؤثرون الابتعاد عن الشاشة في الوقت الراهن وبفاتورتها المالية الباهظة التي فرضتها آليات وظروف المرحلة البائدة، حتى لا يلفتون الأنظار إليهم من قبل الخصوم أو حتى المشاهد العادي، الذي قد يتساءل من أين لهذه الشركة بكل هذه الأموال.

ومن ثم يكون الإعلان التلفزيوني بذلك سبباً في وضع المالك في خانة دفاع وشوشرة بدون داع. وعليه يكون الانسحاب من الميدان الإعلاني هو أفضل السبل في تلك المرحلة شديدة الحرج والخطورة، وعليه أيضاً فإن أجور الإعلاميين المرتبطة بالإعلانات ستتهاوى هي الأخرى.

كل ذلك يأتي في توقيت الرأي العام كله مستفز من الرواتب الضخمة ذات الطبيعة المليونية لهؤلاء الإعلاميين، وعليه فحتى ولو كان رجل الأعمال الفضائي مستقيم فإن لم يؤثر الانسحاب من ساحة الظهور والعلن، فاستقامته وظروف البلاد الاقتصادية الصعبة، وأحوال سوق الإعلانات المتهاوي والمصاحبة لتلك الظروف ستجبره على النزول بسقف الرواتب إلى وضعها الطبيعي حيث مهر المثل المحترم.