عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية
النتائج 1 إلى 17 من 17

الموضوع: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    116

    افتراضي عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بالنسبة لمناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني فك الله أسره حول الدعوة النجدية فقد ذكر أن شيخ الإسلام بن تيمية كان يعذر بالجهل في الشرك الأكبر

    ثم وجدت رسالة فيها فوائد كثيرة في الدرر السنية في الجزء العاشر لأحد أئمة الدعوة يرد على هذا القول

    بسم الله الرحمن الرحيم
    من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى جناب الأخ إبراهيم بن عجلان، وفقه الله لطاعته، وهداه بهدايته، آمين; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; والخط وصل وصلك الله إلى خير، وصرف عنا وعنكم كل ضير; وذكرت في خطك أشياء، ينبغي تنبيهك عليها.
    منها قولكم: إن الشيخ تقي الدين بن تيمية، شدد في أمر الشرك تشديدا لا مزيد عليه، فالله سبحانه هو الذي شدده، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} 1 في موضعين من كتابه، وقال عن قول المسيح لبني إسرائيل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} 2 الآية،
    وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 3 الآية، وقال: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 4، وقال سبحانه وتعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} 5.
    ------------------------------------
    1 سورة النساء آية: 48.
    2 سورة المائدة آية: 72.
    3 سورة الزمر آية: 65.
    4 سورة الأنعام آية: 88.
    5 سورة التوبة آية: 5.

    ص -377-
    وفي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من التحذير عن الشرك، والتشديد فيه ما لا يحصى؛ وغالب الأحاديث التي يذكر صلى الله عليه وسلم الكبائر فيها، يبدؤها بالشرك، ولما "سئل صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك" 1. إذا عرف ذلك، تعين على كل مكلف معرفة حد الشرك وحقيقته، لا سيما في هذه الأزمنة التي غلب فيها الجهل بهذا الأمر العظيم.
    والشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن القيم إنما بالغا في بيان هذا الشرك وإيضاحه، لما شهدا من ظهوره في زمنهما، وكثرته في بلاد الإسلام، وبينا بطلانه بالأدلة والبراهين القاطعة الواضحة، كما قال أبو حيان في حق الشيخ:
    قام ابن تيمية في نصر شرعتنا
    مقام سـيد تـيم إذ عـصت مضر
    وأظهر الحق إذ آثاره اندرست
    وأخمد الكفر إذ طارت لـه شـرر
    وقولك: إن هذه الأمور المحدثة، منها ما هو شرك أكبر، ومنها ما هو أصغر، فالأمر كذلك، لكن يتعين معرفة الأكبر، المخرج من الملة، الذي يحصل به الفرق بين المسلم والكافر، وهو عبادة غير الله.
    فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهو المشرك الشرك الأكبر، من ذلك الدعاء الذي هو مخ العبادة،
    ------------------------------------
    1 البخاري: تفسير القرآن (4477) , ومسلم: الإيمان (86) , والترمذي: تفسير القرآن (3182 ,3183) , والنسائي: تحريم الدم (4013 ,4014 ,4015) , وأبو داود: الطلاق (2310) , وأحمد (1/380 ,1/431 ,1/434 ,1/462 ,1/464).

    ص -378-
    كالتوجه إلى الموتى والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وكذلك الذبح والنذر لغير الله. كذلك يتعين البحث عن الشرك الأصغر، فمنه الحلف بغير الله، ونحو تعليق الخرز والتمائم عن العين، وكيسير الرياء في أنواع كثيرة لا تحصى.
    ومن كلام للشيخ تقي الدين، وقد سئل عن الوسائط، فقال - بعد كلام -: وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونهم ذلك، ويرجعون إليهم فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، إلى أن قال: قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} 1 إلى قوله {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} 2.
    وقال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأنبياء، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته، ويخافون عذابه إلى أن قال رحمه الله:
    ------------------------------------
    1 سورة الإسراء آية: 56.
    2 سورة الإسراء آية: 57.

    ص -379-
    فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين، إلى أن قال:
    فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجّاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائجهم، وأن الله إنما يهدي عباده، ويرزقهم وينصرهم، بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب،
    فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا؛ وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى؛ فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، إلى أن قال:
    وأما الشفاعة التي نفاها القرآن، كما عليه المشركون

    ص -380-
    والنصارى، ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء، والصالحين الغائبين، والميتين، قضاء حوائجهم، ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها; ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنْزلة شركاء الملك؛ والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك، انتهى، ملخصا.
    فهذا الذي ذكر الشيخ، رحمه الله، إجماع المسلمين على أن مرتكبه مشرك كافر يقتل، هو الذي زعم داود البغدادي أنه جائز; بل زعم: أن الله أمر به، وأنه معنى الوسيلة التي أمر الله بها، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} 1، وزعم أن الوسيلة التي أمر الله بها، أمر إيجاب، أو استحباب، بطلب الحاجات، وتفريج الكربات، من الأموات والغائبين.
    وزعم أن الشرك هو السجود لغير الله فقط، وأن دعاء الأموات، والغائبين، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، ليس بشرك، بل هو مباح; ثم زاد على ذلك بالكذب على الله، وعلى رسوله، وزعم أن الله أمر بذلك، وأحبه; لم يقتصر على دعوى إباحة ذلك، بل زعم: أن الله أمر عباده المؤمنين، أن يقصدوا قبور
    ------------------------------------
    1 سورة المائدة آية: 35.

    ص -381-
    الأموات، ويسألوهم قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم.
    فسبحان الله! ما أجرأ هذا على الافتراء والكذب على الله؟ فلو أن إنسانا ادعى إباحة بعض صغائر الذنوب، كأن يزعم أنه يباح للرجل تقبيل المرأة الأجنبية، لكان كافرا بإجماع المسلمين، وإن زاد على ذلك، بأن قال: إن الله يحب ذلك ويرضاه، فقد ازداد كفرا على كفره، فكيف بمن زعم أن الله أباح الشرك الأكبر؟ ثم زاد على ذلك بأن قال: إن الله أمر به وأحب من عباده المؤمنين أن يسارعوا إليه؟ ما أعظم هذه الجراءة!
    ومن كذبه على الله، زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، حتى مفاتيح الغيب الخمس يزعم أن الله أطلعه عليها; وكلام شيخ الإسلام في هذه المسألة كثير، لا يخلو غالب مصنفاته من الكلام عليها; وذكر رحمه الله تعالى، عن بعض علماء عصره أنه قال: هذا من أعظم ما بينته لنا.
    وذكر رحمه الله، في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج، قال: وإذا كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قد مرق من الدين، مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق أيضا; وذلك بأمور; منها: الغلو الذي ذمه الله، كالغلو في بعض المشائخ، مثل: الشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.

    ص -382-
    فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.
    فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، والمسيح، وعزير، والصالحين، لم يكونوا يعتقدون: أنها ترزق، وتدبر أمر من دعاها، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله; فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استعانة; وكلامه رحمه الله في هذا الباب كثير.
    وكذلك ابن القيم، رحمه الله تعالى، بالغ في إيضاح هذا الأمر، وبين بطلانه، كقوله في "شرح المنازل": ومنه - أي الشرك -: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، فإن هذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن يستغيث به، ويسأله أن يشفع له، انتهى; وهذا الذي قال: إنه أصل شرك العالم، هو الذي يزعم داود: أن الله أمر به؛ تعالى الله عما يقول المفترون علوا كبيرا.

    ص -383-
    وقال ابن القيم في "الهدي" في فوائد غزوة الطائف: ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، ولا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة عليها البتة. قال: وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، وكذا الأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالتها; وكثير منها بمنزلة اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها؛ والله المستعان.
    ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم؛ اتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم، حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم.
    وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل

    ص -384-
    العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية، بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، انتهى. فانظر قوله في المشاهد التي بنيت على القبور، كونها اتخذت أوثانا وطواغيت، وربما ينفر قلب الجاهل من تسمية قبر نبي، أو رجل صالح وثنا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" 1؛ فهذا الحديث ينبئ أنه لو قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة له، كان قاصده بذلك قد اتخذه وثنا، فكيف بغيره من القبور؟.
    وقوله رحمه الله: وكثير منها بمنْزلة اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها; صدق رحمه الله، لما شاهدنا في هذه الأزمنة من الغلو والشرك العظيم، من كون كثير من الغلاة عند الشدائد في البر والبحر، يخلصون الدعاء لمعبوديهم، وكثير منهم ينسون الله عند الشدائد، كما هو مستفيض عند الخاصة والعامة.
    وقد أخبر الله عن المشركين الأولين أنهم يخلصون الدعاء له سبحانه وتعالى، وينسون آلهتهم، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 2، {وَإِذَا
    ------------------------------------
    1 أحمد (2/246).
    2 سورة العنكبوت آية: 65.

    ص -385-
    مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} 1.
    وقال: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} 2، {وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً} 3؛ فهذا إخباره سبحانه عن المشركين، الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن الشرك، ويأمرهم بالتوحيد، وغالب مشركي أهل هذا الزمان، بعكس ذلك.
    وقول ابن القيم، رحمه الله: وغلب الشرك على أكثر النفوس، وسبب ذلك كله ظهور الجهل وقله العلم، فهذا قوله فيما شاهده في زمانه ببلاد الإسلام، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ وفي الحديث: "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه" 4؛ قال ابن مسعود: "لا أقول: زمان أخصب من زمان، ولا أمير خير من أمير، ولكن بذهاب خياركم وعلمائكم"، فكيف لو شاهد من يقول: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات؟ ويقول: إنما الشرك هو السجود لغير الله لا غير؟ كما قال ذلك داود البغدادي مشافهة لي.
    ------------------------------------
    1 سورة الإسراء آية: 67.
    2 سورة الأنعام آية: 40-41.
    3 سورة الزمر آية: 8.
    4 البخاري: الفتن (7068) , والترمذي: الفتن (2206) , وأحمد (3/179).

    ص -386-
    فيلزمه: أن قصد المشركين الأولين لآلهتهم، كاللات والعزى ومناة، وكذلك هبل، إذا طلبوا الحاجات منها، وكشف الكربات، والتقرب إليها بالنذور، والذبائح، أن هذا ليس بشرك، إذا لم يسجدوا لها، فيا سبحان الله! كيف يبلغ الجهل بمن ينتسب إلى علم إلى هذه الفضيحة؟!
    وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه; قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.
    قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع، من إيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب أهلها بالحوائج، وكتابة الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، والقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى.
    وقولك: إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان: إن من فعل هذه الأشياء، لا يطلق عليه أنه كافر مشرك، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام أو نائبه،

    ص -387-
    فيصر; وأنه يقال: هذا الفعل كفر، وربما عذر فاعله، لاجتهاد، أو تقليد، أو غير ذلك، فهذه الجملة التي حكيت عنهما، لا أصل لها في كلامهما.
    وأظن اعتمادك في هذا، على ورقة كتبها داود، ونقل فيها نحوا من هذه العبارة، من اقتضاء الصراط المستقيم، للشيخ تقي الدين، لما قدم عنيزة المرة الثانية، معه هذه الورقة، يعرضها على ناس في عنيزة، يشبه بهذا، ويقول: لو سلمنا أن هذه الأمور التي تفعل عند القبور شرك، كما تزعم هذه الطائفة، فهذا كلام إمامهم ابن تيمية، الذي يقتدون به، يقول: إن المجتهد المتأول، والمقلد، والجاهل، معذورون، مغفور لهم فيما ارتكبوه.
    فلما بلغني هذا عنه، أرسلت إليه وحضر عندي، وبينت له خطأه، وأنه وضع كلام الشيخ في غير موضعه; وبينت له: أن الشيخ إنما قال ذلك في أمور بدعية، ليست بشرك، مثل تحري دعاء الله عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبعض العبادات المبتدعة، فقال في الكلام على هذه البدع: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه; وهذا باب واسع.
    وعامة العبادات المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها

    ص -388-
    مشروعة، ثم العالم قد يكون متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا فيغفر له خطؤه، ويثاب على فعله من المشروع، المقرون بغير المشروع، فهذا كلامه في الأمور التي ليست شركا.
    وأما الشرك، فقد قال رحمه الله: إن الشرك لا يغفر، وإن كان أصغر; نقل ذلك عنه تلميذه صاحب الفروع فيه، وذلك - والله أعلم - لعموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} 1، مع أن الشيخ رحمه الله، لم يجزم أنه يغفر لمن ذكرهم، وإنما قال قد يكون.
    وقد قال رحمه الله، في "شرح العمدة" لما تكلم في كفر تارك الصلاة، فقال: وفي الحقيقة: فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر، دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين، من الأخبار والأوامر، يعني: فإنه لا يقال قد يعفى عنه.
    وقال رحمه الله، في أثناء كلام له، في ذم أصحاب الكلام، قال: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، له نهمة في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة فيهم كثيرا، كالنفاق؛ وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم
    ------------------------------------
    1 سورة النساء آية: 48.

    ص -389-
    تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها.
    لكن يقع ذلك في طوائف منهم، في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداة المشركين، وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش، والربا والميسر، ونحو ذلك.
    وقولك: إن الشيخ يقول، إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية، كما قدمنا من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها; فلم يجزم بعد كفره، وإنما قال: قد يقال.
    وقوله: قد يقع ذلك في طوائف منهم، يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى، يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، يعني: فهذا لا يمكن أن يقال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي

    ص -390-
    عن عبادة غيره، هو ما نحن فيه، قال تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} 1.
    وقوله رحمه الله: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك، حكي لنا عن غير واحد من اليهود في البصرة، أنهم عابوا على المسلمين ما يفعلونه عند القبور، قالوا: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن لم يأمركم فقد عصيتموه؛ وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الأصول، الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 2، أي: يعبدوني وحدي.
    وهو الذي أرسل به جميع الرسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 3، والطاغوت: اسم لكل ما عبد من دون الله، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 4.
    وكل رسول أرسله الله، فأول ما يدعوهم إليه هذا التوحيد، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 5 {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 6، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا
    ------------------------------------
    1 سورة النساء آية: 165.
    2 سورة الذاريات آية: 56.
    3 سورة النحل آية: 36.
    4 سورة الأنبياء آية: 25.
    5 سورة الأعراف آية: 59.
    6 سورة الأعراف آية: 65.

    ص -391-
    قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 1، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 2.
    فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهذا هو الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 3؛ فمن زعم أن الله يغفره، فقد رد خبر الله سبحانه.
    وحد العبادة وحقيقتها: طاعة الله; فكل قول وعمل ظاهر وباطن يحبه الله فهو عبادة، فكل ما أمر به شرعا، أمر إيجاب، أو استحباب، فهو عبادة؛ فهذا حقيقة العبادة عند جميع العلماء، التي من جعل منها شيئا لغير الله فهو كافر مشرك.
    ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة، قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة؛ ومن المعلوم: أنه لم يوقعهم ما وقعوا فيه إلا الجهل، وهل صار الجهل عذرا لهم؟ يوضح ما ذكرنا: أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه: باب حكم المرتد، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه.
    وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من أشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم
    ------------------------------------
    1 سورة الأعراف آية: 73.
    2 سورة الأعراف آية: 85.
    3 سورة النساء آية: 48.

    ص -392-
    أنواع الكفر، ولم يقولوا إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما "سئل: أي الذنب أعظم إثما عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك" 1. فلو كان الجاهل أو المقلد، غير محكوم بردته إذا فعل الشرك، لم يغفلوه؛ وهذا ظاهر.
    وقد وصف الله سبحانه، أهل النار بالجهل، كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} 2، وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} 3 وقال: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِين َ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} 4.
    وقال تعالى: {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} 5، قال ابن جرير - عند تفسير هذه الآية -: وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور؛ ومن المعلوم: أن أهل البدع الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد، ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلا الجهل.
    ------------------------------------
    1 البخاري: تفسير القرآن (4477) , ومسلم: الإيمان (86) , والترمذي: تفسير القرآن (3182 ,3183) , والنسائي: تحريم الدم (4013 ,4014 ,4015) , وأبو داود: الطلاق (2310) , وأحمد (1/380 ,1/431 ,1/434 ,1/462 ,1/464).
    2 سورة الملك آية: 10.
    3 سورة الأعراف آية: 179.
    4 سورة الكهف آية: 103-104.
    5 سورة الأعراف آية: 30.

    ص -393-
    والذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، هل آفتهم إلا الجهل؟ ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِي نَ} 1؛ وقد قال الله تعالى عن النصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} 2 الآية. "قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: ما عبدناهم، قال: أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى; قال: فتلك عبادتهم" 3، فذمهم الله سبحانه، وسماهم مشركين، مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل.
    ولو قال إنسان عن الرافضة في هذا الزمان: إنهم معذورون في سبهم الشيخين وعائشة، لأنهم جهال مقلدون، لأنكر عليهم الخاص والعام. وما تقدم من حكاية شيخ الإسلام رحمه الله، إجماع المسلمين على: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، أنه كافر مشرك، يتناول الجاهل وغيره، لأنه من المعلوم أنه إذا كان إنسان يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمن بالقرآن، ويسمع ما ذكر الله سبحانه في
    ------------------------------------
    1 سورة الجاثية آية: 32.
    2 سورة التوبة آية: 31.
    3 الترمذي: تفسير القرآن (3095).

    ص -394-
    كتابه، من تعظيم أمر الشرك، بأنه لا يغفره، وأن صاحبه مخلد في النار، ثم يقدم عليه وهو يعرف أنه شرك، هذا مما لا يفعله عاقل، وإنما يقع فيه من جهل أنه شرك؛ وقد قدمنا كلام ابن عقيل، في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور، نقله عنه ابن القيم متحسنا له.
    والقرآن يرد على من قال: إن المقلد في الشرك معذور، فقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله تعالى عن المقلدين من أهل النار {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} 1، وقال سبحانه حاكيا عن الكفار قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} 2.
    وفي الآية الأخرى {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} 3، واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد، والرسالة، وأصول الدين، وأن فرضا على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين، لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة ولله الحمد، لا يختص بمعرفتها العلماء.
    وقولك: حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام
    ------------------------------------
    1 سورة الأحزاب آية: 67.
    2 سورة الزخرف آية: 22.
    3 سورة الزخرف آية: 23.

    ص -395-
    أو نائبه، معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنا من كان.
    ومقتضى هذا: أن من ارتكب أمرا محرما، شركا فما دونه بجهل، وبين له من عنده علم بأدلة الشرع أن ما ارتكبه حرام، وبين له دليله من الكتاب والسنة، أنه لا يلزمه قبوله، إلا أن يكون ذلك من إمام أو نائبه، وأن حجة الله لا تقوم عليه، إلا أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه.
    وأظنك سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين، وقلدته فيه، ما فطنت لعيبه; وإنما وظيفة الإمام أو نائبه: إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله، كالمرتد في بلاد الإسلام.
    وأظن هذه العبارة مأخوذة، من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة: أنه لا يقتل حتى يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها؛ والدعاء إلى فعل شيء، غير بيان الحجة على خطئه أو صوابه، أو كونه حقا أو باطلا بأدلة الشرع; فالعالم مثلا: يقيم الأدلة الشرعية على وجوب قتل تارك الصلاة، ثم الإمام أو نائبه يدعوه إلى فعلها، ويستتيبه.
    وقولك: إنك رأيت كثيرا من هذه الأمور التي نقول إنها شرك، ظاهرة في الشام، والعراق، والحجاز، ولم

    ص -396-
    تسمع منكرا; فمن رزقه الله بصيرة بدينه، ما راج عليه ذلك؛ والمتعين على الإنسان معرفة الحق بدليله، فإذا عرف الحق بالأدلة الشرعية، عرض أعمال الناس عليه، فما وافق الحق عرفه وقبله، وما خالفه رده، ولا يغتر بكثرة المخالف.
    "قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أترى أننا نظن أنك على الحق، وفلانا على باطل؟ فقال علي: ويحك يا فلان! الحق لا يعرف بالرجال; اعرف الحق، تعرف أهله"
    وقد سبق كلام ابن القيم، في وصفه لزمانه، وقوله: غلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء; هذا وصفه لزمانه، فما ظنك بأهل زمان بعده بخمسمائة عام؟
    لأنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، بخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم مع قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة" 1 مع أننا قد سمعنا، وبلغنا عن كثير من علماء الزمان، إنكار هذه البدعة الشركية، سمعنا في الحرمين واليمن، وبلغنا عن أناس في مصر والشام، إنكار هذه المحدثات، لكن همتهم تقصر عن إظهار ذلك،
    ------------------------------------
    1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456) , ومسلم: العلم (2669) , وأحمد (3/84 ,3/89).

    ص -397-
    لأن عمارة هذه المشاهد الشركية، أكثرها من تحت أيدي ولاة الأمور، وأهل الدنيا، ووافقهم على ذلك، وزينه لهم بعض علماء السوء; وبسبب ذلك: استحكم الشر، وتزايد، والشر في زيادة، والخير في نقصان.
    وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائها وفقهائها"؛ فما أصدق قول عبد الله بن المبارك، رحمه الله تعالى:
    وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
    ومما يبين لك عدم الاغترار بالكثرة، أن أكثر هذه الأمصار التي ذكرت، مخالفون للصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام - خصوصا الإمام أحمد ومن وافقه - في صفات الرب تبارك وتعالى، يتأولون أكثر الصفات، بتحريف الكلم عن مواضعه.
    من ذلك، قولهم: إن الله لا يتكلم بحرف وصوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويقولون: الإيمان مجرد التصديق; وكلام السلف والأئمة في ذم أهل هذه المقالات كثير; وكثير منهم صرح بكفرهم; وأكثر الأئمة ذما لهم وتضليلا: الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأفاضل أصحابه بعده.

    ص -398-
    وأكثر أهل هذه الأمصار اليوم، على خلاف ما عليه السلف والأئمة; ومن له بصيرة بالحق، لم يغتر بكثرة المخالف، فإن أهل الحق هم أقل الناس فيما مضى، فكيف بهذه الأزمان التي غلب فيها الجهل، وصار بسبب ذلك المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟
    نسأل الله أن يهدينا وإخواننا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وصلى الله على محمد.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    281

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    أشكر الأستاذ أبا موسى على إفاداته، وأعده بإيصالها إلى الأخ فك الله أسره، وليعلم الواقف عليه أننا ككتانيين لنا علاقات وطيدة مع أئمة الدعوة النجدية منذ نحو مائة عام إلى الآن، علاقات ود واحترام وتعاون متبادل لنصرة الإسلام والمسلمين...وأن المناقشة لا تعني المصارعة، فيا ليت الناس يناقشوننا بما في كتبنا بأدب واحترام وعلم، ونناقشهم نحن كذلك بأدب واحترام وعلم، ومن رأى الحق يرجع إليه، إذ إن أصل الدعوة وهي إحياء السنن وإماتة البدع متفقون عليها، والتفاصيل من ترجح له أمر وله حجة من الشريعة على القواعد العلمية، فلا بأس بذلك، والاختلاف رحمة ما لم يكن في الأصول كما نص عليه العلماء...

    كما أعلم الأخوة أن "الأجوبة الوفية" و"نظرات في الدعوة النجدية" هما مختصران لكتاب كبير في الموضوع، فحبذا من له تعليق أو تصحيح خطأ في الكتابين المذكورين أن يفيدنا به قبل طباعة الكتاب المذكور، إرجاعا للحق إلى نصابه، وتبيينا لسبيل الرشاد والجنة الذي كلنا يهفو إليه...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    355

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    مهلا يا حمزة, ما دام الأمر كما تقول فأعطنا فرصة حتى تتبلور الأفكار في نقاط مركزة, لأن أخيك ليس في حالة - فيما أظن - تسمح بقراءة الكلام المطول فضلا عما في التطويل من تشتيت الفكرة, فدعنا نتباحث قبل أن تعجل برفع شيء إليه

    إن شاء الله سأقف وقفات مع الكتابين وأضعها هنا, أسأل الله أن ييسر ذلك..

    أما أبا موسى فشكر الله لك جهدك, ولكن حبذا لو تقتصر من النقول على موطن الشاهد, وتحاول أن تركز الكلام وتجتنب التطويل, لأني لا أخفيك أني عندما رأيت طول النقول انكففت عن القراءة, والوقت ليس بأيدينا أخي الفاضل
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    355

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد

    فقبل أن أبدأ الوقفات ألفت انتباه الإخوة إلى هذه الإضاءة من كلام الشيخ:

    " كذلك يذكر الشوكاني في رسائله عن بوادي اليمن أنهم عادوا للجاهلية الأولى.
    و هو ما ذكروه عن بادية نجد زمن الإمام ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فلما ظهر الشيخ جدد الله به قرونًا. فإنه منذ وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية سنة 728ﻫ بدمشق الشام، لم يظهر عالم مجدد بهذه القوة و التأثير. "
    وقوله: " فلست ممن يقلل من قيمة الدعوة النجدية و لا علمائها الأجلاء، رحمهم الله تعالى، بل هي تجربة تجديدية ناجحة، كان لها تأثير كبير جدًّا في إحياء منهاج السَّلف أئمة السنة و قادة الجماعة، و بعث طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية من جديد.
    و لئن كان للمتقدين أخطاء، فقد عمل المتأخرون على تفاديها، و لا شك أن الفضل دومًا للمتقدم. " انتهى من كلام حسن الكتاني


    ثم أنبه إلى أني أترك كثيرا من الأمور دون أن أقف معها لأسباب مختلفة منها أنه لم يتحرر عندي أو أني أوافق الشيخ في بعض ما ذهب إليه, وإن كان لا يلزم من السكوت الموافقة أو المخالفة, فعلى القراء أن لا يظنوا أني تتبعت كل الكتاب ووقفت مع كل ما لا يرضى فيه

    كما أنبه إلى أني تركت الثناء على الكتاب وتعداد محاسنه واكتفيت من ذلك بالإجمال, لأن الوقت يضيق عن ذلك, وإلا فقد حوى الكتاب فوائد وتنبيهات تستحق الإشادة والثناء

    الوقفة الأولى: تجويز الشيخ التحاكم للمحاكم الوضعية عند الاضطرار.

    وهذا قول انتشر بين المعاصرين, وقد بين الله في كتابه كفر المتحاكم للطاغوت, ومعلوم أن الكفر إنما يرخص في ارتكابه للمكره دون المضطر, وذلك لقوله تعالى: { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }

    فإن قيل: من أين لك أن التحاكم كفر بالله وليس مجرد محرم تبيحه الضرورة, قلت:

    قد دلت أدلة كثيرة على ذلك, وقد كتبت في ذلك وناقشت فيه بعض الإخوة, ولضيق المقام أكتفي بالاستدلال بآية النساء الواضحة الدلالة على هذا الحكم, إذ قال تعالى:

    ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدا ).

    ومن أوجه دلالة هذه الآية ما يلي:

    1- أن الله جل وعلا أضاف في هذه الآية ذكر التحاكم للطاغوت, والطاغوت ما عبد من دون الله, فدل على أن التحاكم للطاغوت عبادة له من دون الله.

    2- أن الله جل وعلا سمى ادعاء المتحاكم الإيمان زعما, والزعم الكذب, فدل على أن التحاكم ينقض الإيمان ويصيره زعما لا حقيقة له.

    3- دل قوله تعالى { وقد أمروا أن يكفروا به } على أن من تحاكم إلى الطاغوت لم يكفر به, ومن لم يكفر بالطاغوت فهو مؤمن به كافر بالله تعالى.

    فنقد الشيخ لأئمة الدعوة في تحريمهم هذه المسألة كابن سحمان وغيره ممن تكلم عنها وحرمها حتى لو اضطر الإنسان وذهبت عليه الدنيا بأسرها ليس في محله, ولكن الذي يقال: أن تكفير من تحاكم لتلك المحاكم وهو يظن أن اضطراره سبب في ترخيص الشرع له ذلك التحاكم ليس بصواب, بل ظن المتحاكم هذا تأويل سائغ, ووجه كونه سائغا أنه مبني على اعتقاد المتحاكم أنه مرخص له من قبل الشرع في تحاكمه حال الضرورة قياسا على ترخيص الشارع المحرمات للمضطر, وهذا القياس يجعل المتحاكم يحمل على نفسه نصوص الترخيص في المحرمات دونما يشعر أنه يرتكب الكفر بغير رخصة, لا سيما والفرق بين المكره والمضطر الذي إن علم بطل هذا القياس هو في وجود المُكرِه, وأما الضرر الذي يقع على المكره أو المضطر فليس موضعا للتفريق بين الاضطرار والإكراه عند كثير من أهل العلم, فملاحظة هذا الفرق قد لا تلوح للمتأول فيتوهم التسوية ويظن أن قياسه صحيح وأنه محل للرخصة كالمضطر المترخص في المحرم, وهذا من التأويل الذي تفشى بين عامة العلماء فضلا عن العوام, فكيف يستمرأ تكفيرهم والحالة هذه

    هذا على اختصار, ومن أرد الرجوع لمزيد من التفصيل فأحيله على هذا الرابط:

    /t3057-6/#post71858

    الوقفة الثانية: في مناقشة كلام له حول إقامة الحجة ببلوغ القرآن

    قال فرج الله عنه: ( و المشركون و غيرهم من سائر طوائف الكفر إنما قامت عليهم الحجة برسول الله e و من قبله من الأنبياء لأنهم كانوا مؤيدين بالمعجزات و البراهين القاطعة، كما قال النبي e: «ما من نبي إلا قد أوتي ما على مثله آمن الناس، و لقد كان ما أوتيته وحيًا يتلى». و ليس كذلك حال مسلم متلبس بأمور شركية قد شاب عليها الصغير و هرم عليها الكبير، و جماهير علماء القرون المتأخرة لا يشددون فيها، ثم يأتي عالم أو طالب علم فينصح الناس فينكرون عليه إما لأنه لم يحسن أسلوب النصح أو لم يحسن في توضيح حجته، أو لأن مقابله له حجج و شبه لم تحل، أو يقلد عالمًا كبيرًا على خطئه، أو عنده غباء و بلادة لم يفهم معها الحجة.

    فكيف يقال مع هذا إن مجرد قراءة القرآن كافية في إقامة الحجة؟!! هذا ما قاله أحد من قبل، فإنه لا يوجد أحد من المسلمين ينكر القرآن، إنما الشأن في فهم حجته و دلالته على المطلوب ) انتهى كلامه.

    المناقشة: قال تعالى { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }, فبعثة الرسل قامت بها الحجة على الناس, ولذا فبعثة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن - الذي هو أعظم المعجزات الخالدة الذي قامت به الحجة وتقوم في كل زمان ومكان - هي حجة على الناس إلى يوم القيامة, ولا معنى لقول الشيخ : ( و المشركون و غيرهم من سائر طوائف الكفر إنما قامت عليهم الحجة برسول الله ) فإن مشركي زماننا كذلك قامت عليهم الحجة برسول الله ببلوغ دينه لهم ووجود القرآن بين ظهرانيهم, وهم مآخذون على ترك تعلم الدين والإعراض عن كتاب الله, ولا ينفع الإنسان الجهل إذا كان عن تفريط في دفعه وتحصيل أسباب العلم, وأما من عجز عن ذلك فله شأن آخر.

    وأما إنكار الشيخ كون قراءة القرآن وحدها كافية في إقامة الحجة, فما الذي يقيم الحجة على الناس إذا إذا لم يقمها القرآن, سبحان الله يا لهذا الكلام إن في النفس منه لوحشة, وهل لأحد عذر وقد وصفه الله بأنه واضح البيان ميسر لمن قرأه, ولكن هؤلاء لا يتدبرون ولا يتفكرون ولا يجهدون أنفسهم أن يتعلموا, وغاية ما يعللون به ذلك أنهم يتبعون آبائهم وما وجدوه عليهم, وأنهم يتبعون فلانا وفلانا ممن أفتاهم, والله جل شأنه أوضح التوحيد وضده في القرآن بحيث يكون علمه ظاهرا يشترك فيه العالم والعامي, فليس لمن أعرض عنه مع وضوحه حجة, والقول بغير هذا هو تشكيك في وضوح دلالته, وهل تحريم الشرك أصبح ظني الدلالة أو من المتشابهات حتى لا تقوم الحجة فيه بقراءة القرآن

    وأما قول الشيخ بعد ذلك: ( و أما الذين ينكرون العذر بالجهل في أصل الدين فهؤلاء قد خالفوا منهاج أهل السنة و الجماعة، فإن أول من قسم الدين إلى أصول و فروع هم المعتزلة ثم تابعهم المتكلمون الأشاعرة و غيرهم.

    أما أهل السنة فقد نصوا على أن كل من أخطأ عن اجتهاد مع بذل وسعه في معرفة الحق، أو قلد إمامًا لكونه ليس من أهل الاجتهاد، فهو معذور ) انتهى كلامه فرج الله عنه

    يناقش من وجهين:

    الوجه الأول: أن أئمة الدعوة حسب قرائتي وفهمي لكلامهم لا يعتدون بالتقسيم إلى أصول وفروع, بل يقسمون المسائل إلى ظاهرة وخفية, والظاهرة تكون في ما يسميه المتكلمون الفروع كما تكون في الأصول, وذلك كوجوب الصلاة فإنها ظاهرة, والخفية في المقابل تكون في الأصول والفروع كبعض مسائل الصفات مثلا.. وهذا عجيب من الشيخ حسن, ووجه العجب أن من الواضح أن الشيخ له قراءات في كتب أئمة الدعوة فكيف يغلط عليهم مثل هذا الغلط !

    ثم وجدته يقول في كتابه المسمى بالنظرات:

    " قال أبو محمد: و هذه المسألة نفسها لا يمكن ضبطها و النجديون أنفسهم لم يضبطوها، فإنهم يقولون إن الأصول هي المسائل الواضحة التي لا يعذر أحد فيها بالجهل، ثم يخرجون منها مسائل من السحر كالصرف و العطف، مع أنها واضحة في القرآن، قال تعالى: ﴿و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء و زوجه﴾.

    و كل من كان له خبرة بالمجتمعات يتبين له أن ما هو عنده معلوم من الدين بالضرورة هو عند غيره لا يخطر له على بال لعموم الجهل في المجتمعات و ندرة العلماء الربانيين القائمين بما أوجب الله عليهم من تبليغ رسالات الله تعالى، مع سعي أعداء الإسلام في محاربة الله و رسوله و إبعاد المسلمين عن شريعتهم. فكيف نجعل أمورًا لا يعلمها غالب الناس من المعلوم ضرورة من الدين؟! هذا عين الظلم لعباد الله تعالى " انتهى كلامه

    أقول: ليس هذا بمرضي يا أبا محمد, فإن الأصول والفروع عند المتكلمين غير المسائل الظاهرة والخفية عند أئمة الدعوة النجدية, فأئمة الدعوة يعلقون الإعذار بالجهالة بالظهور والخفاء ولو كان في أصول الدين أو فروعه على حد السواء, وأما المتكلمون فلا يعذر في ما يسمونه الأصول ولو حصل فيها خفاء على المعين, وهذا فرق كبير ترتب على عدم ملاحظتك إياه أن ركبت كلام العلماء في هذا التقسيم على التقسيم الصحيح الذي قالت به أئمة الدعوة.

    أما نقدك لمسألة العطف, فلا شك أن الآية التي أوردت واضحة في كون ما يفرق به بين المرء وزوجه محرم, ولكن ظهور هذا الحكم ليس كظهور حكم التوحيد الذي هو القضية الأساسية في كتاب الله التي تتكرر بمختلف الأساليب والصيغ والقصص وغير ذلك مما سقطع كل الحجج ويخاطب كل الأفهام

    فإن لم يستقم لك هذا الجواب, وجعلت هذا تناقضا من أئمة الدعوة فليكن, ولكن ليس لك أن تبطل تقسيمهم بمجرد مخالفتهم إياه, بل نقول بالتقسيم ونبطل المخالفة لا العكس

    وأما ما أشرت إليه من أن الظهور والخفاء نسبي يختلف بالأزمنة والأمكنة فمسلم, ولذلك نصوا على عذر حديث العهد بالإسلام ومن نشأ في بادية بعيدة, ولكن الذي استشكلته كثيرا وطرحته على بعض الإخوة هو أن مناط العذر إن كان هو الخفاء فلا معنى لقصره على بعض الصور والجمود عليها إن تحقق في صور أخرى, فيكون الخفاء الذي يوجد معه الجهل الذي يعجز المكلف عن دفعه عذرا متى وجد, ويدور معه الحكم وجودا وعدما.

    الوجه الثاني: أن الشيخ قيد عذر المخطأ ببذل الوسع, وهذا من أقوى ما يرد عليه من نفس كلامه, إذ بذل الوسع في تحصيل العلم بالتوحيد مع بلوغ القرآن لا يمكن أن يقال أن صاحبه لا يعلم الحق, وإلا كان القرآن ليس بحجة على الناس في التوحيد, وإنما يؤتى المشركون اليوم من إعراضهم عن القرآن وترك بذل الوسع في فهمه, أو اتباعهم للهوى والأرباب التي يعبدونها باتباعها في التحليل والتحريم ولو خالفت كتاب الله بلا مبالاة.

    الوقفة الثالثة: في ما يوهم التسوية بين من بدل الشرع أو بعضه من العثمانيين وبين أئمة الجور ممن قبلهم

    قال فرج الله عنه: " و ليس العثمانيون أول من عبث بالحدود و تجاوزها، بل منذ العهد الأموي و كثير من ملوك المشرق و المغرب يعبثون بالحدود باسم السياسة، و طالما أنكر ذلك أهل العلم عدوه تجاوزًا لكتاب الله و خروجًا عن الجادة، غير أنهم ما كانوا يكفرون الملوك لكونهم كانوا متأولين، كما تأول الصوفية فأدخلوا البدع بحجة الذوق و الفقهاء بحجة القياس والرأي و الاستحسان، و لو تعمدوا مجاوزة الحدود الشرعية و تعطيل كتاب الله دون تأويل لكفروا... " انتهى كلامه فرج الله عنه

    أقول: ليته أكتفى بما قاله أول الكتاب في تجاوزات أئمة الجور:

    " ولكن كان بعض ملوك الجور يتجاوزون الشرع بما يسمونه «سياسة» فيردعهم العلماء ويبينون لهم انحرافهم، على أن ذلك كان ضربا من الهوى والتأويل، ولم يكن قانونا تلزم به محاكم المسلمين، فإنه لم ينصب قط في ديار الإسلام قضاة يحكمون بغير شريعة الإسلام "

    الوقفة الرابعة: قوله: " و من أعظم أخطاء النجديين حملهم لآيات و أحاديث وردت في الكفار الأصليين و إجراؤها على المسلمين " انتهى كلامه فرج الله عنه

    أقول: متى تحقق المناط وحكم بالردة على طائفة دون غلو فإن تلك الآيات تحمل عليهم, وهم عند ذلك أردى من الكفار الأصليين, ألا ترى أن الأصلي قد يعصم دمه دون المرتد

    إذا تقرر هذا يبقى الكلام في تحقق المناط وينحصر الخلاف في توسيع وتضييق العذر بالجهل, ولا مدخل لاتهام من يرى تحقق المناط بلا غلو في أن يرمى بالغلو في حمل نصوص الكفار الأصليين على من يعتقدهم مرتدين

    ولا يخفى أن الفرق كبير بين من يكفر بالكبيرة ويحمل أحكام الكفار على فاعلها وبين من يكفر بناقض مع اعتقاده تحقق المناط في المعين, وليس من العدل التسوية بين الإثنين, ففرق بين تنزيل نصوص في غير منزلتها بتنزيلها على مرتكب الكبيرة وبين تحقيق المناط والخطأ فيه, أو قل بين تخريج المناط وتحقيق المناط, فمناط التكفير الكفر, ومن جعل مناطه الكبيرة كان من الخوارج, وليس كمن جعل مناطه الناقض الصريح ثم اجتهد في تحقيق في المعين فقال بكفره وحمل نصوص الكفر عليه.

    --------------------- يتبع إن شاء الله ------------
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    175

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    جزاكم الله خيرا.
    أعجبني ما في هذا الموضوع من الأدب والعلم، فلذلك أحببت المشاركة، لأنني لا أطيق ذلك إذا انعدم أحد هذين أو كلاهما.
    أريد أن أنبه على أمور لا بد منها:
    - أولها : أن الشيخ الحسن الكتاني سني سلفي، أصوله هي أصول أهل السنة والجماعة، نعرف عنه ذلك يقينا لا شك فيه. وله اختيارات في أمور ليست من الأصول يوافق على بعضها، ويخالف في بعضها الآخر. فمناقشته ينبغي أن تكون على هذا الأساس، لا كما يكون النقاش مع بعض المبتدعة وأهل الضلال.
    - والثاني: هذه الأقوال التي في الكتاب ليست جديدة، بل هي آراء كنا نعرفها عنه منذ سنوات، فليست شيئا مستحدثا، جد لأجل ظروف معينة.
    - الثالث: لا بد من مراعاة الظروف الخاصة التي يمر بها الشيخ، والتي تمنعه من كثير من التوثيق والإفاضة في البحث.

    وأرجو ألا يتسرع الشيخ في إخراج الكتاب الكبير إلا بعد أن يحيط بما سيذكر هنا وفي غير هذا المكان من الانتقادات والتوجيهات.
    والله أعلم.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    23

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    جزاكم الله خيرا.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    241

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    السلام عليكم
    أنا من أعرف الناس بالشيخ حسن الكتاني -فرج الله عنه-،ومن أعلمهم بحرصه على اتباع السنة،والسير على جادة السلف،ونبذه للتعصب،ولو كان متعصبا لتعصب لآبائه وأجداده،مع أنه يخالفهم في كثير من أمورهم وأحوالهم،كما ينبغي عند مناقشته حتى ولو كان مخطئا معرفة فضله وسابقته،ودفاعه عن قضايا المسلمين،حتى كلفه ذلك حريته وحكم بعشرين سنة ظلما وعدوانا،ورأيه هذا أعلمه عنه منذ سنوات عديدة،وقبل أسره بمدة طويلة،حتى لا يظن أحد أن للأسر دخل في ذلك،فرجاء أيها الإخوة شيئا من الأدب،والعائلة الكتانية مهما قيل فيها لها فضل على الأمة،يعرف ذلك أهل العلم،فالمناقشة يجب أن تكون بهدوء،والشيخ كما أعلمه عنه منصاع للحق،وإن مما أذكره عنه أني ناقشته في كثير من المسائل،وناطحته بالدليل،فرجع للحق خانعا خاضعا،فاعرفوا للرجل حقه،وادعوا له ولإخوانه بالفك من الأسر.
    وجزى الله الشيخ عصام البشير على تدخله،وإن كان متأخرا،فهو من أعلم الناس بالشيخ وكان من أقربهم له ،ومن واجبه الذب عنهن.
    حفظكم الله وبارك فيكم.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    487

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء .
    الشيخ حسن الكتاني فرج الله عنه له آراء خاصة وتحليلات علمية حول الدعوة النجدية ، وهو موافق لهم في جل أمورهم ، ولكن قد يكون مخالفاً لهم في بعض المسائل ، وهذا لايعني أنه ضد الدعوة ، لذا على الإخوة أن لايقسوا على الشيخ حفظه الله وفك أسره .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    116

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    فإن من أعظم الأخطاء التى وقع فيها الشيخ حسن الكتاني فك الله أسره وغيره من المشايخ بالنسبة لمناقشة أئمة الدعوة النجدية وغيره من المشايخ هو عدم التفريق بين الشرك والكفر عند هؤلاء الأعلام وعند شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم

    فهم الشيخ حسن الكتاني فك الله أسره وغيره من المشايخ أن بن تيمية يعذر بالجهل في الشرك الأكبر بمعنى أن المسلم إذا أشرك جاهلا فهو معذور ولا يخرج عن دائرة الإسلام
    وهذا فهم خطأ ولم يقل به شيخ الإسلام بن تيمية

    قال ابن تيمية في الفتاوى [20/38 - 37]: (واسم الشرك يثبت قبل الرسالة لأنه يعدل بربه ويشرك به) اهـ
    فهناك فرق بين تسمية المشرك في الدنيا وبين الحكم بعذابه في الآخرة

    وعندما يقول ابن تيمية وعلماء نجد أننا لا نكفره لعدم قيام الحجة فهم يقصدون كفر التعذيب والوعيد لا أنهم لا يسمونه مشركا إذا أتى بشرك

    قال بن تيمية رحمه الله:" " والتكفير هو من الوعيد ؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة ، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص ، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً .
    وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال : ( إذا أنا مت فأحرقوني ، ثم اسحقوني ، ثم ذروني في اليم ، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين . ففعلوا به ذلك ، فقال الله : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : خشيتك . فغفر له )
    فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري ، بل اعتقد أنه لا يعاد ، وهذا كفر باتفاق المسلمين ، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك ، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه ، فغفر له بذلك .
    والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا " أهـ

    فشيخ الإسلام رحمه الله يقيد إقامة الحجة في كفر الوعيد .. الذي هو التعذيب
    والشرك هو عبادة غير الله .. والرجل لم يفعل ذلك , وإنما أنكر جزئية من صفة القدرة
    وهو من باب رد الأخبار وليس من باب الشرك الأكبر

    قال رحمه الله:" واسم الشرك يثبت قبل الرسالة لأنه يعدل بربه ويشرك به) اهـ
    ويفسر كلامه الشيخ علي الخضير :" ومعنى كلام ابن تيمية؛ انه يسمى مشركا إذا عدل بربه وأشرك به، "ولو قبل الرسالة"؛ أي ولو كان جاهلا. أهـ

    ولكن التعذيب يتوقف على إقامة الحجة الرسالية " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "

    في فتوى "اللجنة" [1/220] أجابوا قائلين كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة، إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق؛ يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده، لإتيانه ما ينقض قوله من سجوده لغير الله، لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام، عذرا إليه، ليراجع نفسه عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته... فالبيان وإقامة الحجة للاعذار إليه قبل إنزال العقوبة به، لا ليسمى كافرا بعد البيان، فإنه يسمى كافرا بما حدث منه من سجود لغير الله أو نذره قربه أو ذبحة شاة مثلا لغير الله) اهـ


    وقال الشيخ الراجحي
    (هذا فيه قولان للعلماء، وهو التفريق بين ما قبل وما بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أهل الفترات قبل بعثته، هؤلاء فيهم كلام لأهل العلم، أنهم يمتحنون، لكن بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وبعد نـزول القرآن، الله تعالى يقول:" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " الله بعث الرسول وأنـزل القرآن، فهل يعذر المشرك إذا لبس عليه أن يطوف بالقبور ويدعوها، ويذبح لها، لبس عليه علماء الشرك فصار مغطى عليه، ولا يبصر الحق من تلبيس علماء السوء، الذين يلبسون عليه، ويحسنون له الشرك.
    قال بعض العلماء: إنه يعذر في هذه الحالة، ولكن يعامل في الدنيا معاملة المشركين، لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، وفي الآخرة أمره إلى الله، حكمه حكم أهل الفترات، وهذا هو الذي ذهب إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - قال: لا نكفر أحدا حتى تقوم عليه الحجة، وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يعذر أحدا بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الله يقول
    :" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "
    الله بعث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنـزل القرآن، والقرآن يتلى والنصوص واضحة في بيان الشرك والتحذير منه، فلا يعذرون هما قولان لأهل العلم، ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وعلى كل حال من يقول إنه يعذر، يقول: في الدنيا يعامل معاملة المشركين لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، ولا يتصدق عنه، ولا يحج عنه، ولا يدعى له بالمغفرة والرحمة، أما في الآخرة فأمره إلى الله.)

    وقال الشيخ علي الخضير في رسالته المتممة:" أما اسم الشرك واسم المشركين فيلحق هؤلاء الثلاثة، ويُسمون مشركين، وعابدي غير الله، واتخذوا مع الله آلهة، ويُنفى عنهم اسم الإسلام، كل ذلك يلحقهم لانهم يفعلون الشرك فاسمه يتناولهم ويصدق عليهم.

    ويقول ابن تيمية: " إن تكفير المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئاً من الدين يكفر

    ويقول ابن تيمية: " من دعا غير الله، وحج إلى غير الله هو أيضاً مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالماً بأن هذا شرك محرم، كما أن كثيراً من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم، صغار من لبد وغيره، وهم يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضاً، ولا يعلمون أن ذلك محرم، فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك، فهذا ضال، وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة".

    فالكلام على إنزال العقوبة ولم يقل أن مثل ذلك مسلم
    هل رأيتم كيف يسمى من دعا غير الله بأنه مشرك ؟ ولكن يقول أنه لا يستحق العقوبة إذا لم تكن الحجة مقامة عليه.

    ويقول الإمام ابن القيم : "وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل".

    عن أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر قالوا في "الدرر [10/136 – 138] لما سئلوا؛ أن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرا جهلا منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية فهل لو قتل من هذا حالة قبل ظهورهذه الدعوة موضوع أولا؟
    فأجابوا قائلين؛ (إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله أو عدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم ، بل نقول عمله هذا كفر يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، ولا يقال؛ إن لم يكن كافرا فهو مسلم، بل نقول؛ عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، وقد ذكر أهل العلم؛ أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار ولا حكم الأبرار) [الدرر:10/137].

    و قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله ( أن أقل أحوالهم أن يكونوا مثل أهل الفترة الذين هلكوا قبل البعثة ومن لا تيلغه دعوة نبي من الأنبياء – إلى أن قال – وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم و لا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضه أصله وقاعدته الكبرى شهادة أن لا إله إلاّ الله ... )

    ذكر الشيخ عبد اللطيف بعض "الطبقة السابعة عشرة" محتجاً بها، ثم قال: (وهذا الصنف - يعني من لم تبلغهم الدعوة - الذين استثناهم شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل عنه العراقي واستثناهم شيخنا الشيخ محمد رحمه الله تعالى وصنف شيخ الإسلام رسالة في أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلاغ وقيام الحجة...)، ثم قال: (... قال ابن القيم رحمه الله: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به، وما لم يأتِ العبد بهذا؛ فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً، فهو كافر جاهل، وغاية هذه الطبقة؛ أنهم كفار وجهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً).

    ذكر ذلك الشيخ إسحاق في رسالته "تكفير المعين"، فقال: (بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدعي العلم والدين، وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه، وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان؛ أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به، فقال له الرجل: لا تطلق عليه الكفر حتى تُعرّفه...).
    إلى أن قال: (... وعند التحقيق لا يكفّرون المشرك إلا بالعموم وفيما بينهم يتورعون عن ذلك، ثم دبت بدعتهم وشبهتهم، حتى راجت على من هو من خواص الإخوان، وذلك - والله أعلم - بسبب ترك كتب الأصول وعدم الاعتناء بها، وعدم الخوف من الزيغ، رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه ورسائل بنيه، فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشبه جداً كما سيمر، ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحير جداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك أن بعض من أشرنا إليه بحثته عن هذه المسألة فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها؛ فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك...).
    إلى أن قال: (... وذكر الذي حدثني عن هذا؛ أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستدله فقال: نكفّر النوع ، ولا نعين الشخص إلا بعد التعريف، ومستندنا ما رأيناه في بعض رسائل الشيخ محمد قدس الله روحه؛ على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبههم...).
    إلى أن قال رحمه الله: (... ولا نقول إلا ما قال مشايخنا الشيخ محمد في "إفادة المستفيد" وحفيده - أي الشيخ عبد اللطيف وقد تقدم كلامه في النقل الثاني - في رده على العراقي، وكذلك هو قول أئمة الدين قبلهم، ومما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر، وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك، فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريراً لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألتنا هذه هي عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه، أن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، هي أصل الأصول، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول والقرآن، وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين، كمسائل نازع فيها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة، أو في مسائل خفية كالصرف والعطف، وكيف يعرفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمى الإسلام، وهل يبقى مع الشرك عمل والله تعالى يقول: {لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}؟!)، ثم ذكر آيات.


    وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمهم الله "منهاج التأسيس" [28] عند كلامه على "الطبقة السابعة عشرة": (مع أن العلامة ابن القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل الظاهرة، إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهلوا لذلك فأعرضوا ولم يلتفتوا، ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل، وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم...).

    إلى أن قال: (... أما الشرك؛ فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى؛ شهادة أن لا إله إلا الله) اهـ.

    وجميع الأدلة السابقة؛ تثبت أن من تلبس بالشرك فهو مشرك - سواء كان في زمن فترة أو غير ذلك - وقد تقدم أن أهل الفترة لا يسمون مسلمين بالإجماع، وإنما الخلاف في تعذيبهم في الآخرة - كما نقل الإجماع على ذلك الشيخ إسحاق رحمه الله - وهو ظاهر كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله

    فإن ابن القيم رحمه الله قال: (والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل)

    أما التعذيب فلا يكون إلا بعد إقامة الحجة

    فعندما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لا يكفر من يعبد قبر البدوي فهو أراد به العقوبة
    ولكنه يسميهم مشركين كما في هذا النقل
    ( ( فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية وما عدا هذا من الذنوب التي هي دونه في المرتبة . والمفسدة لا نكفر بها ) الدرر السنية (1/515 , 522) .

    فانظر كيف فرق رحمه الله بين اسم الشرك و اسم الكفر و فصل في العذاب فعلقه بالكفر و لم يعلقه في الشرك


    وقال بن تيمية رحمه الله
    (ويقع لأهل الشرك والضلال من المنتسبين إلى الإسلام الذين يستغيثون بالموتى، والغائبين يتصور لهم الشيطان في صورة ذلك المُستغاث به وهو لا يشعر...).
    ثم قال بعد كلام له: (وذكر لي غير واحد؛ أنهم استغاثوا بي - كل قصة غير قصة صاحبه - فأخبرت كلاً منهم أني لم أجب أحداً منهم ولا علمت باستغاثته، فقيل: هذا يكون مَلكَاً؟ فقلت: الملَك لا يغيث المشرك، إنما هو شيطان أراد أن يضله)

    وقال رحمه الله: (ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله فيقول: اغفر لي وارزقني وانصرني، ونحو ذلك، كما يقول المصلي في صلاته لله تعالى، إلى أمثال هذه الأمور التي لا يشك من عرف دين الإسلام أنها مخالفة لدين المرسلين أجمعين، فإنها من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، بل من الشرك الذي قاتل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين، وأن أصاحبها إن كانوا معذورين بالجهل، وأن الحجة لم تقم عليهم، كما يعذر من لم يبعث إليه رسول، كما قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، وإلا كانوا مستحقين من عقوبة الدنيا ما يستحقه أمثالهم من المشركين، قال تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}، وفي الحديث: "إن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل"، والذين يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذا تبين لأحدهم حقيقة ما جاء به الرسول، وتبين أنه مشرك، فإنه يتوب إلى الله ويجدد إسلامه، فيسلم إسلاماً يتوب فيه من هذا الشرك)

    فشيخ الإسلام يثبت اسم الشرك ولو لم تقم الحجة

    إذا كان معذورا بالجهل فحقيقة أمره فإلى الله وهم من أهل الإمتحان على أصح قولي العلماء


    قال الشيخ أحمد الخالدي
    (فهذه عدة مواضع لشيخ الإسلام رحمه الله تبين مراده، فتارة؛ يطلق اسم الشرك على من فعله، وتارة؛ يقول: هو مشرك ولا نكفره إلا بعد إقامة الحجة، وتارة؛ يقول: أنه من الشرك الذي قاتل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين وأن أصحابه إن كانوا معذورين بالجهل وأن الحجة لم تقم عليهم، وإلا كانوا مستحقين من عقوبة الدنيا والآخرة ما يستحقه أمثالهم من المشركين، مع قوله؛ فإذا تبين لأحدهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتبين أنه مشرك فإن يتوب إلى الله، ويجدد إسلامه، مع كون هؤلاء منتسبين إلى الإسلام، ولا يعلمون أن ما وقعوا فيه شرك، وبهذا يتبين بطلان استدلال المؤلف وغيره فيما نقله عن شيخ الإسلام في الرد على البكري في كونه لا يكفر من وقع في الشرك لجهله، وعدم إقامة الحجة عليه، مع أنه حجة عليهم لا لهم، بل إن الشيخ قد ذكر في عدة مواضع من الكتاب نفسه كفر من أشرك بالله كالإستغاثة بالأموات أو الغائبين والملائكة والجن.)
    انتهى

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    للربط ....

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    778

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    السلام عليكم الشيخ العلامة الحسن الكتاني في السجن فعلى الإخوة مراعاة الظرف ...إشارة أخرى هي أن أئمة الدعوة النجدية ليسوا مقدسين بل النص هو المقدس ...
    الإشارة الثالثة الشيخ حمزة الكتاني شيخ ومن القبح أن نقول : رويدك يا حمزة !!!!!!!!
    وشكرا....

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    85

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    الحمد لله.
    بداية أقول لقد قرأت جميع مؤلفات شيخنا الحسن بن علي الكتاني ـ فك الله أسره ـ, و أستطيع أن أقول إني أعرف منهجه كما أعرف نفسي و هو فك الله أسره يشهد لي بذلك......
    إن كتاب الشيخ "التعليقات السلفية على الدعوة النجدية" المخطوط قرأته مرارا, وقد كنت أعمل على نسخه و العناية به بطلب من الشيخ ـ فرج الله عنه ـ و عندي نسخة منه مخطوطة و أعتقد أنها الوحيدة بعد نسخة الشيخ ـ فرج الله عنه ـ.
    و قد كنت بدأت هذا الموضوع و سجلت مداخلة في منهج ابن تيمية و محمد بن عبدالوهاب ـ رحمهما الله ـ في العذر بالجهل سأنقلها هنا:
    الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المخلوقين و على آله...
    إخواني الكرام... كنت أود إفراد هذه المسألة بموضوع خاص بعد الانتهاء من "شفاء السقام" لكن بما أن أخانا أبا الحسن الأثري ـ حفظه الله ـ فتحه فسأدلي بما يتسع لي فيه المقام و الله الموفق...
    بداية أقول:
    1ـ لا بد من استقراء جل كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ و رسائله الشخصية و كتب التاريخ التي أرخت لكيفية تطبيقه لأفكاره ك:"روضة الأفكار و الأفهام في تاريخ الشيخ الإمام و غزوات ذوي الإسلام" " المطبوع باسم" تاريخ نجد".
    2ـ استقراء كتب ابن تيمية ـ رحمه الله ـ و كذلك سيرته مع خصومه و خصوصا الأخنائي و البكري ـ رحمهما الله ـ
    3ـ عرض الأقوال على الكتاب و السنة و العمل القديم.{عمل السلف}
    4ـ التجرد و عدم التعصب للآراء لأن الهدف هو عبادة الله تعالى لا عبادة العلماء.
    ثم أقول:
    إن المستقرئ لكتب شيخ الاسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ و الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ يجد فرقا كبيرا بين المنهجين في التكفير و العذر بالجهل, و لو حاول بعض الباحثين رد هذا الواقع [1] لكن الواقع كذلك, ولي أدلة كثيرة على ذلك بعد استقراء كبير لكتب أيمة الدعوة ابتداء "بالدرر السنية" {الطبعة الخيرية 16 مجلدا} إلى "مجموعة التوحيد النجدية"{تحقيق السيد رشيد رضا} إلى "الرسائل الشخصية"....إلخ مع مطالعة تاريخ الدعوة و قيام هذه الحركة التجديدية السلفية.و بعد استقراء لكل ما كتب في الموضوع تقريبا ككتب" الشيخ علي الخضير و أحمد الخالدي و ناصر الفهد و شروحات المحدث عبد الله السعد و أبي محمد المقدسي العتيبي...}
    و من الطرف الآخر:"أبحاث عبد العزيز العبد اللطيف و عبد الله القرني سفر الحوالي.. }
    أما أصحاب شيخ مشايخنا العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ فلا معرفة عندهم بالدعوة النجدية و أقوال أيمتها اللهم إلا الشيخ "محمد أبو رحيم" فيما أعلم.
    المنتسبون للدعوة النجدية انقسموا فريقين:
    الأول: يرى أن محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ يعذر بالجهل فيما يسمى أصل الدين[2] , و يؤولون كلامه الصريح في عدم الاعذار كي لا يتصادم ذلك مع منهج شيخ الاسلام ابن تيمية الصريح في العذر بالجهل كما سيأتي.ومن هؤلاء الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي و تلميذه شيخ مشايخنا ابن عثيمين ومن بعدهما كعبد العزيز عبد اللطيف و عبد الله القرني و سفر الحوالي و أبي بصير الطرطوسي و أصحابهم.
    الثاني:يرى أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يعذر بالجهل فيما يسمى أصل الدين كما صريح مذهبه, و يؤولون كلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الصريح في العذر كي لا يتصادم مع كلام أيمة الدعوة, غعتقادا منهم أن مشايخ الدعوة هم من فهم حقيقة كلا ابن تيمية و ابن القيم كما هو صريح في كتبهم. و من هؤلاء الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي و محمد بن إبراهيم آل اشيخ ـرحمهما الله ـ و علي الخضير و ناصر الفهد و أحمد الخالدي ـ فرج الله عنهم ـ و عبد الله السعد و اللجنة الدائمة و أبي محمد المقدسي ـ فك الله أسره ـ.
    و ذهب بعض العلماء إلى التفريق بين المنهجين في التكفير منهم الشيخ أبو قتادة الفلسطيني و العلامة أبي حفص الرفيقي المدني و العلامة الحسن بن علي الكتاني ـ فرج الله عنهم ـ و قبلهم الامام محمد المنتصر الكتاني ـ رحمه الله ـ شيخ مشايخنا. وبعض علماء بلاد الحرمين على استحياء منهم لمخالفة السواد الأعظم. هذا فيما أعلم حتى هذه اللحظة. و الله أعلم.
    الدليل على ما ذهبت إليه من هذه التقسيمات السالفة:
    فتاوي الشيخين و سيرتهما...و كلام المقربين منهما....
    نبدأ بفتاوي ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
    صريح العذر في المسائل العلمية و العملية:
    يقول ـ رحمه الله ـ:" الأقوال التي يكفر قائلها , قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق, وقد تكون عنده, و لم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها و قد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق و أخطأ فإن الله يغفر له خطاياه كائنا ما كان سواء في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم, و جماهير أيمة الاسلام.إ.هـ[3]
    فابن تيمية لم يكن يفرق بين أصول الدين و فروع الدين. فالنجديون عندهم أن أصول الدين العبادة دون توحيد الأسماء و الصفات, فعند النجديين أن من صرف عبادة لغير الله فقد وأشرك{يعامل معاملة المشركين} فإن قامت عليه الحجة كفر{ يعامل معاملة الكفار المحاربين من قتل..} لأنهم يفرقون بين الشرك و الكفر. فمن أشرك فهو مشرك و بعد بلوغ الدعوة يصير كافرا. و لا أعلم من سبقهم إلى هذا التقسيم الخطير.
    يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:" من دعا غير الله و حج إلى غير الله فهو مشرك و الذي فعله كفر, لكن قد لا يكون عالما بأن هذا شرك محرم كما أن كثيرا من الناس دخلوا في الاسلام من التتار و غيرهم و عندهم أصنام لهم يتقربون إليها و يعظمونها و لا يعلمون أن ذلك محرم في دين الاسلام, و يتقربون إلى النار أيضا , و لا يعلمون أن ذلك محرم فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل الاسلام و لا يعلم أنه شرك.إ.هـ[4]
    و يقول أيضا:" و كنت دائما أذكر هذا الحديث...فهذا رجل شك في قدرة الله و في إعادته إذا ذري, بل اعتقد أنه لا يعاد, وهذا كفر باتفاق المسلمين, لكن كانجاهلا لا يعلم ذلكوكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه,فغفر له بذلك.إ.هـ[5]
    و يقول أيضا:" إن نصوص الوعيد التي في الكتاب و السنة و نصوص الأئمة بالتكفير و التفسيق و نحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط و انتفت الموانع لا فرق في ذلك بين الأصول و الفروع..."إ.هـ[6]
    يتبع..... إن شاء الله تعالى
    و الله الموفق
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــ
    [1]: هو الدكتور الفاضل عبد العزيز العبد اللطيف ـ حفطه الله ـ في كتابه الحافل:"دعاوي المناوئين"
    [2]:تقسيم الدين إلى أصول و فروع تقسيم بدعي إن بنيت عليه أحكام شرعية,كما بين ذلك ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما سيأتي.
    [3]:مجموع الفتاوي{33\326}.
    [4]:"الرد على الأخنائي{ص:61ـ62}.
    [5]:"الفتاوي{3\231}
    [6]:"الفتاوي{10\372} و بتوسع{12\479ـ501}

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    2

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    شكر الله لك اخي ابي العباس المالكي فشيخ الاسلام منهجه مختلف عن ائمة الدعوة النجدية خاصة في مسالة تكفير المعين ولا ادري ما هذه الفلسفة التي قد يستعملها البعض في ان مرتكب الشرك من المسلمين جهلا يسمى مشركا لكن لايسمى مسلما او انه عمل عمل الكفار لكن لايطلق عليه مسلم وتعزيزا لكلام ابي العباس انقل كلاما لابن تيمية يصرح فيه بعدم تكفير المعين المرتكب للشرك جهلا يقول رحمه الله فيما نقله عنه الشيخ عبد اللطيف في مصباح الظلام}ونحن نعلم بالضرورة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرع لامته ان يدعوا احدا من الاموات لا الانبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاتة ولا بغيرها ,,,بل نعلم انه عن كل هذه الامور وان ذلك من الشرك الذي حرم الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم باثار الرسالة في كثير من المتاخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسم الى اخر كلامه رحمه الله وانا مع الشيخ حسن في ان كلام الدعوة النجدية مضطرب في هذه الابواب مع توسعهم في باب التكفير حتى كفروا مجموعة كبيرة من العلماء بالتعيين وهم من هم كبار العلماء من الشافعية والاحناف والمنصف هو من يقول الحق فيعطي كل دي حق حقه فعلماء الدعوة النجدية لهم فضل في تصحيح عقائد الناس من الشرك مع غلوهم في تطبيق الاحكام عليم والله اعلم,
    .

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    85

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    يتبع إن شاء الله تعالى........ بارك الله لك في فهمك أبي ياسمينة..ـحفظه الله ـ
    و الله الموفق

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    241

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    السلام عليكم
    حياكم الله على إعادة الروح لهذا الموضوع،والذي يحتاج فعلا إلى نقاش مفصل ومنصف،ولا تنسوا ان الشيخ العلامة حسن الكتاني في الأسر ،وادعوا له ولمن معه بالفكاك،وحياكما الله تلميذي الحبيبين أبا العباس وابا ياسمينة وبياكما،حفظكما المولى وبارك فيكما

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    53

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    1 التفريق الذي ذكره ائمة الدعوة النجدية فيمن يعمل الشرك من امة الاسلام ولم تقم عليه الحجة يسمى مشركا ولايكفر لم يسبقهم احد من السلف اليه .
    2 ابن تيمية له كلام واضح في العذر بالجهل ومن اراد ان يثبت العكس عليه ان يأتي بأقوال ابن تيمية لا اقوال ائمة الدعوة النجدية عن ابن تيمية .
    3 لم اجد كلام لمحمد بن عبد الوهاب يقول فيه بهذا التفريق لكني وجدت كلاما لابناء الشيخ وحمد بن ناصر تلميذه يقول بهذا لكن طلبي ممن ينسبون هذا القول للشيخ محمد رحمه الله ان ينقلوا لنا كلام الشيخ محمد في التفريق .

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    247

    افتراضي رد: عودة إلى مناقشة كتاب الشيخ حسن الكتاني حول الدعوة النجدية

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو حمدان مشاهدة المشاركة
    13 لم اجد كلام لمحمد بن عبد الوهاب يقول فيه بهذا التفريق لكني وجدت كلاما لابناء الشيخ وحمد بن ناصر تلميذه يقول بهذا لكن طلبي ممن ينسبون هذا القول للشيخ محمد رحمه الله ان ينقلوا لنا كلام الشيخ محمد في التفريق .
    اليك أخي كلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى, منقول من رسالة الشيخ اسحاق بن عبدالرحمن " تكفير المعين " :
    " قال رحمه الله : فجنس هؤلاء المشركين، وأمثالهم، ممن يعبد الأولياء، والصالحين، نحكم: بأنهم مشركون؛ ونرى كفرهم، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية؛ وما عدا هذا من الذنوب، التي هي دونه في المرتبة والمفسدة، لا نكفر بها. "

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •