عزل الخليج عن العمق العربي

عبد الباري عطوان
لعلها الصدفة التي تجسد حال الانهيار القيمي والاخلاقي، تلك التي تمثلت في اقدام القوات الاسرائيلية علي ارتكاب مجزرة في قطاع غزة في الوقت الذي كان يستقبل فيه الرئيس جورج دبليو بوش استقبال الابطال، يرقص العرضة التقليدية، ويتلقي السيوف المذهبة، وانواط الشجاعة، ويتذوق المأكولات العربية الشهية.
فايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي، والصديق الحميم للرئيس بوش، باعترافه في كلمته الترحيبية التي القاها لحظة الاستقبال في مطار بن غوريون، ما كان يقدم علي هذه المجزرة، لو كان يعتقد انها يمكن ان تشكل احراجا له او لمضيفيه في ارض الحرمين الشريفين. الامر الذي يؤكد انها جاءت نتيجة اتفاق مسبق، وفي اطار استراتيجية اعلان الحرب علي دول محور الشر والمنظمات المرتبطة بها، والفلسطينية منها علي وجه الخصوص.
الرئيس الامريكي لم يأت الي المنطقة من اجل تحقيق السلام، واقامة الدولة الفلسطينية، وانما من اجل تثبيت دعائم اسرائيل كدولة يهودية عنصرية، وبناء التحالف الجديد الذي سيضمها مع دول خليجية اخري لمواجهة النفوذ الايراني المتصاعد، علي حد وصفه، فالرجل لم يستطع ازالة حاجز واحد من ستمئة حاجز في الضفة الغربية، او مستوطنة واحدة غير شرعية، فكيف سيقيم دولة، ويتعامل مع قضايا الوضع النهائي؟.
فعندما يسقط الرئيس الامريكي مصر الدولة العربية الاكبر، ووسيط السلام المعتمد من جولته الحالية، ويتوقف فيها لبضع ساعات من اجل رفع العتب، ويطالبها بتبني دور جديد وهو قيادة المد الديمقراطي، وليس السلام في المنطقة، فان هذا يعني ان الثقل الاساسي في الاستراتيجية الامريكية، والغربية بشكل عام، انتقل الي منطقة الخليج.
فسورية محاصرة، ومصر مهمشة كليا، والعراق خاضع للاحتلال، والمغرب العربي معزول، وليبيا تتخبط، والسودان غارق في ازمات دارفور والجنوب، واليمن يواجه خطر الانفصال والتفتيت، ولبنان يعيش فراغا دستوريا ويقف علي حافة هاوية الحرب الاهلية واللااستقرار الامني والسياسي. وهكذا لم تبق غير منطقة الخليج متماسكة لكي تنفرد بها واشنطن والدول الاوروبية الاخري وامتصاص عوائدها النفطية الهائلة في صفقات اسلحة ضخمة.
?پ?پ?
جولة الرئيس بوش الحالية تركزت بالدرجة الاولي علي اسرائيل ومنطقة الخليج، اي العالم العربي الجديد ، واسقطت العالم العربي القديم كليا، لان النفط واسرائيل هما القرنان اللذان تدور عليهما رحي السياسة الخارجية الامريكية حاليا.
وكان لافتا ان منطقة الخليج شهدت جولتين علي درجة كبيرة من الاهمية، الاولي للرئيس بوش والثانية لنيكولا ساركوزي حليفه الجديد في العداء لمحور الشر العربي ـ الايراني، فالاول اتفق علي صفقات اسلحة للمملكة العربية السعودية باكثر من ثلاثين مليار دولار، والثاني بعشرين مليارا اخري، ووقع اتفاقا باقامة قاعدة عسكرية فرنسية في ابوظبي عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة.
الاقتصاد الغربي يقف حاليا علي حافة حالة من الركود، بدأت تنعكس بشكل واضـح علي تراجع متسارع في اسهم الشركات العالمية، فبورصة لندن خسرت سبعة الاف نقطة في اقل من شهر، ووصلت الاسهم الاوروبية الاخري الي ادني معدلاتها في عامين تقريبا، والشيء نفسه يقال عن نظيرتها الامريكية، وليس هناك غير النفط العربي لكي يكون وعوائده عجلة الانقاذ الأوحد في هذا الصدد. فلم يكن مفاجئا ان يطلب الرئيس بوش من مضيفيه السعوديين، وسط انشغاله بالرقص بالسيوف، تخفيض اسعار النفط، من خلال زيادة الانتاج باكثر من مليون برميل يوميا.
عزل منطقة الخليج، عن قضايا المنطقة الاساسية في فلسطين والعراق، وربطها بالكامل مع الخطط الامريكية، والتفرد بها بالشكل الذي رأيناه اثناء جولتي بوش وساركوزي سينعكس خطرا علي جميع دول المنطقة، لان الامن القومي العربي مترابط، ووحدة متكاملة، وأي محاولة لتفتيته ستترتب عليها نتائج خطيرة جدا.
مضافا الي ذلك ان هناك قوي عظمي صاعدة مثل الصين والهند اقرب اليها من واشنطن جغرافيا علي الاقل.
صحيح ان دول العالم العربي القديم مثل مصر وسورية علي وجه الخصوص تخلتا عن دوريهما في قيادة المنطقة بسبب قصر نظر بعض قياداتهما، والانجرار خلف الاملاءات الامريكية في العراق علي وجه الخصوص مثلما هو حال مصر، ولكن هذا الانسحاب ربما يكون مؤقتا، فالدولتان اذا ما قررتا التمرد ، منفردتين او مجتمعتين، تستطيعان خلط الاوراق وقلب الامور رأسا علي عقب في المنطقة.
?پ?پ?
الخطأ الاكبر في التوجهات الامريكية الجديدة لا يتمثل فقط في عزل سورية ومصر عن امن الخليج، وهما اللتان كانتا العمود الفقري فيه، ولولاهما لما تحررت الكويت، وانما ايضا عن القضية العربية المركزية الاولي فلسطين، واستبدالها باسرائيل بعد ان تحولت الي صديق في مواجهة العدو الاكبر الجديد للعرب وهو ايران.
اننا نري بوادر صحوة، ومؤشرات تمرد، ان لم يكن علي مستوي القيادة في مصر، فعلي الشعب ومؤسسات المجتمع المدني علي وجه الخصوص، بعد ان طفح كيل الطرفين من شدة الاهانات التي لحقت ببلدهما علي ايدي اسرائيل وامريكا وعمليات الابتزاز المستمرة من نظام هرم فاقد الرؤية والبوصلة الوطنية منها والاقليمية.
الادارات الامريكية المتعاقبة حاولت اكثر من مرة فصل الخليج عن المستودع البشري والراديكالي في مصر وسورية والمغرب العربي بتهميش القضية الفلسطينية بجعلها ثانوية لحساب قضايا اخري طارئة في حينها مثل الحرب العراقية ـ الايرانية، ثم بعد ذلك حرب احتلال الكويت، وتأسيس منظمة اعلان دمشق، واخيرا شيطنة ايران وجعلها الخطر والعدو الاكبر للعرب. ومثلما فشلت المحاولات الاولي في اعطاء أكلها، ستفشل المحاولة الحالية التي يتزعمها الرئيس بوش وبعض القيادات الخليجية الجديدة ذات الميول الامريكية.
?پ?پ?
فلسطين كانت دائما القضية المحورية، وستظل كذلك، وما يجري حاليا في قطاع غزة من مجازر وسط صمت عربي، وتواطؤ عالمي، ربما يكون عنصر التفجير الذي يقلب كل المعادلات. فالمقاومة لن تهزم، ومشروع بوش لن يعطي ثماره.
اسرائيل تشن حاليا حرب ابادة بالتقسيط ضد الشعب الفلسطيني، وسيسقط شهداء كثيرون في الايام المقبلة، مثلما سقطوا علي مدي ستين عاما ماضية، فالشعوب لا تختار اقدارها، وبعضها لا يهرب من المواجهة، والشعب الفلسطيني عنوان رئيسي في هذا الاطار.
الحرب الاسرائيلية هذه دموية بكل المقاييس، ولكن قد يأتي الخير من باطن شرها، فالسلطة الفلسطينية في رام الله في النزع الاخير، والمفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية التي اطلقها بوش في انابوليس باتت قنبلة موقوتة ستنسف الطرف الفلسطيني الغارق فيها، وربما يخسر الرئيس عباس بعد ان خسر الضفة.
المجزرة الاسرائيلية الاخيرة، طهرت حركة حماس من كل اخطائها، وهي كثيرة، واعادت التفاف الشعب الفلسطيني حولها وفصائل المقاومة الاسلامية الاخري، واضعفت موقف فريق الرئيس عباس، وافقدته ما تبقي له من مصداقية في اوساط القلة الفلسطينية. فهكذا تكافيء امريكا واسرائيل حلفاءها.
الغارات والتوغلات الاسرائيلية ستستمر في غزة ونابلس وجنين وعدد الضحايا سيرتفع يوما بعد يوم، ولكن ما لا تدركه القيادتان الاسرائيلية والامريكية انهما لا تقضيان علي المعتدلين الفلسطينيين فقط، وانما علي الاجنحة المرنة في صفوف حماس نفسها، فمحود الذزهار بات الاكثر شعبية بعد فقدانه نجله الثاني شهيدا الي جانب شقيقه الاكبر، لانه اثبت ان قيادات حماس تضحي بابنائها وليس بابناء الاخرين، وان هؤلاء الابناء هم مقاتلون وليسوا منخرطين في البزنس والصفقات التجارية.
السياسة الخارجية الامريكية تدخل حاليا حقل الغام جديد، شديد الانفجار، ولعله يكون الخطأ الاخير الذي يمهد لصعود الصحوة العربية والاسلامية المنتظرة.