خطبة مشكولة:قَبْلَ أَنْ نَنْدَمَ فِي وَقْتٍ لَا يَنْفَعُ فيه النَّدَم لشيخنا الشرافي
النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: خطبة مشكولة:قَبْلَ أَنْ نَنْدَمَ فِي وَقْتٍ لَا يَنْفَعُ فيه النَّدَم لشيخنا الشرافي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    21

    افتراضي خطبة مشكولة:قَبْلَ أَنْ نَنْدَمَ فِي وَقْتٍ لَا يَنْفَعُ فيه النَّدَم لشيخنا الشرافي

    قَبْلَ أَنْ نَنْدَمَ فِي وَقْتٍ لَا يَنْفَعُ فيه النَّدَمُ 26ربيع الثاني 1434 هـ
    الْحَمْدُ للهِ , وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا نَسْمَعُ وَنُشَاهِد ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ عَظُمَ الْمَطْلُوبُ وَقَلَّ الْمُسَاعِدُ ، وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، خَيْرُ هَذِهِ الْحَيَاةِ نَاقِصٌ وَشَرُّهَا زَائِد , وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَلا ضِدَّ وَلا نِدَّ وَلا وَلَدَ وَلا وَالِد ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِمَامٌ عَابِدٌ زَاهِد ، وَأَكْرِمَ كُلَّ مُعَلِّمٍ وَأَصْبِرَ كُلِّ مُجَاهِدٍ . اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَمَاجِد ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِد .
    أَمَّا بَعْدُ : فَإِنِّي أَسْتَهِلُّ خُطْبَتِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاسْمَعُوهُ , رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ , وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي , فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ , فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ , فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ (نَعَمْ) قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ (نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ) قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ (قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي , تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ (نَعَمْ , دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا , قَالَ (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُون َ بِأَلْسِنَتِنَا ) قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا , وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)
    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : هَذَا حَدِيثٌ عَجِيبٌ , رَوَاهُ هَذَا الصَّحَابِيُّ الذَّكِيُّ الأَرِيبُ , وَلا عَجَبَ أَنِ اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ أَمِينَ سِرِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ , وَذَلِكَ لِفِطْنَتِهِ وَحِنْكَتِهِ , فَعَرَفَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ الدُّنْيَا تَتَقَلَّبُ وَتَتَلَوَّنُ فَلا تَبْقَى عَلَى حَالٍ فِي الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ , ثُمَّ تَأَمَّلُوا هَذَا الْجَوَابَ الْعَظِيمَ مِنَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَيْثُ أَخْبَرَ بِالشُّرُورِ ثُمَّ وَضَّحَ النَّجَاةَ مِنْهَا , وَكَيْفِيَّةَ الْخَلاصِ مِنْ آثَارِهَا .
    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : كَمْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ للرُّجُوعِ لِكِتَابِ رَبِّنَا وَإِلَى سُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ حِين , وَلا سِيَّمَا عِنْدَمَا تَدْلَهِمُّ الْخُطُوبُ وَتُطِلُّ الشُّرُورُ بِأَعْنَاقِهَا , كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ .
    أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ : إِنَّ هَذِهِ الأَحْدَاثَ التِي حَصَلَتْ حَوْلَنَا وَلا تَزَالُ تَحْصُلُ , كَثِيرٌ مِنْهَا جَرَّ شُرُوراً وَأَحْدَثَتْ مَا لا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ , وَإِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا انْفَلَتَ زِمَامُ الأَمْرِ صَعُبَ ضَبْطُهُ , وَإِذَا اتَّسَعَ الشَّقُّ صَعْبُ رَتْقُهُ , وَإِنَّ كَثِيرَاً مِنَ الْبِلادِ التِي اضْطَرَبَ وَضْعُهَا تَعِيشُ الآنَ فِي حَالٍ يَتَمَنَّوْنَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ , مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ حُكُّامُهُمْ مِنْ ظُلْمٍ وَغُشْم , فَفِي كُلِّ يَوْمٍ قَتْلٌ وَتَشْرِيدٌ , وَكُلُّ بَيْتٍ فِيهِ ثَكَالَى وَيَتَاَمى , وَلَمْ يَعُدِ الإِنْسَانُ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَلا عَلَى أَهْلِهِ وَلا عَلَى بَيْتِهِ , فَكَمْ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَمَا يَرْجِعُ حَتَّى يَجِدَ بَيْتَهُ خَبْرَاً بَعْدَ عَيْنٍ , وَأَهْلَهُ أَشْلاءَ مُمَزَّقَةً , وَآمَالُهُ عَادَتْ أَحْلامَاً , وَفَرْحَتُهُ صَارَتْ آلامَاً , فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .
    أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ : إِنَّ هَذِهِ الأَحْدَاثَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بِمَا أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ , فَتَعَالَوا نَنْظُرُ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْفِتَنِ وَمَا جَاءَ فِيهَا , فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً ، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءهُ ، وَمِنّا مَنْ يَنْتَضِلُ ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِهِ (1) ، إذْ نَادَى مُنَادِي رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّلاةَ جَامِعَةً . فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَيُنْذِرَهُم شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ , وَإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا في أوَّلِهَا ، وَسَيُصيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، وَتَجِيءُ فِتنَةٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، وَتَجِيءُ الفتنَةُ فَيقُولُ المُؤْمِنُ : هذه مُهْلِكَتِي ، ثُمَّ تنكشفُ ، وتجيء الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ : هذِهِ هذِهِ . فَمَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ ، فَلْتَأتِهِ منيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ، وَلْيَأتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤتَى إِلَيْهِ . وَمَنْ بَايَعَ إمَاماً فَأعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ ، فَلْيُطِعْهُ إن استَطَاعَ ، فإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنْقَ الآخَرِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
    ثُمَّ تَأَمَّلُوا فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثَهُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيع وَهُوَ الذِي تَزَعَّمَ الْخُرُوجَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ , وَقَدْ رَأَوْا مِنْهُ وَكَانَ خَلِيفَةً - فِيمَا ذَكَرُوا - مُنْكَرَاتٍ عَظِيمَةً , وَمَعَ ذَلِكَ انْظُرُوا فِقْهَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَاسْتِدْلالَهُ مْ بِالسُّنَّةِ , فَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَتَى ابْنَ مُطِيعٍ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ ، فَقَالَ[ابْنُ مُطِيعٍ] : ضَعُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً ، فَقَالَ ابْنَ عُمَرَ : إِنِّي لَمْ آتِ لِأَجْلِسَ ، إِنَّمَا جِئْتُ لِأُكَلِّمَكَ كَلِمَتَيْنِ سَمِعْتُهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ مَاتَ مُفَارِقَ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مَوْتَةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَاللَّفْظُ لَهُ .
    وعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
    فَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ وَهَذَا تَطْبِيقُ السَّلَفِ , وَهَذَا الْوَاقِعُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ , فَهَلْ نَحْنُ مُعْتَبِرُونَ ؟ وَهَلْ نُقَدِّمُ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ عَلَى الْعَاطِفَةِ ؟ أَمْ أَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَ الشَّرْعَ وُنَجَرِّبَ حَظَّنَا فِي الثَّوْرَاتِ وَالْمُظَاهَرَا تِ وَالضَّغْطِ الْجَمَاهِيرِي كَمَا يُسَمُّونَهُ لِأَخْذِ حُقُوقِنَا ؟
    أَيُّهَا الْعُقَلاءُ : إِنَّ بِلَادَكُمُ الْمَمْلَكَةَ بَلَدٌ مُتَرَامِي الأَطْرَافِ وَيَجْمَعُ أُنَاسَاً مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَمِنْ مَشَارِبَ مُخْتَلِفَة , فَوَاللهِ ثُمَّ وَاللهِ لَوْ حَدَثَ انْفِلَاتٌ لِلأَمْنِ فِي هَذِهِ الْبَلادِ وَضَيَاعٌ لِلسُّلْطَانِ لَصَارَ عِنْدَنَا أَعْظَمُ بِمَرَاحِلَ مِمَّا تُعَانِيهِ الْبِلادُ الْقَرِيبَةُ التِي انْحَلَّ نِظَامُهَا وَانْفَرَطَ عِقْدُهَا , وَضَاعَ زِمَامُهَا !!! فَكُلٌّ يُرِيدُ اسْتِقْلَالاً بِقُطْرِهِ وَمَنْطِقَتِهِ , وَكُلٌّ يُرِيدُ الزَّعَامَةَ وَالرِّئَاسَةَ , فَهَلْ تَظَنُّونَ أَنَّهُ سَيَأْتِيْكُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ لِيَحْكُمَ ؟ أَمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِيَعْدِلَ فِيكُمْ !
    كَمْ سَيَفْرَحُ بِذَلِكَ الأَعْدَاءُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الصَّلِيبِيِّين َ ؟ وَكَمْ سَتُغَرِّدُ وَتُهَلِّلُ دَوْلَةَ الْمَجُوسِ التِي كَانَتْ وَلا تَزَالُ تَتَرَبَّصُ بِنَا الدَّوَائِرَ وَتُثِيرُ عَلَيْنَا الْقَلاقِلَ ؟
    أَلَا نَكُونُ عُقَلاءَ وَنَصْبِرُ عَلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ ظُلْمٍ أَوْ اسْتِئْثَارٍ إِنْ وُجِدَ ؟
    إِنَّ احْتِمَالَ الْمَفْسَدَةِ الصُّغْرَى لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُظْمَى مَنْهَجٌ قُرْآنِيٌّ وَطَرِيقٌ نَبَوِيٌّ , فَإِنَّ كَانَ هُنَاكَ ظُلْمٌ وَقَعَ , أَوْ سِجْنٌ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلا يُخَوِّلُنَا أَنْ نَسْعَى فِي انْفِلاتِ الأُمُورِ وَخُرُوجِ الْغَوْغَاءِ وَالْجُمْهُورِ , بَلْ نَتَحَمَّلُ وَنَصْبِرُ , وَمَنْ أَصَابَهُ سِجْنٌ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَرِفْعَةٌ فِي دَرَجَاتِهِ , ثُمَّ نَسْعَى بِالطُّرِقِ السَّلِيمَةِ , وَنَتَمَسَّكَ بِالْهُدُوءِ وَنُطِيلُ النَفَسَ وَنَضْبِطُ النَّفْسَ حَتَّى تَرْجِعَ الأُمُورَ لِنِصَابِهَا !
    أَسْأَلُ اللهَ بِمَنَّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَحْفَظَ دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَأَنْ يُوَفِّقَ وُلاةَ أَمْرِنَا لِمَا يُحِبِّهُ وَيَرْضَاهُ وَأَنْ يَأْخُذَ بِنَواصِيهِمْ لِلْحَقِّ وَالصَّوَابِ , وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ !
    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
    الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ , وَأَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا اللهُ وَلِيُّ الصَّالحِينَ , وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ !
    أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّهُ مَعَ انْتِشَارِ وَسَائِلِ الاتِّصَالِ وَكَثْرَتِهَا صَارَ كُلٌّ يَتَكَلَّمُ وَيَتَلَقَّى مِمَّنَ هَبَّ وَدَبَّ , وَإِنَّهُ مَعَ الأَسَفِ صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَتَنَاقَلُونَ شُبْهَاتٍ لَبَّسُوا بِهَا عَلَى الْعَامَّةِ , وَأَقْنَعُوا بِهَا قَلِيلَ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ تَشْكِيكَاً فِي وُلَاةِ أَمْرِ بِلادِنَا .
    فَتَارَةً يَقُولُونَ : الإِمَامَةُ لا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ , أَيْ أَنَّنَا لا نُطِيعُ إِلَّا حَاكِمَاً قُرَشِيَّاً وَمَنْ سِوَاهُ لا طَاعَةَ لَهُ , وَتَارَةً يَقُولُونَ : لا بَيْعَةَ إِلَّا لِمَعْصُومٍ , فَمَنْ عِنْدَهُ مَعْصِيَةٌ لا يُطَاعُ , وَتَارَةً يَقُولُونَ : لابُدَّ فِي الْبَيْعَةِ مِنْ مُصَافَحَةِ الْمُبَايِعِ بِالْيَدِ , يَعْنِي : فَمَا دَامَ الْمَلِكُ لَمْ يُصَافِحْكَ بِيَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْكَ بَيْعَةٌ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ، وَتَارَةً يَقُولُونَ : لا تَكُونُ الْبَيْعَةُ إِلَّا فِي خِلَافَةٍ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ !
    وَهَذِهِ شُبُهَاتٌ فَاسِدَةٌ , وَالْجَوَابُ عَلَيْهَا بِاخْتِصَارٍ كَمَا يَلِي :
    أَمَّا قَوْلُهُمْ ( إِنَّ الإِمَامَةَ لا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ ) فَهَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى صِحَّةِ الْوِلايَةِ لِمَنْ تَوَلَّى مَا دَامَ مُسْلِمَاً لَمْ يُرَ مِنْهُ كُفْرٌ بَوَاحٌ , بَلْ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاعَةِ مَنْ تَوَلَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً , فَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ .
    وَأَمَّا قَوْلَهُمْ (لا نُبَايِعُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَعْصِيَةٌ ) فَهَذَا مَرْدُودٌ عَقْلاً وَشَرْعَاً , فَأَمَّا بِالْعَقْلِ : فَأَيْنَ لِلنَّاسِ بِإِمَامٍ لَيْسَ عِنْدَهُ مَعْصِيَةٌ ؟ فَلَيْسَ هُنَاكَ مَعْصُومٌ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! وَأَمَّا شَرْعَاً : فَالنُّصُوصُ مُتَوَاتِرَةٌ فِي طَاعَةِ وُلاةِ الأَمْرِ وَإِنْ جَلَدَ الظَّهْرَ وَأَخَذَ الْمَالَ , قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمَيرِ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذْ مَالَكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) رَوَاهٌ مُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .
    وَأَمَّا قَوْلُهُمْ ( إِنَّ الْبَيْعَةَ لا تَكُونُ إِلَّا بِالْمُصَافَحَة ِ ) فَهَذِهِ مَرْدُودَةٌ كَذَلِكَ شَرْعَاً وَعَقْلاً ، فَكَيْفَ يُبَايِعُ الإِمَامُ كُلَّ الشَّعْبِ بِيَدِهِ وَهُمْ يَبْلُغُونَ الْمَلايِينَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ؟ وَأَمَّا شَرْعَاً : فَإِنَّهُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَنَّ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِذَا بَايَعُوا الإِمَامَ فَقَدْ ثَبَتَتْ بَيْعَتُهُ وَوَجَبَتْ لَهُ الطَّاعَةُ كَمَا حَصَلَ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْحُكَّامِ وَالسَّلاطِينِ وَالْمُلُوكِ .
    وَأَمَّا مَنْ يَقُولُونَ (لا تَجِبُ الطَّاعَةُ إِلَّا إِذَا قَامَتِ الْخِلافَةُ الْعُظْمَى) فَهَذَا مُتَعَذِّرٌ بَعْدَ الْخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ وَلا يُمْكِنُ , وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ مَنْ دَانَ لَهُ إِقْلِيمٌ بِالطَّاعَةِ وَالْوِلايَةِ وَجَبَتْ بَيْعَتُهُ وَحَرُمَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ .
    أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ : وَلا يُفْهَمُ أَنَّنَا نُؤَيِّدُ الأَنْظِمَةَ الْمُجْرِمَةَ التِي تَهَاوَتْ , وَلَكِنَّنَا نَقُولُ بِمَا تَقَرَّرَ شَرْعَاً : أَنَّ الْمُنْكَرَ لا يُزَالُ بِمُنْكَرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ , وَأَنَّهُ يُرْتَكَبُ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ , وَأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ !
    أَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَلُطْفِهِ أَنْ يَهْدِيَ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ يَرُدَّ مَنْ ضَلَّ مِنْهُمْ إِلَيْهِ رَدَّاً جَمِيلاً , وَأَسْأَلُهُ جَلَّ وَعَلا أَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ لا ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَحْفَظَنَا بِالإِسْلامِ قَائِمِينَ وَأَنْ يَحْفَظَنَا بِالإِسْلَامِ قَاعِدِينَ , وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا أَمْنَنَا وَاسْتِقْرَارَن َا وَأَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا عَقِيدَتَنَا وَقِيَادَتَنَا , وَأَنْ يُبْرِمَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ الطَّاعَةِ وَيُهْدَى فِيهِ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ , اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاةَ أُمُورِنَا وَاجْعَلْ وِلايَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ , اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَنَائِبَهُ لِمَا تُحِبَّهُ وَتَرْضَاهُ , اللَّهُمَّ سَدِّدْ آرَاءَهُمْ وَصَوِّبْ عَمَلَهُمْ , وَأَصْلِحْ بِطَانَتَهْمُ , وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

    *** استفدت في الخطبة الثانية من خطبة الشيخ الفاضل حمود بن ناصر مدير إدارة الأوقاف , حفظه الله .
    (1) فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءهُ [خيمته] ، وَمِنّا مَنْ يَنْتَضِلُ [المناضلة هي : المراماة بالنشاب للتدرب على القتال] ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ في جَشَرِهِ [الدواب من الإبل والغنم] .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •