أسباب التكفير والغلو

بقلم فضيلة الشيخ علي بن حسن الحلبي


فُوجِئْنا –كَما فُوجئ الأكثرون- بِتِلْكُم الأنباء المتلاحقة التي تَتواردُ مِن هنا وهناك عن تِلْكمُ الطُّغمةُ الضالَّة، والفئةِ الغاليةِ التي لم تَزَلْ تتحرَّك –وبقوَّة!- في كثيرٍ مِن مَواقعِ الزَّمانِ والمكانِ في أرجاء المَعْمُورة!!!
ولعلَّ مِن أَكْثَرِ هاتيك الأنباِءِ إثارةً، وأبشعِها أثراً: ذَيْنِكَ الخبرين الصاعقين لأصحابِ القُلوبِ الحيَّة، والضَّمائرِ اليَقظَة:
أمَّا الأوَّلُ: فَخَبَرُ استهداف هؤلاءِ القومِ حياةَ الشيخين الفاضلين (عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ)، و(صالح الفوزان) –حفظهما الله- ضمن مجموعةِ أسماءٍ أخرى مِن العُلماء والدُّعاة في بلاد الحرمين الشريفين.
والخبر الثَّاني: خبرُ محاولةِ هذه الفئة التكفيريَّةِ الضالَّةِ استهدافَ أَمْنِ المَشاعِر المُقَدَّسَة، وتَرويعِ وَفْد اللهِ -تعالى- مِن حجيج بيتِه الحَرام.
وهذانِ الخبرانِ المُروِّعان يَسْتَلزِمَان مِن كُلِّ ذي مَسؤولية دِينيَّة، أو اجتماعيَّة، أو رسميَّة أنْ يؤدي –بحقِّ الله- حَقَّ اللهِ الواجبِ عليه في إيقافِ هؤلاءِ الظَّالمينَ عن طُغْيانِهِم، وَكَشْفِ حَقائق ما هم عليه.
وفي نَظَري أنَّ أَهَمَّ ذَلِكَ كُلِّه: مَعرفَةُ السَّبَبِ الرئيسِ المُنْتِج لهذه الأفكار الظالمةِ القَاتمةِ الغاشمةِ!
ما هو؟! وكيف هو؟!
فإذا عُرِفَ السَّبب: بَطَلَ العَجَب!
وهذه أسئلةٌ (علميّة)؛ تحتاجُ –لجوابها- جرأةً أدبيّة، وتأصيلاتٍ علميّة، وحُجَجاً قويّة...
أقول هذا –كُلَّهُ- بين يدي الحلْقةِ الثانيةِ مِن هذا المَبْحثِ العِلميِّ النافعِ الَّذي نَنْقُلُ فيه مِن كلام أخينا الفاضل الدكتور الشيخ باسم فيصل الجوابرة –حفظه الله- في كتابهِ «التكفير في ضوء السنَّة النبويَّة» -وهو الكتاب الحائز على جائزة الأمير نايف بن عبد العزيز العالميَّة للسنَّة النبويَّة سنة (1427هـ)-.

قال –نفع اللهُ به-:
«
أسباب التكفير والغلو

لا شك أن لكل مشكلة أسبابًا ساعدت على إيجادها وتعقيدها، ومعرفةُ الأسباب لا بد منها لمن أراد العلاج، وأسباب هذه المشكلة تختلف من بلد إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر، لكن هناك أمورًا يمكن أن تكون أسبابًا مشتركة بين الكثير من هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات في كثير من الأزمان والأوطان، فمن هذه الأسباب(1):
1-الجهل بكتاب الله -عز وجل-، وبسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وبأحكام التكفير وقواعده، وكلامِ السلف في ذلك، وكذا الجهل بمقاصد الشريعة، سواء كان ذلك جهلاً مُطْبقًا - عند بعضهم - أو جزئيًّا راجعًا إلى تأويلٍ واجتهادٍ لمن لم تكمل أهليته، وإلا فلو كملت أهلية الاجتهاد عنده؛ لما أقدم على عمل يحوي المفاسد، ويجر هذه الويلات على الدول المسلمة حكامًا وشعوبًا، وعلى الدعوة والقائمين عليها!!
وهل أصاب المسلمين - بعد الصحابة - ما أصابهم؛ إلا بإهمالهم كثيرًا أو قليلاً من القواعد الشرعية، ونسيانهم حظًّا مما ذُكِّروا به ؟!
2- ومن أسباب الغلو والتكفير: عدم لزوم منهج السلف أمام فتنة الحكم بغير ما أنزل الله في كثير من بلاد المسلمين،وكذا عدم لزوم منهج السلف في تغيير المنكرات الظاهرة، والتحديات الفاجرة، والأساليب الماكرة.
ولا شك أن فتنة الحكم بغير ما أنزل الله عمّت فأَعْمت، وطمَّت فأصَمّت، وكانت من جملة أسباب فتنة التكفير، فلا يجوز التحاكم في التحليل والتحريم، والإباحة والحظر، وغير ذلك: في الدماء، والأموال، والأعراض، والمسائل العامة والخاصة؛ إلا إلى شريعة الله -سبحانه وتعالى-.
فالله - عز وجل - يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة: 50] ويقول –سبحانه-: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}[الشورى: 21] ويقول -عز وجل-: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [يوسف: 40] والآيات في تقرير هذا الأصل الأصيل كثيرة.
3- السبب الثالث في فتنة الغلو والتكفير:
الجهل بالسنن الكونية في التمكين في الأرض، وأن ذلك لا يكون إلا بالصبر والتحمل لأذى الكفار، فكيف لا نصبر على أذى المسلمين؟!
4- الطعن في كبار علماء السنة، والنيل منهم، ورميهم بأنهم علماء سلطة!! وعلى أحسن الأحوال: فهم جهلة بالواقع، وسطحيون، ومُلَبَّس عليهم من قبل الحكام، وهم علماء حيض ونفاس، أما الفتاوى العامة في النوازل المدلهمة؛ فليسوا مرجعًا موثوقًا به في ذلك... إلى غير ذلك من الافتراءات!!
ولا شك أن العلماء هم ورثة الأنبياء - مع عدم عصمتهم إلا في الإجماع الثابت - وأن العلماء إليهم المفزع عند النوازل، وأن الله -عز وجل- قد أمرنا بالرجوع إليهم، فقال –تعالى-: {فََاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: 43] وقال -سبحانه-: { وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَه ُ مِنْهُمْ }[النساء: 83] ، وقال –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ يُرِد الله به خيرًا؛ يُفقهه في الدين»(2) إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على فضل العلماء وعلو شأنهم، وضرورة الرجوع إليهم، لاسيما في النوازل، والله أعلم.
فإذا أنكر العلماء على هؤلاء الشباب مسلكهم في الغلو في التكفير- لأنهم لا يتقيدون فيه بالضوابط الشرعية- أو مسلكهم في التفجير والاغتيال؛ قالوا: لا تسمعوا لهؤلاء، فإنهم علماء سلطة!! أو جبناء، لا يستطيعون أن يصدعوا بالحق!.
5 - الخطأ في فهم المراد بالمرجعية الموثوق بها في الفتوى والتلقي عنها: فبعضهم يتخذ الخطيب المفوَّه مرجعًا؛ لأن صرخة ذاك الخطيب التي تكاد تقتلع القلب من الصدر؛ تدل -عنده- على إخلاصه وصدقه والأخذ عنه! مع أنه لا يلزم من الإخلاص والصدق ثبوت المرجعية المؤهَّلة للفتوى في المهمات والنوازل!.
ومنهم من يتخذ الشاعر المفْلق مرجعًا، أو يغتر بسمت العابد المتنسك، أو يُخدع بمن دخل السجن وخرج منه عدة مرات!! فيظن أن هؤلاء هم أهل الفتوى في المسائل المصيرية، فيأخذ عنهم، مع أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إن من أشراط الساعة: التماس العلم عند الأصاغر»(3) وسواء كان المراد بذلك أهل البدع، أو حديثي الأسنان الذين ليس لهم خبرة بشرع، ولا تجربة لواقع، ولا عِظَة بتاريخ!! فعلى هؤلاء الشباب أن يتعظوا بذلك، وأن يحذروا مما يؤول إلى الفتن والمهالك، وعلى المسلمين أن يعطوا القوس باريها.
6- ومن الإنصاف أن يقال: إن من هذه الأسباب أيضًا: المعاملة القاسية، والقمع العشوائي من بعض الأجهزة الأمنية المختصة - في كثير من البلدان - لمن له صلة بالدعوة إلى الله -تعالى- ولو من بعيد- سواء كان المرء بعيدًا عن هذا الفكر أم لا، بل ربما ابتُلِيَ البريء -في بعض البلدان- بلاءً أشد وأنكى مِن دعاة هذه الأفكار، وذلك بسبب المعلومات المضلِّلة البعيدة عن الحقيقة، التي تبلغهم من خلال رجل جاهل، أو ماكر متحامل!!
فيولِّد ذلك القمعُ الغلوَّ عند من كان معتدلاً قبل ذلك، ويزيد الغالي غلوًّا، ولا يفتح له باب معرفة الحق - وأكثرهم شباب مُغَرَّرٌ بهم - فإن كثيرًا من الشباب لو عرف الحق؛ لانْبَرَى للدفاع عنه،والرد على خصومه -إن شاء الله تعالى- لكن هذا الأسلوب القمعي العشوائي؛ لم يأت بالثمرة المرجوة، بل قد غرس في النفوس روح الانتقام، ومقابلة البغي بما هو أشد منه - إن أمكن- وتربية كثير من الشباب على هذا الفكر المنحرف، وانظر حال الذين خرجوا من السجون، فإن حالهم شاهد كبير على ذلك، فكم من معتدل صار غاليًا، وكم من غالٍ زاد انحرافًا، إلا من رحم الله!!
ومما يدل على فشل هذا الأسلوب - في الجملة-: تخلِّي بعض الدول عن ذلك، واللجوء إلى فتح باب الحوار مع متخصصين في هذه الأبواب، ولم يأت هذا التحول النافع إلا بعد تجربة الأسلوب القمعي، وظهور كثرة مفاسده، والله أعلم.
واعلم بأن التحذير من هذا الأسلوب؛ لا يلزم منه التحذير من الحزم أو الحسم، والوقوف بقوة -من أجهزة الأمن- أمام الفتن وأهلها، إلا أن ذلك كله مقيد بشريعة الله - عز وجل- لا بالأهواء والتشهي، والله المستعان.
7- وجود الاستعجال، والتعصب، والحدَّة في التعامل، وشعور الشباب بأنهم بذلك قائمون بما أوجب الله -بخلاف الآخرين المفرِّطين في نظرهم- وهذا يجعل الشاب يجنح إلى المواجهة الدموية فما دونها!!
8- ومن ذلك: التعبئة الحماسية الثورية الخاطئة للشباب، مِنْ قِبَل دعاة هذه الأفكار، والمنظِّرين لها، فإن بعض دعاة هذا الفكر لما وجدوا حُبَّ الشباب للدين، ورأوا غيرتهم على محارم الله، ورغبتهم في الجنة وما قَرّب إليها من قول أو عمل؛ ذكروا لهم الأحاديث الواردة في فضل الجهاد بالسلاح، وفضل الشهادة في سبيل الله -وهذا في ذاته حسن- فإن الجهاد ذروة سنام هذا الدين، وهو ماضٍ إلى يوم القيامة -حسب الاستطاعة- إلا أن الخطأ دخل عليهم عند ما أقنعوا الشباب بأن الحكام وأعوانهم في بلاد المسلمين هم أول من يستحقون الجهاد، وأنزلوا فيهم قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}[التوبة: 123].».

ــــــــــــ
(1) لقد استفدت فائدة كبيرة في هذا الفصل من كتاب فتنة التفجيرات والاغتيالات، للشيخ الفاضل: أبو الحسن السليماني -جزاه الله خيراً-.
(2) رواه البخاري رقم (71) ومسلم رقم (175) من حديث معاوية.
(3) رواه ابن المبارك في الزهد رقم (61) وغيره وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» رقم (695).