(( ثورة مجيدة وآيات عديدة وعاقبة حميدة ))


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد .

في ظل ما تمر به مصر من رياح عاصفة وسيول جارفة وأمواج عاتية؛ لمحاولة اعادة الأطلال البالية وتدمير المكتسبات الحالية, فنقولها بأصوات عالية إنها ثورة صنعها الواحد القهار؛ ليدمر ما كان يصنع فرعون وجنوده الفجار ويمن علي عباده المستضعفين الأبرار, وتكون للناس آية وان تطاول الزمان وتعاقب الليل والنهار,
وان سنة الله تعالي قد اقتضت ( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ), وانه متم ما بدأه سبحانه وتعالي على أكمل الوجوه, وستكون عاقبته حميدة علي أوليائه أليمة علي أعدائه,

ونقول للفرعون الهالك وجنوده انه سبحانه وتعالى اذا أهان أحد فماله من مكرم (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) وانه اذا خزل أحد فماله من نصير أو فئة ينصرونه من دون الله القدير ولو اجتمعت الأرض قاطبة لذلك طالبة, وانه سبحانه فعال لما يريد .

واذا أردنا أن نرى دلائل صنع الله تعالي لهذه الثورة المجيدة وغيرها من ثورات الشعوب الاسلامية العديدة لوجدنا ذلك جلياً واضحاً بالبراهين القاطعة والآيات الساطعة,

فكان بداية من العجيب والشيء العجاب أن أي عمل جليل كهذا وفتح أو ثورة كانت في تاريخ البشرية إلا ولها قائد من البشر ومن يخطط لها ويدبر, ولكن تلكم الثورة المجيدة البديعة كانت بدون قائد وان ادعي أحد أو جماعة أنه صانع هذه الثورة وهو صاحبها فهو كذاب أشر وان قال قائل بأن الشباب من صنعوها بالكلية فهذا كذب وبهتان, وإن كان لهم فيها دور مثل كافة فئات الشعب ولم يكن ليرتقي هذا الدور بأي حال من الأحوال الي أن يصنع هذا الفتح المبين, وان قلنا أن شخص من الشباب أو فئة منهم قد قدحت شرارتها فهذا الشخص أو الفئة لم يكن لذلك قاصداً ولم يكن يحسب أو يتنبأ أن فعله الضئيل والهزيل يسفر عن هذا ويحدث عشر معشار ما أحدث .

فالكل يعلم يقيناً أن السواد الأعظم من الشباب إلا قليل منهم في الآونة الأخيرة والأعوام القريبة من الثورة وخلالها بعد سنوات طويلة من التغريب والحرب الإعلامية الثقيلة عليهم؛ لطمس الهوية الاسلامية والعربية فيهم, وتدمير عقيدة الولاء والبراء والانتماء لديهم, وضرب ثوابت الدين والأخلاق الكريمة والعادات الحميدة عندهم, وإماتة الغيرة والحمية في نفوسهم؛ لأن أعداء الأمة يعلمون يقيناً أن قوة أي أمة ومجدها يكمن في دينها ثم سواعد أبنائها, فعملوا بشتي السبل والوسائل علي ابعاد الأمة عن دينها وتدمير أبنائها؛ فبذلك هم أبعد ما يكونوا على أن يقوموا منفردين في هذا الوقت بثورة كهذه هي آية من آيات هذا الزمان وأن يقوموا بعمل جلل كهذا يغير مجرى التاريخ وواجهة البشر, ويذهل العالم القاصي منه والداني؛ لضحالة علمهم وسفاهة أحلامهم, ووهن عزمهم واتباعهم الشهوات, وتضيعهم لصلوات, واتباعهم مخلفات الغرب من المهلكات والمغريات, وإعراضهم عن دين رب الأرض والسموات؛ فأصبحوا بذلك أقل فئات المجتمع قيمة وشأناً وأدناهم تأثيراً ووزناً,

وأقول :

خدعـــــــوها بقولـــــهم حــســناء والغـــــوانــي يغــــــرهـــن الثنــاء .

كما أن البعض منهم ممن أشيع أن لهم دور فعال في هذه الثورة اتضح عمالتهم للغرب وأنهم مطية طيعة لهم يسخرونها كيف ما شاءوا لهدم أركان الدولة ومكتسبات الثورة, فضلاً عن أن حدث عظيم كهذا تعجز دول بكاملها علي فعله والاتيان بمثله .

مع علمنا واقرارنا بأن الشباب هم أكثر العناصر الفاعلة في التغيير والرقي وصناعة المجد والحضارة في كل الأمم وهم فجرها الباسم اذا أحسنت تربيتهم وتنشئتهم .

ثم نريد ايضاح حقيقة كونية وسنة ربانية ألا وهي !! أن عادة الله تعالي في إهلاك الظالمين والمتجبرين بأضئل الأشياء وأبعدها في الحسبان؛ لهوانهم وانحطاط منزلتهم عند الله ومكره تعالي بهم, فلقد أهلك الله تعالي قوم عاد المجرمين المتجبرين أولي القوة والبأس الشديد بالريح قال تعالي : ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ) ,
وقال تعالي : ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) .

وأهلك الله فرعون المفسد الجبار بالماء فعندما تكبر ذلك الشقي ونادى في قومه متعالياً عليهم : (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) ألم يكن حتفه ونهاية أمره أن مات غريقاً مهيناً والماء أعلاه, ولم يكن هلاكه ومصرعه مما كان يحذره بأيدي موسي عليه السلام ومن آمن معه, كحال هذا الفرعون اللا مبارك مع الجماعات الاسلامية التي ملأ منها السجون والمعتقلات لسنين طوال .

ثم ألم يأتكم نبأ أصحاب الفيل وجيش أبرهة الأشرم العرمرم ألم يرسل الله عليهم جماعات من الطير الصغير ترميهم وتقذفهم بالحجارة حتي جعلتهم كالهشيم, قال تعالي في شأنهم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) .

وهذه عادة الله بالمكر بالمجرمين لأن المكر صفة ملازمة لأعداء الله والدين وأولياءه الصالحين على مر العصور وكر الدهور من أمثال وأشياع هؤلاء المجرمين, قال تعالي : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) .

ومن عجيب قدر الله وبالغ مكره بأعدائه وحسن تدبيره لأوليائه أن هؤلاء المجرمين في السنوات الأخيرة من ملكهم كانوا دوماً يراهنون على الشباب ويعقدون المؤتمرات والاحتفاليات لاستقطابهم وكسب ودهم ليأمنوا جانبهم؛ بناءً علي إحصائيات ودراسات دقيقة وحقائق علمية وتاريخية مفادها بأن الشباب هم أكثر فئات المجتمع تعداداً وأن الشباب هم القوة الكامنة والفاعلة في كل المجتمعات, وبعدما بذلوا من مجهودات, وقاموا بعمله من المكر والتضليل في هذا السبيل؛ لسيطرة علي هذه الفئة وظنوا أنهم قد أحكموا أمرهم, فكان هذا السبيل في نظرهم وحسبانهم للخير ممهداً ولشر باباً موصداً, فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يحتسبون فأتاهم الخوف مما كانوا يأمنون .
قال تعالي : ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ) .

وفي ذات السياق وفي ذكر الثورات وما فيها من آيات ومعجزات باهرات, ألم تروا كيف فعل ربكم بطاغوت تونس زين الهاربين, وبجرذ ليبيا المهين ألم يجعله مثلاً وآية للعالمين, وجعل عاقبة أمره الخسران المبين فعندما قام ونادى هذا الحقير ونعت قومه وشعبه بأنهم كالجرذان كانت نهاية أمره أن أخرج من أنبوب لصرف كالفئران, يتذلل لصائديه ويرتجي منهم العفو والغفران .

ألم يكن في هذا عبرة وآية ورادعاً وزاجراً لكل القادة من المتجبرين والمفسدين, ولكن نراهم لايزالون في غيهم يعمهون لا يتعظون بمصارع وعاقبة أمثالهم من الظالمين .
ويصدق فيهم قول الله تعالي في أشياعهم من الغابرين ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) .

وتدبير الله تعالي وبالغ حكمته يتضحان جلياً في توقيت هذه الثورات, فكان ميلادها مع انهزام الجيوش الغربية الصليبية المعادية واندحارها في العراق وأفغانستان وانهيار الدول الرأسمالية جراء ذلك واحتضارها وباتت تلفظ أنفاسها الأخيرة في هذا الكون؛ وبالتالي ضعف تأثيرها علي تغيير مجريات الأحداث أو كان منعدماً .

ونشير أيضاً في هذا الصدد إلي الزلازل المدمرة والعنيفة التي ضربت اليابان بقوة في الآونة الأخيرة وكبدتها خسائر فادحة, وجعلتها تنكفأ علي نفسها تلعق جراحها فليست هذه الدولة المعادية للإسلام والمسلمين عن ذلك الأمر ببعيدة.

وهذا كله إذاناً بقيام دولة الاسلام لتقيم العدل بين الآنام وتشرق شمسها الساطعة لتقطع دابر الظلام .

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ) . - مسند أحمد (30/ 355)

وأخيراً ليعلم الجميع وكل من عاب علينا وناوأنا بالباطل ورمانا بما نحن منه براء بعد أن نادينا بإسقاط هذا النظام وكافة الأنظمة الفاسدة العميلة الموجودة والجاسمة علي صدور أمتنا من سنوات عديدة وقلنا أنه ليس مثل هذا الهالك ولي للأمر بل ولياً للباطل والشر, وليعلم هؤلاء أنصار الباطل من دعاة وعلماء السلاطين انهم كانوا خاطئين الذين باعوا دنياهم بأخراهم واشتروا العذاب بالمغفرة فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين؛ ليهلك من هلك عن بينة وليحي من حي عن بينة, وليستبين الناس سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين, وألا ينخدعوا بالألقاب والأشكال والصور وبمعسول الكلام وحسن البيان ممن يشار إليهم بالبنان؛ لأن الحق دوماً عليه نور وبراهين لا تلتبس علي طالبها, والحق ما كان عليه رسولنا الكريم وصحبه الأبرار الميامين فعلي ذلك فقس, واعرف الحق تعرف رجالاته وإياك إياك أن تعرف الحق بالرجال .

ونقول :(وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) فكان يسع أمثال هؤلاء من دعاة وعلماء السوء الصمت والسكوت اذا لم يسعهم الكلام, كما وسعهم السكوت عن جرم الحكام مع سلقنا في ذات الوقت بألسنة حداد, فان لم تقل الحق يا هذا فلا تقل الباطل وان لم تدعو إلى الهدى فلا تدعو إلى الضلالة, فلقد كان هؤلاء دعاة الخزي والندامة والإفك والضلالة حجر عثرة في سبيل نهوض الأمة من كبوتها ولا يزالون ولطالما قطعت أنفاسهم وبحت أصواتهم في الدفاع عن الظالمين من الحكام المجرمين وأربابهم, وتلمس الأعذار لهم, ولقد لقي كاتب هذه السطور الأمرين والعناء والبلاء الشديد بسبب أمثال هؤلاء الضالين المضلين وغيره الكثيرين من المصلحين .

وهذا شيئاً قليلاً ونذراً يسيراً في هذا الباب مما جاش في صدورنا وجال في خواطرنا فأحببنا ذكره لكم وايراده للفائدة ولما فيه من عبر بالغة.

وختاماً نقول :
سَنَعُـــــودُ لِلدُّنْيَا نـُطِـبُّ جِرَاحَـــــهَا سَــــنَعُـــــ ـودُ لِلتَّكْـــــبِ يرِ وَالتَّــأْذِيـ نِ

سَتَسِيرُ فـُلْكُ الْحَقِّ تَحْمِلُ جُــنـْدَهُ وَسَتَنـْتَهِــ ـي لِلشَّـــاطِــئ ِ الْمَأْمُونِ

بـِاللهِ مَجْـــرَاهَا وَمُرْسَـاهَا؛ فَـــــهَلْ تَخْــــشَى الرَّدَى، وَاللهُ خَـيْرُ ضَـمِينِ

يَا رَبِّ خَلِّصْ مِصْــرَ مِنْ أَعْـــــدَائِه َـا وَأَعِـــنْ عَلَى طـَاغُــوتِهَا الْمَلْعُـــــو نِ

يَا رَبِّ إِنَّ السَّــيْلَ قـَدْ بَلَـــغَ الزُّبَى وَالأَمــــــْر ُ فِي كَـــــــافٍ لَدَيْكَ وَنُـــونِ .



والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

كتبه بيمينه
العبد الفقير الى مولاه الغنى بفضله عما سواه
رامي بن محمود العناني
*****

[/center]